دروس «التجربة والخطأ» في حربَي أوكرانيا وغزة

آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)
آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)
TT

دروس «التجربة والخطأ» في حربَي أوكرانيا وغزة

آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)
آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)

الحرب غول يلتهم الحجر والبشر. لا مبدأ ثابتاً في الحرب سوى تغوّل الطبيعة البشريّة وثباتها. والباقي يتبدّل كلما طال الأسر ضمن دورة العنف والقتل. تفضح الحرب المخططات. تُغيّر نظرة الإنسان إلى الحياة والكون. تُخرج الحرب أسوأ ما في الإنسان. في الحرب، يُشيّء (Thingness) الجندي، حياة الجندي الآخر، ويُعقلن فعل القتل ويُبرّره. ويعدّ الحرب ضروريّة، مصيريّة، مُحقّة وعادلة، والعكس قد يعني الاندثار.

وفي الحروب تتجسد قدرية مبدأ «التجربة والخطأ» (Trial &Error). وهو مبدأ يستلزم مسرح اختبار للخطط والوسائل المستعملة. ألم يُجرّب هتلر أفكاره العسكريّة في الحرب الأهلية الإسبانية؟ ألم يُجرّب التكتيكات العسكريّة، معدّاته وأفراده، خاصة سلاح الجوّ تحضيراً للحرب العالمية الثانية، خاصة مبدأ الحرب الخاطفة (Blitzkrieg)؟ ألم يُجرّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جيشه، ووسائله في جورجيا عام 2008، وسوريا في عام 2015، تحضيراً للحرب على أوكرانيا؟

الحالة الروسيّة - الأوكرانيّة

في الحرب الأوكرانية، وعلى المستوى الخيارات الاستراتيجيّة العسكريّة، تعتمد أوكرانيا الدفاع الاستراتيجي والهجوم التكتيكي. بينما تعتمد روسيا خيار الهجوم الاستراتيجي والدفاع التكتيكي.

جنود أوكرانيون يطلقون قذيفة من مدفع «قيصر» الذاتي الحركة باتجاه مواقع روسية على خط الجبهة في منطقة دونتسك (أرشيفية - رويترز)

ظهّرت عملية الهجوم الأوكراني على مقاطعة كورسك المقاربة الأوكرانيّة: الهجوم التكتيكي. تعتمد أوكرانيا حالياً «الدفاع في العمق». والهدف منه هو منع العدو من التقدّم بسرعة، وبالتالي السعي إلى الاستنزاف قدر الإمكان، خاصة في العدد. ترتكز هذه الاستراتيجية على خسارة الأرض، مقابل كسب الوقت والاستنزاف (Time vs space). تظهّر مؤخراً هذا المبدأ الأوكراني في معركة مدينة بوكروفسك (Pokrovsk)، بحيث استغرقت القوات الروسيّة مدة 21 شهراً للوصول من مدينة أفدييفكا إلى بوفروسك، والتي لا تبعد عن أفدييفكا أكثر من 60 كيلومتراً، ومع خسائر كبيرة جداً بالأرواح (حسب معهد دراسة الحرب خسرت روسيا في أول 3 اشهر من عام 2025 ما يُقارب 45000 جندي).

لكن الجدير ذكره، أن روسيا تقاتل حالياً بعكس العقيدة العسكريّة التقليديّة والتي كانت تقوم على ما يلي: الهجوم بحشد كبير خاصة بواسطة المدرّعات، مع كثافة نارية ضخمة جداً، والتقدّم نحو الهدف، إلى مسافة تسمح للجيش الروسي بالتطويق، والقدرة على استعمال كل القوة النارية خاصة مدفعيّة الميدان وتحويل المنطقة المُطوّقة جحيماً (مرجلاً) (Cauldron)، وبعدها الذهاب إلى الحسم.

غيّر الجيش الروسي تكتيك القتال في أوكرانيا. فبدل الهجوم الشامل، يعتمد حالياً، وحسب معهد دراسة الحرب، تكتيك «الحرب التموضعية والاستنزاف» (Positional -attrition). لكن لماذا اعتماد هذا التكتيك في ظلّ خسائر كبيرة جداً في الأرواح؟ يعتقد الرئيس بوتين أن الوقت يعمل لصالحه. فهو لديه قاعدة صناعية عسكرية كبيرة جداً، وبعكس أوروبا، خاصة بعد تراجع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن دعم أوكرانيا. كما أن لديه العمق البشري للتعويض بالعدد.

علامَ يرتكز هذا التكتيك؟

تحصين الدفاع، حيث القوات الروسيّة، عبر استعمال كل وسائل الدفاع من ألغام وحواجز وتحصينات وعلى مستويات عدة (Layers).

الاعتماد على القوة النارية وبكل الوسائل المتوفّرة، ضمناً الأسلحة الدقيقة لتدمير دفاعات الجيش الأوكراني.

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق جراء سقوط مسيّرة روسية في خاركيف (أرشيفية - رويترز)

بدل الهجوم بوحدات كبيرة، الاعتماد على قوى هجوميّة، متحرّكة وصغيرة، للتسلّل إلى مواقع الجيش الأوكراني، قضم الدفاعات، البقاء حيث وصلت، تدعيم مراكزها، وانتظار الدفعات الملاحقة. السيئ في هذا التكتيك هو في التكلفة البشريّة.

الاعتماد بكثرة على المسيّرات، وذلك بالإضافة إلى الوسائل الأخرى، والهدف منها هو ضرب خطوط المواصلات واللوجيستيّة، لعزل القوات الأوكرانيّة - وهذا ما يحصل حالياً في معركة بوكروفسك. هذا بالإضافة إلى الحرب الإلكترونية، (EW).

وأخيراً وليس آخراً، ينتج من هذه المقاربة مبدأ «التطويق عبر الاستنزاف».

في بعض دروس حرب غزّة

إذا كانت «حماس» قد استعدّت فعلاً لهذه الحرب، فإن الجيش الإسرائيلي لم يكن يتوقّعها. فالجبهة الأساسية بالنسبة له كانت بالشمال مع جبهة لبنان و«حزب الله»، أما جبهة الجنوب فكانت ثانويّة. دخل الجيش الإسرائيلي من دون خطّة واضحة؛ ما حدا ببعض المفكّرين الاستراتيجييّن للقول: تعلّم الجيش الإسرائيلي عبر مبدأ «التجربة والخطأ». إذ كلّما تقدّم في الميدان، تؤخذ الدروس بهدف التأقلم والتعديل للتكتيك.

مقاتلان من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» في دير البلح بقطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)

فماذا عن بعض هذه الدروس وحسب بعض الدراسات من المصادر العامة؟

خلق الجيش الإسرائيليّ منظومة متعدّدة الأبعاد والمستويات، هدفها أخذ الدروس المستقاة بسرعة، وتوزيعها مباشرة على العسكر المقاتل. فقد وضع في كل وحدة على مستوى الكتيبة أو اللواء، ضابطاً مهمته جمع هذه الدروس (Learning Officer).

استعملت إسرائيل المسيّرات وعلى المستويات كافة، من التكتيكي إلى الاستراتيجي مروراً بالعملانيّ. والهدف هو جمع الاستعلام التكتيكي (الداتا) على مدار الساعة، كما عمليات استهداف، تحليل هذه الداتا عبر استعمال الذكاء الاصطناعي، وتوزيعها مباشرة على الوحدات القتاليّة.

ولأن الحرب كانت فوق الأرض، وتحتها وفي بيئة حضريّة (Urban). شكّل سلاح الهندسة رأس الحربة، (Yahalom Unit) وكي تتجنّب الخسائر البشريّ في سلاح الهندسة، اعتمدت إسرائيل على آليّات ذاتيّة الحركة، وعلى الروبوتات.

شكّل الجيش الإسرائيليّ نموذجاً للقتال في الوقت نفسه فوق الأرض وفي الأنفاق. تشكّل هذا النموذج (Template) من الوحدات التالية: قوات خاصة، قوات من المشاة، وقوات من الهندسة، وهي تعمل كلها مع بعضها بعضاً وفي الوقت نفسه.

وأخيراً وليس آخراً، تبيّن أنه إذا جُمعت التكنولوجيا، مع الحشد (Mass) والأسلحة الدقيقة والاستطلاع والتدريع الذي يحمي العسكر، والمسيّرات... فهذه وصفة مُربحة، لكنها مُكلفة وطويلة. إذ تبيّن خلال الحرب أن للوجيستيّة البُعد الأهم من هنا تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن وجوب العمل على الاكتفاء الذاتيّ.

دمار أحدثه القصف الإسرائيلي على مدينة غزة (رويترز)

أما بالنسبة لـ«حماس»، فهي تعتمد الدفاع الاستراتيجيّ والهجوم التكتيكي. هي تعي المكان، وقد حضّرته مسبقاً لنوع كهذا من الحروب. أما لجهّة التأقلم، (Adapt) فهي أسرع في ذلك من الجيوش التقليديّة. فهي بدّلت مثلاً تركيبة قواتها من لواء في بدايات الحرب، بعده إلى الكتيبة، فالسريّة ثم إلى الأرهاط الصغيرة، مع لا مركزيّة كاملة للقتال. لكن الحرب أثبتت أنه لا فرص للنصر لقوى مقاومة، خاصة إذا كانت مُطوّقة، ومعزولة عن قواعدها اللوجيستيّة، ويمتلك العدو قوّة نارية كبيرة، مع خطوط لوجيستيّة مفتوحة. وإذا كانت حركة «حماس» قد رأت أن الدفاع هو أقوى من الهجوم، استناداً إلى ما قاله كارل فون كلوزفيتز، فإن الدفاع يستلزم خطوطاً لوجيستيّة مفتوحة، ويتطلّب الصبر والاستنزاف. لكنه قال أيضاً إن الدفاع هو مرحلة مؤقتة للانتقال إلى الهجوم. كما شدّد على أن «الحرب هي السياسة بوسائل أخرى». فكيف ستترجم «حماس» حربها إلى السياسة؟ إذ من المفروض أن تُحسّن الحرب الواقع السياسيّ وتزيد المكتسبات.


مقالات ذات صلة

مقاتلات فرنسية تعترض طائرات روسية 11 مرة في أسبوع بمنطقة البلطيق

أوروبا طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

مقاتلات فرنسية تعترض طائرات روسية 11 مرة في أسبوع بمنطقة البلطيق

قال المتحدث باسم القوات المسلحة الفرنسية إن طائرات حربية فرنسية ​انطلقت في 11 مهمة، خلال الأسبوع الماضي، في إطار مهمة حراسة المجال الجوي لدول منطقة البلطيق.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

هجمات أوكرانية قاتلة في شبه جزيرة القرم

عدّ زيلينسكي في مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، أن بلاده تردّ «بشكل متناسب» على الضربات الروسية القاتلة.

«الشرق الأوسط» (سان بطرسبرغ) «الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ف.ب)

كالاس: ضربات المسيّرات الأوكرانية تُثير ذعر الكرملين

أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن ضربات الطائرات المسيّرة الأوكرانية بالعمق الروسي تُثير «ذعر» الكرملين

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
أوروبا صورة التقطتها مسيرة أوكرانية لضربة تقول كييف إنها استهدفت قاعدة بحرية في سان بطرسبرغ يوم 3 يونيو (رويترز)

زيلينسكي يُلوّح بتكثيف الضربات في العمق الروسي

أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالضربات الجوية التي شنّها الجيش الأوكراني على مدينة سان بطرسبرغ الروسية، معتبراً أنها ردّ «عادل» على الهجمات الروسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)

خاص موسكو وكييف تبحثان عن أوراق تفاوض تحت النار

يرى الغرب أن الكرملين يُحاول تحويل التصعيد الميداني إلى أداة تفاوض عبر رفع تكلفة الحرب على أوكرانيا وحلفائها.

إيلي يوسف (واشنطن)

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).


روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، إن الرئيس دونالد ترمب سيحضر اجتماع ​رؤساء دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، المقرر في تركيا خلال يوليو (تموز)، وهو تأكيد من شأنه أن يُثير ارتياحاً واسعاً في دول الحلف، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبينما يحرص الرؤساء الأميركيون عادة على حضور قمم الحلف نظراً لكون واشنطن قائدة الحلف، فقد أُثيرت ‌تساؤلات حول حضور ‌ترمب هذا العام، ​إذ ‌عبّر ⁠مراراً ​عن غضبه ⁠من التحالف لما وصفه بتردده في مساعدة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران.

وفي جلسة استماع أمام الكونغرس، اليوم (الأربعاء)، تطرق روبيو إلى إحباطات ترمب، قائلاً إن مصدر استيائه الرئيسي هو رفض ⁠بعض الأعضاء السماح للولايات المتحدة باستخدام ‌قواعدها العسكرية في ‌تلك الدول في وقت الأزمات.

وأكد ​روبيو أن ترمب، ‌رغم خيبة أمله من الحلف، سيحضر ‌الاجتماع.

وقال وزير الخارجية: «لا تزال الولايات المتحدة عضواً في حلف الأطلسي، وسنكون حاضرين في تركيا لمناقشة جميع هذه المواضيع. سيحضر الرئيس بنفسه الاجتماع المقبل ‌لرؤساء دول الحلف، حيث سيتم توضيح جميع هذه النقاط».

وقاومت عدة دول ⁠أعضاء ⁠في الحلف دعم الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، وذلك بمنع الطائرات العسكرية الأميركية من استخدام مجالها الجوي، أو برفض إرسال قوات بحرية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

ووصف ترمب الحلف مراراً بأنه «نمر من ورق»، وهدّد بالانسحاب من التحالف المكون من 32 عضواً في الأسابيع الأخيرة، بحجة أن حلفاء واشنطن الأوروبيين اعتمدوا ​على الضمانات الأمنية ​الأميركية، بينما قدّموا دعماً غير كافٍ لحملة القصف الأميركية والإسرائيلية في إيران.


عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام، وتفشي وباء «إيبولا» مع تصاعد المواجهات المسلحة.

تلك العقوبات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، قد «تُطوّق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا، اللتين تعدان أساس اشتعال النزاع في الكونغو»، مؤكداً أن «العقوبات لن تكون وحدها دافعاً للتفاهم، بل أداة من الأدوات التي يجب أن تتواصل فيها الضغوط لبحث إمكانية التوصل إلى سلام دائم».

وتواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

وأعلنت الولايات المتحدة، أخيراً، فرض إجراءات إضافية لمواجهة التهديدات التي «تواجه الاستقرار والازدهار» في شرق الكونغو الديمقراطية، بفرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وجون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا.

استمرار العنف

اتهمت واشنطن هذين القياديين، في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء بـ«ارتكاب أعمال عنف وعمليات قتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا»، مؤكدةً أنها «ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة».

وفي 30 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات على الرئيس ‌السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، لدوره في دعم حركة «23 مارس».

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافةً إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا عن تقدم بعد.

أداة ضغط

وفقاً لتقديرات المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، فإن العقوبات الأميركية تمثل أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة.

وقد تسهم هذه الإجراءات، حسب عيسى في «تقييد حركة بعض الفاعلين المسلحين، والحد من مصادر تمويلهم، ورفع تكلفة الاستمرار في القتال»، مُستدركاً: «غير أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تترافق مع مسار سياسي وأمني شامل». وأكد أن «الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، فضلاً عن التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. لذلك فإن العقوبات قد تدفع الأطراف نحو التفاوض أو تخفف من وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم».

وتأتي هذه العقوبات مع استمرار النزاع المسلح، وسط أزمة صحية كبيرة تواجهها الكونغو بمنطقة الصراعات.

وأعلنت الحكومة في الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، إعادة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري شرق البلاد، بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق لمدة عشرة أيام لأسباب تتعلّق بالسلامة العامة.

جمود جهود السلام

لم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسابيع الماضية، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس» من عدّة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الماضي.

وعن ردود فعل المتمردين بعد العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أنه من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن قراءة تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية بين التصعيد وإظهار عدم التأثر بالعقوبات أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعرت بأن العقوبات جزء من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو المزج بين الأمرين عبر استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويخلص إلى أن العقوبات لن تؤدي وحدها إلى تهدئة فورية، وأنه غير مستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً «لكن استمرار الضغوط الدولية، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى تفضيل التفاوض على المواجهة».