ناجون من طائرة أذربيجان: سمعنا دوي انفجارات قبل السقوط

فافا شبانوفا ناجية من حادثة تحطم طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية في كازاخستان (رويترز)
فافا شبانوفا ناجية من حادثة تحطم طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية في كازاخستان (رويترز)
TT

ناجون من طائرة أذربيجان: سمعنا دوي انفجارات قبل السقوط

فافا شبانوفا ناجية من حادثة تحطم طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية في كازاخستان (رويترز)
فافا شبانوفا ناجية من حادثة تحطم طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية في كازاخستان (رويترز)

قال أحد ركاب طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية التي تحطمت في كازاخستان، لوكالة «رويترز»، إنه سمع دوي انفجار قوي لدى اقتراب الطائرة من وجهتها في مدينة غروزني الواقعة بجنوب روسيا.

وتحطمت الرحلة «جيه 2-8243»، يوم الأربعاء، بالقرب من مدينة أكتاو في كازاخستان، بعد أن حولت مسارها من منطقة في جنوب روسيا، تنتشر فيها أنظمة الدفاع الجوي التي تُستخدم في إسقاط الطائرات المسيرة الأوكرانية. ولقي ما لا يقل عن 38 شخصاً حتفهم في هذه الواقعة، بينما نجا 29 شخصاً.

وقال سوبهونكول رحيموف أحد الركاب، لوكالة «رويترز»، من المستشفى: «بعد الانفجار... اعتقدت أن الطائرة ستتحطم»، مضيفاً أنه بدأ في الدعاء والاستعداد للموت بعد سماع دوي انفجار.

وقال: «كان من الواضح أن الطائرة تعرضت لأضرار بطريقة ما، كما لو كانت في حالة سكر. لم تعد الطائرة نفسها».

وقالت ناجية أخرى، لوكالة «رويترز»، إنها سمعت أيضاً دوياً قوياً. وأضافت فافا شبانوفا: «كنت خائفة جداً»، وأضافت أن انفجاراً ثانياً وقع أيضاً. ثم طلب منها مضيف الطيران أن تنتقل إلى مؤخرة الطائرة.

وقال الناجيان إن مشكلة ما وقعت فيما يبدو في مستويات الأكسجين بغرفة الركاب بعد الانفجار.

وقال مضيف الطيران ذو الفقار أسدوف، إن طلب الهبوط في غروزني قوبل بالرفض بسبب الضباب، لذا استدار الطيار، «وعند هذه النقطة سمعنا أصوات انفجارات خارج الطائرة».

وقال: «كان القائد قد ارتفع بالطائرة للتو حين سمعت صوت انفجار من الجناح الأيسر. حدثت 3 انفجارات». واصطدم شيء ما بذراعه اليسرى، وفقدت غرفة الركاب الضغط».

وبخلاف وصف هول الحادث، تقدم الروايات الشخصية للركاب نظرة لاحتمالات لما قد يكون وقوع الكارثة.

مضيف الطيران ذو الفقار أسدوف أحد الناجين من حادثة تحطم طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية في كازاخستان (رويترز)

وعلقت الخطوط الجوية الأذربيجانية عدداً من رحلاتها إلى المدن الروسية، اليوم (الجمعة)، وقالت إنها تعدّ أن الحادث ناجم عما تطلق عليه «تدخلاً خارجياً مادياً وتقنياً». ولم توضح الشركة طبيعة هذا التدخل.

وقالت 4 مصادر مطلعة على النتائج الأولية للتحقيق الذي تجريه أذربيجان، لوكالة «رويترز»، الخميس، إن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت الطائرة بالخطأ.

وقالت روسيا إن من الضروري انتظار انتهاء التحقيق الرسمي لمعرفة ما حدث للطائرة.

هبوط اضطراري

كانت الطائرة «إمبراير» انطلقت من باكو عاصمة أذربيجان إلى غروزني في جمهورية الشيشان بجنوب روسيا، قبل أن تنحرف عن مسارها مئات الأميال قبالة بحر قزوين.

وقال مضيف الطيران أسدوف: «قائد الطائرة قال إنه نُصح بالهبوط بالطائرة في البحر، لكنه قرر التوجه إلى أكتاو والهبوط بها على الأرض».

وأضاف: «حذر من أنه سيكون هناك هبوط اضطراري، وطلب منا أن نكون على أهبة الاستعداد وإعداد الركاب».

وتحطمت الطائرة على الشاطئ المقابل من بحر قزوين، بعد ما وصفته هيئة مراقبة الطيران الروسية بأنه حالة طوارئ ربما نجمت عن اصطدام بسرب طيور.

وأظهرت مقاطع مصورة التقطها الركاب على متن الطائرة قبل تحطمها سقوط أقنعة الأكسجين، وأشخاصاً يرتدون سترات النجاة. وأظهرت لقطات لاحقة ركاباً ملطخين بالدماء ومصابين بكدمات، وهم يخرجون من الطائرة.

وقال رحيموف إنه بعد كل ضجيج الهبوط الاضطراري، ساد صمت قبل أن يبدأ صعود صوت أنين الجرحى.

وسلط الحادث الضوء على المخاطر التي يتعرض لها الطيران المدني، حتى حين تحلق طائرات على بعد مئات الكيلومترات من منطقة حرب، خصوصاً حين تكون هناك حرب كبرى جارية باستخدام طائرات مسيرة.

ومن بين الكوارث السابقة، إسقاط الحرس الثوري الإيراني الرحلة «بي إس 752» للخطوط الجوية الدولية الأوكرانية في عام 2020، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها وعددهم 176 شخصاً.

وفي عام 2014، أسقط نظام الصواريخ «بو» الروسي الرحلة «إم إتش17» للخطوط الجوية الماليزية فوق شرق أوكرانيا، مما أدى إلى مقتل 298 فرداً من الركاب والطاقم.

وفي عام 1983، أسقط الاتحاد السوفياتي الرحلة 007 للخطوط الجوية الكورية، بعد أن انحرفت عن مسارها وحلقت في مجال جوي محظور.

وفي عام 1988، أثناء الحرب بين إيران والعراق، أسقطت المقاتلة الأميركية «فينسينز» طائرة تابعة للخطوط الجوية الإيرانية فوق الخليج، مما أسفر عن مقتل 290 شخصاً كانوا على متنها.

حرب المسيرات

وتعرضت طائرة الخطوط الجوية الأذربيجانية لمشكلة بالقرب من غروزني، التي تبعد أكثر من 850 كيلومتراً عن خطوط المواجهة في أوكرانيا، لكنها لا تزال هدفاً متكرراً للطائرات الأوكرانية المسيرة التي تضرب بعيداً خلف الخطوط الروسية.

وتستخدم روسيا معدات إلكترونية متطورة لإرباك أنظمة تحديد المواقع وأنظمة الاتصالات في الطائرات المسيرة الأوكرانية، وتستعين أيضاً بعدد كبير من أنظمة الدفاع الجوي لإسقاط الطائرات المسيرة.

ومنذ أن أرسلت روسيا آلاف الجنود إلى أوكرانيا في عام 2022، تلتف خطوط الطيران حول أوكرانيا، وتغلق روسيا المطارات الرئيسية في الجنوب الغربي.

وقال أندرو نيكلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «أوسبري فلايت سوليوشنز»: «نحن في صراع في تلك المنطقة، وهذا لن يتغير».

وأضاف: «في اللحظة الثانية التي تدخل فيها طائرة مدنية في المجال الجوي نفسه، فإنك تفاقم المخاطر بشدة، خصوصاً حين يكون هناك هجوم دائر بطائرات مسيرة ونشاط دفاع جوي قائم، كما الحال فيما حدث».

وقالت هيئة الطيران الروسية (روسافياتسيا)، الجمعة، إن الطائرة قررت تغيير مسارها من وجهتها الأصلية في الشيشان، وسط ضباب كثيف وتحذير محلي من طائرات مسيرة أوكرانية.

وقالت «روسافياتسيا» إن قائد الطائرة عُرضت عليه مطارات أخرى للهبوط، لكنه اختار مطار أكتاو في كازاخستان. وأضافت أنها ستقدم دعماً شاملاً للتحقيقات في كازاخستان وأذربيجان في الحادث.

ورداً على سؤال بشأن ما أثير عن أن الدفاعات الجوية الروسية هي التي أسقطت الطائرة عن طريق الخطأ، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، اليوم (الجمعة)، إنه ليست لديه معلومات إضافية، وإنه لا يريد تقديم أي تقييمات قبل ظهور نتائج التحقيقات الرسمية.


مقالات ذات صلة

مقتل 66 على الأقل بحادث تحطم طائرة عسكرية في كولومبيا

أميركا اللاتينية أفراد من الجيش الكولومبي في موقع تحطم الطائرة العسكرية (رويترز)

مقتل 66 على الأقل بحادث تحطم طائرة عسكرية في كولومبيا

قُتل 66 شخصاً وأصيب العشرات بجروح في تحطّم طائرة عسكرية تقل 125 شخصاً أثناء إقلاعها في جنوب كولومبيا، وفقاً لحصيلة أفاد بها مصدر عسكري «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)
الولايات المتحدة​ مقاتلة «أف-35» شبح أميركية (أ.ب)

هبوط اضطراري لمقاتلة «أف-35» أميركية يشتبه بتعرضها لنيران إيرانية

قال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة الوسطى الأميركية، في بيان «هبطت الطائرة بسلام، وحالة الطيار مستقرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)

تحطم طائرة تزود بالوقود أميركية في غرب العراق

أعلن الجيش الأميركي الخميس تحطم إحدى طائراته للتزود بالوقود جوا من طراز «كي سي 135 ستراتوتانكر» في غرب العراق، بينما هبطت بسلام طائرة ثانية شملتها الحادثة.

«الشرق الأوسط»
يوميات الشرق جون إف. كينيدي جونيور وكارولين بيسيت قصة حب عاصفة انتهت بتحطّم طائرة (منصة إف إكس هولو)

تراجيديا حب جون كينيدي وكارولين بيسيت تعود إلى الحياة عبر الشاشة

مسلسل جديد يروي قصة حب جون كينيدي الابن وكارولين بيسيت، التي انتهت بموتهما معاً في حادث تحطّم طائرة كان يقودها كينيدي.

كريستين حبيب (بيروت)
شؤون إقليمية حطام الطائرة وقد تناثر بالقرب من طريق بورصة-إزمير السريع (متداولة)

تحطم «إف 16» تركية ومقتل الطيار

شهدت مدينة باليكيسير التركية حادث تحطم مروع لطائرة «إف 16» صباح اليوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».