هل يصبح الإغلاق الحكومي بوابة لـ«مشروع 2025»؟

تساؤلات حول الاستراتيجية الديمقراطية... واحتدام الاستقطاب الحزبي

مشرعون جمهوريون يتحدثون مع الصحافيين في 1 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
مشرعون جمهوريون يتحدثون مع الصحافيين في 1 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

هل يصبح الإغلاق الحكومي بوابة لـ«مشروع 2025»؟

مشرعون جمهوريون يتحدثون مع الصحافيين في 1 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
مشرعون جمهوريون يتحدثون مع الصحافيين في 1 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

يدخل الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة يومه العاشر، في ظل غياب مفاوضات جدية تهدف إلى حل الأزمة. ويستمر الديمقراطيون والجمهوريون باستراتيجية تبادل الاتهامات ورفض التنازل أو المساومة. من ناحيته، يعول الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الأزمة الحالية، التي وصفها بـ«إغلاق الديمقراطيين»، لتنفيذ أجندته الهادفة إلى تقليص حجم الحكومة الفيدرالية، مهدداً بطرد الموظفين، وملوحاً بعدم تسديد رواتبهم حتى بعد إعادة فتح المرافق الحكومية.

وقد أدت هذه التصريحات إلى اشتعال الحرب الحزبية، مُهدّدة بإطالة الأزمة التي بدأت تُلقي بظلالها على حركة الملاحة الجوية وأمن الأميركيين، وحتى القوات العسكرية.

يستعرض برنامج «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، تداعيات هذه المواجهة السياسية واستراتيجية الحزبين، وما إذا كان الإغلاق قد تحول إلى فرصة ذهبية لترمب لتطبيق بنود «مشروع 2025» المحافظ.

لا مفاوضات

ترمب في البيت الأبيض يوم 9 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

يعرب مايكل هاردواي، المساعد السابق للرئيس باراك أوباما ومدير الاتصالات السابق لزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، عن دهشته من غياب المفاوضات لإعادة فتح المرافق الحكومية، مشيراً إلى أن هذا يظهر عدم جدية من قِبَل الجمهوريين إلى الوصول إلى تسوية. ويوجه أصابع اللوم إلى البيت الأبيض في غياب أي نوع من التفاوض، قائلاً: «لقد عملت خلال عدة حالات إغلاق للحكومة، سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، والرئيس دائماً ما يقود هذه المحادثات برفقة رئيس موظفيه. السبب في عدم رؤية أي تحرك اليوم هو غياب أي نوع من القيادة من البيت الأبيض لجمع الأطراف معاً».

ويتفق أليكس تاراسيو، مدير الاستراتيجيات السياسية في مؤسسة «سيغنال» والمدير السابق في المؤسسة الجمهورية الدولية، على أن المفاوضات غائبة، لكنه يختلف مع هارداوي في تقييم السبب. إذ يعتبر تاراسيو أن البيت الأبيض ينظر إلى الإغلاق بوصفه «فرصة رائعة لدونالد ترمب لتقليص حجم ونطاق الحكومة بشكل أكبر»، وأن هذا هو جوهر أجندته. وأوضح: «إذا أتاح له هذا الإغلاق الفرصة لمواصلة ذلك، فهذا انتصار له».

ويعتبر تاراسيو أن الجمهوريين سيبقون على موقفهم الرافض لإضافة شروط على تمويل الحكومة، لأنهم يعتبرون أن التنازل سيكون سابقة سيئة تؤدي إلى المزيد من الإغلاقات، لأن الديمقراطيين سيكررون هذا التصرف في حال حصولهم على ما يطالبون به.

ويتحدث توم بيفان، الشريك المؤسس ومدير التحرير التنفيذي لموقع «ريل كلير بوليتيكس» الإخباري، عن أسباب إصرار الجمهوريين والديمقراطيين على مواقفهم الرافضة لأي تسوية، مشيراً إلى اعتقادهم بأنهم يفوزون في معركة العلاقات العامة. فمن جهة، يتلقى الديمقراطيون ردود فعل إيجابية من ناخبيهم الذين يريدون منهم «الاستمرار في القتال» ومواجهة ترمب، ومن جهة أخرى يتلقى الجمهوريون ردود فعل إيجابية من ناخبيهم عندما يشيرون إلى أن الديمقراطيين يرغبون في توفير الرعاية الصحية للمهاجرين غير النظاميين.

ويضيف بيفان أن «الطرفين يعيشان في فقاعتين منفصلتين. في السابق، عندما كنا نشهد إغلاقاً للحكومة، كان أحد الطرفين يفوز في معركة الرأي العام، وكان هناك ضغط يتم ممارسته. لكننا الآن في اليوم العاشر من هذه الأزمة، ولا يبدو أن أياً من الطرفين يشعر بأي ضغط. ولهذا لا توجد مفاوضات جارية حالياً».

أزمة ثقة

زعيم الديمقراطيين في «الشيوخ» تشاك شومر خلال مؤتمر صحافي يوم 7 أكتوبر 2025 (أ.ب)

ينتقد هاردواي الاتهامات الجمهورية القائلة إن الديمقراطيين يريدون توفير الرعاية الصحية للمهاجرين غير النظاميين، مشيراً إلى أن هدفهم هو تمديد إعانات «أوباما كير» التي ستؤدي في حال انتهاء صلاحيتها نهاية هذا العام إلى ارتفاع أقساط التأمين لملايين الأميركيين. وعلى الرغم من أن ترمب عرض التفاوض على المسألة شرط فتح المرافق الحكومية أولاً، يشير هارداوي إلى وجود أزمة ثقة كبيرة بين الحزبين، خصوصاً من الجانب الديمقراطي الذي انعدمت ثقته كلياً بترمب الذي يتحدى قرارات الكونغرس والقضاء بشكل دائم.

وبوجه هذا الجمود السياسي، يُرجّح تاراسيو تنازل الديمقراطيين في نهاية المطاف، مشيراً إلى أن ذلك سيعزز الانقسام في صفوف الحزب الديمقراطي بين التقدميين وقاعدة الحزب التقليدية. ويضيف: «هؤلاء (التقليديون) هم الأشخاص الذين يعملون بشكل أساسي في الكونغرس، مقابل أولئك الذين يتظاهرون في الشوارع والذين يريدون مواجهة ترمب الآن. وحسب استطلاعات الرأي، فإن النساء الأصغر سناً في الحزب على وجه الخصوص، غير راضيات حقاً عن قيادة الحزب الديمقراطي، ولا سيما الزعيم (في مجلس الشيوخ تشاك) شومر(...). لكن في الوقت نفسه، فإن بقية البلاد غير راضين بشكل عام عن هذا التوجه. وهذا الفارق يتسع مع مرور الوقت».

هل من استراتيجية ديمقراطية؟

زعيم الديمقراطيين في «النواب» حكيم جيفريز بمؤتمر صحافي يوم 9 أكتوبر 2025 (رويترز)

ومع استمرار الأزمة، تطرح أسئلة عدة حول الاستراتيجية الديمقراطية المعتمدة في هذا الإغلاق. ويُعرب بيفان عن دهشته من هذه الاستراتيجية «غير المفهومة»، على حد تعبيره، خصوصاً مع تكرارهم القول إن انتهاء إعانات «أوباما كير» ستؤثر على الناخبين الجمهوريين في المناطق الريفية في الولايات الحمراء، وإنهم هم الذين سيتضررون أكثر من غيرهم. ويتساءل: «من الناحية السياسية البحتة، إذا كان هذا صحيحاً، فيجب على الديمقراطيين السماح بحدوث ذلك. فهذا سيضمن فوزهم في انتخابات التجديد النصفي العام المقبل».

ويعتبر بيفان أن الحزبين يركزان اليوم بشكل أساسي على قاعدتيهما الشعبيتين الأكثر تأثيراً، والأصوات الأكثر صخباً في الحزب، مضيفاً: «بالنسبة للديمقراطيين، إنها لحظة (حزب الشاي) بالنسبة لهم. والأمر يتعلق بمواجهة ترمب مهما كان الثمن، ومهما كانت الظروف. إنها استراتيجية جريئة جداً من جانبهم، ولكنها مدفوعة تماماً بمطالب ورغبات الجناح اليساري للحزب».

من ناحيته، يقول هارداوي إنه لا يرى في الوقت الحالي أي مسار يمكن للديمقراطيين أن يسلكوه بخلاف ما فعلوه، مشيراً إلى أرقام تدلّ على أن المستقلين يؤيدونهم كذلك، ما سيعزز حظوظهم بالفوز في الانتخابات النصفية، وأن هذا يعد انتصاراً بالنسبة إليهم.

فرصة «ذهبية» لترمب

لافتة عن الإغلاق الحكومي في المقار الحكومية الأميركية يوم 9 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

تتزايد التحذيرات من احتمال أن يستغل ترمب هذا الجمود التشريعي لطرد آلاف الموظفين الفيدراليين، كما وعد، والاستمرار بنهج تقليص الحكومة الفيدرالية، خصوصاً بعد كتابته منشوراً على منصة «تروث سوشيال» ذكر فيه «مشروع 2025 المحافظ». وعن ذلك، يقول هارداوي: «إنه يطرد موظفين بغض النظر عن الإغلاق. وتهديده بأنه سيقوم بفصل المزيد من الموظفين إذا استمر الإغلاق لا يعني شيئاً، لأنه فعلياً فعل ذلك من دون أي إغلاق حكومي».

وذكر تاراسيو أن ترمب يحب استفزاز خصومه، عبر ذكر أمور مثل «المشروع 2025»، والترشح لولاية ثالثة، مستبعداً جديته في تصريحات من هذا النوع. ويشير إلى أنه لطالما أراد المحافظون والجمهوريون تقليص حجم الحكومة، وأن «مشروع 2025» طرح رؤية واحدة حول كيفية القيام بذلك، مضيفاً: «يجب أن نتوقع أن نرى الكثير من التداخل بين ما حدث، وما أظهرته تلك الخطة».

وينتقد تاراسيو استراتيجية الديمقراطيين، معتبراً أنها «غائبة كلياً». ويفسر قائلاً: «لقد أجبروا على اتخاذ هذا الموقف، لأن القاعدة الشعبية طالبت بذلك. المشكلة اليوم هي أن الحزب الديمقراطي يقع فريسة لبعض القوى (...) المطالبة بمزيد من الصراعات، حتى لو لم يكن من الواضح حقاً أن هناك طريقة واضحة لتحقيق النصر في نهاية المطاف».

وفيما يتوقع الجميع استمرار الإغلاق لوقت طويل، يرجح بيفان أن نهاية المواجهة ستأتي على يد ترمب «صانع الصفقات» عندما يطالب علناً بإبرام صفقة، حينها سيصطف الجمهوريون وراءه. لكن بيفان يشير إلى أن ترمب لم يصل إلى تلك المرحلة بعد، مضيفاً: «لا أعرف ما ستكون نقطة التحول بالنسبة إليه، ما النقطة الفاصلة التي سيقرر فيها التحرك، فلا يبدو أنه يشعر حالياً بأي ضرر يدفعه إلى الرغبة في إبرام اتفاق على الفور. لكن هذا قد يتغير في غضون أيام أو أسابيع قليلة».


مقالات ذات صلة

المتمردون يدخلون بلدة استراتيجية بالكونغو مع انهيار اتفاق السلام

أفريقيا متمردو حركة 23 مارس المدعومة من رواندا دخلوا بلدة أوفيرا شرق الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

المتمردون يدخلون بلدة استراتيجية بالكونغو مع انهيار اتفاق السلام

قالت مصادر لـ«رويترز»، اليوم (الأربعاء)، إن متمردي حركة 23 مارس، المدعومة من رواندا، دخلوا بلدة أوفيرا، شرق الكونغو الديمقراطية، بالقرب من الحدود مع بوروندي.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) play-circle

«تنطوي على خيانة»... ترمب يصف تقارير إعلامية بشأن صحته بـ«التحريضية»

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة وسائل إعلام طرحت تساؤلات حول وضعه الصحي، واصفاً تقاريرها بأنها «تحريضية، وربما تنطوي على خيانة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من الحرس الوطني لولاية كاليفورنيا ينتشرون خارج مجمع من المباني الفيدرالية في كاليفورنيا (رويترز)

قاضٍ يأمر إدارة ترمب بإنهاء نشر قوات حرس كاليفورنيا الوطني في لوس أنجليس

أمر قاض فيدرالي أميركي اليوم الأربعاء إدارة الرئيس دونالد ترمب بضرورة إنهاء نشر قوات الحرس الوطني بولاية كاليفورنيا في لوس أنجليس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أفريقيا تجمع لأهالي تلاميذ اختُطفوا من مدرسة سانت ماريز الكاثوليكية في نيجيريا الشهر الماضي (أ.ب)

وفد أميركي يزور نيجيريا للوقوف على حقيقة أوضاع المسيحيين

قام وفد أميركي بزيارة نيجيريا في مهمة تقصّي حقائق بشأن مزاعم «إبادة جماعية للمسيحيين».

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يتابع بمنظار تجمعاً حاشداً في كاراكاس يوم 1 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

مقاتلات أميركية تُحلّق قرب فنزويلا... وترمب يتوقع «أياماً معدودة» لمادورو

حلّقت مقاتلتان أميركيتان فوق خليج فنزويلا، في سياق الضغط من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال إن أمام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو «أياماً معدودة».

علي بردى (واشنطن)

«تنطوي على خيانة»... ترمب يصف تقارير إعلامية بشأن صحته بـ«التحريضية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

«تنطوي على خيانة»... ترمب يصف تقارير إعلامية بشأن صحته بـ«التحريضية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة وسائل إعلام طرحت تساؤلات حول وضعه الصحي، واصفاً تقاريرها بأنها «تحريضية، وربما تنطوي على خيانة»، ما استدعى، الأربعاء، رد فعل من إحدى أبرزها.

في منشور مطوّل أورده ليلاً على منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، وجّه ترمب، وهو الأكبر سناً من بين الرؤساء المنتخبين للولايات المتحدة، انتقادات حادة إلى تقارير أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» وغيرها، تفيد بأن أداءه بدأ يتباطأ في سن التاسعة والسبعين.

وجاء في منشور ترمب الواقع في نحو 500 كلمة «لم يكن هناك على الإطلاق رئيس عمل بالجد الذي أعمل به! ساعات عملي هي الأطول، ونتائجي من بين الأفضل».

وأضاف: «أعتقد فعلاً أن ما تقوم به صحيفة (نيويورك تايمز) وغيرها تحريضي، وربما ينطوي حتى على خيانة (للوطن) بمواظبتها على نشر تقارير مضلّلة بقصد التشهير والإساءة إلى رئيس الولايات المتحدة».

وأشار إلى أنه خضع لفحوص طبية «مطوّلة وشاملة ومملّة جداً»، وتمكّن من «التفوّق» في اختبارات إدراكية قال إن رؤساء آخرين لم يخضعوا لها.

ولفت إلى أن «أفضل ما يمكن أن يحدث لهذا البلد هو أن تتوقف (نيويورك تايمز) عن النشر لأنها (مصدر) معلومات فظيع ومنحاز وعديم الصدقية».

وكان تقرير نشرته «نيويورك تايمز» في نوفمبر (تشرين الثاني) قد أثار حفيظة ترمب والبيت الأبيض، إذ أفاد بأن الرئيس قلّص على نحو كبير الفعاليات العامة وأسفاره الداخلية وساعات عمله مقارنة بولايته الأولى.

وباتت صحّة ترمب تحت المجهر بعدما بدا كأنه يعاني للبقاء في حالة يقظة في سلسلة من الفعاليات، ناهيك بخضوعه لفحص بالرنين المغناطيسي في سياق فحوص طبية إضافية في أكتوبر (تشرين الأول).

وقالت نيكول تايلور، المتحدثة باسم «نيويورك تايمز»، في تصريح: «يستحق الأميركيون تقارير معمّقة وتحديثات منتظمة بشأن صحة القادة الذين ينتخبونهم».

وأضافت: «رحّب ترمب بتغطيتنا لسنّ ولياقة أسلافه، ونحن نطبّق المستوى نفسه من التدقيق الصحافي في حيويته».

وأوضحت الصحيفة أن تقاريرها تستند إلى مصادر كثيرة وتعتمد على مقابلات مع أشخاص مقربين من الرئيس ومع خبراء طبيين.

وتابعت تايلور: «لن تردعنا لغة الكذب والتحريض التي تشوّه دور الصحافة الحرة».


قاضٍ يأمر إدارة ترمب بإنهاء نشر قوات حرس كاليفورنيا الوطني في لوس أنجليس

أفراد من الحرس الوطني لولاية كاليفورنيا ينتشرون خارج مجمع من المباني الفيدرالية في كاليفورنيا (رويترز)
أفراد من الحرس الوطني لولاية كاليفورنيا ينتشرون خارج مجمع من المباني الفيدرالية في كاليفورنيا (رويترز)
TT

قاضٍ يأمر إدارة ترمب بإنهاء نشر قوات حرس كاليفورنيا الوطني في لوس أنجليس

أفراد من الحرس الوطني لولاية كاليفورنيا ينتشرون خارج مجمع من المباني الفيدرالية في كاليفورنيا (رويترز)
أفراد من الحرس الوطني لولاية كاليفورنيا ينتشرون خارج مجمع من المباني الفيدرالية في كاليفورنيا (رويترز)

أمر قاض فيدرالي أميركي، اليوم الأربعاء، إدارة الرئيس دونالد ترمب بضرورة إنهاء نشر قوات الحرس الوطني بولاية كاليفورنيا في لوس أنجليس، وإعادة السيطرة على القوات إلى الولاية.

وأصدر القاضي الجزئي الأميركي في سان فرانسيسكو، تشارلز براير، أمراً قضائياً أولياً بناء على طلب مسؤولي ولاية كاليفورنيا الذين عارضوا خطوة الرئيس دونالد ترمب الاستثنائية باستخدام قوات الحرس الوطني التابعة للولاية دون موافقة الحاكم لتعزيز جهوده في تطبيق قوانين الهجرة. لكن القاضي علق تنفيذ الأمر حتى يوم الاثنين.

وتدفع ولاية كاليفورنيا بأن الأوضاع في لوس أنجليس قد تغيرت منذ أن تولى ترمب قيادة القوات في البداية ونشرها في يونيو (حزيران) الماضي.

واستدعت الإدارة في البداية أكثر من 4 آلاف من قوات الحرس الوطني في كاليفورنيا، لكن هذا العدد انخفض إلى عدة مئات بحلول أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع بقاء نحو 100 جندي فقط في منطقة لوس أنجليس.

لكن الإدارة الجمهورية مددت فترة نشر القوات حتى فبراير (شباط)، في الوقت الذي حاولت فيه أيضاً استخدام عناصر الحرس الوطني في كاليفورنيا في بورتلاند بولاية أوريجون باعتبار ذلك جزءاً من جهودها لإرسال الجيش إلى مدن يديرها الديمقراطيون، رغم المعارضة الشديدة من قبل العمد وحكام الولايات.

وقال محامو وزارة العدل الأميركية إن الإدارة لا تزال بحاجة إلى عناصر الحرس الوطني في منطقة لوس أنجليس للمساعدة في حماية الموظفين والممتلكات الفيدرالية.


الديمقراطيون ينتزعون رئاسة بلدية ميامي

إيلين هيغينز تلقي كلمة أمام أنصارها في ميامي يوم 9 ديسمبر (أ.ب)
إيلين هيغينز تلقي كلمة أمام أنصارها في ميامي يوم 9 ديسمبر (أ.ب)
TT

الديمقراطيون ينتزعون رئاسة بلدية ميامي

إيلين هيغينز تلقي كلمة أمام أنصارها في ميامي يوم 9 ديسمبر (أ.ب)
إيلين هيغينز تلقي كلمة أمام أنصارها في ميامي يوم 9 ديسمبر (أ.ب)

شهدت مدينة ميامي، القلب النابض لجنوب فلوريدا والمتسمة بتركيبتها السكانية الغالبة من أصول لاتينية، تحولاً سياسياً لافتاً ومزلزلاً، مساء الثلاثاء، تمثل في فوز الديمقراطية إيلين هيغينز بمنصب رئيسة بلدية المدينة. لم يكن فوز هيغينز مجرد انتصار عابر، بل كان حدثاً سياسياً لافتاً يتجاوز نتائجه المحلية المباشرة إلى دلالات أعمق ترتبط بالمشهد الحزبي الأميركي، وبمثابة كسر للجدار الجمهوري الذي أحكم قبضته على كرسي رئاسة البلدية لنحو ثلاثة عقود، وتحديداً منذ عام 1997، ما يجعله أول فوز ديمقراطي منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً.

وعلى الرغم من الاتجاه العام بين الخبراء إلى التحذير من «المبالغة في قراءة» نتائج هذه الانتخابات، فإن حجم الاهتمام الوطني الذي حظيت به وصراع الاصطفافات فيها، يضعان هذا الفوز في خانة التطورات الجديرة بالتوقف عندها.

عودة ديمقراطية في مدينة «يمينية»

من حيث المبدأ، تبدو استعادة الديمقراطيين لمنصب عمدة ميامي تطوّراً غير عادي في مدينة كانت تميل بوضوح في العقد الأخير إلى اليمين. فهذه المدينة ذات الغالبية اللاتينية، التي تضم نحو نصف مليون نسمة، شهدت في عام 2020 انتقالاً كبيراً في المزاج الانتخابي مع تراجع الفارق الديمقراطي، وصولاً إلى تحقيق دونالد ترمب مكسباً تاريخياً في 2024 عندما أصبح أول مرشح رئاسي جمهوري يتقدم في مقاطعة ميامي-ديد منذ 36 عاماً.

في هذا السياق، يبرز فوز هيغينز بما يقارب 59 في المائة من أصوات الجولة الحاسمة، مقابل 41 في المائة لمنافسها الجمهوري إيميليو غونزاليس، إشارة إلى قدرة الديمقراطيين على إعادة تنظيم صفوفهم واستثمار حالة السخط المحلي على ضعف قدرة الإدارة الحالية على معالجة أزمات السكن وارتفاع الضرائب العقارية، وهي ملفات شكّلت جوهر حملة المرشحة الديمقراطية.

فازت إيلين هيغينز بانتخابات رئاسة بلدية ميامي يوم 9 ديسمبر (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن انتخابات رئيس بلدية ميامي تُعدّ رسمياً «غير حزبية»، فإن اصطفاف الحزبين الكبيرين حول المرشحين عكس واقعاً مختلفاً تماماً. فقد حظي غونزاليس بدعم مباشر من الرئيس ترمب، الذي وصفه بأنه مرشح لن «يخذلكم أبداً»، وسيعمل على «وقف جرائم المهاجرين» وخفض الضرائب. كما حصل على تأييد حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، والسيناتورين ريك سكوت وآشلي مودي، فضلاً عن دعم من شخصيات «قومية جمهورية» مثل السيناتور تيد كروز.

في المقابل، تحوّل دعم الديمقراطيين لهيغينز إلى اختبار رمزي لقدرتهم على اختراق مناطق انزاحت نحو الجمهوريين خلال السنوات الماضية. وقد دخلت قيادات ديمقراطية كبرى على خط الحملة، من بينها شخصيات تُعدّ أسماء محتملة في السباق الرئاسي لعام 2028، مثل السيناتور روبن غايياغو ورام إيمانويل وبيت بوتيجيج.

هذا الاستقطاب الحاد بين الطرفين جعل من الانتخابات حدثاً وطنياً بامتياز، وفتح الباب أمام مقارنات مع الاختراقات الديمقراطية الأخيرة في ولايات أخرى، من فيرجينيا إلى نيوجيرسي، إضافة إلى النتائج الإيجابية للحزب في انتخابات فرعية متعددة. وفي تعليق له، عدّ رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية، كين مارتن، الفوز بأنه «دليل على ما يمكن للديمقراطيين إنجازه عندما نُنظّم وننافس في كل مكان»، مضيفاً: «نتيجة الليلة هي علامة تحذير أخرى للجمهوريين بأن الناخبين سئموا من أجندتهم البعيدة عن الواقع التي تزيد التكاليف على الأسر العاملة في جميع أنحاء البلاد».

رسائل إلى الجمهوريين

على الرغم من الخطاب الجمهوري المسبق الذي حاول التقليل من أهمية الانتخابات والتحذير من التعامل معها بوصفها «استفتاء على ترمب»، فإن الهزيمة جاءت في لحظة حساسة للحزب وهو يستعد للانتخابات النصفية في 2026. ويبدو أن ارتباط غونزاليس المباشر بالرئيس ترمب، الذي تراجعت شعبيته أخيراً، حسب عدة استطلاعات، كان أحد عوامل الإضرار بحملته، وفق تقديرات ديمقراطية.

كما أن محاولة مجلس المدينة لتأجيل الانتخابات ومنح سنة إضافية للمسؤولين المحليين، وهي خطوة أجهضها القضاء، عززت المزاج الرافض لـ«الامتداد السياسي» وساعدت هيغينز في تقديم نفسها بديلاً إصلاحياً نظيفاً. هذا الخطاب لقي صدى لدى قطاعات من الناخبين المحبطين من اتهامات الفساد والانقسامات داخل إدارة بلدية ميامي خلال السنوات الأخيرة، حسب ما ذكرته صحف أميركية عدة.

استراتيجية جديدة

توالت خلال الأشهر الماضية مؤشرات إلى ميل الناخب الأميركي نحو أصوات «أقل صخباً وأكثر براغماتية»، كما ظهرت في انتخابات ولايتي فيرجينيا ونيوجيرسي. وقد حاولت هيغينز البناء على هذا المزاج، مركّزة على خطاب إصلاحي معتدل يبتعد عن الاستقطاب الحزبي ويتصل بحاجات الناخبين اليومية: الإسكان، النزاهة الحكومية، الأمن الاقتصادي، حماية البيئة.

ؤ

هذا النمط من الخطاب كان بمثابة تذكير بأن جزءاً من القاعدة اللاتينية في ميامي، وهي قاعدة حاسمة في رسم اتجاهات الولاية، يستجيب للملفات العملية أكثر من شعارات الهوية الآيديولوجية. وهو ما قد يعيد تشكيل الطريقة التي يخاطب بها الحزبان هذه الشريحة خلال السنوات المقبلة.

ويشير فوز هيغينز إلى وجود هوامش يمكن للديمقراطيين المناورة فيها، خصوصاً في المدن الكبرى ذات التركيبة المتنوعة. كما أن الانتخابات حملت رسالة مضاعفة للجمهوريين: الأولى، أن الارتباط المفرط بترمب قد لا يكون مربحاً في كل السياقات المحلية. والثانية أن تجاهل القضايا الاقتصادية والاجتماعية، مثل أزمة السكن في ميامي، قد يفتح نافذة للخصوم.

من الصعب القول إن فوز إيلين هيغينز يمهّد لانعطافة عميقة في المشهد السياسي لجنوب فلوريدا، ولكنه بلا شك انتصار محلي بطابع وطني وجرس إنذار مبكر قبل دخول الولايات المتحدة منعطف انتخابات 2026، وما بعدها.