كيم يهدّد واشنطن ﺑ«إبادة نووية»... حرب خاسرة تطيح بنظامه وتدمّر كوريا الشمالية

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يحضر الاجتماع العام الثامن للجنة المركزية الثامنة لحزب العمال الكوري في مقر الحزب في بيونغ يانغ بكوريا الشمالية 31 ديسمبر 2023 (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يحضر الاجتماع العام الثامن للجنة المركزية الثامنة لحزب العمال الكوري في مقر الحزب في بيونغ يانغ بكوريا الشمالية 31 ديسمبر 2023 (رويترز)
TT

كيم يهدّد واشنطن ﺑ«إبادة نووية»... حرب خاسرة تطيح بنظامه وتدمّر كوريا الشمالية

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يحضر الاجتماع العام الثامن للجنة المركزية الثامنة لحزب العمال الكوري في مقر الحزب في بيونغ يانغ بكوريا الشمالية 31 ديسمبر 2023 (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يحضر الاجتماع العام الثامن للجنة المركزية الثامنة لحزب العمال الكوري في مقر الحزب في بيونغ يانغ بكوريا الشمالية 31 ديسمبر 2023 (رويترز)

في حين هدد زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الأحد، بـ«محو» كوريا الجنوبية والولايات المتحدة (بالأسلحة النووية) إذا بدأتا معه مواجهة مسلحة، يعرّض الزعيم الكوري بلاده، فيما لو اتخذ قرار الضغط على الزر النووي، لخطر دمار شامل سيجلب أهوالاً على شعبه ويسطّر نهاية نظامه، في حرب غير متكافئة مع قوة عسكرية نووية وتكنولوجية كبرى، لن تتوانى فيها هذه القوة (أميركا) عن اتخاذ أقصى درجات الردع لحماية نفسها وحلفائها، والرد على استهداف نووي يهدد وجودها ويهدد بتقويض الأمن العالمي.

صورة من عملية إطلاق صاروخ تجريبي من نوع كروز أجرتها وزارة الدفاع الأميركية في جزيرة سان نيكولاس كاليفورنيا بالولايات المتحدة 18 أغسطس 2019 (رويترز)

كيم يهدّد بإبادة نووية

أمر الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون كبار المسؤولين العسكريين في بلاده بـ«محو» كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في حال بدأتا مواجهة مسلحة ضده، حسبما أفادت وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية، الاثنين.

وقال كيم خلال اجتماع مع كبار القادة الكوريين الشماليين في بيونغ يانغ، الأحد: «إذا اختار العدو المواجهة والاستفزاز العسكري إزاء (جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية)، فيجب على جيشنا أن يوجه له ضربة قاتلة لمحوه تماماً عبر حشد أقوى الوسائل».

يأتي هذا التهديد الذي أطلقه كيم مع تزايد النشاط النووي في كوريا الشمالية. وقد ذكرت وسائل إعلام رسمية في كوريا الشمالية، الأحد، أن كيم جونغ أون تعهد بتكثيف إنتاج الرؤوس الحربية النووية وبناء صاروخ باليستي عابر للقارات أكثر قوة، بينما وصف كوريا الجنوبية بأنها «العدو بلا شك» لبلاده.

خلال اختبار بحرية كوريا الشمالية صاروخ كروز في هذه الصورة غير المؤرخة التي نشرتها وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية في 21 أغسطس 2023 (رويترز)

حرب نووية تطيح نظام بيونغ يانغ

رغم التهديدات التي أطلقها الزعيم الكوري الشمالي بخوض حرب إفناء نووية ضد أعدائه، فإن معطيات القدرات التي يمتلكها نظام كيم مقارنة بما تمتلكه واشنطن من قدرات نووية ضخمة، وقدرات عسكرية هي الأقوى في العالم، تشير إلى أن أي مواجهة نووية قد يُقدم زعيم بيونغ يانغ على إشعالها، ستأتي بوبال ودمار غير مسبوقين يلحقان ببلاده ويطيحان بنظامه، ولن ينجح فيها بكسر القوة الأميركية. فحتى لو تلقّت واشنطن خسائر كبيرة بحرب نووية ضد بيونغ يانغ - وهي خسائر كبيرة غير مؤكدة نظراً للقدرات والاستعدادات الدفاعية الأميركية الكبيرة للمواجهة المحتملة - فإنّ واشنطن ستزيد في المقابل من ضخامة ردها على هكذا هجوم، وستلحق دماراً مضاعفاً تتكبده بيونغ يانغ.

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس كارل فينسون» التي تعمل بالطاقة النووية تصل إلى ميناء في بوسان بكوريا الجنوبية يوم 21 نوفمبر 2023 (رويترز)

تشير التقديرات إلى أن كوريا الشمالية تمتلك 30 رأساً حربياً نووياً، في تقديرات الأول من يناير (كانون الثاني) 2023، ولديها المواد الانشطارية اللازمة لصنع ما يقدر بنحو 50 إلى 70 سلاحاً نووياً، وفق موقع «جمعية مراقبة الأسلحة» الأميركية. وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 5200 رأس نووي، حسب موقع «اتحاد العلماء الأميركيين»، في حين تتفوق الأسلحة النووية الأميركية بقدراتها على تلك التي لكوريا الشمالية، حيث تمتلك الولايات المتحدة عدداً كبيراً من الأسلحة النووية الاستراتيجية والتكتيكية عالية الفاعلية، في حين أن أسلحة كوريا الشمالية النووية لا تمتلك قدرات الأسلحة النووية الأميركية، رغم أنها تبقى أسلحة دمار شامل.

الغواصة الأميركية «يو إس إس ميسوري» التي تعمل بالطاقة النووية في قاعدة بحرية لكوريا الجنوبية في بوسان بكوريا الجنوبية الأحد 17 ديسمبر 2023 (أ.ب)

وفيما يخص الفارق بين الأسلحة النووية الاستراتيجية والأسلحة النووية التكتيكية، يقول الخبير العسكري رواد مسلّم لـ«الشرق الأوسط»: إنّ الرأس النووي التكتيكي الذي يُستخدم لضرب أهداف عسكرية في بقعة محددة، يتضمّن حمولة تفجيرية تتراوح بين 10 و100 كيلو طن (1 كيلو طن يساوي 1000 طن من مادة TNT)، ويمكن إطلاق هذا الرأس إمّا بواسطة صواريخ بحرية (من الغواصات أو السفن)، وإمّا بواسطة صواريخ جوية تطلقها المقاتلات، أو من خلال نظام إطلاق الصواريخ الأرضية. أمّا حمولة الرأس الاستراتيجي فتتراوح بين 500 و800 كيلو طن ومداه أطول من التكتيكي. وبالنسبة إلى الفاعلية، جدير بالذكر أنّ قنبلة ناكازاكي عام 1945 كانت بحمولة 21 كيلو طن، أي ذات رأس تكتيكي، وفق الخبير مسلّم.

صورة تم التقاطها في 23 ديسمبر 2023، تُظهر السفينة الحربية الجديدة التابعة للبحرية الكورية الجنوبية تشيونان في بيونغتايك (أ.ف.ب).

الضربة النووية الأولى

يرجّح خبراء أن تكون كوريا الشمالية أول من يستخدم الأسلحة النووية إذا اندلعت الحرب في شبه الجزيرة الكورية؛ لأنه من الناحية العسكرية، فإن جيشها التقليدي أقل قدرة بوضوح من القوات المقابلة (القوات الأميركية بشكل خاص)، ومن الناحية الاستراتيجية، فإن أي صراع خطير بين الكوريتين سوف يتحول بسرعة إلى صراع وجودي بالنسبة لكوريا الشمالية، وفق «نشرة علماء الذّرة»، المتخصصة بقضايا العلم والأمن العالمي. لذلك فإن بيونغ يانغ ترى أن لجوءها إلى السلاح النووي يحقق نوعاً من الردع بالنسبة لها بوجه التفوّق العسكري التقليدي الذي تميل كفّته بأريحية لصالح الأميركيين وحلفائهم الكوريين الجنوبيين.

مدافع هاوتزر ذاتية الحركة من طراز K9 تابعة لفيلق المناورة السابع بالجيش الكوري الجنوبي تطلق النار على ميدان للرماية في بوتشون 2 يناير 2024 (د.ب.أ)

تبين تصريحات الزعيم الكوري الشمالي أنه قد يتّجه في حال اندلاع حرب مع كوريا الجنوبية، لاتخاذه قرار سريع بإطلاق صواريخ نووية نحو الجنوب، وربما يحاول أن يوصل صواريخه النووية إلى البر الأميركي. لكن كيم يعي جيداً أن الأميركيين يأخذون احتياطاتهم بشكل خاص منذ صعود التهديد النووي لكوريا الشمالية؛ إذ يعلم الأميركيون أن ترك الترسانة الكورية الشمالية دون رقابة شديدة، يشكّل خطراً داهماً يحدق بالبر الأميركي، ويحوّل الصراع إلى حرب وجودية للولايات المتحدة. ومن المرجّح جداً أن تتصدى الدفاعات الأميركية للصواريخ التي قد تطلقها كوريا الشمالية نحو البر الأميركي فيما لو صعّدت بيونغ يانغ إلى حد إطلاقها رأساً نووياً أو أكثر باتجاه الولايات المتحدة، في تصعيد من المرجح جداً أن تكون عواقبه دماراً شاملاً على بيونغ يانغ، ونهاية لنظام كيم جونغ أون.

كوريون شماليون يزورون «مانسو هيل» لوضع ورود أمام تمثالي الزعيمين الكوريين الشماليين الراحلين كيم إيل سونغ وكيم جونغ إيل يوم 17 ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

الدفاع عن الحلفاء

يتساءل خبراء أميركيون أنه في حال قامت بيونغ يانغ باستهداف كوريا الجنوبية (أو اليابان) حليفة واشنطن بضربة نووية - دون أن تقوم كوريا الشمالية باستهداف الأراضي الأميركية - فهل تخاطر واشنطن برد نووي على كوريا الشمالية رداً على استهداف الأخيرة لحليفتها، وتخاطر بالتالي بأن تعرّض مدن الولايات المتحدة لخطر استهداف نووي؟

لذا، فإنّ الولايات المتحدة تعمل منذ مدة، لتأمين المظلّة النووية لحلفائها في شرق آسيا وتأمين البر الأميركي في الوقت نفسه من خطر هجوم نووي، على تعزيز الدفاعات العسكرية بوجه كوريا الشمالية، والتحسّب لأي تصعيد نووي في شرق آسيا بشكل خاص. وتحتاط واشنطن بالتالي لتكون قادرة على الرد بحزم ضد أي تصعيد خطير قد يهدد حلفاءها والأمن العالمي. فهجوم بصاروخ نووي تشنه كوريا الشمالية على كوريا الجنوبية، في حال لم يلق رداً أميركياً كبيراً رادعاً ضد بيونغ يانغ - أقلّه بحجم قوة الهجوم الكوري الشمالي - من شأنه أن يزعزع الأمن والنظام الدوليين، وسيفتح شهية التوسعات العسكرية لدول عديدة تنتظر فرصتها لتغيير معادلات جيوسياسية، ويزيد من سباق التسلّح النووي العالمي، ويزعزع صورة الولايات المتحدة كدولة ضامنة للاستقرار. لذا، فإنه من المستبعد جداً ألّا يكون الرد الأميركي على أي مغامرة عدوانية نووية من بيونغ يانغ أو من غيرها، رداً صارماً ومكلفاً نتيجة هكذا عدوان، يحافظ على مكانة واشنطن ويحمي معها الاستقرار والنظام العالميين من الانهيار الكبير.

جنود يحضرون حفل تفعيل منظمة مراقبة الفضاء United States Space Forces Korea التي تم إنشاؤها بهدف مراقبة الأنشطة النووية والصاروخية لكوريا الشمالية في 14 ديسمبر 2022 في بيونغتايك بكوريا الجنوبية (رويترز)

من هذا المنطلق، يرجَّح أن يأتي الرد الأميركي على أي استخدام نووي من الجانب الكوري الشمالي، حازماً بالأسلحة التقليدية أو بالسلاح النووي، بحيث يضرب الجيش الأميركي بعمليات استهداف موجهة وسريعة ومكثّفة، مراكز إطلاق الصواريخ والأسلحة والمفاعلات النووية الكورية الشمالية، مما يعيد الحرب بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من جهة، وكوريا الشمالية من جهة ثانية، إلى حرب تقليدية يتفوق فيها الجانب الأميركي بشكل كبير في طريقه لتحقيق انتصار بري داخل الأراضي الكورية الشمالية.

فالولايات المتحدة التي تمتلك تكنولوجيا عسكرية وترسانة نووية كبرى، تتفوق بميزان القوة بشكل كبير على قدرات كوريا الشمالية، ولن تسمح واشنطن بأن تتكبد خسائر جسيمة في استهداف نووي يطول مدناً أميركية، وهي بالتالي مستعدة لشل قدرات بيونغ يانغ، إن أقدمت الأخيرة على هجوم نووي أو بيولوجي، عبر شن الجيش الأميركي ضربات كبيرة ومركّزة.

قاذفات قنابل تابعة للقوات الجوية الأميركية وطائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية الكورية الجنوبية ، وطائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية اليابانية، خلال تمرين جوي مشترك الأربعاء 20 ديسمبر 2023 (أ.ب)

ما بين توسّع دائرة الصراع وانحسارها

من شأن تصعيد عسكري كبير، إذا اندلع في شبه الجزيرة الكورية، أن يوسع دائرة الصراع ليطول أيضاً الصين، حليفة بيونغ يانغ؛ إذ من المرجح أن تدخل الصين إلى جانب حليفتها لمنع سقوط نظام كيم لصالح كوريا الجنوبية حليفة واشنطن غريمة بكين. لكنه من المستبعد أن تستخدم الصين قدرات عسكرية غير تقليدية دعماً لكوريا الشمالية في مواجهة مع الولايات المتحدة؛ إذ إنه من المرجّح أن تعتمد بكين على تقديم الدعم العسكري التقليدي، بداية بالدعم بالأسلحة، ثم قد تُدخل الصين جيشها في الصراع فيما لو رأت أن كوريا الشمالية تتعرض لهزيمة كاسحة، في تدخّل يهدف لمنع سقوط حليفتها.

جنود جيش التحرير الشعبي الصيني يشاركون في عرض عسكري في قاعدة جزيرة ستونكاترز البحرية في هونغ كونغ (رويترز - أرشيفية)

أما من ناحية روسيا الغارقة في حرب استنزاف في أوكرانيا منذ أن غزتها موسكو في فبراير (شباط) 2022، فإنه من غير المرجّح أن تنخرط موسكو أو تساعد كوريا الشمالية عسكرياً، إلا أنها ستقدّم الدعم الدبلوماسي لنظام بيونغ يانغ، وربما الاستخباراتي.

وفيما إذا كانت الصين مستعدّة لتدخل في مواجهة نووية في حرب شاملة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن كوريا الشمالية، فإن بكين تبدو غير مستعدّة أبداً لمثل هذا الخيار، تخوض فيه غمار حرب تكلفها دماراً شاملاً، كما أنه من غير المتوقع أبداً أن تصعّد واشنطن في إطلاق حرب نووية ضد الصين؛ تجنباً أيضاً لتكلفة هكذا مواجهة.

وبما أن للصين نفوذاً على كوريا الشمالية، لا سيما من الناحية الاقتصادية، فإن بكين على الأرجح، ستضغط لتمنع أي تصعيد عسكري كبير من جانب حليفتها بيونغ يانغ، لا سيما فيما يخص إقدام الأخيرة على إطلاق صواريخ نووية في حرب مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. فليس من مصلحة الصين التصعيد العسكري بحرب في شبه الجزيرة الكورية، ولا أن تتوسع الحرب وتصبح حرباً صفرية بالنسبة للولايات المتحدة - القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم - حيث تكون الصين في هذه الحرب منخرطة إلى جانب كوريا الشمالية. هذا سيناريو تراه الصين خطيراً جداً، يهدد بقطع العلاقات الاقتصادية الحيوية والكبيرة بين الصين والغرب عامة، مما قد يؤدي إلى ضربة كبرى للاقتصاد الصيني، إضافة إلى تهديده بحرب دمار شامل بين القوتين العظميَين، كلتاهما لا تتمناها، وتحرصان على تجنبها.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)

واشنطن تدعو القوات السورية لوقف «أي أعمال هجومية» بين حلب والطبقة

 حضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، القوات الحكومية السورية على وقف «أي أعمال هجومية».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) play-circle

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي.

هشام المياني (القاهرة)
الولايات المتحدة​ صيدلي يتحقق من وزن أقراص الباراسيتامول في الهند (رويترز) play-circle

مراجعة علمية دقيقة تفند مزاعم ترمب: الباراسيتامول آمن أثناء الحمل

أظهرت مراجعةٌ علميةٌ دقيقةٌ للأدلة أن تناول الباراسيتامول أثناء الحمل لا يزيد من احتمالية إصابة الطفل بالتوحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.