معركة السيطرة على الكونغرس ليست معركةً واحدةً فحسب. فالسلطة التشريعية تتألف من مجلسين، هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ولكل منهما تركيبته وصلاحياته الخاصة، التي تتقاطع في بعض المجالات وتختلف في أخرى. ويُعدُّ مجلس النواب الأقرب إلى ما يمكن وصفه بمجلس الشعب، ويتألف من 435 نائباً يمثلون الدوائر الانتخابية في الولايات الأميركية الخمسين، ويُنتخَبون لولاية مدتها سنتان.
وفي الكونغرس الحالي، الـ119، يتمتع الجمهوريون بأغلبية هشة في مجلس النواب. وفي هذه الجولة الانتخابية، يسعى الديمقراطيون إلى انتزاع الأغلبية، وهو ما يتطلب منهم تحقيق مكسب صافٍ بـ3 مقاعد مقارنة بنتائج انتخابات 2024، حين فاز الجمهوريون بـ220 مقعداً مقابل 215 للديمقراطيين. رقم قد يبدو صغيراً وبسيطاً، لكن تحقيقه ليس سهلاً، خصوصاً في ظلِّ خريطة انتخابية جديدة رُسمت في بعض الولايات بعد معركة محتدمة بين الحزبين حول إعادة ترسيم الدوائر.
التاريخ في مواجهة حزب الرئيس
تاريخياً، غالباً ما يخسر حزب الرئيس مقاعد في الانتخابات النصفية، لا سيما في مجلس النواب، حيث أدت هذه الخسائر في محطات سابقة إلى انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر.

ففي عام 1994، خسر الديمقراطيون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال عهد الرئيس بيل كلينتون. وفي عام 2006، انتقلت الأغلبية إلى الديمقراطيين خلال ولاية الرئيس جورج بوش الابن، قبل أن يستعيدها الجمهوريون عام 2010، إثر خسارة الديمقراطيين أكثر من 60 مقعداً في عهد الرئيس باراك أوباما.
وتكرَّر المشهد عام 2018، عندما خسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى. وفي عام 2022، فقد الديمقراطيون أغلبيتهم في عهد الرئيس جو بايدن. غير أن هذه القاعدة التاريخية لا تنطبق بالضرورة على جميع الانتخابات. ومن أبرز الاستثناءات انتخابات عام 2002، حين عزَّز الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال عهد جورج بوش الابن، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وسط التفاف شعبي حول الرئيس وتصدّر قضايا الأمن القومي المشهد الانتخابي.
سباقات متقاربة
أما هذا العام، فيبدو المشهد أكثر تعقيداً واختلافاً. فمن جهة، شهدت بعض الولايات إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية وسط معارك سياسية وقانونية بين الحزبين. ومن جهة أخرى، تتصدر اهتمامات الناخب الأميركي ملفات عدة، من الاقتصاد وتكلفة المعيشة، مروراً بالحرب مع إيران، وصولاً إلى الهجرة.

وقد انعكست هذه العوامل على المنافسة في عدد من الدوائر الانتخابية الـ435. وبحسب تصنيفات «كوك بوليتيكال ريبورت»، يُصنَّف 21 سباقاً ضمن فئة «المنافسة المتكافئة»، ما يسلّط الضوء على الدور الحاسم الذي قد تؤديه مجموعة محدودة من الدوائر في تحديد هوية الأغلبية المقبلة.
وتبرز نيويورك في مقدمة الولايات الجديرة بالمتابعة، وتحديداً دائرتها الانتخابية الـ17. فهذه الدائرة، التي صوّتت للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس في انتخابات 2024، تشكّل اختباراً مهماً للديمقراطيين، إذ يمثلها النائب الجمهوري مايك لاولر منذ عام 2023، ويواجه في السباق الحالي المرشحة الديمقراطية كايت كونلي. وإذا تمكَّن لاولر من الاحتفاظ بمقعده، فسيثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة الديمقراطيِّين على استعادة المقاعد في الدوائر المتأرجحة.
وتأتي بنسلفانيا في مقدمة الولايات الأخرى الجديرة بالمراقبة، وتحديداً 3 دوائر يدافع فيها الجمهوريون عن مقاعدهم، هي الـ7، والـ8، والـ10، وقد صوّتت جميعها لترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2024. وستشكّل نتائج هذه الدوائر مؤشراً على مدى قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بدعم ناخبي ترمب في انتخابات الكونغرس، ومدى انعكاس المزاج السياسي الوطني على خيارات الناخبين في المنافسات المحلية.

أما استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية وتكلفة المعيشة، فيُتوقّع أن يبرز بصورة خاصة في ولاية أيوا، التي صوَّتت لصالح ترمب في انتخابات 2024. ففي هذه الولاية، تتصدَّر قضايا تكلفة المعيشة والرسوم الجمركية وأسعار الوقود والأسمدة أولويات المنافسة الانتخابية، خصوصاً في الدوائر الأولى والثانية والثالثة.
واللافت أن «كوك بوليتيكال ريبورت» عدّل تصنيفه لهذه الدوائر الـ3 في اتجاه أكثر ملاءمة للديمقراطيِّين، فنقل الدائرتين الأولى والثالثة من خانة المنافسة المتكافئة إلى خانة الميل للديمقراطيين، بينما نقل الدائرة الثانية من خانة الميل للجمهوريين إلى خانة المنافسة المتكافئة.
إعادة رسم الخرائط
تبرز أيضاً الولايات التي شهدت إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية، وفي مقدمتها تكساس، حيث أعاد الجمهوريون رسم الخريطة سعياً إلى انتزاع 5 مقاعد إضافية في مجلس النواب.
لكن المفارقة أن 3 دوائر في جنوب تكساس ظلّت موضع منافسة رغم تعديل حدودها، وهي الدوائر الـ28 والـ34 والـ35. ولا تقتصر السباقات الجديرة بالمتابعة في هذه الولاية الجمهورية بامتياز على تلك الدوائر، إذ سيكون من المهم أيضاً مراقبة الدائرة الـ15، التي قد تعكس اتجاهات تصويت الناخبين من أصول لاتينية، خصوصاً فيما يتعلق بملف الهجرة.

وتشهد فلوريدا مشهداً مماثلاً، بعدما أعادت رسم خريطتها الانتخابية لتعزيز فرص الجمهوريين في انتزاع مقاعد إضافية من الديمقراطيين، في ولاية يشكّل فيها ملف الهجرة قضية أساسية لدى شريحة واسعة من الناخبين من أصول لاتينية. وفي هذا السياق، تبرز الدائرتان الـ19 والـ14، حيث يسعى الديمقراطيان دارين سوتو وكاثي كاستور إلى الاحتفاظ بمقعديهما، بعدما أصبحت الحدود الجديدة للدائرتين أكثر ملاءمة للجمهوريين.
أما الدائرة الـ27، فتختلف فيها طبيعة المنافسة، إذ تسعى النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار إلى الاحتفاظ بمقعدها في منطقة ذات كثافة لاتينية، وسط جدل بشأن سياسات إدارة ترمب المتعلقة بالهجرة والترحيل. وقد انتقدت سالازار علناً هذه السياسات، في موقف يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها بعض النواب الجمهوريين في الموازنة بين توجهات الإدارة ومواقف ناخبيهم.
كاليفورنيا... الخريطة الديمقراطية المضادة
غير أنَّ إعادة رسم الخرائط الانتخابية لم تقتصر على الولايات الجمهورية. كاليفورنيا، التي تمتلك أكبر وفد في مجلس النواب بـ52 مقعداً، تليها تكساس بـ38 مقعداً، ثم فلوريدا بـ28 مقعداً، تتصدَّر ما يمكن وصفه بالتحرك الديمقراطي المضاد على صعيد إعادة ترسيم الدوائر.

فقد أعادت الولاية رسم دوائرها بما يعزِّز فرص الديمقراطيين في الفوز بعدد من المقاعد التي يسيطر عليها الجمهوريون. وفي كاليفورنيا، لا ينحصر هدف الديمقراطيِّين في الحفاظ على أغلبيتهم داخل الولاية، بل يتعداه إلى توسيعها عبر استهداف 5 مقاعد يشغلها جمهوريون، في ردٍّ مباشر على الخطوات التي اتخذها الجمهوريون في تكساس.
ومن الولايات التي تستحق المتابعة أيضاً نورث كارولاينا، التي شهدت تعديلاً لحدود الدائرة الانتخابية الأولى، جعلها أكثر ميلاً للجمهوريين. هناك، يسعى النائب الديمقراطي دون ديفيس إلى الاحتفاظ بمقعده في مواجهة الجمهورية لوري باكهاوت، في سباق يشكّل اختباراً لمدى تأثير إعادة ترسيم الدوائر على موازين القوى الانتخابية، وقدرة النواب الحاليِّين على الحفاظ على تأييد ناخبيهم رغم تغيّر الحدود.
سلطة التشريع والمال والرقابة
تتجاوز أهمية السيطرة على مجلس النواب مسألة التوازن الحزبي داخل الكونغرس. فالمجلس يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، ويؤدي دوراً محورياً في إقرار القوانين والميزانية الفيدرالية، فضلاً عن تمتّعه بحق المبادرة في طرح مشروعات القوانين المتعلقة بالإيرادات والضرائب.

ويملك أيضاً صلاحيات واسعة لمساءلة الإدارة من خلال لجانه المختصة، التي تستطيع استدعاء المسؤولين وفتح التحقيقات، إلى جانب صلاحية توجيه الاتهامات في إطار إجراءات عزل الرئيس وكبار المسؤولين.
وفي حال انتزع الديمقراطيون الأغلبية، فسيجد الرئيس دونالد ترمب نفسه أمام واقع سياسي مختلف خلال النصف الثاني من ولايته. إذ سيتمكَّن الديمقراطيون من عرقلة أولويات الجمهوريين التشريعية، والتفاوض بشأن الإنفاق الحكومي والتمويل الفيدرالي، من دون أن يعني ذلك قدرتهم على تمرير أجندتهم التشريعية منفردين، في غياب موافقة مجلس الشيوخ والرئيس.
والأهم أنهم سيتولون رئاسة لجان مجلس النواب، ما يتيح لهم تشديد الرقابة على الإدارة، وفتح تحقيقات بشأن سياساتها وقراراتها، واستدعاء مسؤولين للإدلاء بشهاداتهم. وبذلك، لا تقتصر المعركة على انتزاع الأغلبية في مجلس النواب، بل تتعداها إلى تحديد هامش المناورة السياسية المتاح لترمب في واشنطن خلال النصف الثاني من ولايته.






