بجرافة وقاعة للرقص... ترمب يضع بصمته على البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إحدى حدائق البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إحدى حدائق البيت الأبيض (رويترز)
TT

بجرافة وقاعة للرقص... ترمب يضع بصمته على البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إحدى حدائق البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إحدى حدائق البيت الأبيض (رويترز)

عندما التقى الرئيس دونالد ترمب بمانحين من أجل قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض في وقت سابق من هذا الشهر، روى قصة خفق معها قلب قطب العقارات.

قال ترمب في 15 أكتوبر (تشرين الأول) عن محادثة أجراها حول المشروع: «سألت: كم سيستغرق الأمر من الوقت؟ فأجابوا: يمكنك البدء من الليلة، لا تحتاج إلى موافقات. قلت: لا بد أنكم تمزحون، فقالوا: سيدي، هذا هو البيت الأبيض، أنت رئيس الولايات المتحدة، يمكنك أن تفعل ما تريده».

وبعد أيام، أزالت فرق الهدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض بالجرافات لتحول عقوداً من التاريخ في أحد أشهر معالم البلاد إلى كومة من الأنقاض، مما أثار غضب المؤرخين ودعاة الحفاظ على البيئة والديمقراطيين والعامة.

هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض يظهر من موقع مرتفع على الجانب الشمالي منه في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 23 أكتوبر 2025 (رويترز)

وحصل ترمب على ما أراده، بقعة خالية لقاعة الرقص الجديدة التي تبلغ تكلفتها 300 مليون دولار. وبدا هذا تصرفاً يرمز، في شكله المادي، إلى رئاسة تحطم بآلة هدم الأعراف الوطنية والمؤسسات الدولية والنظام العالمي نفسه.

ورأى المؤرخون، الذين أصابتهم صدمة كبيرة من هذه الخطوة، عقلية مطور عقاري لا حارس أمانة مقدسة.

وقال جيريمي سوري المؤرخ في جامعة تكساس: «أعتقد أن هذه هي عقلية المطور المهتمة ببناء شيء كبير يحمل اسمه ويتذكره الجميع به، مثل برج ترمب... إنه يبني برجاً لنفسه. هذا البرج هو قاعة رقص».

وبالفعل، تعجب ترمب نفسه من الفرصة التي يقدمها المشروع. وقال: «إنه أمر يشعل الحماسة بالنسبة لي بصفتي شخصاً يعمل في مجال العقارات، لأنك لن تحصل على موقع مثل هذا مرة أخرى».

وأدلى بذلك في حفل عشاء مع مديرين تنفيذيين من شركات «أبل» و«أمازون» و«لوكهيد مارتن» و«ميتا بلاتفورمز»، ويقول البيت الأبيض إن جميعهم تعهدوا بالمساعدة في تمويل قاعة الرقص.

كونه رجل أعمال، وضع ترمب اسمه على المباني وعلامتين تجاريتين لشرائح اللحم وربطات العنق. وقالت كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض، يوم الخميس، إن قاعة الرقص سيطلق عليها اسم أيضاً، لكنها أحجمت عن الإفصاح عنه.

وقال ترمب للصحافيين في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة، إنه لا ينوي إطلاق اسمه عليها، لكن في كل الأحوال سيرتبط اسمه بالقاعة البالغة مساحتها 90 ألف قدم مربعة إلى الأبد.

وقال إدوارد لينغل كبير المؤرخين السابق في الجمعية التاريخية للبيت الأبيض: «سينظر الجميع إليها وسيرون الآن صرحاً يطغى على مقر إقامة رئيس البلاد، وهذا الصرح يحمل اسم رجل واحد... أعتقد أن هذا مقصود».

جانب من عملية هدم جزء من البيت الأبيض لبناء قاعة احتفالات يريد الرئيس ترمب تشييدها (إ.ب.أ)

وقبل أن يصبح مشروع قاعة الاحتفالات واقعاً، وضع ترمب بالفعل بصمته على البيت الأبيض بزخارف ذهبية في المكتب البيضاوي وتحويل حديقة الورود لمساحة خرسانية تشبه منتجعه (مار الاجو) في فلوريدا، وتعليق صور له في جميع جنبات المبنى ووضع أعلام أميركية عملاقة على سوار جديدة في المرجين الشمالي والجنوبي.

كما يسعى الرئيس الجمهوري إلى إعادة تشكيل واشنطن العاصمة إذ يسيطر على مركز كنيدي ويخطط لبناء نصب تذكاري على طراز قوس النصر الفرنسي للاحتفال بالذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة في عام 2026.

وقال تيلور بودويتش، وهو مستشار كبير سابق للرئيس، إن ترمب هو «أعظم البناة» في البلاد ولديه رؤية للبيت الأبيض وما بعده.

وأضاف: «الرئيس صاحب رؤية، سواء كان ذلك في السياسة أو العمل أو الحياة. فهو قادر على رؤية الأشياء ليس فقط كما هي، بل كما يمكن أن تكون».

قليل من الوضوح والتشاور

رفض فريق ترمب وحلفاؤه الانتقادات الموجهة لمشروع القاعة ووصفوها بالغضب المصطنع.

واتبع الرئيس أسلوبه الفريد من نوعه وقناعته بالسلطة التنفيذية الموسعة في تنفيذ مشروع القاعة. وفي حين أن التجديدات السابقة مولها ووافق عليها الكونغرس، فإن هذه القاعة يمولها متبرعون من القطاع الخاص، مما يقلص من قيود الرقابة.

وفي حين يقول البيت الأبيض إنه يخطط لتقديم تصاميم قاعة الرقص إلى اللجنة الوطنية لتخطيط العاصمة، فإنه يشير إلى أن تلك الهيئة تشرف فقط على البناء وليس الهدم.

وقال لينغل: «أعتقد أنه من الجلي للغاية أن الإدارة درست نقاط الضعف هذه، وبعناية أكبر بكثير مما يصرحون به، ثم استغلوا نقاط الضعف هذه بلا رحمة».

وقال مسؤولو البيت الأبيض وترمب نفسه إن المشروع يتسم بالشفافية بعرض تصميم مقترح للقاعة والتحدث صراحة عن نواياه.

لكن المسؤولين لم يتمكنوا من تحديد الهيئة الرقابية صاحبة السلطة وراء عملية الهدم.

وقالت المؤرخة إلين فيتزباتريك: «يتماشى ذلك بالتأكيد مع نظرة الرئيس ترمب التوسعية جداً للسلطة التنفيذية التي لا تتطلب إفصاحاً علنياً أو استشارة أو تفسيراً يذكر قبل الإقدام على مثل هذا الفعل الجلل».


مقالات ذات صلة

الصين: الاتفاقات التي توصلنا إليها خلال زيارة ترمب «أولية»

آسيا ترمب يصافح شي في أثناء حضورهما مأدبة رسمية بقاعة الشعب الكبرى في بكين (أ.ف.ب) p-circle

الصين: الاتفاقات التي توصلنا إليها خلال زيارة ترمب «أولية»

‌وصفت وزارة التجارة الصينية الاتفاقات المتعلقة بالرسوم الجمركية والزراعة والطائرات التي تسنى التوصل إليها ​خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها «أولية».

«الشرق الأوسط» (بكين)
أفريقيا صورة لهياكل مدمرة نتيجة غارات أميركية على مسلحين لم يُكشف عن هويتهم مرتبطين بتنظيم «داعش» في 27 ديسمبر 2025 بنيجيريا (أ.ف.ب)

ضربة أميركية تطيح بثاني رجال «داعش» في نيجيريا

أكّدت نيجيريا أن مقتل المنوكي يعني القضاء على «حلقة وصل حيوية» كان «داعش» يُنسّق العمليات من خلالها في مناطق مختلفة حول العالم.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)

«خرائط الكونغرس» تتحول إلى سلاح انتخابي في أميركا

لم تعُد معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة خلافاً تقنياً حول حدود جغرافية، بل تحوّلت إلى واحدة من أشرس ساحات الصراع الحزبي.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 6 أبريل 2026 (أ.ب)

حزمة خيارات أمام ترمب لاستئناف الحرب على إيران

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات كبرى بشأن إيران، في وقت أعد فيه كبار مساعديه خططاً للعودة إلى الضربات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا جنود من جيش كندا خلال أحد التدريبات (الجيش الكندي عبر فيسبوك) p-circle

كندا تعزز علاقاتها الدفاعية في القطب الشمالي بعد تهديدات ترمب

منذ أن أطلق الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب وابلاً من التهديدات بالسيطرة على غرينلاند، تسعى السلطات في الجزيرة للحصول على المساعدة من كندا، حليفها في الشمال.

«الشرق الأوسط» (كمبردج باي)

عراقي «ينسّق هجمات قارية» في قبضة الأميركيين


محمد السعدي في حراسة عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بنيويورك مساء 15 مايو 2026 (وزارة العدل الأميركية)
محمد السعدي في حراسة عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بنيويورك مساء 15 مايو 2026 (وزارة العدل الأميركية)
TT

عراقي «ينسّق هجمات قارية» في قبضة الأميركيين


محمد السعدي في حراسة عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بنيويورك مساء 15 مايو 2026 (وزارة العدل الأميركية)
محمد السعدي في حراسة عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بنيويورك مساء 15 مايو 2026 (وزارة العدل الأميركية)

تفجر اهتمام غربي واسع أمس بنبأ اعتقال الأميركيين عراقياً يدعى محمد باقر السعدي، أحد الشخصيات الغامضة في «كتائب حزب الله» العراقية المرتبطة بـ«الحرس الثوري» في إيران.

وقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، كاش باتيل، أمس، إنَّ السعدي «هدف ذو قيمة عالية مسؤول عن أعمال إرهابية على نطاق عالمي»، فيما أشارت وسائل إعلام إلى أنَّه ضالع في التخطيط لهجمات في 3 قارات، آخرها في الولايات المتحدة.

وأشارت وزارة العدل الأميركية إلى أنَّ السعدي نُقل إلى الولايات المتحدة، ومثل أمام قاضٍ فيدرالي في نيويورك، ووجهت له رسمياً 6 تهم تتعلّق بنشاطات إرهابية.

وتكشف مواقع التواصل صلاتٍ السعدي بقائد قوة القدس السابق قاسم سليماني، الذي يشاع أنَّه يفضّل استخدام كنيته، والحالي إسماعيل قاآني، كما يظهر في فيديو وهو يتبادل حديثاً مع الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي.


المحكمة العليا تمنح الجمهوريين أفضلية قبل انتخابات نوفمبر النصفية

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
TT

المحكمة العليا تمنح الجمهوريين أفضلية قبل انتخابات نوفمبر النصفية

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)

لم تعُد معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة خلافاً تقنياً حول حدود جغرافية، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية على مستقبل السلطة في واشنطن.

فقرار المحكمة العليا رفض طلب الديمقراطيين في فيرجينيا استخدام خريطة جديدة، أقرّها الناخبون في استفتاء منحهم أفضلية واضحة، جاء في لحظة تتداخل فيها الحسابات القضائية مع رهانات الانتخابات النصفية، ومع محاولة كل حزب أن يدخل نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بأكبر قدر ممكن من المقاعد «المضمونة» قبل أن يبدأ الناخبون التصويت فعلياً. وبذلك، لم يُلغِ القرار خريطة محلية فحسب، بل ثبّت ميزاناً وطنياً يميل مؤقتاً إلى مصلحة الجمهوريين في حرب إعادة رسم التمثيل السياسي.

حكم إجرائي بأثر سياسي

حسب تحليلات صحافية أميركية، فقد استندت معركة فيرجينيا إلى مسألة إجرائية: هل كان يحق للديمقراطيين إطلاق مسار تعديل دستوري لإعادة رسم الخريطة بعد بدء التصويت المبكر في انتخابات الولاية؟

المحكمة العليا في فيرجينيا أجابت بالنفي، لافتة إلى أن العملية انتهكت دستور الولاية، ثم رفضت المحكمة العليا الأميركية التدخل لإحياء الخريطة. لكن الأثر السياسي كان أكبر بكثير من النص القانوني. فالخريطة الملغاة كانت ستجعل الديمقراطيين في موقع متقدم في 10 من أصل 11 دائرة، وربما تمنحهم ما يصل إلى أربعة مقاعد إضافية في مجلس النواب.

لهذا، بدا القرار، رغم صدوره في أمر مقتضب بلا تعليل أو أصوات مخالفة معلنة، بوصفه جزءاً من تسلسل أوسع من القرارات التي تعيد تشكيل قواعد المنافسة. الجمهوريون رأوا فيه تأكيداً أن الديمقراطيين حاولوا «تغيير الدستور عبر انتهاكه»، في حين اتهمت قيادات ديمقراطية المحاكم بأنها ألغت إرادة أكثر من ثلاثة ملايين ناخب صوّتوا في الاستفتاء.

حرب خرائط تتجاوز فيرجينيا

بدأت هذه الجولة من الصراع حين ضغط الرئيس دونالد ترمب على ولايات جمهورية لإعادة ترسيم الدوائر، وهي خطوة غير مألوفة في الفترة الممتدة بين إحصاءين سكانيين.

وبالفعل فتحت ولاية تكساس الباب، لترد ولاية كاليفورنيا بخريطة ديمقراطية، قبل أن تتوسع العملية إلى ولايات أخرى. لكن الفارق أن الجمهوريين يملكون فرصاً أكبر في الجنوب والولايات التي يسيطرون فيها على المجالس التشريعية والحكام، مما يجعل قدرتهم على تحويل الخريطة إلى مقاعد إضافية أكبر من قدرة الديمقراطيين على الرد بالمثل.

وتشير التقديرات التي حفلت بها وسائل الإعلام، إلى أن الجمهوريين قد يحققون مكاسب صافية تتراوح بين سبعة وعشرة أو حتى اثني عشر مقعداً بفعل إعادة الترسيم والقرارات القضائية الأخيرة. وفي مجلس النواب، حيث يكفي هامش ضئيل لتحديد الأغلبية، يصبح كل مقعد مرسوماً سلفاً بحجم ولاية سياسية كاملة. لذلك لا يمكن فصل قرار فيرجينيا عن قرارات أوسع، منها ما يتعلق بتقليص نطاق قانون حقوق التصويت، والسماح لولايات جنوبية بإعادة تفكيك دوائر كانت تمنح الأقليات، خصوصاً الناخبين السود، قدرة أكبر على التأثير.

الجنوب وسؤال تمثيل الأقليات

الأثر الأعمق لهذه المعركة يظهر في الجنوب، حيث تتداخل إعادة الترسيم مع تاريخ طويل من الصراع على تمثيل الأميركيين السود. فبعد تضييق المحكمة العليا إمكانية الطعن في الخرائط على أساس التمييز العرقي، وجدت ولايات جمهورية فرصة للتحرك سريعاً ضد دوائر ديمقراطية تميل إلى تمثيل الأقليات. فالولايات «الحمراء» مثل ألاباما وتينيسي وميسيسبي وجورجيا، ليست مجرد ساحات انتخابية، بل رموز لمعركة قديمة حول من يُحتسب صوته، ومن تُجزّأ قوته داخل دوائر مصممة بعناية.

وحسب موقع «أكسيوس»، تستعدّ منظمات حقوق التصويت لـ«صيف من المظاهرات» في الجنوب، يبدأ من مدينة سلمى، بما تحمله من رمزية مرتبطة بإرث حركة الحقوق المدنية. فالرسالة التي يحاول المنظمون إيصالها أن ما يجري ليس نزاعاً حزبياً محدوداً، بل محاولة لإعادة هندسة التمثيل قبل انتخابات 2026، وتمهيداً لمعركة 2028. ويخشى ناشطون أن تؤدي الخرائط الجديدة إلى خسارة 10 أو 15 نائباً أسود مقاعدهم في «الكونغرس»، وهو رقم كفيل بتغيير صورة الحزب الديمقراطي نفسه، لا فقط موازين مجلس النواب.

في المقابل، لا يخوض الجمهوريون هذه المعركة بوصفها دفاعاً عن تمييز عرقي، بل بوصفها تصحيحاً لخرائط يرون أنها صُمّمت لمصلحة الديمقراطيين، أو بوصفها استعادة لسلطة الولايات في رسم دوائرها. غير أن توقيت التحرك، وتركيزه على دوائر الأقليات، يجعلان الخط الفاصل بين «الهندسة الحزبية» و«إضعاف التمثيل العرقي» أكثر ضبابية.

الاقتصاد والخرائط والمال السياسي

لا تأتي هذه الانتصارات القضائية في فراغ. فالجمهوريون يدخلون انتخابات نوفمبر وهم يواجهون تاريخاً انتخابياً لا يرحم الحزب الحاكم في الانتخابات النصفية، إلى جانب اقتصاد مُثقل بتداعيات الحرب في إيران وارتفاع الأسعار وتراجع ثقة الناخبين بإدارة ترمب للملف المعيشي.

لكن صحيفة «وول ستريت جورنال» قالت إن حملة الرئيس وحلفائه تراهن على ثلاثة عناصر لتعويض هذه الكلفة: خرائط أكثر ملاءمة، وكتلة مالية ضخمة، ورسالة هجومية تصوّر عودة الديمقراطيين إلى السيطرة بوصفها الرجوع إلى الفوضى والتضخم والجريمة والهجرة غير المضبوطة.

وتشير الصحيفة إلى دور لجنة سياسية متحالفة مع ترمب تملك 347 مليون دولار، فيما يتمتع الجمهوريون بفارق كبير في السيولة لدى اللجنة الوطنية للحزب مقارنة بالديمقراطيين. وإذا أُضيفت هذه الموارد إلى برنامج تعبئة انتخابية قائم على بيانات حملة 2024، وإلى خطة لمشاركة ترمب في نحو 30 فعالية انتخابية، فإن الحزب يحاول تحويل الانتخابات من استفتاء على الرئيس إلى مقارنة بين «ألم اقتصادي حالي» و«خوف من عودة الديمقراطيين».

ومع ذلك، يرى المحللون أن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضها الداخلي. فالناخب الذي يملأ خزان سيارته ويدفع تكلفة أعلى للبقالة قد لا تكفيه خريطة انتخابية مواتية أو إعلان هجومي ضد الديمقراطيين. لكن في نظام انتخابي يقوم على الدوائر الفردية، قد يكون التحكم بالخريطة قادراً على تخفيف أثر المزاج الوطني، أو حتى تحييده جزئياً.


«لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة»... لماذا تخلّص الأميركيون من هدايا بكين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
TT

«لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة»... لماذا تخلّص الأميركيون من هدايا بكين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)

كان الليل يهبط ببطء على مطار بكين، بينما كانت الطائرة الرئاسية الأميركية «إير فورس وان» تستعد للإقلاع عائدة إلى واشنطن. في الأسفل، قرب السلم المعدني المؤدي إلى الطائرة، بدا المشهد غريباً حتى بالنسبة للصحافيين المخضرمين الذين رافقوا الرؤساء الأميركيين في زيارات لا تُحصى حول العالم.

موظفون أميركيون يتحركون بسرعة، يجمعون بطاقات الاعتماد الرسمية، والهواتف المؤقتة، والشارات التعريفية، وحتى بعض الهدايا التذكارية التي وُزعت خلال الزيارة. لم تكن هناك حقائب مخصصة للحفظ، ولا صناديق للشحن الدبلوماسي، بل حاوية نفايات كبيرة عند أسفل الطائرة، انتهى فيها كل شيء تقريباً.

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي نشرتها وسائل إعلام آسيوية وأميركية

الصحافية الأميركية إيميلي غودين، التي كانت ضمن الوفد الإعلامي المرافق، كتبت لاحقاً في منشور لافت على منصة« إكس»:

«الموظفون الأميركيون أخذوا كل ما وزعه المسؤولون الصينيون بطاقات الاعتماد، الهواتف المؤقتة الخاصة بموظفي البيت الأبيض، شارات الوفد جمعوها قبل أن نصعد إلى الطائرة الرئاسية وألقوها في سلة قمامة عند أسفل الدرج. لا شيء من الصين يُسمح له بالصعود إلى متن الطائرة».

في الظاهر، بدا المشهد أقرب إلى مبالغة أمنية، لكن داخل العقل الاستراتيجي الأميركي، لم تكن المسألة مرتبطة بهدايا أو أوراق تعريف، بل بحرب كاملة تُخاض بصمت بين القوتين الأكبر في العالم، حرب لا تستخدم فيها الصواريخ فقط، بل البيانات والشرائح الإلكترونية والإشارات الرقمية.

من المجاملة الدبلوماسية إلى «الخطر المحتمل»

في الأعراف الدبلوماسية، تُعدُّ الهدايا جزءاً من لغة السياسة الناعمة. سجاد فاخر، أقلام مذهبة، تحف تقليدية، أو مقتنيات تحمل رمزية ثقافية، كلها أدوات تستخدمها الدول لتليين المناخ السياسي وبناء صورة إيجابية لدى الضيوف.

لكن ما حدث في بكين كشف أن العلاقات الأميركية الصينية تجاوزت منذ وقت طويل مرحلة المجاملات التقليدية.

فبحسب تقارير نشرتها صحف أميركية وآسيوية، تلقى أعضاء الوفد الأميركي تعليمات أمنية صارمة قبل الزيارة وبعدها.

التعليمات شملت استخدام «هواتف حارقة» مخصصة للاستخدام المؤقت، وعدم حمل الأجهزة الشخصية، إضافة إلى التخلص من أي معدات أو أدوات مصدرها الجانب الصيني بعد انتهاء الزيارة مباشرة، «لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة».

داخل المؤسسات الأمنية الأميركية، هناك قناعة راسخة بأن أي جهاز إلكتروني مهما بدا بسيطاً يمكن أن يتحول إلى أداة اختراق أو جمع معلومات. ولهذا، لم يعد التعامل الحذر مقتصراً على الحواسيب أو الهواتف الذكية، بل امتد إلى بطاقات الدخول، وكابلات الشحن، وحتى الهدايا البروتوكولية العادية.

أميركا التي تخشى «التجسس الصامت»

خلال العقد الأخير، تحولت الصين في العقيدة الأمنية الأميركية من «شريك اقتصادي صعب» إلى «منافس استراتيجي شامل».

ومع هذا التحول، تضاعفت المخاوف المرتبطة بالتجسس الإلكتروني والاختراقات السيبرانية.

الولايات المتحدة اتهمت مراراً جهات صينية باستهداف مؤسسات حكومية وشركات تكنولوجية أميركية، وسرقة بيانات حساسة، ومحاولة اختراق بنى تحتية رقمية حيوية. كما أن الصراع بين البلدين لم يعد اقتصادياً فقط، بل بات معركة مفتوحة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وشبكات الاتصال.

في هذا السياق، يصبح التخلص من «هاتف مؤقت» أو «بطاقة تعريف» جزءاً من بروتوكول أمني أوسع، يقوم على فكرة أساسية داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية: أي شيء قادم من الصين يجب التعامل معه باعتباره قابلاً للاختراق.

وتصف بعض الدوائر الأمنية هذا النمط بـ«التجسس الصامت»، أي استخدام أدوات يومية عادية لجمع المعلومات أو اختراق الأنظمة من دون إثارة الانتباه.

ولهذا السبب تحديداً، لم يكن مسموحاً وفق روايات مرافقي الوفد بأن يصعد «أي شيء صيني» إلى متن الطائرة الرئاسية.

الحرب الباردة الجديدة... ولكن بأدوات رقمية

المشهد عند سلم الطائرة لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً صغيراً، بل اختصاراً مكثفاً لطبيعة العلاقة الحالية بين واشنطن وبكين.

قبل سنوات، كانت الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة مصنع العالم وشريكاً اقتصادياً ضخماً يمكن احتواؤه عبر المصالح التجارية.

أما اليوم، فهي تُعامل داخل واشنطن باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول للتفوق الأميركي في القرن الحادي والعشرين.

هذه ليست حرباً باردة تقليدية على الطريقة السوفياتية، حيث تتواجه الدبابات والصواريخ النووية فقط، بل صراع على البيانات، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والرقائق الإلكترونية، والسيطرة على المستقبل الرقمي للعالم.

ومن هنا، تبدو الحساسية الأميركية تجاه أي أجهزة أو أدوات صينية مفهومة ضمن منطق الأمن القومي الأميركي، حتى لو بدت مبالغاً فيها من الخارج.

بكين ترى «هوساً أميركياً»

في المقابل، تنظر الصين إلى هذه التصرفات باعتبارها انعكاساً لحالة خوف أميركية من الصعود الصيني المتسارع.

وسائل إعلام صينية ومعلقون على منصات التواصل الاجتماعي سخروا من واقعة التخلص من الهدايا، معتبرين أن واشنطن تتعامل مع الصين بعقلية «الارتياب الدائم».

بالنسبة إلى بكين، فإن الولايات المتحدة تستخدم ذريعة الأمن القومي لتبرير سياسة أوسع هدفها إبطاء التقدم التكنولوجي الصيني ومحاصرة نفوذها الاقتصادي.

لكن المفارقة أن هذه الحساسية المتبادلة تكشف في الوقت نفسه حجم التشابك بين الطرفين.

فالولايات المتحدة والصين تخوضان أشرس تنافس استراتيجي في العالم، لكنهما أيضاً أكثر اقتصادين ترابطاً واعتماداً على بعضهما البعض.

لماذا أصبحت حتى الهدايا موضع شك؟

في عالم السياسة التقليدي، كانت الهدايا تُحفظ للذكرى. أما اليوم، فهي تُفحص، وتُعزل، وأحياناً تُلقى في القمامة. وما جرى في بكين يعكس حقيقة أعمق من مجرد إجراءات أمنية: الثقة بين واشنطن وبكين تآكلت إلى درجة أن المجاملات الدبلوماسية نفسها لم تعد محصنة من الشك.

فحين تصل المنافسة بين قوتين عظميين إلى مرحلة يُنظر فيها إلى بطاقة تعريف أو هاتف مؤقت باعتبارهما «خطراً محتملاً»، فهذا يعني أن العالم دخل بالفعل زمناً جديداً من الصراع الدولي، صراع لا تُقاس فيه القوة بعدد الجنود فقط، بل بمن يملك البيانات... ومن يستطيع اختراق الآخر أولاً.