مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً

في التفافٍ صارخ على قوانين حماية الخصوصية الفردية

مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً
TT

مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً

مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً

قام الكثير من الوكالات الحكومية، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الدفاع، ووكالة الأمن القومي، ووزارة الخزانة، ووكالة استخبارات الدفاع، والبحرية، وخفر السواحل، بشراء كميات هائلة من المعلومات الشخصية لمواطني الولايات المتحدة، من وسطاء البيانات التجارية، وفقاً لماء جاء في تقرير «المكتب الداخلي لمدير المخابرات الوطنية Office of the Director of National Intelligence» الصادر في 9 الماضي، الذي رُفعت السرّية عنه جزئياً.

ويُظهر التقرير الحجم المذهل والطبيعة التدخلية الغازية لسوق بيانات المستهلكين، وكيف تتيح هذه السوق بشكل مباشر مراقبة الأفراد «بالجملة». ولا تتضمن البيانات المستقاة، المكان الذي يكون فيه الشخص ولا الأشخاص الآخرون الذين يتصل بهم فحسب، بل تشمل طبيعة معتقداتك وتوقعاتك حول ما قد تفعله في المستقبل. كما يسلط الضوء على المخاطر الجسيمة التي يشكّلها شراء هذه البيانات، ويحث مجتمع الاستخبارات على اعتماد مبادئ توجيهية داخلية لمعالجة هذه المشكلات.

بصفتي محامية للخصوصية والمراقبة الإلكترونية وقانون التكنولوجيا وباحثة وأستاذة في القانون، أعد هذه القضايا ملحّة بشكل متزايد، إذ إن المعلومات المتاحة تجارياً اليوم، إلى جانب تطوير نظم الذكاء الاصطناعي التوليدي في كل مكان لصنع القرار، تهدد بشكل أكبر الخصوصية والحريات المدنية من خلال منح الحكومة إمكانية الوصول إلى المعلومات الشخصية الحساسة بما يتجاوز حتى ما يمكن أن تجمعه من خلال تخويل المحكمة، أي المراقبة المصرح بها.

* تشمل أنواع البيانات: الموقع الجغرافي، والجنس والتوجه الجنسي، والآراء والانتماءات الدينية والسياسية، وضغط الدم، والحالات العاطفية، والمعلومات السلوكية، وأنماط التسوق، والأسرة والأصدقاء.

ما المعلومات المتاحة تجارياً؟

يتخذ واضعو التقرير موقفاً مفاده أن المعلومات المتاحة تجارياً هي مجموعة فرعية من المعلومات المتاحة للجمهور. إلا أن التمييز بين الاثنين مهم من منظور قانوني، فالمعلومات المتاحة للجمهور هي المعلومات الموجودة بالفعل في المجال العام التي يمكن العثور عليها عن طريق إجراء القليل من البحث عبر الإنترنت.

أما المعلومات المتاحة تجارياً فمختلفة. إنها معلومات شخصية تُجمع من مجموعة مذهلة من المصادر بواسطة وسطاء البيانات التجاريين الذين يقومون بتجميعها وتحليلها، ثم إتاحتها للشراء من الآخرين، بما في ذلك الحكومات. وبعض هذه المعلومات خاصة أو سرية أو محمية قانوناً.

إن مصادر وأنواع البيانات الخاصة بالمعلومات المتاحة تجارياً هائلة بشكل محيّر للعقل. وهي تشمل السجلات العامة وغيرها من المعلومات المتاحة للجمهور. ولكن يأتي المزيد من المعلومات من الأجهزة المتصلة بالإنترنت في كل مكان تقريباً في حياة الناس، مثل الهواتف المحمولة وأنظمة المنزل الذكي والسيارات وأجهزة تتبع اللياقة البدنية. كل هذه تستخدم البيانات من أجهزة الاستشعار المتطورة والمضمنة والكاميرات والميكروفونات. وتتضمن المصادر أيضاً بيانات من التطبيقات والنشاط عبر الإنترنت والنصوص ورسائل البريد الإلكتروني وحتى مواقع مقدمي الرعاية الصحية.

* توفر البيانات الشخصية للشركات والحكومات نافذة على «إنترنت السلوكيات» التي ترسم خريطة لعمل كل شخص والمتوقع أن يعمله

تشمل أنواع البيانات: الموقع الجغرافي، والجنس، والتوجه الجنسي، والآراء، والانتماءات الدينية والسياسية، والوزن، وضغط الدم، وأنماط الكلام، والحالات العاطفية، والمعلومات السلوكية حول الأنشطة الكثيرة، وأنماط التسوق والأسرة والأصدقاء.

توفر هذه البيانات للشركات والحكومات نافذة على «إنترنت السلوكيات»، وهي مزيج من جمع البيانات وتحليلها بهدف فهم سلوك الأشخاص والتنبؤ به. ولدى جمع مجموعة واسعة من البيانات، بما في ذلك الموقع والأنشطة، تستخدم الأساليب العلمية والتكنولوجية، بما في ذلك علم النفس والتعلم الآلي، لتحليل تلك البيانات. ويوفر إنترنت السلوكيات خريطة لما قام به كل شخص وما يفعله والمتوقع أن يفعله، ويوفر وسيلة للتأثير على سلوك الشخص.

بيانات أفضل وأرخص وغير مقيدة

توفر الأعماق الغنية بالمعلومات المتاحة تجارياً، والتي تم تحليلها باستخدام الذكاء الاصطناعي القوي، قوة وذكاء ورؤى استقصائية غير مسبوقة. تعد المعلومات وسيلة فعالة من حيث التكلفة لمراقبة الجميع تقريباً، بالإضافة إلى أنها توفر بيانات أكثر تعقيداً بكثير من أدوات أو طرق المراقبة الإلكترونية التقليدية مثل التنصت على المكالمات الهاتفية وتتبع الموقع.

* تحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي القوي يوفر قوة وذكاءً ورؤى استقصائية غير مسبوقة

============

يُنظم استخدام الحكومة لأدوات المراقبة الإلكترونية على نطاق واسع بواسطة القوانين الفيدرالية وقوانين الولايات الأميركية. وقد قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بأن التعديل الرابع للدستور، الذي يحظر عمليات التفتيش والمصادرة غير المعقولة، يتطلب أمراً قضائياً لمجموعة واسعة من عمليات البحث الرقمي. وتشمل هذه العمليات: التنصت على المكالمات الهاتفية، أو اعتراض المكالمات، أو الرسائل النصية، أو رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بشخص ما؛ واستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أو معلومات الموقع الخلوي لتتبع الشخص؛ أو البحث في الهاتف المحمول لشخص ما.

يستغرق الامتثال لهذه القوانين وقتاً ومالاً، بالإضافة إلى أن قانون المراقبة الإلكترونية يقيّد ماذا ومتى وكيف يمكن جمع البيانات. لذا يعد الحصول على المعلومات المتاحة تجارياً أرخص، وتوفر بيانات وتحليلات أكثر ثراءً، وتخضع لقليل من الرقابة أو التقييد مقارنةً بوقت جمع نفس البيانات مباشرةً من الحكومة.

تهديد الخصوصية وخرق القوانين

* تهديدات للخصوصية. تسمح التكنولوجيا والحجم المتزايد للمعلومات المتاحة تجارياً بدمج أشكال مختلفة من المعلومات وتحليلها بطرق جديدة لفهم جميع جوانب حياة الأفراد، بما في ذلك تفضيلاتهم ورغباتهم.

يحذّر تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الجديد من أن الحجم المتزايد والتوافر الواسع للمعلومات المتاحة تجارياً، يشكّلان «تهديدات كبيرة للخصوصية والحريات المدنية». فهما يزيدان من قوة الحكومة في مراقبة مواطنيها خارج حدود القانون، ويفتحان الباب أمام الحكومة لاستخدام تلك البيانات بطرق يُحتمل أن تكون غير قانونية. يمكن أن يشمل ذلك استخدام بيانات الموقع التي تم الحصول عليها من خلال المعلومات المتاحة تجارياً بدلاً من أمر قضائي للتحقيق مع شخص ما ومقاضاته بتهمة الإجهاض.

كما يوضح التقرير مدى انتشار عمليات الشراء الحكومية للمعلومات المتاحة تجارياً ومدى انتشار الممارسات الحكومية العشوائية حول استخدام المعلومات. عمليات الشراء منتشرة للغاية وممارسات الوكالات موثقة بشكل سيئ، لدرجة أن مكتب مدير المخابرات الوطنية لا يمكنه حتى تحديد كمية وأنواع وكالات المعلومات التي تشتريها، وما الذي تفعله الوكالات المختلفة بالبيانات.

* هل شراء البيانات قانوني؟ مسألة ما إذا كان من القانوني للوكالات الحكومية شراء المعلومات المتاحة تجارياً، أمر معقَّد، لأن البيانات مستقاة من مجموعة مصادر وبسبب المزيج المعقد من المعلومات التي تحتوي عليها.

لا يوجد حظر قانوني على قيام الحكومة بجمع المعلومات التي كُشف عنها بالفعل للجمهور أو المتاحة للجمهور. لكن المعلومات غير العامة المدرجة في التقرير الذي رُفعت عنه السرية تتضمن بيانات يحميها القانون الأميركي عادةً. لذا فإن مزيج المعلومات غير العامة من البيانات الخاصة أو الحساسة أو السرية أو المحمية بطريقة أخرى بشكل قانوني يجعل عملية الجمع منطقة رمادية قانونية.

* ثغرة تشريعية. على الرغم من عقود من تجميع البيانات التجارية المعقدة والمتطفلة بشكل متزايد، لم يقر الكونغرس قانوناً فيدرالياً لخصوصية البيانات. يؤدي عدم وجود تنظيم اتحادي حول البيانات إلى وجود ثغرة أمام الوكالات الحكومية للتهرب من قانون المراقبة الإلكترونية. كما يسمح للوكالات بتجميع قواعد بيانات هائلة تتعلم منها أنظمة الذكاء الاصطناعي وتستخدمها بطرق غير مقيدة في كثير من الأحيان...

يُقرّ تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بالثغرة المذهلة التي توفرها المعلومات المتاحة تجارياً للمراقبة الحكومية: «لم يكن مسموحاً للحكومة مطلقاً بإجبار مليارات الأشخاص على حمل أجهزة تتبّع الموقع على أشخاصهم في جميع الأوقات، وتسجيل الدخول وتتبع معظم تفاعلاتهم الاجتماعية، أو الاحتفاظ بسجلات خالية من العيوب لجميع عادات القراءة لديهم. ومع ذلك، كان للهواتف الذكية والسيارات المتصلة وتقنيات تتبع الويب وإنترنت الأشياء وغيرها من الابتكارات، هذا التأثير دون مشاركة الحكومة».

إلا أنه كان بإمكان السلطة التشريعية منع هذا الموقف من خلال سن قوانين خصوصية البيانات، وتنظيم ممارسات البيانات التجارية بشكل أكثر إحكاماً، وتوفير الرقابة في تطوير الذكاء الاصطناعي. يمكن للكونغرس حتى الآن معالجة المشكلة.

إن قوانين خصوصية البيانات الفعالة ستحافظ على معلوماتك الشخصية أكثر أماناً من الوكالات الحكومية والشركات، وستمنع تنظيمات الذكاء الاصطناعي المسؤولة هذه المعلومات من التلاعب بك.

* أستاذة قانون زائرة في جامعة «ريتشمون» الأميركية، «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)
«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)
TT

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)
«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick Cut)، ضمن محرر الفيديو على الويب. خطوة تعكس تحولاً واضحاً في فلسفة تحرير الفيديو، من التركيز على «مرحلة التعديل» إلى إعادة هندسة «مرحلة البداية».

الميزة الجديدة لا تستهدف المحترفين فقط، بل تمتد إلى صُنّاع المحتوى، والمسوِّقين، وحتى المستخدمين العاديين، ممن يواجهون التحدي الأبرز في عملية الإنتاج، لكن كيف تبدأ؟

من المقاطع الخام إلى قصة متكاملة بضغطة زر

تعتمد ميزة القص السريع على مبدأ بسيط في ظاهره، عميق في تطبيقه:

تحويل مجموعة من المقاطع غير المرتبة إلى نسخة أولية جاهزة للعمل عليها.

يبدأ المستخدم برفع المحتوى سواء مقاطع فيديو، صور، أو ملفات صوتية، ثم يضيف وصفاً نصياً للفكرة أو نوع الفيديو المطلوب، مثل «مراجعة تقنية» أو «ملخص فعالية». عندها يتولى النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحليل مقاطع الفيديو والصور، واختيار أبرز اللقطات، وإعادة ترتيبها ضمن تسلسل بصري مفهوم وبسيط. والنتيجة ليست فيديو نهائياً، بل بنية أولية مكتملة المعالم تختصر ساعات من العمل اليدوي في فرز اللقطات وبناء التسلسل الزمني للمقطع النهائي.

ميزة تحول المقاطع الخام إلى فيديو جاهز عبر ترتيب ذكي بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)

كسر «لرهبة التايم لاين الفارغ»

لطالما شكلت بداية المونتاج عقبة نفسية وتقنية في آنٍ واحد، خصوصاً مع وفرة المواد الخام وتعدد الزوايا. وهنا تأتي أهمية (القص السريع)، إذ تنقل المستخدم من حالة «مكتبة ملفات غير مرتبة» إلى «فيديو قابل للتطوير» خلال لحظات.

هذا التحول يعكس توجهاً أوسع داخل صناعة البرمجيات الإبداعية، يقوم على تقليل الاحتكاك في المراحل الأولى، وترك المساحة الأكبر للإبداع البشري في مراحل الصقل والتخصيص.

تحكم ذكي... دون تعقيد

رغم اعتمادها على الأتمتة، لا تُغفل الميزة عنصر التحكم، إذ تتيح للمستخدم ضبط عدد من المتغيرات الأساسية، مثل نسبة العرض (Aspect Ratio)، ومدة الفيديو، وسرعة الإيقاع، إضافة إلى توزيع اللقطات الداعمة. كما يمكن إدخال نصوص أو مخطط مشاهد (Shot List) للحصول على نتائج أكثر دقة، مما يمنح صُنّاع المحتوى مرونة في توجيه المخرجات بدل الاكتفاء بنتائج عشوائية.

ترفع المقاطع وتكتب الفكرة فيرتبها الذكاء الاصطناعي تلقائياً كفيديو متكامل (أدوبي)

أداة تسريع... لا بديل عن المونتير

ورغم ما تقدمه من اختصار للوقت، لا تطرح (القص السريع) نفسها بديلاً عن أدوات التحرير الاحترافية، مثل Adobe Premiere Pro (برنامج تحرير الفيديو الاحترافي)، بل كمرحلة تكميلية تسبقها.

فالفيديو الناتج يظل بحاجة إلى تحسين الإيقاع وإضافة الهوية البصرية وضبط الألوان والصوت وبناء السرد النهائي. بمعنى أدق، تقدم «Adobe» أداة «لبداية ذكية»، لا «نهاية تلقائية».

تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه سوق المحتوى الرقمي، خصوصاً الفيديو القصير، نمواً متسارعاً تقوده منصات مثل «تيك توك»، و«إنستغرام»، و«يوتيوب»، وهو ما يفرض على صُنّاع المحتوى إنتاجاً أسرع، دون التضحية بالجودة. ومن هنا، يمكن قراءة ميزة «القص السريع» كاستجابة مباشرة لهذا التحول، عبر تقليل زمن الإنتاج، وتمكين المستخدم من الانتقال بسرعة من الفكرة إلى النشر.


خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
TT

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة إلى عصر «الخوارزميات الفتاكة»، مشدّداً على أن الانتصار في الميدان لم يعد يعتمد فقط على شجاعة الجنود أو كثافة النيران، بل بات مرتبطاً بسرعة معالجة البيانات، وقدرة الأنظمة الذكية على تحليل المواقف المعقدة في لحظات حاسمة.

تحول السيادة من «الذراع» إلى «العقل»

وأوضح الدكتور محمود نديم نحاس، الخبير في الذكاء الاصطناعي بأكاديمية المستقبل الدولية في لندن، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات، ومن ضجيج المدافع إلى هدوء الخوارزميات، لتصبح سباقاً بين الأكواد البرمجية، لافتاً إلى أن مفهوم السيادة شهد تغيراً جذرياً، فبعد أن كانت السيادة لقوة «الذراع» البشرية في العصور القديمة، انتقلت إلى «العين» عبر أجهزة الاستشعار والأقمار الاصطناعية، لتستقر اليوم في «العقل الإلكتروني» الذي يدير المشهد من وراء الشاشات، وأن هذا التحول جعل من الممكن لخوارزمية واحدة أن «تشل جيشاً كاملاً دون إطلاق رصاصة واحدة».

استراتيجيات خالد بن الوليد وكلاوزفيتز في عصر الآلة

وفي ربط فريد بين الفكر العسكري الكلاسيكي والتقنية الحديثة، ذكر نحاس أن عبقرية القائد خالد بن الوليد في المباغتة وإرباك العدو واستخدام «الكَراديس» بمرونة عالية، تظل أهدافاً استراتيجية ثابتة حتى اليوم، واستطرد موضحاً أن الذكاء الاصطناعي يسعى لتفتيت ما يسمى «ضباب الحرب» الذي تحدث عنه المنظّر العسكري، كارل فون كلاوزفيتز، وهو حالة عدم اليقين والارتباك في الميدان، عبر تقديم خرائط واقع معزز وبيانات لحظية دقيقة، على حد تعبيره، ومع ذلك، حذّر الدكتور نحاس من مخاطرة نشوء «ضباب رقمي» جديد، حيث قد يؤدي تعقيد الخوارزميات إلى قرارات آلية لا يستطيع البشر تفسيرها أو تبريرها بسهولة.

المنظومة الذكية في قلب المعركة

نحّاس قال خلال حديثه إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد سلاح مستقل، بل منظومة تقنية متكاملة تتغلغل في كل مفاصل العمل العسكري، وذلك عبر (تحليل البيانات الضخمة) حيث تستطيع الخوارزميات تحليل ملايين الصور من الأقمار الاصطناعية والمسيّرات في ثوانٍ لتحديد الأهداف وتصنيفها، وهو ما كان يتطلب أياماً من الجهد البشري، إلى جانب الأنظمة المستقلة، على غرار الغواصات غير المأهولة التي تعمل لأشهر تحت الماء، والآليات البرية التي تعبر تضاريس وعرة، مما يمنح الجيوش قدرة على الوصول إلى مناطق كانت تُصنف سابقاً بأنها «انتحارية».

كما يشمل «التنبؤ الاستراتيجي»، حسب نحّاس، وذلك من خلال بناء نماذج محاكاة تتوقع الخطوة التالية للعدو بدقة، مما يحول الاستراتيجية العسكرية من حالة «رد الفعل» إلى «الاستباق الذكي».

درع الحماية والدفاع فرط الصوتي

وأشار نحاس إلى أن إحدى أهم فوائد الذكاء الاصطناعي هي دوره بوصفه «درعاً» واقياً للقوات، وفصّل ذلك عبر تقنية «الصيانة التنبؤية» التي تتوقع تعطل المحركات أو قطع الغيار قبل وقوع العطل، مما يحافظ على الجاهزية القتالية، مؤكّداً أن ظهور الصواريخ «فرط الصوتية» التي تفوق سرعة الصوت بخمس مرات جعل العقل البشري عاجزاً عن اعتراضها، مما حتم الاعتماد على أنظمة الدفاع الذكي التي تتخذ قرار الاعتراض في أجزاء من الثانية.

ثورة المسيّرات و«ذكاء الأسراب»

وفيما يخص التفوق الجوي، أبان أن «الطائرات المسيّرة» الرخيصة والانتحارية قلبت الموازين التقليدية، فلم يعد التفوق حكراً على الطائرات المقاتلة باهظة الثمن، وشرح مفهوم «ذكاء الأسراب» المستوحى من النحل والطيور، حيث تهاجم مئات المسيّرات كتلةً واحدةً ذكيةً تعيد تنظيم نفسها تلقائياً إذا دُمّر جزء منها، مما «يُغرق» أنظمة الرادار التقليدية، معتبراً أن هذا التحول حوّل الحرب إلى معركة اقتصادية استنزافية، حيث تستنزف مسيّرة رخيصة صاروخاً دفاعياً باهظ التكلفة.

اللوجيستيات: المدير الجديد للميدان

شدّد نحاس على أن «المحترفين يتحدثون عن اللوجيستيات»، معتبراً الذكاء الاصطناعي المدير الجديد لهذا الميدان الحيوي، وجادل بأن «الخوارزميات تدير الآن سلاسل الإمداد المؤتمتة لضمان تأمين الوقود والذخيرة قبل طلبها وبأقل جهد بشري»، وعرّج على تطوير شاحنات وقوارب تموين تعمل بلا سائق لنقل الإمدادات عبر مناطق الخطر، مما يحمي الجنود الذين كانوا يسقطون ضحايا للكمائن على طرق الإمداد.

الروبوتات والمسؤولية الأخلاقية

وتطرّق إلى الروبوتات العسكرية أو «الجنود الذين لا ينامون»، مبدياً قلقه العميق من «الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل»، وأطلق تحذيراً من أن هذه الأنظمة التي تختار أهدافها دون وجود «إنسان في الحلقة» تثير رعب المنظمات الحقوقية لأنها تلغي مفهوم المسؤولية الأخلاقية عن القتل، وتساءل: مَن هو مجرم الحرب في حال وقوع خطأ؟ هل هو المبرمج أم القائد أم الشركة المصنعة؟

الحروب السيبرانية والنفسية الهجينة

وصف نحاس «الفضاء السيبراني» بساحة الحرب الخامسة، حيث يقود الذكاء الاصطناعي حرباً ناعمة لكنها مدمرة، وحذّر من مخاطر «التزييف العميق» التي يمكنها صناعة فيديوهات مزيفة لقادة عسكريين تأمر بالاستسلام، مما ينهي حروباً عبر انهيار الروح المعنوية، واعتبر أن «التضليل المؤتمت» عبر آلاف الحسابات الآلية التي تنشر الشائعات لزعزعة الاستقرار الداخلي، والهجمات السيبرانية الآلية التي تكتشف الثغرات وتشل البنية التحتية والمفاعلات النووية بسرعة تفوق قدرة البشر على الصد.

سيكولوجية الحرب وتجريدها من الإنسانية

ولفت الدكتور نحاس إلى بُعد نفسي خطير لمواجهة آلة صماء؛ فالجندي الذي يشعر بأنه مراقب دائماً من مسيّرة صامتة قد يعيش ضغطاً نفسياً دائماً يؤدي لانسحابات وهزائم دون اشتباك فعلي، كما حذّر من «تجريد الحرب من الإنسانية»، حيث قد يبدأ الضباط الذين يديرون الحرب من خلف الشاشات برؤية البشر كـ«نقاط» أو «أرقام» في لعبة فيديو، مما يقلل الوازع الأخلاقي ويجعل قرار القتل سهلاً نفسياً وتقنياً.

السيادة التقنية وصراع الرقائق

وخلص نحاس إلى أن الحرب باتت صراع «ميزانيات ذكية» و«تقنيات متطورة» لتصنيع المعالجات، واعتبر أشباه الموصلات (Chips) «سلاحاً استراتيجياً» يعادل الصواريخ النووية، مؤكداً أن الاستقلال البرمجي ضرورة قومية؛ لأن الاعتماد على خوارزميات أجنبية يعني منح «مفتاح السيادة» للدول الأخرى.

وأكد الدكتور محمود نديم نحاس في ختام رؤيته أن دخول الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تحسين للأدوات، بل إعادة تعريف للقوة والسيادة، وحذر من أن أخطر لحظة هي التي يبدأ فيها الإنسان بالثقة في الآلة أكثر مما ينبغي، مشيراً إلى أن المستقبل سيكون لمن يمتلك الخوارزمية الأذكى، ولكن البقاء سيكون لمن يمتلك الحكمة الكافية للتحكم في الآلة قبل أن تتحكم هي في مصير البشر، خصوصاً أن الآلة تفتقر إلى الرحمة والتقدير الأخلاقي والسياسي الذي يمتلكه القائد البشري.


«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.