زعماء «العشرين» يشيدون بنتائج قمة نيودلهي

لافروف احتفى بنجاحها... وبايدن التقى رئيس الوزراء الصيني على هامشها

TT

زعماء «العشرين» يشيدون بنتائج قمة نيودلهي

مودي وبايدن وزعماء آخرون يصلون إلى نصب مهاتما غاندي التذكاري (إ.ب.أ)
مودي وبايدن وزعماء آخرون يصلون إلى نصب مهاتما غاندي التذكاري (إ.ب.أ)

أشاد الزعماء المشاركون في قمة العشرين بنجاحها، غداة إعلان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي التوصل إلى بيان ختامي مشترك رغم الانقسامات المرتبطة بحرب أوكرانيا.

واعتبر نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، جون فاينر، الإعلان «خطوة كبيرة إلى الأمام» فيما يتعلق بسيادة الدول ووحدة أراضيها. وأوضح في تصريحات صحافية، الأحد، أن البيان يعكس «اتّحاد الاقتصادات الكبرى حول العالم بشأن الحاجة إلى دعم القانون الدولي، وأن تقوم روسيا باحترام القانون الدولي». أما وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، فاعتبر إعلان مجموعة العشرين «نجاحاً لموسكو». وقال قبل مغادرته نيودلهي، الأحد، إنه «بفضل وحدة الجنوب العالمي، بما في ذلك الدولة المضيفة الهند، كان من الممكن منع هيمنة أوكرانيا على القمة». وأضاف أنه بدلاً من ذلك تم إصدار «إعلان صادق ومتوازن» بشأن الدول النامية ضمن مجموعة العشرين.

تحية من رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي للإعلاميين في اختتام أعمال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي مؤشّر آخر على نجاح القمة في تقريب وجهات النظر، عقد الرئيس الأميركي جو بايدن لقاءً مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ الذي قاد وفد بلاده في غياب الرئيس شي جينبينغ. وقال بايدن، خلال مؤتمر صحافي عقده لدى زيارته هانوي، أمس: «التقيت المسؤول الثاني» في هيكلية الحكم في الصين. وأضاف: «تحدثنا عن الاستقرار»، مشيراً إلى أن الاجتماع «لم يكن صدامياً على الإطلاق».

إعلان مشترك

قال مودي للزعماء المشاركين في قمة العشرين بنيودلهي إنه «على خلفية العمل الدؤوب من جانب جميع الفرق، توصّلنا إلى توافق في الآراء بشأن إعلان قمة زعماء مجموعة العشرين. أعلن تبني هذا الإعلان». ودعا الإعلان، الذي صدر السبت، «جميع الدول إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك ما يتعلق بسلامة الأراضي والسيادة والقانون الإنساني الدولي والنظام متعدد الأطراف الذي يحمي السلام والاستقرار». وأضاف: «نرحب بجميع المبادرات ذات الصلة والبنّاءة التي تدعم السلام الشامل والعادل والدائم في أوكرانيا»، مضيفاً أن «استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها غير مقبول».

كما شدّد البيان المشترك على تنفيذ مبادرة البحر الأسود من أجل التدفق الآمن للحبوب والأغذية والأسمدة من أوكرانيا وروسيا. وكانت موسكو قد انسحبت من الاتفاق في يوليو (تموز) بسبب ما قالت إنه عدم وفاء بمتطلبات تنفيذ الاتفاق الموازي، الذي يُسهّل صادراتها من الغذاء والأسمدة. وكانت الهند تخشى تسبب اختلاف الآراء بخصوص حرب أوكرانيا في عرقلة التوصل لأي اتفاق على بيان ختامي.

مودي برفقة رئيس الاتحاد الأفريقي غزالي عثماني (أ.ف.ب)

وإلى جانب حرب أوكرانيا، لفت الإعلان إلى توافق المجموعة على معالجة نقاط الضعف المتعلقة بالديون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل «بطريقة فعالة وشاملة ومنهجية». وأضاف أنّ الدول تعهدت بتعزيز وإصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف، كما قبلت الاقتراح الخاص بتشديد القواعد التنظيمية للعملات المشفرة.

كما رحّبت مجموعة العشرين رسمياً، السبت، بانضمام الاتحاد الأفريقي إلى صفوفها، في خطوة تُعدّ إنجازاً دبلوماسياً للهند التي تقود جهوداً مكثّفة بهذا الاتّجاه منذ أشهر.

خيبة أمل أوكرانية

قوبل الإعلان المشترك لدول مجموعة العشرين بانتقاد أوكراني. ونشر المتحدث باسم وزارة الخارجية أوليغ نيكولينكو صورة للجزء المتعلق ببلاده في نصّ الإعلان المشترك، وشطب أجزاء عدة باللون الأحمر، واستبدل بها كلمات تعكس موقف كييف بأنها «ضحية لعدوان روسي غير مبرر». وكتب نيكولينكو على منصّة «X»: «من الواضح أن مشاركة الجانب الأوكراني (في اجتماع مجموعة العشرين) كانت ستسمح للمشاركين بفهم الوضع بشكل أفضل». وعلى الرغم من خيبة أمله إزاء إعلان مجموعة العشرين، شكر نيكولينكو حلفاء أوكرانيا على دورهم في الدفع بموقف أوكرانيا في الإعلان. وقال إن بلاده «ممتنة للشركاء الذين حاولوا إدراج صِيَغ قوية في النص».

في المقابل، رأى المستشار الألماني أولاف شولتس أن الفقرات الخاصة بحرب أوكرانيا في بيان القمة «نجاح». وأشاد، خلال مؤتمر صحافي، بالفقرات التي تؤكد على «سلامة أراضي» كل الدول، مشيراً إلى أنه كان بالنسبة له نجاحاً أن «روسيا تخلت في نهاية المطاف عن اعتراضها على مثل هذا القرار، ببساطة لأن كل الآخرين تحركوا في هذا الاتجاه»، في إشارة ضمنية إلى الصين.

ماكرون لدى عقده مؤتمراً صحافياً

بدوره، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن مجموعة العشرين ليست بالضرورة المكان المناسب لتوقع تحقيق تقدم دبلوماسي بشأن الحرب في أوكرانيا. وتابع في مؤتمر صحافي، الأحد، أن إعلان مجموعة العشرين «لا يمثل نصراً دبلوماسياً لروسيا، التي خرجت من القمة منعزلة».

200 ساعة من المفاوضات

وفي منشور على منصة «إكس»، قال المسؤول الهندي أميتاب كانت، الذي يعد من أبرز منظمّي قمة الهند، إن النص التوافقي بشأن أوكرانيا في الإعلان الختامي تطلب «أكثر من 200 ساعة من المفاوضات المتواصلة، و300 اجتماع ثنائي، و15 مشروعاً». وأشار كانت إلى أن البرازيل كانت من بين البلدان التي ساعدت في التوصل إلى توافق على الفقرة المخصصة لأوكرانيا ضمن البيان.

لافروف وبايدن لدى مشاركتهما في أعمال القمة السبت (أ.ف.ب)

من جانبه، قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في ختام قمة المجموعة السنوية التي وصفها بـ«الناجحة»، إنه «لا يمكننا ترك القضايا الجيوسياسية تهيمن على جدول أعمال مباحثات مجموعة العشرين... لا مصلحة لدينا في مجموعة عشرين منقسمة، نحتاج إلى السلام والتعاون بدلاً من النزاعات».

وسلّم مودي الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين إلى لولا، الأحد، مؤكداً «دعمه». وقال إنه متأكد من أنه سيكون قادراً على «تحقيق أهدافنا المشتركة». ومن المقرر عقد القمة المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في ريو دي جانيرو.

دعوة لبوتين

قال لولا، الذي ترأس بلاده مجموعة العشرين في دورتها الجديدة، إن بوتين سيتلقّى دعوة لزيارة المدينة البرازيلية. وأكّد في مقابلة على قناة «فيرستبسوت» (Firstpost) التلفزيونية الهندية، أنه لن يتم القبض عليه على الرغم من مذكّرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في مارس (آذار)، التي تتّهمه بارتكاب جرائم حرب، لترحيل أطفال أوكرانيين. وينفي الكرملين اتهامات المحكمة الجنائية الدولية، ويؤكد أنّ مذكّرة الاعتقال بحق الرئيس الروسي «باطلة».

لقاء أميركي - صيني

أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن، الأحد، إجراء أرفع محادثات مباشرة مع القيادة الصينية منذ أشهر. وقال إن التقلبات الاقتصادية في الصين لن تدفعها إلى غزو تايوان.

رئيس الوزراء الصيني لدى مشاركته في قمة «آسيان» بجاكارتا في 6 سبتمبر (رويترز)

وأضاف بايدن للصحافيين: «فريقي وطاقمي لا يزالون يجتمعون مع فريق الرئيس شي (جينبينغ) وحكومته... التقيت في الهند اليوم (الأحد) برجله الثاني» في إشارة إلى رئيس الوزراء لي تشيانغ، لافتاً إلى أن محادثاتهما تناولت الاستقرار ونصف الكرة الجنوبي. وقال إن الاقتصاد الصيني يعاني بسبب تباطؤ النمو عالمياً، لكنه لن يدفع بكين إلى اتخاذ خطوات لتغيير الوضع الراهن في تايوان التي تتمتع بالحكم الذاتي.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.