قبل أشهر من الانتخابات النصفية، يواجه الديمقراطيون تحديات متزايدة في مساعيهم لانتزاع الأغلبية في مجلس الشيوخ. فبعد أزمة ولاية ماين حيث اضطر المرشح التقدمي غراهام بلاتنر للتنحي إثر اتهامات بالاعتداء الجنسي، اصطدم الحزب الديمقراطي بواقع جديد يسعى فيه لموازنة الموجة التقدمية التي تبسط هيمنتها تدريجياً على صفوفه في الانتخابات التمهيدية، والوجوه التقليدية التي عادة ما تضمن الفوز في الانتخابات النصفية.
ولعلّ تجربة بلاتنر خير مثال على صعوبة تحقيق توازن من هذا النوع، فمنذ دخوله السباق تسبب المرشّح في الكثير من المتاعب لقيادات حزبه؛ من وشم يحمله اعتبره البعض إشارة للنازية، إلى اتهامات بالعنصرية، ومنشورات مثيرة للجدل... لكنه رغم ذلك، تمكن من تخطي هذه التحديات التي كانت كفيلة في السابق بإسقاط أي مرشح والقضاء على مستقبله السياسي، وانتزع ترشيح حزبه في الانتخابات التمهيدية بعد انسحاب المرشحة المفضلة لدى قيادات الحزب حاكمة الولاية جانيت ميلز.
تحولات كبيرة
يعكس نجاح بلاتنر تحولات أعمق داخل الحزب الديمقراطي؛ إذ إنه تمكن من مخاطبة الناخبين في الولاية بلغة مختلفة عن المؤسسة الحزبية، والتقرب منهم على خلاف أعضاء الحزب التقليديين الذين يواجهون انتقادات بسبب عجزهم عن قراءة نبض الشارع الأميركي. وهو تحول يشبه إلى حد بعيد ما شهده الحزب الجمهوري مع صعود دونالد ترمب، الذي بنى مشروعه السياسي على الشعبوية، وتمكن من الفوز بالرئاسة رغم إدانته في أكثر من قضية في المحاكم الأميركية.

ومثلما فقد جزء كبير من الناخبين الجمهوريين ثقتهم بالمؤسسة السياسية، يبدو أن هذا الإحساس انتقل إلى شريحة متزايدة من الناخبين الديمقراطيين. ومن هنا، تمكّن بلاتنر من كسب تأييد واسع رغم تحفظات المؤسسة الديمقراطية. فقد ركز حملته على قضايا العدالة الاقتصادية، واعترف بأخطائه الشخصية، وتحدث عن إمكانية التعافي بعد الأزمات، وهي رسائل لاقت صدى لدى كثير من الناخبين، وحصدت له دعماً من أبرز وجوه الجناح التقدمي، وعلى رأسهم السيناتور برني ساندرز. لكن ذلك تغيّر في الأيام الأخيرة بعد بروز اتهامات له من نساء، جمعته علاقة سابقة بهن، بالعنف الجنسي والاغتصاب، ما دفع بكل داعميه البارزين إلى سحب تأييدهم له ودعوته للتنحي.
ورفض بلاتنر هذه الاتهامات، وقال إنها ملفّقة في فيديو هاجم فيه قيادات الحزب، معتبراً أن الديمقراطيين يفضلون فوز السيناتورة الجمهورية الحالية سوزان كولينز بالمقعد على فوزه هو. وقرر في نهاية المطاف التنحي، كي يفسح المجال للحزب لاختيار وجه جديد قبل انقضاء المهلة الزمنية المحددة لذلك في الولاية.
خيار مصيري
وبحسب قوانين الولاية، يُمكن لمسؤولي الحزب اختيار مرشح جديد إذا انسحب المرشح الذي فاز في الانتخابات التمهيدية بحلول الساعة الخامسة مساءً من 13 يوليو (تموز).

ويتوقّع أن تتم تسمية مرشح بديل في مؤتمر حزبي بحلول 27 يوليو (تموز)؛ أي قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية التي ستجري في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني). ورغم أن القيادات الديمقراطية، وعلى رأسهم زعيم الحزب في مجلس الشيوخ تشاك شومر، تنفّست الصعداء بعد تنحي بلاتنر، فإن مهمة اختيار مرشح جديد للحزب في مواجهة كولينز في الولاية ستكون مصيرية في تحديد الفائز بالأغلبية في مجلس الشيوخ. فولاية ماين هي من الولايات التي يراهن الديمقراطيون على الفوز فيها لانتزاع الأغلبية في مجلس الشيوخ، وهي من الولايات القليلة التي خسر فيها ترمب في الانتخابات الرئاسية في عام 2024. ويحتاج الحزب إلى الفوز بـ4 مقاعد إضافية على الأقل لضمان انتزاع الأغلبية في المجلس، ويصبّ جهده في هذا الإطار على ولايات ماين ونورث كارولاينا وأوهايو وألاسكا.

وبينما يسعى الحزب جاهداً لرصّ الصفوف واختيار المرشح الأنسب لهذه المهمة الصعبة، يكثف الجمهوريون جهودهم في تأييد مرشحتهم المعتدلة سوزان كولينز؛ إذ أنفق الحزب حتى الساعة 108 ملايين دولار على سباقها الانتخابي، وهو مبلغ يتخطى ما تم إنفاقه في معظم سباقات مجلس الشيوخ الأخرى على مستوى البلاد، باستثناء الإنفاق القياسي للحزب في الانتخابات التمهيدية الجمهورية في ولاية تكساس، وفقاً لبيانات جمعتها شركة «AdImpact». لكن هذه الجهود لم تمنع ترمب، الذي هو أيضاً واجه اتهامات بالتحرش في الماضي، من إبداء تعاطفه مع المرشح المتنحي بلاتنر، قائلاً: «المسألة في النهاية تتعلق بما إذا كنت تصدّق المرأة أم لا. كثير من الناس يطلقون ادعاءات كاذبة كبيرة».
وتتجاوز أزمة بلاتنر حدود ولاية ماين؛ إذ تكشف عن معضلة أوسع يواجهها الحزب الديمقراطي مع اقتراب الانتخابات النصفية. فكلما ازداد نفوذ الجناح التقدمي في الانتخابات التمهيدية، ازدادت صعوبة التوفيق بين مطالب القاعدة الحزبية واحتياجات الفوز في الانتخابات العامة. ومع ضيق هامش المنافسة على أغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، قد يتحول أي خطأ في اختيار المرشحين إلى عامل حاسم في رسم خريطة السلطة والتوازن في واشنطن، ويقضي على آمال الديمقراطيين في مواجهة ترمب خلال العامين المتبقيين على ولايته.
