أجهزة كمبيوتر الوجه... روعة التصميم وصعوبات الاستخدام

تساؤلات حول مدى نجاحها مع إطلاق «فيجن برو» من «أبل»

أجهزة كمبيوتر الوجه... روعة التصميم وصعوبات الاستخدام
TT

أجهزة كمبيوتر الوجه... روعة التصميم وصعوبات الاستخدام

أجهزة كمبيوتر الوجه... روعة التصميم وصعوبات الاستخدام

«فيجن برو» من «أبل»

بعد سنوات من الترقب، وصل أول منتج رئيسي جديد لشركة «أبل» منذ ما يقرب من عقد من الزمن. إذ سيتم إطلاق جهاز «فيجن برو» Vision Pro بثمن 3500 دولار، وهو كمبيوتر للوجه يشبه نظارات التزلج، في الأسبوع المقبل. فماذا يمكننا أن نتوقع؟

يعد الجهاز، الذي يشتمل على شاشات عالية الدقة وأجهزة استشعار تتتبع حركات العين وإيماءات اليد، أحد أكثر منتجات «أبل» طموحاً التي تصف سماعات الرأس (الخوذة) بأنها بداية عصر «الحوسبة المكانية» (spatial computing)، التي تمزج البيانات مع العالم المادي لجعل حياتنا أفضل. تخيل أنك تقدم عرضاً تقديمياً يتضمن ملاحظات رقمية تظهر في زاوية عينك، على سبيل المثال.

تجارب «غامرة» واعدة... ومتعبة

لقد كنت من بين المجموعة الأولى من الصحافيين الذين جربوا «فيجن برو» العام الماضي وانسحبت منبهراً بجودة الصورة ولكن في النهاية لم أكن متأكداً من رغبة الناس في ارتدائها.

وقد تأثرت شكوكي بتجربتي في ارتداء أكثر من اثنتي عشرة سماعة رأس في السنوات الاثنتي عشرة الماضية من شركات مثل «غوغل»، و«ميتا»، و«سناب»، و«سامسونغ»، و«سوني»، بما في ذلك نظارات الواقع الافتراضي التي يتم توصيلها بأجهزة الكمبيوتر المكتبية الضخمة والنظارات الذكية التي تلتقط الصور.

كان الهدف من الأجهزة هو إنشاء تجارب غامرة لإنجاز الأمور عن طريق تحريك الجسم بدلاً من الكتابة على لوحات المفاتيح.

وبشكل عام، فإن مشكلة سماعات الرأس لا تتعلق بالتكنولوجيا بقدر ما تتعلق بالسلوك: سرعان ما يتعب الناس من ارتداء جهاز كمبيوتر على وجوههم، وينتهي الأمر بالأجهزة لكي توضع في الخزانات، ويفقد مطورو البرامج الاهتمام بإنشاء التطبيقات.

على الرغم من أن «أبل» تتمتع بسمعة متأخرة في تقديم منتجات متفوقة، كما كان الحال مع مشغلات الموسيقى والهواتف الذكية، فإنه ليس من المضمون أن تحقق «فيجن برو» نجاحاً كبيراً، خاصة مع سعرها المذهل.

نظارات «ميتا»

النظارات الذكية

لفهم كيف يمكن (أو لا) لجهاز كمبيوتر الوجه Apple Face أن يتناسب مع حياتنا في المستقبل، يجدر بنا أن نتوقف في هذه اللحظة لإلقاء نظرة على العديد من أجهزة كمبيوتر الوجه التي ارتديتها والتي مهدت الطريق لـ«فيجن برو».

في عام 2012، كشفت «غوغل» عن نظارة الواقع المختلط، Google Glass التي كانت في الأساس عبارة عن عصبة رأس بها كاميرا ونظارة أحادية، موضوعة فوق عينك اليمنى، وتحتوي على شاشة شفافة تعرض برنامج التقويم والخرائط. ولإظهار إمكاناتها المثيرة، أنتجت «غوغل» مقطع فيديو لأشخاص يرتدون حاسوب الوجه أثناء القفز من الطائرة.

عندما جربت نموذجاً أولياً مبكراً لنظارة Google Glass في ذلك العام، كانت ميزة العمل الوحيدة هي تطبيق الخرائط الذي أظهر الاتجاهات أثناء سيري في المسار. قد يكون هذا مفيداً، من الناحية النظرية، لإبقاء عيني على الطريق أثناء القيادة أو ركوب الدراجة، ولكن بتكلفة كبيرة: لقد بدوت مثل شخصية في فيلم «ستار تريك».

من المؤكد أنه بعد ظهور Google Glass لأول مرة، اندلعت حالة من الهرج والمرج. تم الاعتداء على مدون في سان فرانسيسكو بسبب ارتدائه واحدة. ظهر مصطلح «Glasshole» لأي شخص من المحتمل أن يسجل فيديو لأشخاص دون إذنهم. قامت «غوغل» في النهاية بتسويق النظارة الأحادية كجهاز للأعمال، لكنها أوقفت المنتج أخيراً في عام 2023.

بعد فشل نظارات «غوغل»، أعادت صناعة التكنولوجيا تنظيم صفوفها وحاولت معالجة مشكلات التصميم والخصوصية. وفي عامي 2016 و2021، أصدرت Snap وMeta نظارات أنيقة مزودة بكاميرات وأضواء صغيرة تشير إلى وقت قيام المستخدم بالتسجيل. ولم يحظَ أحد المنتجين بشعبية.

وقد قمت مؤخراً باختبار الجيل الثاني من نظارات Meta، وخلصت إلى أنه على الرغم من مظهرها العصري المُرضي، فإن المخاوف المتعلقة بالخصوصية ظلت قائمة لأن أحداً لم يلاحظني عندما كنت ألتقط صوراً لها.

الواقع الافتراضي المدعوم بالهواتف الذكية

لتسهيل بيع سماعات الواقع الافتراضي، حاولت شركات التكنولوجيا مثل «غوغل» و«سامسونغ» الاعتماد على الهواتف الذكية في شاشاتها وقدراتها الحاسوبية. في عام 2015، تعاونت «سامسونغ» مع شركة الواقع الافتراضي Oculus لتصميم «غير في آر» Gear VR، وهي سماعة رأس يمكن للمستخدم إدخال هاتف ذكي فيها لمشاهدة محتوى الواقع الافتراضي. في عام 2016، أصدرت «غوغل» Daydream VR، وهو منتج مماثل لهواتف Android.

في حين أن المنتجات خفضت تكلفة تجربة الواقع الافتراضي للأشخاص، إلا أنني واجهت مشاكل معهم. أصبحت الهواتف الذكية التي تشغل برامج الواقع الافتراضي ساخنة للغاية، واستنزفت بطارياتها بسرعة وأصبحت التطبيقات غريبة - إحدى المحاكاة التي جربتها تضمنت التحديق في ديناصور افتراضي. قامت «غوغل» بإيقاف Daydream VR في عام 2019، وأعلنت «سامسونغ» نهاية خدمات محتوى الواقع الافتراضي الخاصة بها في عام 2020.

خوذة «كويست 3» من «ميتا»

الواقع الافتراضي الموصول

في عام 2016، أصدرت شركة Oculus، التي استحوذت عليها شركة Meta مقابل ملياري دولار قبل عامين، جهاز Oculus Rift، وهو نظام واقع افتراضي متطور يتم توصيله بجهاز كمبيوتر مكتبي قوي. وتبلغ تكلفة الحزمة الكاملة، التي تشمل سماعة الرأس وجهاز التحكم في الألعاب وجهاز الكمبيوتر، 1500 دولار. ومع إطلاق 30 لعبة، تم تسويق المنتج كجهاز ألعاب من الجيل التالي.

تم تصميم ألعاب الواقع الافتراضي لتمكنك من التحرك كما لو كنت داخل اللعبة. يمكن أن تتضمن لعبة الرماية البحث عن الأسلحة والانحناء واستخدام وحدات التحكم في الحركة لالتقاطها وإطلاقها على الخصوم.

«بلايستيشن في آر» من «سوني»

وتبع ذلك منتجات أخرى مماثلة، بما في ذلك جهاز PlayStation VR من «سوني» بثمن 400 دولار، وهي سماعة رأس يتم توصيلها بوحدات تحكم «بلايستيشن». ولسنوات عديدة، هيمنت سماعات رأس «بلايستيشن» على مساحة الواقع الافتراضي عالية الطاقة لأنها خفضت التكاليف من خلال القضاء على الحاجة إلى شراء جهاز كمبيوتر منفصل. تم طرح الجيل الثاني من سماعات «بلايستيشن» العام الماضي.

ومع ذلك، وصف أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة «سوني» مؤخراً الواقع الافتراضي بأنه «فئة مليئة بالتحديات» لأن الواقع الافتراضي لم يتغير كثيراً بالنسبة لصناعة الألعاب. لا يزال معظم الناس يفضلون ممارسة ألعاب الفيديو على التلفزيون.

في تجربتي في اختبار كل هذه المنتجات على مر السنين، كانت تشترك في العيوب نفسها: كانت سماعات الرأس ثقيلة، وأحدثت الأجهزة والأسلاك فوضى في غرفة المعيشة، ولم يكن هناك الكثير من الألعاب المقنعة للعب.

سماعات رأس مستقلة وواقع مختلط

أصبحت سماعات الرأس المستقلة، التي تجمع تقنيات الكمبيوتر والعرض وأجهزة الاستشعار في منتج واحد، أكثر منتجات الواقع الافتراضي ملاءمةً حتى الآن. منذ عام 2019، استخدمت سماعات الرأس Meta’s Quest، التي تتراوح أسعارها بين 250 دولاراً و1000 دولار، هذا النهج، لكن المنتجات لا تزال لا تحظى بشعبية كبيرة.

في العام الماضي، أصدرت Meta جهاز Quest 3 بثمن 500 دولار، وهي أول سماعة رأس للمستهلكين تركز على الواقع المختلط، والتي تستخدم الكاميرات لرؤية العالم الحقيقي أثناء استخدام سماعة الرأس. عند إطلاق النار من مسدس داخل لعبة إطلاق النار، يمكنك الاحتماء خلف الأريكة في غرفة المعيشة الخاصة بك، على سبيل المثال.

في اختباراتي، خلصت إلى أنه على الرغم من تحسن الرسومات بشكل كبير، فإن سماعة الرأس شعرت بثقلها الشديد على رقبتي بعد حوالي 15 دقيقة. لم أشعر أيضاً بعدم الإعجاب بالألعاب وعمر بطارية الجهاز القصير الذي يصل إلى ساعتين.

يقودنا هذا جميعاً إلى المنتج المعني: Vision Pro، الذي تقوم شركة «أبل» بتسويقه كأداة إنتاجية لاستبدال الكمبيوتر المحمول الخاص بك بشاشة افتراضية ولوحة مفاتيح رقمية، ومشغل أفلام ثلاثي الأبعاد وجهاز ألعاب.

عند وزن 21 أونصة (600 غرام تقريباً)، تعدُّ «فيجن برو» ثقيلة تماماً مثل منتجات «ميتا» وشعرت عيناي ورقبتي بالإرهاق بعد أن ارتديتها لمدة نصف ساعة.

توفر بطارية سماعة رأس «أبل»، وهي عبارة عن قالب منفصل يتصل بالنظارات عبر سلك، ساعتين من العمل مثل بطارية Meta، وهي ليست كافية لإنهاء معظم الأفلام الطويلة، ناهيك عن إنجاز الكثير من العمل.

أما بالنسبة للألعاب، فلم يعلن أي استوديو ألعاب كبير حتى الآن عن أي منها تم تصنيعها خصيصاً لـ«فيجن برو Pro».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

الرياضات الافتراضية تخفف الشعور بالوحدة

صحتك الرياضات الافتراضية تعتمد على تقنيات الواقع الافتراضي لتمكين اللاعبين من ممارسة أنشطة رياضية في بيئة رقمية تفاعلية (جامعة دنفر)

الرياضات الافتراضية تخفف الشعور بالوحدة

ممارسة الرياضات الافتراضية يمكن أن تساعد في تحسين الرفاه النفسي وتقليل الشعور بالوحدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تكنولوجيا أصبح بإمكان الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات ترجمة النصوص بين عشرات اللغات بدقة متزايدة (رويترز)

كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي في مجال اللغات والترجمة؟

شهد مجال اللغات والترجمة تطورات ثورية في السنوات الأخيرة بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك تقنية الواقع الافتراضي يمكن استخدامها للتدرب على مواقف اجتماعية مثيرة للقلق (جامعة ولاية إلينوي)

علاج غير تقليدي للذهان يحقق نتائج واعدة

توصلت دراسة هولندية إلى أن العلاج النفسي باستخدام تقنية الواقع الافتراضي يُعد وسيلة فعّالة وسريعة لتخفيف أعراض الذُّهان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة كيتلين ديفر بطلة مسلسل «Apple Cider Vinegar»... (نتفليكس)

«خلّ التفّاح» القاتل... تجرّعَته الضحية والجلّاد الدجّال

مسلسل «نتفليكس» الجديد يستعيد إحدى كبرى قصص الاحتيال التي هزّت «إنستغرام» والمجتمع الأسترالي. فمَن بيل غيبسون التي كذبت بشأن مرضها وأوهمت الناس أن العلاج بيدها؟

كريستين حبيب (بيروت)
تكنولوجيا نظارات «سبيكتكلز - الجيل الخامس» مزودة بعدسات شفافة بتقنية «الكريستال السائل على السيليكون»... (سناب)

تعرف على نظارات «سبيكتكلز - الجيل الخامس» من «سناب»

أعلنت شركة «سناب» عن الجيل الخامس من نظارات «سبيكتكلز»، وهي نظارات مستقلة تستخدم تقنية الواقع المعزز لتمكين المستخدمين من استكشاف تجارب تفاعلية جديدة مع…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
TT

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

مع تسارع الذكاء الاصطناعي في توليد البيانات واستخدامها، يؤدي تزايد أهمية البنية التحتية إلى تحول أقل وضوحاً، لكنه أكثر عمقاً. فبينما يتركّز جزء كبير من النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي على قوة الحوسبة وأداء النماذج، يشير قادة الصناعة بشكل متزايد إلى كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيعها على نطاق واسع.

في إحاطة إعلامية خاصة حضرتها «الشرق الأوسط»، قدّم مسؤولون في شركة «سي غيت تكنولوجي» (Seagate Technology) هذا التحول بوصفه تغيراً هيكلياً، لا مجرد تحديث تقني. فالتحدي لم يعد يقتصر على إنتاج البيانات أو معالجتها، بل بات يتمحور حول القدرة على الحفاظ عليها وتوسيعها بكفاءة واستدامة وعلى نحو يمكن التنبؤ به. يقول ديف موسلي، الرئيس التنفيذي للشركة إن «ما نعلنه اليوم ليس مجرد إنجاز على مستوى المنتج، بل يعكس كيف يجب أن تتطور البنية التحتية لمواكبة التسارع غير المسبوق في نمو البيانات عالمياً».

ديف موسلي الرئيس التنفيذي لشركة «سي غيت تكنولوجي»

يصعب المبالغة في حجم هذا النمو. فحسب موسلي، انتقل حجم البيانات العالمية من نحو زيتابايت واحد في عام 2005 إلى أكثر من 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقع إضافة مئات الزيتابايت في السنوات المقبلة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يعدّ محركاً رئيسياً لهذا التوسع، فإنه ليس العامل الوحيد؛ إذ تسهم خدمات الحوسبة السحابية والفيديو والأتمتة والمتطلبات التنظيمية في تشكيل منظومة بيانات أكثر تعقيداً واتساعاً.

هذا التداخل يعيد صياغة طريقة تقييم البنية التحتية. ويضيف موسلي أن «القصة لم تعد تتعلق بتقنية واحدة، بل بالبنية التحتية وتخصيص رأس المال». بمعنى آخر، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان إنتاج البيانات أو معالجتها، بل ما إذا كانت الأنظمة الداعمة قادرة على التوسع بكفاءة لمواكبة هذا النمو.

ما بعد الحوسبة

أحد أبرز الاستنتاجات هو أن مسار الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فرغم أهمية المعالجات والمسرّعات، فإنها تعتمد بشكل أساسي على توفر البيانات.

ويشير موسلي إلى أنه «عندما يتحدث الناس عن بنية الذكاء الاصطناعي، يركّزون على الحوسبة التي لا يمكن أن تعمل دون بيانات. ماذا يحدث عندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة؟ هذه مشكلة».

هذا الطرح يعيد وضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالبيانات لا يكفي أن تكون موجودة، بل يجب الاحتفاظ بها وحمايتها وإمكانية استرجاعها على نطاق واسع. وفي بيئات الحوسبة فائقة الحجم، حيث تُتخذ القرارات على مدى خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات معادلةً اقتصادية بقدر ما هي تقنية.

تكلفة التخزين لكل تيرابايت واستهلاك الطاقة وكثافة السعة لكل رفّ، كلها أصبحت عوامل حاسمة. وكما أفاد موسلي: «الذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة، والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات».

الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط... بل يضاعفها عبر النسخ وإعادة التدريب والاستخدام المستمر (غيتي)

من النمو إلى التراكم

جزء من هذا التحول يرتبط بطبيعة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فحسب، بل يضاعفها. ويصرح بي إس تيه، الرئيس التجاري للشركة بأن «الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يراكمها». عملياً، يعني ذلك أن البيانات تُنسخ وتُوزَّع وتُحفظ ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها. ونتيجة لذلك؛ لم يعد نمو البيانات خطياً، بل أصبح متسارعاً ومتراكماً.

ويظهر هذا الواقع في توسّع مراكز البيانات عالمياً. فهناك اليوم أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 15 ألفاً خلال السنوات المقبلة. لكن الأهم هو حجم هذه المراكز. فما كان يُعدّ مركزاً ضخماً سابقاً بقدرة 10 ميغاواط تحل محله اليوم مراكز «عملاقة» تصل إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.

ويذكر تيه أنه «لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن بناء مركز بيانات جديد في مكان ما من العالم». لكن التحول الحقيقي لا يكمن في العدد فقط، بل في الحجم والضغط المتزايد على البنية التحتية.

التوسع دون اضطراب

مع هذا النمو، لا يتمثل التحدي في زيادة السعة فقط، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطراب. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة. ويلفت موسلي إلى أن بعض العملاء يتخذون قرارات تمتد لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، ويحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطِّلة.هذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية. فالتطور يجب أن يكون تدريجياً ومستمراً، لا أن يفرض إعادة تصميم مكلفة في كل مرحلة.

من جانبه، يوضح جون موريس، المدير التقني، أن التقنيات التقليدية لزيادة الكثافة وصلت إلى حدودها ويتابع: «تقنية التسجيل المغناطيسي التقليدية اقتربت من حدودها، ونحتاج إلى ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم من التخزين».

ولهذا؛ طوّرت الشركة تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)، التي تستخدم تسخيناً دقيقاً بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي للأقراص. ويشرح موريس بأن «الزيادة في السعة تتحقق من خلال الفيزياء الأساسية للتسجيل؛ ما يتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب». الأهم أن هذه التقنية لم تعد في مرحلة التجارب، بل انتقلت إلى بيئات الإنتاج الفعلية، حيث تم اعتمادها من قِبل عملاء في قطاع الحوسبة السحابية واسعة النطاق.

من الابتكار إلى الإنتاج الصناعي

تحويل الابتكار منتجاً فعلياً يتطلب أكثر من اختراق تقني، بل يحتاج إلى قدرة على التصنيع على نطاق واسع بدقة عالية. وحول ذلك يقول موريس إن «نقل هذه التقنية من البحث إلى الإنتاج تطلب تطوير تقنيات جديدة بالكامل»، مشيراً إلى التقدم في المواد والفوتونيات وعمليات التصنيع الدقيقة. وهذا ما يتيح التوسع التدريجي دون انقطاع. فكل جيل جديد يبني على السابق؛ ما يسمح بزيادة السعة دون الحاجة إلى إعادة تصميم الأنظمة بالكامل.

التحدي الأساسي لم يعد سرعة النماذج... بل قدرة البنية التحتية على التوسع بشكل مستدام وموثوق (غيتي)

اقتصاديات الحجم

على مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدِث فرقاً كبيراً. ويفسر موسلي بأنه في بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47 في المائة مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفاً إلى نحو 22 ألفاً؛ ما يؤدي إلى تقليل المساحة والتبريد والتعقيد التشغيلي.

هذه ليست تحسينات هامشية، بل تغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية.

وأشار تيه إلى أن الاستدامة أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، قائلاً: «لم تعد الاستدامة مسألة ثانوية»، في إشارة إلى أهمية استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية. كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات تغيّرت، حيث إنه «في السابق كانت البيانات تُعدّ تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت».

السؤال الحاسم

تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي. فالتخزين الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات. أما اليوم، فأصبح التخزين عاملاً حاسماً في قدرة الأنظمة على التوسع. وكما وصفه تيه: «كان التخزين مثل الهواء أو الماء أساسي، لكنه غير مرئي... إلى أن يغيب». اليوم، لم يعد كذلك، بل أصبح محورياً في بناء القدرات الرقمية.

بالنسبة لقيادة الشركة، يتجاوز هذا التحول حدود التقنية ليطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وباعتقاد موسلي أن «السؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام».

هذا الطرح يعيد توجيه النقاش، حيث إن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. وبهذا المعنى، قد لا يُقاس تقدم الذكاء الاصطناعي بذكائه فقط، بل بالبنية التحتية التي تجعله ممكناً.


«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
TT

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

تسعى «غوغل» إلى معالجة إحدى أبرز العقبات في عالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستهلكين، وهي «مشكلة البدء من الصفر». فمع تنقُّل المستخدمين بين أكثر من مساعد ذكي، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لإعادة إدخال تفضيلاتهم، وشرح سياقهم الشخصي مراراً، وإعادة بناء سجل محادثاتهم من جديد. ومن خلال مجموعة ميزات جديدة في تطبيق «جيميناي»، تحاول الشركة تقليل هذا الاحتكاك عبر تمكين المستخدم من نقل «ذاكرته الرقمية» بين المنصات.

تعتمد عملية الاستيراد على توليد ملخص من التطبيق الآخر ثم إدخاله إلى «جيميناي»، ليتم تحليله وحفظه (غوغل)

استمرارية التجربة الرقمية

في تحديث بدأ طرحه في العالم العربي، تقدم «غوغل» ميزة «استيراد الذاكرة» (Memory Import) التي تتيح نقل عناصر أساسية من السياق الشخصي -مثل الاهتمامات والعلاقات والتفضيلات- من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى مباشرة إلى «جيميناي».

الفكرة بسيطة، وهي أنه بدلاً من تدريب مساعد جديد من الصفر، يمكن للمستخدم أن ينقل معه طبقة جاهزة من الفهم تعكس طريقة تفاعله السابقة.

ورغم التعقيد التقني الكامن وراء هذه العملية، فإن تنفيذها جاء بشكل مبسَّط. من خلال إعدادات «جيميناي»، يمكن اختيار خيار الاستيراد؛ حيث يتم توليد «طلب» (Prompt) جاهز، ثم يقوم المستخدم بنسخ هذا الطلب إلى تطبيق ذكاء اصطناعي آخر، والذي بدوره يُنتج ملخصاً لتفضيلات المستخدم وسياقه. بعد ذلك، يتم لصق هذا الملخص داخل «جيميناي» الذي يقوم بتحليله وتخزينه ضمن ملف المستخدم. ومن ثمَّ، يصبح «جيميناي» قادراً على استخدام هذه البيانات لتخصيص ردوده، وكأنه يواصل رحلة المستخدم الرقمية بدلاً من البدء من جديد.

تمكِّن الميزة المستخدمين من تجنُّب البدء من الصفر عبر نقل فهم مسبق لطبيعة تفاعلاتهم واهتماماتهم (غيتي)

«الذكاء الشخصي»

تندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى «غوغل»، نحو ما تسميه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence)، وهو نموذج يسعى إلى تقديم مساعد ذكي أكثر وعياً بالسياق. فبدلاً من التعامل مع كل طلب بشكل منفصل، يهدف «جيميناي» إلى تقديم إجابات مبنيَّة على فهم أعمق لتاريخ المستخدم وعاداته واهتماماته.

ولا يقتصر الأمر على استيراد الذاكرة فقط. فمع موافقة المستخدم، يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات عبر منظومة «غوغل» الأوسع، بما في ذلك «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث، إضافة إلى المحادثات السابقة داخل التطبيق نفسه. وهذا يتيح مستوى أكثر تطوراً من التفاعل؛ حيث لا تعتمد الإجابة فقط على السؤال الحالي؛ بل على صورة أوسع تتشكل مع الوقت حول المستخدم.

تشتت سجل المحادثات

كما تعالج «غوغل» مشكلة أخرى برزت مع انتشار استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متعددة، وهي تشتت سجل المحادثات؛ إذ بات بإمكان المستخدمين الآن تحميل أرشيف محادثاتهم من منصات أخرى بصيغة ملف مضغوط (ZIP) واستيراده إلى «جيميناي». وبذلك يمكنهم البحث داخل محادثاتهم السابقة، واستكمالها دون فقدان السياق.

تعكس هذه الميزة تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى المساعدات الذكية. فهي لم تعد مجرد أدوات منفصلة؛ بل بدأت تأخذ شكل «رفيق رقمي» طويل الأمد؛ حيث تلعب الاستمرارية وتراكم السياق دوراً محورياً في قيمتها. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى سجل المحادثات كأرشيف فقط؛ بل كجزء من «ذكاء» النظام نفسه.

بالنسبة للمستخدم، تكمن الفائدة المباشرة في الكفاءة. فالمهام التي كانت تتطلب شرحاً متكرراً، مثل التخطيط للسفر، أو إدارة المشاريع، أو تطوير أفكار إبداعية، يمكن الآن استئنافها بسهولة من حيث توقفت. أما بالنسبة لـ«غوغل»، فالدلالة الاستراتيجية واضحة، فتقليل تكلفة الانتقال بين المنصات يجعل من الأسهل على المستخدم اعتماد «جيميناي» مساعداً أساسياً، حتى لو كانت تجربته السابقة في مكان آخر.

يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات خدمات «غوغل» مثل «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث لتحسين الاستجابات (غوغل)

الخصوصية والمنافسة الجديدة

في المقابل، تظل مسألة الخصوصية والتحكم في البيانات حاضرة. تؤكد «غوغل» أن هذه الميزات تعمل بموافقة المستخدم؛ خصوصاً عند الربط مع خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل». كما أن عملية الاستيراد نفسها تتطلب خطوات واضحة من المستخدم. ومع ذلك، فإن تعمُّق تكامل الذكاء الاصطناعي مع البيانات الشخصية سيبقى موضع نقاش مستمر.

يأتي إطلاق هذه الميزات أولاً عبر «الويب» في العالم العربي، على أن تصل إلى الأجهزة المحمولة خلال الأيام المقبلة، ما يعكس توجهاً نحو تقديم حلول مخصَّصة للأسواق الإقليمية؛ خصوصاً فيما يتعلق باللغة والسياق الثقافي.

بصورة أوسع، يشير هذا التحديث إلى تحول في طبيعة المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التميز يقتصر على قوة النماذج أو عدد الميزات؛ بل بات يرتبط بمدى قدرة المساعد على فهم المستخدم والاستمرار معه عبر الزمن. وفي هذا السياق، تصبح «الذاكرة» عاملاً حاسماً.

فمن خلال تمكين المستخدمين من نقل سياقهم معهم، لا تضيف «غوغل» مجرد ميزة جديدة؛ بل تعيد تعريف نقطة البداية في التفاعل، لتتحول من صفحة بيضاء إلى محادثة مستمرة.


«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
TT

«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)

بدأ تطبيق «إنستغرام» اختبار نسخة جديدة للاشتراك المدفوع في العديد من الدول، مع مزايا إضافية تركز بشكل رئيسي على خاصية «ستوريز»، وفق ما قالت ناطقة باسم الشركة الأم «ميتا» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، مؤكدة معلومات أوردها موقع «تِك كرانش».

كذلك، سيحصل المستخدمون الذين يدفعون على مزيد من التحكم في الحسابات المسموح لها بمشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو التي يشاركونها في منشورات «ستوريز» التي عادة ما تختفي بعد 24 ساعة على الشبكة الاجتماعية.

وقالت الناطقة باسم الشركة إنه يتم اختبار هذه النسخة في «عدد قليل من البلدان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب «تِك كرانش» تشمل هذه البلدان اليابان والمكسيك والفلبين حيث تبلغ أسعار الاشتراك نحو دولارين شهرياً.

وأطلقت «ميتا» إصدارات مدفوعة خالية من الإعلانات من «فيسبوك» و«إنستغرام» في بريطانيا العام الماضي للامتثال للتشريعات في البلاد.

وتعرض منصتا «سناب تشات» و«إكس» نسخة مميزة مدفوعة منذ سنوات.