أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية

من يُعلّم الآلة أن تكون إنسانية؟

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية
TT

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية

في ممرات قصر الأمم بجنيف؛ حيث يلتقي العلم بالدبلوماسية، يتردّد سؤال واحد بين أروقة «قمة الذكاء الاصطناعي لأجل الخير» لعام 2025: هل يمكن أن تتعلم الآلة كيف تكون عادلة، ورحيمة، وإنسانية؟

حدود الأخلاقية والمسؤولية

هنا، لا تَحتدم النقاشات حول قدرات الذكاء الاصطناعي الخارقة، بل حول حدوده الأخلاقية ومسؤوليته تجاه الإنسان. في عصر باتت فيه الخوارزميات تحسم مصير وظائف، وتعطي توصيات طبية، وتُقيّم طلبات لجوء، لم يعد كافياً أن نسأل: «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟»، بل بات الأهم أن نسأل: «ما الذي ينبغي عليه ألا يفعله؟».

ومع ازدياد الاعتماد العالمي على الأنظمة الذكية، تتقدم إلى الواجهة قضايا مثل التحيز الخفي، والشفافية، والمساءلة، والعدالة الرقمية. مَن يُدرّب الخوارزميات؟ وفق أي قيم؟ ومن يضمن ألا تتحول الآلات الذكية إلى أدوات للتمييز بدلاً من المساواة؟

إطار سعودي لحوكمة الذكاء الاصطناعي

في هذا السياق، تتقدّم المملكة العربية السعودية برؤية رائدة، كونها أول دولة في الشرق الأوسط تضع إطاراً وطنياً شاملاً لحوكمة الذكاء الاصطناعي، يستند إلى مبادئ الأخلاق والعدالة والشفافية. وقد حرصت المملكة -من خلال الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)- على أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءاً من مشروع وطني يخدم الإنسان ويحفظ القيم.

ولا تكتفي رؤية المملكة بتبني التقنية، بل تسعى إلى قيادتها بمنظور إنساني يعكس طموحها في أن تكون مركزاً عالمياً متقدماً في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول.

قمة جنيف لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وتأتي قمة جنيف -التي تُنظَّم هذا العام تحت رعاية الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، وبالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعي لأجل التنمية- لتضع هذا الملف على رأس أولوياتها. فقد اختارت القمة شعاراً محورياً هو: «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، في دعوة صريحة نحو وضع ميثاق عالمي يضمن استخداماً عادلاً، وآمناً، وشفافاً للتقنيات الذكية، وبما يُعزز العدالة الاجتماعية، ويحمي الحقوق الرقمية للبشر حول العالم.

حين تُخطئ الخوارزمية... مَن يتحمّل العواقب؟

الخوارزميات التي نُطلق عليها صفة «الذكاء» ليست سوى مرايا رقمية تعكس طبيعة البيانات التي دُرّبت عليها. وإذا كانت هذه البيانات مشوّهة أو منحازة، انعكس الانحياز بدوره في قرارات الآلة. هنا لا يعود الخطأ تقنياً فحسب، بل أخلاقياً وهيكلياً.

في تقرير مهم نُشر في عام 2024 في مجلة «Nature Machine Intelligence»، حذّر الخبراء من أن العديد من الأنظمة الذكية -بما في ذلك أدوات التوظيف الرقمية والتقييمات البنكية الآلية- قد تُكرّس أشكالاً غير مرئية من التمييز ضد النساء والأقليات، بسبب ما وصفه بـ«التحيّز البنيوي في البيانات».

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نتقن كتابة الشيفرات، بل ينبغي أن نسأل: مَن يُحاسب حين تتسبب الخوارزمية في ظلم إنسان؟ ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوكمة أخلاقية صارمة، تُلزم المطورين والمؤسسات بالمسؤولية الكاملة عن نتائج أدواتهم، لا الاكتفاء بجودة التصميم أو دقة الأداء.

السعودية أولاً... مرجعية عربية في أخلاقيات الذكاء

في قلب النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تبرز المملكة العربية السعودية بصفتها صوتاً ريادياً في المنطقة، كونها أول دولة في الشرق الأوسط تضع سياسة وطنية شاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي. فقد أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) هذه السياسة في عام 2022، واضعةً الأسس الأخلاقية لاستخدام التقنيات الذكية بما يخدم الإنسان أولاً.

وتنصّ الوثيقة الرسمية المنشورة على موقع «سدايا» على أربعة محاور رئيسية:

* الشفافية والعدالة واحترام حقوق الإنسان.

* مساءلة المطورين والمستخدمين عن نتائج استخدام الذكاء الاصطناعي.

* وضع معايير صارمة لحماية البيانات الشخصية.

* تعزيز الثقة المجتمعية في التقنيات الذكية.

وقد حظيت هذه المبادرة باهتمام دولي متزايد، خصوصاً بعد أن استضافت الرياض القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في نسختيها لعامي 2022 و2023، بحضور وفود من أكثر من 90 دولة، وبشراكات فاعلة مع جهات مرجعية، مثل منظمة اليونيسكو، والمنتدى الاقتصادي العالمي، ومبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول الذكاء الاصطناعي المسؤول.

إنّ ما تقدمه المملكة اليوم ليس مجرد نموذج محلي للحَوْكمة، بل مرجعية عربية طموحة تُعيد تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان من منظور أخلاقي وإنساني متجذّر في الثقافة الإسلامية وقيم العدالة العالمية.

تسليط الضوء على الأخلاقيات

في كلمته الافتتاحية لقمة جنيف 2025، دعا الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات، دورين بوغدان-مارتن، إلى «وضع إطار قانوني عالمي لاستخدام الذكاء الاصطناعي بما يحترم الكرامة الإنسانية»، محذّراً من «فجوة أخلاقية» تسبق الفجوة الرقمية بين الدول.

وتُشارك السعودية حالياً في صياغة هذا الإطار عبر عضويتها في المجلس الاستشاري الدولي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الذي أُنشئ ضمن تحالف عالمي ترعاه الأمم المتحدة، ويُشارك فيه خبراء من أكثر من 30 دولة.

نحو دستور رقمي عالمي: أبرز محاضرات القمة

من بين أبرز محاضرات قمة جنيف هذا العام، كانت الكلمة الافتتاحية للدكتورة بيغي هيكس، مديرة شؤون الانخراط في مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي أكَّدت أن «الذكاء الاصطناعي ليس محايداً بطبيعته، بل يعكس خياراتنا نحن البشر». ودعت إلى وضع «دستور أخلاقي رقمي» عالمي يُنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يحمي الكرامة الإنسانية، ويراعي الفروقات الثقافية بين الشعوب. وقد لاقت كلمتها تفاعلاً واسعاً، خصوصاً مع مشاركة ممثلين عن أكثر من 100 دولة ومنظمات دولية مثل «اليونيسكو»، ومنظمة الصحة العالمية، والمنتدى الاقتصادي العالمي في نقاش مفتوح لصياغة إطار عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

الخصوصية... في مهب الريح

في عصر تتحوّل فيه البيانات الشخصية إلى سلعة رقمية، تُدق أجراس الإنذار بشأن انتهاك الخصوصية، لا سيما حين تُسخّر تقنيات الذكاء الاصطناعي في المراقبة واسعة النطاق دون ضوابط قانونية.

وفي مواجهة هذا التحدي، تتحرك الدول الواعية لوضع أطر قانونية تحمي مواطنيها، وهنا تبرز المملكة العربية السعودية مثالاً على هذا الاتجاه؛ إذ أقرت مؤخراً اللائحة العامة لحماية البيانات الشخصية، الصادرة عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، لتكون بمثابة مظلة تشريعية تضمن تنظيم جمع ومعالجة وتخزين البيانات وفق معايير شفافة ومُلزِمة، بما يُعزز الثقة الرقمية، ويحفظ كرامة الأفراد في الفضاء الإلكتروني.

هل للذكاء الاصطناعي ضمير؟

في عمق المختبرات والمراكز البحثية، لا ينحصر طموح العلماء في تطوير ذكاء يحاكي قدرات الإنسان، بل يمتد نحو ما يُعرف اليوم بـ«الذكاء الأخلاقي الآلي» (Machine Moral Reasoning)، محاولة لتعليم الآلة: كيف تفرّق بين الصواب والخطأ.

من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) إلى جامعة ستانفورد، وصولاً إلى جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية، تُجرى أبحاث متقدمة لدمج مفاهيم «الفلسفة الأخلاقية والمنطق الرياضي» داخل بنية الخوارزميات، بحيث تُصبح قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر عدلاً وإنصافاً، خصوصاً في مجالات حساسة مثل الرعاية الصحية، والعدالة الجنائية، والتوظيف.

لكن، ورغم هذا التقدم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للآلة أن تمتلك «ضميراً رقمياً»؟ هل تستطيع التمييز بين الإنصاف والإجحاف... بين النية الطيبة والخداع؟

ما زال الجواب مُعلّقاً في المستقبل، لكنه بالتأكيد يبدأ من قرارات الحاضر، ومن التزام البشر بوضع القيم في قلب التكنولوجيا، لا على هامشها.


مقالات ذات صلة

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد الناصر خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس)

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

كشف الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر، عن تحول جذري في كفاءة الشركة بفضل التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (دافوس - الرياض)
الولايات المتحدة​ صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو

من غزة إلى غرينلاند... ترمب يوجه رسائل بصور الذكاء الاصطناعي

ينشر الرئيس دونالد ترمب باستمرار، سواء عبر حسابه في تروث سوشال أو حساب البيت الأبيض، صوراً مولّدة عبر الذكاء الاصطناعي. هذه جولة عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كيف تضع السعودية نفسها في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

قبل أن تحسم رهانات الذكاء الاصطناعي بوادي السيليكون والعواصم الصناعية الكبرى كانت السعودية تتحرك على مسار موازٍ مدفوعة بمزيج نادر من رأس المال، والطاقة، والطموح

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تعتزم إطلاق أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها هذا العام

أعلن كريس ليهان كبير مسؤولي الشؤون العالمية في شركة «أوبن إيه آي» يوم الاثنين أن الشركة تعتزم الكشف عن أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها في 2026

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

لاري فينك من دافوس: في عصر الذكاء الاصطناعي «الثقة» هي العملة الأصعب

قال الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك، إن قدرة المنتدى الاقتصادي العالمي على الاستمرار والتأثير مرهونة بإعادة بناء الثقة وتوسيع دائرة المشاركة والحوار.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».