قمة بودابست... اختبار جديد للدبلوماسية المتوترة بين واشنطن وموسكو

ترمب يسعى لصفقة توقف الحرب وروسيا متمسكة بـ«الواقع الجديد»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يهمان بالتصافح في ألاسكا 15 أغسطس 2025 (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يهمان بالتصافح في ألاسكا 15 أغسطس 2025 (د.ب.أ)
TT

قمة بودابست... اختبار جديد للدبلوماسية المتوترة بين واشنطن وموسكو

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يهمان بالتصافح في ألاسكا 15 أغسطس 2025 (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يهمان بالتصافح في ألاسكا 15 أغسطس 2025 (د.ب.أ)

خيمت أجواء من الشك في واشنطن وموسكو حيال إمكان عقد قمة قريبة بين الرئيسين، الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، بعدما أُجّل الاجتماع التمهيدي الذي كان من المفترض أن يجمع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره الروسي سيرغي لافروف هذا الأسبوع، فيما تتجه الأنظار إلى العاصمة المجرية، بودابست، التي يُفترض أن تحتضن اللقاء المقبل بين الزعيمين.

وقال مسؤول في البيت الأبيض لشبكة «سي إن إن» إن الاجتماع «تم تأجيله مؤقتاً»، مشيراً إلى أن الخلافات لا تزال قائمة حول «إمكان إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا». ويأتي ذلك بعد مكالمة هاتفية مطوّلة بين ترمب وبوتين، قال الرئيس الأميركي على إثرها إن «الجانبين اتفقا على عقد اجتماع بين كبار مستشارينا خلال أيام»، مضيفاً على منصة «تروث سوشيال» أن «روبيو سيقود تلك الاجتماعات التحضيرية بمشاركة عدد من المسؤولين».

في المقابل، نقلت الشبكة عن مصدر مطلع أن «الموقف الروسي لم يتطور بما يكفي عن موقفه المتشدد السابق»، وأنه من غير المرجح عقد القمة في موعدها الأصلي، رغم بقاء الاتصالات بين الجانبين مفتوحة.

جنود أوكرانيون في عربة عسكرية وسط هجوم روسي على أوكرانيا في منطقة دونيتسك بأوكرانيا (رويترز)

وقالت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، إن «الرئيس ترمب يعمل باستمرار على إيجاد حل سلمي ودبلوماسي لإنهاء هذه الحرب العبثية ووقف إراقة الدماء». وأضافت أن «الإدارة ملتزمة بالسعي نحو تسوية واقعية تُعيد الاستقرار إلى أوروبا».

أما وزارة الخارجية الأميركية فأكدت، في بيان، أن الاتصال الهاتفي بين روبيو ولافروف تناول «الخطوات التالية» لمتابعة ما تم الاتفاق عليه بين الرئيسين، مشددة على أن اللقاءات المقبلة تمثل «فرصة حقيقية للتعاون من أجل إنهاء الحرب على نحو مستدام».

لافروف: لا تنازل عن الأهداف الروسية

غير أن موسكو ورغم أنها عدت المحادثة الهاتفية بين الوزيرين «نقاشاً بنّاءً»، فإنها أوضحت أنها تناولت «الخطوات العملية لتنفيذ تفاهمات القمة السابقة في أنكوراج». وأكد لافروف، خلال مؤتمر صحافي بثّه تلفزيون «آر تي»، أنه «جرى الاتفاق على مواصلة الاتصالات الهاتفية ومتابعة التحضير الجاد لقمة بودابست»، مضيفاً أن «مثل هذه اللقاءات تتطلب وقتاً ومساحة للتفاهم، وليست عملاً إعلامياً».

وشدد الوزير الروسي على أن ما تسميه بلاده «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا «تسير وفق خططها»، وأنها «ستكتمل بنجاح»، متهماً الأوروبيين بـ«تحريض كييف على مواصلة الحرب»، وقال: «وقف إطلاق النار في حد ذاته لا يعني السلام. نريد تسوية دائمة تعترف بالواقع الجديد على الأرض».

روس في شارع تضررت المحلات فيه جراء هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية في منطقة روستوف الروسية الثلاثاء (رويترز)

في المقابل، يرى دبلوماسي غربي في موسكو أن «إصرار لافروف على مفهوم الواقع الجديد يعني أن روسيا متمسكة بمكاسبها الميدانية كمنطلق لأي تسوية»، معتبراً أن «قمة بودابست ستكون اختباراً لقدرة ترمب على دفع موسكو إلى تنازلات رمزية على الأقل».

واشنطن بين الواقعية والضغوط

منذ عودته إلى البيت الأبيض، يواجه ترمب ضغوطاً اقتصادية داخلية جعلته أكثر ميلاً إلى تبني نهج «الصفقة الواقعية» بدلاً من المواجهة الطويلة. ويقول مسؤول أميركي سابق إن الرئيس «يرى أن استمرار الحرب بلا أفق سياسي يُضعف صورة القيادة الأميركية ويستنزف مواردها»، مشيراً إلى أن «تجميد خطوط القتال الحالية قد يكون الخيار العملي الوحيد على المدى القريب».

وكان ترمب قد قال للصحافيين إن «الحرب يجب أن تتوقف فوراً عند خطوط الجبهة؛ لأن استمرارها يجعل الحل مستحيلاً». كما نُقل عنه قوله في اجتماع مغلق: «ما زال بإمكان أوكرانيا أن تنتصر، لكن ليس عبر القتال، بل عبر السلام الذكي».

غير أن هذه المقاربة تثير انقساماً داخل واشنطن؛ فبعض الجمهوريين يرونها «خطة إنقاذ لروسيا»، فيما يدعمها جناح آخر يرى أنها «الطريق الوحيد لتجنّب حرب أوروبية طويلة».

روس في شارع تضررت المحلات فيه جراء هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية في منطقة روستوف الروسية الثلاثاء (رويترز)

وفي هذا السياق، قال الباحث جون هاردي، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، لـ«الشرق الأوسط»، إن «لدى أوكرانيا احتمالاً ضئيلاً لاستعادة أراضيها، لكن روسيا لا تملك حالياً الموارد العسكرية الكافية لفرض شروطها على كييف. في ظل الظروف الحالية، لدى أوكرانيا فرصة جيدة لاستنفاد القدرات الهجومية للجيش الروسي مع مرور الوقت». وأضاف أنه «حتى لو نجح بوتين في إقناع ترمب بدعم مطالب الكرملين، فإن موقف كييف ليس ضعيفاً لدرجة إجبارها على الاستسلام».

وأوضح هاردي أن «المشكلة الآن ليست في انحياز ترمب لبوتين بحد ذاته»، مشيراً إلى أنه «في اجتماع البيت الأبيض يوم الجمعة الماضي، أيّد ترمب في النهاية حجة كييف الداعية إلى وقف إطلاق النار على طول خطوط السيطرة الحالية»، لكنه استدرك قائلاً إن «المشكلة تكمن في أن ترمب يواصل ركوب دوامة بوتين الدبلوماسية، مما يحول دون تشديد الضغط الأميركي على روسيا».

قمة بودابست

تُعد بودابست المحطة المقبلة المفترضة للقاء ترمب وبوتين، في حال استؤنفت الاجتماعات التحضيرية خلال الأيام المقبلة. لكن في حال تأجيل القمة بين واشنطن وموسكو، سيكون لذلك تأثير بالغ الأهمية في ظل تصاعد التوترات الدولية، وقد يمثل مؤشراً على تعقيد المشهد الدبلوماسي وصعوبة التوصل إلى حلول توافقية في الوقت الراهن. فعلى الصعيد الاستراتيجي، يعكس التأجيل استمرار حالة الجمود في العلاقات الثنائية، ويكرّس حالة عدم اليقين التي تسيطر على مستقبل التسوية في الملف الأوكراني. ويُحتمل في حال استمرار هذا الجمود أن تتجه الأمور نحو مزيد من التصعيد الميداني أو تصاعد الحرب الإعلامية والدبلوماسية، مع تراجع فرص الحوار البنّاء. أما الأطراف الأوروبية، فتواجه تحديات متزايدة في ظل استمرار النزاع، سواء على صعيد الأمن الإقليمي أو فيما يتعلق بأزمات الطاقة وتدفق اللاجئين، بالإضافة إلى تصاعد الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، بين الداعين لتشديد المواجهة مع موسكو والمطالبين بانتهاج مسار تفاوضي أكثر براغماتية.

وفي المقابل، يظل الموقف الأوكراني الأكثر هشاشة؛ إذ يضعف التأجيل من موقع كييف التفاوضي ويجعلها أكثر عرضة للضغوط العسكرية والسياسية، كما يعمّق من معاناة الشعب الأوكراني في ظل غياب أفق واضح للحل.

على المستوى الدولي، تراوحت ردود الفعل بين الدعوات إلى ضبط النفس واستئناف الحوار، ومخاوف صريحة من اتساع رقعة الصراع وتداعياته على النظام الدولي، حيث دعت الأمم المتحدة وعدة عواصم أوروبية إلى ضرورة الحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة، في حين عبرت بعض القوى الإقليمية عن خشيتها من أن يؤدي استمرار الجمود إلى زعزعة الاستقرار العالمي وتنامي الأزمات الإنسانية.

وقال خبير العلاقات الروسية – الأميركية في «مركز كارنيغي»، دانيال بليك، إن «قمة بودابست ستكون اختباراً لمقدار التفاهم الممكن بين ترمب وبوتين»، مضيفاً أن «نجاحها يعني بداية مسار دبلوماسي أوسع قد يشمل هدنة طويلة الأمد، وفشلها قد يعيد الصراع إلى مربع التصعيد».

ويشير بليك إلى أن «ترمب يسعى لإثبات أن الدبلوماسية الشخصية التي اعتمدها خلال ولايته الأولى لا تزال قادرة على إنتاج اتفاقات كبرى، لكنّ المشهد الدولي الآن أكثر تعقيداً بكثير».

تسوية أم حل؟

ويرى مراقبون أن مستقبل الحرب الروسية – الأوكرانية، لم ينضج نحو الحل، بل هو مقبل على ثلاثة مسارات رئيسية:

المسار الأول: تجميد مؤقت للقتال من دون تسوية شاملة، وهو ما تعتبره واشنطن «الخطوة الواقعية الأولى»، فيما تخشاه كييف باعتباره «هدنة تُكافئ موسكو».

المسار الثاني: تسوية جزئية تشمل تنازلات حول دونباس، وهو السيناريو الذي ألمح إليه ترمب حين قال إن المنطقة «قد تُترك مقطّعة كما هي»، لكنه يواجه رفضاً أوروبياً وأوكرانياً واسعاً.

المسار الثالث: فشل المفاوضات وعودة التصعيد، خصوصاً مع استمرار الهجمات الروسية الأخيرة على منشآت الغاز والكهرباء الأوكرانية.

وبينما تراهن موسكو على إنهاك أوكرانيا وأوروبا معاً، وتطلب اعترافاً بـ«الواقع الجديد»، تصر كييف على استعادة أراضيها. في المقابل يسعى ترمب إلى اتفاق يُظهره صانعاً للسلام، من دون أن يُغضب قاعدته الداخلية، وأوروبا تدعمه بحذر. وبين هذه المواقف، تبدو واشنطن في سباق مع الوقت لإثبات أن مبادرتها ليست مجرد «عرض سياسي»، بل خطوة جادة نحو إنهاء حرب استنزفت الجميع. فإذا نجحت القمة، فقد تسجَّل كاختراق دبلوماسي حقيقي في الولاية الثانية لترمب، أما إذا فشلت، فستعيد فتح باب التصعيد وتبدّد آخر فرص التسوية قبل شتاء أوروبي جديد.


مقالات ذات صلة

19 جريحاً بضربة روسية على منطقة سكنية في خاركيف الأوكرانية

أوروبا يعمل رجال الإنقاذ الأوكرانيون في موقع غارة روسية على منطقة سكنية بخاركيف (إ.ب.أ)

19 جريحاً بضربة روسية على منطقة سكنية في خاركيف الأوكرانية

أُصيب 19 شخصاً بجروح، الجمعة، في ضربة روسية استهدفت مباني سكنية بمدينة خاركيف الأوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون أوكرانيون.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا كيريلو بودانوف (إ.ب.أ) play-circle

روسيا وأوكرانيا تتبادلان الاتهامات بمهاجمة مدنيين في العام الجديد

روسيا وأوكرانيا تتبادلان الاتهامات بمهاجمة مدنيين في العام الجديد وزيلينسكي يختار رئيس الاستخبارات العسكرية مديراً لمكتبه

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً لصحافيين في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان: تركيا تواصل اتصالاتها لوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا

تواصل تركيا اتصالاتها مع مختلف الأطراف المعنية بالحرب الروسية الأوكرانية لبحث سبل وقف إطلاق النار وتحقيق السلام بينهما

أوروبا رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف (إ.ب.أ)

زيلينسكي يختار رئيس الاستخبارات العسكرية مديراً لمكتبه... ويعتزم تغيير وزير الدفاع

سمّى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، رئيس الاستخبارات العسكرية كيريلو بودانوف مديراً جديداً لمكتبه، خلفاً لأندريه يرماك، ويعتزم تغيير وزير الدفاع.

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في احتفال ليلة رأس السنة في ناديه مارالاغو يوم الأربعاء 31 ديسمبر 2025 في بالم بيتش بولاية فلوريد الأميركية (أ.ب) play-circle

2026... عام يرسم مصير ولاية ترمب الثانية ويحدد إرثه السياسي

يتجاوز العام الجديد كونه استحقاقاً انتخابياً، ليصبح اختباراً حاسماً لولاية الرئيس ترمب الثانية، ولمدى سلطة الرئاسة الأميركية، وموازين القوى السياسية.

شادي عبد الساتر (بيروت)

إحباط هجوم محتمل مستوحى من «داعش» عشية العام الجديد في أميركا

مقر «إف بي آي» في واشنطن (أ.ف.ب)
مقر «إف بي آي» في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

إحباط هجوم محتمل مستوحى من «داعش» عشية العام الجديد في أميركا

مقر «إف بي آي» في واشنطن (أ.ف.ب)
مقر «إف بي آي» في واشنطن (أ.ف.ب)

قالت وزارة العدل الأميركية، اليوم (الجمعة)، إنها أحبطت مخططاً مزعوماً لرجل من نورث كارولاينا، لتنفيذ ​هجوم يستلهم هجمات تنظيم «داعش» باستخدام سكاكين ومطارق عشية العام الجديد.

واتُّهم كريستيان ستورديفانت (18 عاماً)، من مينت هيل بولاية نورث كارولينا، في دعوى جنائية بتقديم دعم مادي لمنظمة إرهابية أجنبية.

ولم يقدم ستورديفانت أي إقرارات أو دفوع بشأن التهم الموجهة إليه.

وألقت السلطات القبض عليه ‌يوم الأربعاء، ‌عشية العام الجديد، ومثل أمام ‌المحكمة ⁠لأول ​مرة، ‌اليوم (الجمعة).

وقال روس فيرجسون، المدعي العام الأميركي للمنطقة الغربية في نورث كارولاينا، خلال مؤتمر صحافي، إن ستورديفانت بايع تنظيم «داعش»، وكان يخطط لمهاجمة متجر بقالة ومطعم وجبات سريعة في مسقط رأسه.

وأضاف فيرجسون: «كان يستعد للجهاد، وكان سيموت أبرياء (نتيجة محاولة ⁠الهجوم)».

وأشارت وزارة العدل، في بيان، استناداً إلى معلومات ‌من الدعوى، إلى أن عملاء مكتب ‍التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) عثروا في أثناء تفتيش منزل ستورديفانت ‍على وثيقة مكتوبة بخط اليد بعنوان «هجوم العام الجديد 2026»، التي يُزعم أنها تناقش خططاً لطعن ما يصل إلى 20 ضحية، ومهاجمة ضباط الشرطة الذين ​يستجيبون للبلاغ.

وظل ستورديفانت يخطط للهجوم لعام تقريباً، وتواصل عبر الإنترنت في ديسمبر (كانون الأول) ⁠مع عميلين سريين من مكتب التحقيقات الاتحادي وشرطة نيويورك، كان يعتقد أنهما ينتميان إلى «داعش». وتشير الدعوى إلى أنه شارك صوراً لمطرقتين وسكين، وناقش خططاً لهجوم وشيك.

وبدأ مكتب التحقيقات الاتحادي يراقب ستورديفانت في 2022 عندما تواصل، وهو قاصر، مع عضو مجهول الهوية في التنظيم المتشدد بالخارج، واتخذ خطوات لتنفيذ هجوم بمطرقة. وقال مسؤولو إنفاذ القانون إن ستورديفانت لم يوجه إليه اتهام ‌في تلك الواقعة، وخضع في المقابل لعلاج نفسي.


تحرّك جمهوري لتحميل حاكم ولاية مينيسوتا مسؤولية فضيحة فساد مليونية

ترمب إلى جانب النائب الجمهوري عن ولاية مينيسوتا توم إيمير في البيت الأبيض يوم 18 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب إلى جانب النائب الجمهوري عن ولاية مينيسوتا توم إيمير في البيت الأبيض يوم 18 يوليو 2025 (رويترز)
TT

تحرّك جمهوري لتحميل حاكم ولاية مينيسوتا مسؤولية فضيحة فساد مليونية

ترمب إلى جانب النائب الجمهوري عن ولاية مينيسوتا توم إيمير في البيت الأبيض يوم 18 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب إلى جانب النائب الجمهوري عن ولاية مينيسوتا توم إيمير في البيت الأبيض يوم 18 يوليو 2025 (رويترز)

مع بداية العام الجديد، تعود الحياة لأروقة الكونغرس تدريجياً، ويستعد مجلسا النواب والشيوخ لاستقبال المشرعين الذين سيقصدون واشنطن الأسبوع المقبل مع انتهاء عطلتهم الشتوية. ومعهم يعود مشهد التوتر بين الديمقراطيين والجمهوريين إلى الواجهة، خاصة مع تفاعل قضية الفساد في ولاية منيسوتا التي تشهد حالياً مواجهة محتدمة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحاكم الولاية الديمقراطي تيم والز.

وبعدما أدّت اتهامات جمهورية بالفساد وسوء إدارة الأموال في برامج ممولة فيدرالياً في الولاية، وتحديداً في قطاعي الحضانة والغذاء، إلى تجميد وزارة الصحة ملايين الدولارات المخصصة لبرامج العناية بالأطفال في مينيسوتا، يسعى الجمهوريون إلى استدعاء حاكمها تيم والز، والمدعي العام كيث إليسون، للإدلاء بإفادتيهما أمام الكونغرس. وأعلن رئيس لجنة المراقبة والإصلاح الحكومي، جايمس كومر، أن لجنته ستبدأ سلسلة من جلسات الاجتماع بمجرد عودة الكونغرس من إجازته، وأنّه دعا كلّاً من والز واليسون للمثول أمامها في شهر فبراير (شباط).

استهداف الجالية الصومالية

يقول المدعون الفيدراليون إن مئات الملايين من الدولارات الحكومية المخصصة لبرامج تغذية ورعاية الأطفال تمّ هدرها والتلاعب بها منذ عام 2021، وتتهم الإدارة حاكم الولاية بالتقاعس عن ملاحقة المعنيين بالفساد. وهذا ما كرره كومر في بيان، قال فيه: «إمّا أن يكون حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز والمدّعي العام كيث إليسون غافلين عمّا يجري، أو متواطئين في عملية احتيال واسعة النطاق طالت أموال دافعي الضرائب في برامج الخدمات الاجتماعية في مينيسوتا».

لافتة تدعو إلى تأييد الجالية الصومالية ضد مساعي الترحيل في مينيسوتا (رويترز)

ولعلّ النقطة الأبرز في هذه المواجهة هي أنّها تُعدّ استكمالاً لهجوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الجالية الصومالية في مينيسوتا، التي تؤوي قرابة 100 ألف من المهاجرين الصوماليين، بحسب بعض الاستطلاعات، أي أقل من 2 في المائة من سكان الولاية، أكثريتهم من حاملي الجنسية الأميركية.

وتقول وزيرة العدل، بام بوندي، إن 85 من أصل 98 شخصاً تم توجيه التهم إليهم في قضية الفساد هم من الجالية الصومالية، ما أدّى إلى توعد البيت الأبيض بسحب الجنسية منهم. وقالت المتحدثة باسمه، كارولين ليفيت، إن وزراتي الأمن القومي والخارجية تنظران في المسألة، مضيفة في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «نحن نعلم أنّ هناك قضاة ناشطين ليبراليين في أنحاء البلاد سيحاولون عرقلة الإدارة ومنعها من تحقيق العدالة عند كل منعطف. لكن ذلك لن يوقف الرئيس وكامل أعضاء حكومته عن التحرّك دفاعاً عن المواطنين الملتزمين بالقانون ودافعي الضرائب في ولاية مينيسوتا وفي ولايات أخرى في مختلف أنحاء البلاد، الذين تعرّضوا للاحتيال على يد أشخاص أساؤوا استغلال نظام الهجرة لدينا».

النائبة الديمقراطية إلهان عمر في الكونغرس في 10 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وقد أدّت اتّهامات الفساد في الولاية إلى ارتفاع حدة هجمات ترمب على الجالية الصومالية، التي أجّجتها علاقته المضطربة مع النائبة من أصول صومالية إلهان عمر، التي تمثل الولاية. وقال، في منشور على منصته «تروث سوشال»: «كثير من الاحتيال في مينيسوتا سبّبه أشخاص دخلوا إلى بلدنا بشكل غير قانوني من الصومال. إن النائبة عمر، خاسرة جاحدة لا تفعل سوى الشكوى ولا تُساهم بشيء، وهي واحدة من العديد من المحتالين». وتابع الرئيس الأميركي: «أمثال هؤلاء لا يمكن أن يكونوا إلا عبئاً على عظمة بلدنا. أعيدوهم من حيث أتوا، إلى الصومال... أسوأ وأكثر دول العالم فساداً. لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».

حسابات سياسية

لكن القضية لا ترتبط بمهاجمة الجالية الصومالية فحسب، بل تمتدّ لتشمل حسابات سياسية مع اقتراب الانتخابات النصفية. فحاكم الولاية الديمقراطي، كان المرشح لمنصب نائب الرئيس على بطاقة المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس عام 2024، بمواجهة ترمب ونائبه جاي دي فانس، وأعلن أنه سيخوض السباق للاحتفاظ بمنصبه كحاكم للولاية في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي.

حاكم مينيسوتا تيم والز خلال جلسة استماع في الكونغرس في 12 يونيو 2025 (رويترز)

وتسعى إدارة ترمب إلى تكثيف الهجمات ضد والز على أمل خسارته في الانتخابات، وفوز جمهوري في هذا المنصب لأول مرة منذ عام 2011. ولن تكون المعركة سهلة، فمن الواضح أن والز مُصرّ هو أيضاً على المواجهة. إذ أصدر مكتبه بياناً قال فيه: «فيما كان الحاكم يعمل على ضمان إرسال المحتالين إلى السجون، كان الرئيس يبيع قرارات العفو لإخراجهم منها».


مادورو منفتح على «صفقة» تشمل النفط والمخدرات مع أميركا

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال اجتماع الحقوقيين المدافعين عن القانون الدولي في كراكاس (أ.ف.ب)
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال اجتماع الحقوقيين المدافعين عن القانون الدولي في كراكاس (أ.ف.ب)
TT

مادورو منفتح على «صفقة» تشمل النفط والمخدرات مع أميركا

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال اجتماع الحقوقيين المدافعين عن القانون الدولي في كراكاس (أ.ف.ب)
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال اجتماع الحقوقيين المدافعين عن القانون الدولي في كراكاس (أ.ف.ب)

أبدى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو انفتاحاً على التفاوض مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بغية الوصول إلى «صفقة» تشمل التعاون في قطاع النفط ومكافحة تهريب المخدرات، ممتنعاً في الوقت ذاته عن التعليق على الضربات التي تُنفّذها الولايات المتحدة ضد عصابات المخدرات، بما في ذلك داخل أراضي فنزويلا.

وفي مقابلة مسجلة، بُثت الخميس على التلفزيون الرسمي، وصف مادورو فنزويلا بأنها «دولة شقيقة» للولايات المتحدة وحكومة صديقة. ولكنه أكّد مُجدّداً أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض تغيير حكومي في فنزويلا والوصول إلى احتياطاتها النفطية الهائلة من خلال حملة ضغط متواصلة منذ أشهر، وبدأت بانتشار عسكري واسع النطاق في البحر الكاريبي في أغسطس (آب) من العام الماضي. وإذ تساءل: «ما الذي يسعون إليه؟»، رأى أنه «من الواضح أنهم يسعون إلى فرض أنفسهم من خلال التهديدات والترهيب والقوة»، مضيفاً أن الوقت قد حان لكي يبدأ البلدان «التحدث بجدية، مع وجود بيانات موثقة». وقال أيضاً: «تعلم الحكومة الأميركية، لأننا أبلغنا العديد من المتحدثين باسمها، أننا مستعدون لمناقشة صفقة لمكافحة تهريب المخدرات بجدية إذا كانوا يرغبون في ذلك». أما «إذا أرادوا النفط، فإن فنزويلا مستعدة للاستثمار الأميركي، كما هي الحال مع شركة شيفرون، متى ما أرادوا، وأينما أرادوا، وكيفما أرادوا».

وباتت «شيفرون» شركة النفط الكبرى الوحيدة التي تُصدّر النفط الخام الفنزويلي إلى الولايات المتحدة.

115 قتيلاً

وسُجّلت المقابلة عشية رأس السنة، في اليوم الذي أعلن فيه الجيش الأميركي شنّ غارات على 5 قوارب يُشتبه في أنها تُستخدم في تهريب المخدرات.

صورة ثابتة مأخوذة من فيديو وزّعته القيادة الجنوبية للجيش الأميركي تُظهر قارباً متهماً بتهريب المخدرات (رويترز)

وخلال بثّ المقابلة، عُرضت مشاهد يظهر فيها مادورو ومُحاوره، وهما يسيران في منطقة عسكرية بالعاصمة كراكاس. ولاحقاً، تولى مادورو قيادة سيارة برفقة الصحافي في مقعد الراكب الأمامي، وزوجة الرئيس سيليا فلوريس تجلس في المقعد الخلفي، في لفتة فسّرها المعلقون على أنها محاولة لإظهار الثقة وسط مخاوف من ضربة أميركية، على رغم تقليص مادورو لظهوره العلني في الأسابيع الأخيرة.

وبهجمات القوارب الأخيرة، يرتفع إجمالي عدد الهجمات المعروفة على القوارب إلى 35، ويصل عدد القتلى إلى 115 شخصاً على الأقل، وفقاً للأرقام التي أعلنتها إدارة ترمب. وبين الضحايا فنزويليون.

وبرّر الرئيس ترمب هذه الهجمات بأنها ضرورية لوقف تدفق المخدرات من فنزويلا إلى الولايات المتحدة، معتبراً أن بلاده تخوض «نزاعاً مسلحاً» مع عصابات المخدرات. وبدأت الغارات في 2 سبتمبر (أيلول) 2025 قبالة سواحل فنزويلا على البحر الكاريبي، ثم امتدت لاحقاً إلى شرق المحيط الهادئ.

وفي واحدة من الهجمات التي كشفت عنها مصادر أميركية مطلعة، نفّذت وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» غارة جوية بمسيرة الأسبوع الماضي على ميناء يُعتقد أنه يستخدم من عصابات المخدرات الفنزويلية، لتكون هذه أول عملية معروفة على الأراضي الفنزويلية، في ما يُمثل تصعيداً خطيراً في حملة الضغط التي تشنها إدارة ترمب ضد مادورو، الذي تتهمه بالإرهاب المرتبط بالمخدرات في الولايات المتحدة.

وعند سؤاله عن العملية على الأراضي الفنزويلية، قال مادورو إنه يستطيع «الحديث عنها خلال أيام قليلة».

اعتقال أميركيين

وفي ما بدا أنه محاولة للضغط على إدارة ترمب، أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» أن قوات الأمن الفنزويلية اعتقلت عدداً من الأميركيين خلال الأشهر الأخيرة. ونقلت عن مسؤول لم تُسمّه أن بعض المعتقلين يواجهون تُهماً جنائية حقيقية، بينما تدرس الحكومة الأميركية تصنيف اثنين منهم على الأقل كمعتقلين ظلماً.

ويشمل المعتقلون ثلاثة من حاملي الجنسية المزدوجة الفنزويلية - الأميركية، إضافة إلى اثنين من المواطنين الأميركيين. ويرى مسؤولون في الإدارة أن مادورو يعتقل الأميركيين من أجل استخدامهم «ورقة ضغط» ضد الولايات المتحدة.

إلى ذلك، وفي مناسبة حلول العام الجديد، أطلقت السلطات الفنزويلية 88 شخصاً على الأقل كانوا سُجنوا عقب الانتخابات الرئاسية في فنزويلا عام 2024، علماً أن السلطات أطلقت أيضاً 99 شخصاً بمناسبة عيد الميلاد.

وبحسب الأرقام الرسمية، أدّت الحملة التي نفّذتها السلطات الفنزويلية لقمع الاضطرابات، التي أعقبت إعلان إعادة انتخاب مادورو، عن توقيف 2400 شخص ومقتل 28 آخرين. وأعلنت السلطات إطلاق أكثر من 2000 شخص في الأسابيع اللاحقة.