اجتماع الجنرالات... بين «عقيدة المحارب» و«عدو الداخل»

بحث استراتيجية «السلام عبر القوة»

صورة للقادة العسكريين في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)
صورة للقادة العسكريين في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

اجتماع الجنرالات... بين «عقيدة المحارب» و«عدو الداخل»

صورة للقادة العسكريين في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)
صورة للقادة العسكريين في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)

في لحظة مفصلية للمؤسسة العسكرية الأميركية، استدعى وزير الحرب بيت هيغسيث بشكل غير مسبوق المئات من الجنرالات من مختلف أنحاء العالم إلى اجتماع عاجل في واشنطن، من دون أجندة واضحة. ولم تتضح هذه الأجندة حتى بعد انعقاد الاجتماع الذي حضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأدلى بخطاب أمام القادة العسكريين خلط فيه التجاذبات الحزبية الداخلية بالأزمات الدولية، في مشهد غير مألوف داخل المؤسسة العسكرية.

فهؤلاء قادة معروفون بالحرص على الابتعاد عن الانقسامات الحزبية، لكنهم وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسَدون عليه، بمواجهة خطوات مثيرة للجدل لوزير الحرب الأميركي، في سياق تغييرات جذرية؛ من طرد كبار القادة العسكريين، إلى إعادة هيكلة البنتاغون وتحويل اسمه رسمياً إلى وزارة الحرب، وصولاً إلى فرض قيود على الصحافيين.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التغييرات التي فرضها هيغسيث على البنتاغون، وما إذا كانت تمهّد لإصلاحات تهدف إلى ضبط ميزان القوة داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها مؤشر على أزمة عميقة تهزّ واحدة من أعرق مؤسسات الدولة الأميركية، بالإضافة إلى انعكاس هذه التحولات على مستقبل البنتاغون ودور أميركا.

«عقيدة المحارب»

القادة العسكريون في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

عُقد اجتماع الجنرالات، الذي شمل أكثر من 800 قائد عسكري في قاعدة كوانتيكو العسكرية في فيرجينيا تحت عنوان «عقيدة المحارب»، وتحدث خلاله هيغسيث عن السلام من خلال القوة، مشدداً على إلغاء برامج التنوع والمساواة ومنتقداً البدانة في الجيش.

ويقول جيم تاونساند، نائب مساعد وزير الدفاع السابق لسياسة «ناتو» وكبير الباحثين في مركز الأمن الجديد، إنه لم ير تجمّعاً بهذا الشكل والمضمون طوال فترة عمله في البنتاغون لمدة 35 عاماً. «لا خلال عاصفة الصحراء أو الصراعات الكبيرة الأولى، حيث قد يتوقع عقد اجتماعات من هذا النوع». وأضاف: «يبدو أن هيغسيث شعر بأنه في حاجة إلى جمع الجنرالات للحديث عن الثقافة. هو أراد أن ينظر إليهم، ويقول لهم: هذا ما أتوقعه منكم من حيث مظهركم، وما تفعلونه، وما أتوقعه منكم من حيث روحكم القتالية».

لكن الجنرال مارك كيميت، مساعد وزير الخارجية السابق ونائب مساعد وزير الدفاع الأميركي سابقاً، لا يستغرب عقد هذا الاجتماع، منتقداً تركيز الديمقراطيين على تكلفته، خاصة وأن الجيش لطالما يحضر قادة من الشرق الأوسط إلى تامبا في فلوريدا لحضور مؤتمرات، حسب قوله. وأضاف كيميت أن «الحرب ليست نشاطاً يمكن إجراؤه عبر (زووم) أو عبر البريد الإلكتروني. إنها ديناميكية بشرية. وإذا كنت تريد أن تتأكد، بصفتك قائداً، من أن قادتك التابعين لك يفهمون ذلك، فعليك أن تفعل ذلك وجهاً لوجه. أعتقد أن هذا أمر صحي، في أي وقت ينظر القائد إلى رجاله ويقول: هذا ما أتوقعه منكم».

من ناحيته، يشير أنتوني شايفر، المسؤول الاستخباراتي السابق في الجيش الأميركي ومدير مركز لندن للأبحاث، إلى أن آخر مرة تم فيها القيام بشيء مماثل كانت في عام 1940 عندما دعا رئيس أركان الجيش حينها، الجنرال جورج مارشال، جميع القادة إلى مؤتمر مشابه. وبينما قرأ البعض الحدث على أنه دلالة محتملة للتصعيد العسكري، يؤكد شايفر أن هذا ليس هدف الاجتماع، مضيفاً: «نحن لن نخوض حرباً؛ فالهدف من اللقاء هو دعوة القادة إلى لقاء وجهاً لوجه فحسب، وتحديد توقعات وأهداف عملياتية يمكن لهم تنفيذها».

هيغسيث يتحدث أمام الجنرالات في كوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

لكن شايفر يتحدّث عن استياء بعض القادة من هيغسيث؛ إذ يرون أنه «شاب صغير يلقي محاضرة عليهم»، مشيراً إلى نقطة مهمة برأيه في خطابه عندما دعا القادة الذين لم يوافقوا على توجهات وزارة الحرب الجديدة إلى الاستقالة. وعن هذا، يقول تاونسند إن الاستقالة بسبب الاختلافات لطالما كانت جزءاً من ثقافة الجيش الأميركي، حيث إذا شعر بعض العناصر بأنهم على الجانب المعاكس لما تريد الإدارة القيام به يسعون للاستقالة بهدوء ومن دون ضجيج. لكنه يحذّر من أسلوب هيغسيث في إيصال رسائل من هذا النوع، ويفسر: «أعتقد أن المشكلة تظهر عندما يقوم شخص ما بذلك على أساس سياسي، ويقرع الطبول بصوت عالٍ ولديه بعض المشاكل الشخصية مع العناصر. هذه ليست صورة جيدة له».

حروب «ثقافية»؟

شدد هيغسيث على أهمية إلغاء برامج التنوع والمساواة والاندماج، عادَّاً أنها تُشتّت انتباه العناصر عن شن حروب أو مواجهة الأعداء.

وعن هذه النقطة، يتحدث كيميت عن وجود تصور بين الجنود الأميركيين مؤخراً «بأن الحروب الثقافية أصبحت أكثر أهمية من الحروب المسلحة». ويضيف: «تحدثت إلى الكثير من الجنود، وكنت جالساً مع مجموعة من الضباط الأسبوع الماضي في بغداد، قالوا إنهم جاءوا للعراق لخوض حروب الأمة والقتال والدفاع عن البلاد ضد الأعداء الأجانب. ولكن عندما يضطرون إلى حضور دروس تتناول قضايا ثقافية بدلاً من التركيز على مهنتهم المتمثلة في القتال والدفاع، فهم يرون أن الأمر قد تجاوز الحدود. وبالفعل، أنا شخصياً أعتقد أن الأمر قد تجاوز الحدود بالتأكيد».

ويذكر كيميت، الذي خدم لفترة طويلة في الجيش الأميركي، أن الجيش لطالما كان «مُحرّكاً للتغيير الاجتماعي في تاريخ أميركا، فكان أول منظمة يدمج السود والنساء والمثليين في قواته، ويتبنى التغييرات الثقافية والاجتماعية، لكن هذا لا يجب أن يحصل على حساب قدرات الجنود القتالية». ويوافق شايفر على هذه المقاربة، مؤكداً أن وزارة الدفاع لا يجب أن تكون مكاناً للتجارب الاجتماعية، أو «مختبراً للأفكار الجيدة والسيئة لمختلف المنظمات السياسية». وأشار إلى أن طبيعة الحدث الذي تم عقده هي إعادة ترسيخ العقيدة السابقة للجيش، بالإضافة إلى الحرص على استعراض القوة لردع الأعداء عبر وجود الجنرالات في غرفة واحدة، إضافة إلى التأكيد على استراتيجية الرئيس الأميركي بالسلام عبر القوة.

«عدو الداخل»

ترمب يتحدث أمام الجنرالات في كوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ترمب، الذي شارك في الاجتماع، تحدث أمام مجموعة الجنرالات عن أمور خارجة عن المألوف في تجمع من هذا النوع، كالغش في الانتخابات، والهجرة غير الشرعية، محذّراً من «العدو الداخلي»، ومشيراً إلى استعمال المدن الأميركية ساحةَ تدريبٍ للحرس الوطني.

وأثار هذا الخطاب موجة من الانتقادات والاتهامات بتسييس الجيش. ويقول تاونسند إنه في حين أن النقاط التي تطرق إليها هيغسيث في خطابه كانت موجهة إلى الجيش، فإن جمهور ترمب في خطابه كان مختلفاً؛ إذ كان يتحدث مع الأميركيين وقاعدته الشعبية. وأشار إلى أنه لم يتطرق كثيراً إلى الجانب العسكري، بل كان معظم حديثه عن الجانب المدني وكيفية تفاعل الجيش مع المدنيين.

وانتقد تاونسند تلويح ترمب باستخدام القوات الفيدرالية محلياً، مشيراً إلى الحساسية البالغة لموضوع من هذا النحو. لكن شايفر لا يرى في الأمر أي جديد، بل يذكر بأن المدن تستخدم بالفعل أماكنَ للتدريب. وأعطى مثالاً على ذلك منطقة بورتسموث في ولاية فيرجينا، قائلاً: «إنها واحدة من أكثر المدن عنفاً في أميركا. البحرية لديها مركز طبي بحري هناك، كما يقومون بدورات تدريب. البحرية تستفيد من هذه البيئة، وقد تعاملت مثلاً الأسبوع الماضي مع ثلاث حالات مختلفة لأشخاص أصيبوا بطلقات كأحداث حية مناسبة وضرورية لتدريب قواتها على التعامل مع إصابات القتال». ورغم ذلك، يرى شايفر أن ما هو مختلف هذه المرة هو توسيع نطاق هذه الممارسات لتشمل المزيد من المواقع.

وزارة الحرب

لافتة تظهر تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب 8 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

من التغييرات البارزة التي فرضها ترمب وهيغسيث على البنتاغون هو تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب؛ ما سيكلف دافع الضرائب الأميركي قرابة المليار دولار حسب التقديرات الأولية، من مصاريف تغيير الأختام والشعارات الرسمية والأنظمة الرقمية والهويات البصرية، وغيرها.

لكن شايفر يرى أن التغيير كان ضرورياً لإظهار الهوية الجديدة، والتشديد على وجود «أسلوب جديد في النظر مع الأمور والتعاطي معها». كما يدعم مقاربة إعادة المعايير القديمة للمظهر في الجيش، كالحفاظ على اللياقة البدنية، وحلق اللحى وغيرها من أمور، لكنه يوجّه انتقاداً مبطناً لهيغسيث الذي أثار الجدل خلال تعيينه بسبب وجود وشم على جسمه، فيذكر بأن أحد المعايير هي عدم وجود أوشام ظاهرة لدى ارتداء زي عسكري، للظهور بمظهر احترافي.

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

ويتهم كيميت هنا هيغسيث بالنفاق في اختيار المعايير. ويفسر: «لقد قال إنه يريد إعادة جميع المعايير. أنا انضممت إلى الجيش في عام 1972 ولم يكن هناك حينها أي وشوم مسموح بها. إن كان هيغسيث يريد العودة إلى الوضع الذي كان عليه، عليه أن يذهب إلى مركز إزالة الوشم، حتى يتخلص من وشمه أيضاً، وإلا فسيكون ما قاله مجرد نفاق».

أما عن تسمية وزارة الحرب، فيذكر كيميت أن وزارة الدفاع كانت تسمى وزارة الحرب من عام 1776 إلى عام 1947، مضيفاً: «إن ما فعلوه هو العودة إلى الاسم الأصلي بدلاً من ابتكار اسم جديد، فقد أرسلنا الكثير من الجنود إلى الحرب على مدار 175 عاماً. ولا مانع لدي في تغيير الاسم». من ناحيته، يحذّر تاونسند من أن أموراً من هذا النوع تشتت الانتباه عن القضايا المهمة التي يتعين على الولايات المتحدة القيام بها، كاستراتيجية واضحة للأمن القومي، وتفاصيل تطبيقها، ونشر القوات الأميركية. وأضاف: «هذه أمور مهمة، ويجب أن تكون جوهر الموضوع. تسمية الوزارة وزارة حرب، واختبارات اللياقة البدنية وما إلى ذلك، جيدة من حيث المظهر. ولكن دعونا ندخل في تفاصيل ما تريد الإدارة أن تفعله في هذا العالم الخطير للغاية الذي نعيش فيه الآن».


مقالات ذات صلة

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

شؤون إقليمية صورة مركبة لترمب وميلوني وجهاً لوجه (أ.ف.ب)

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

كان يفترض أن تكون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني جسر أوروبا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن هذا الجسر ربما يكون بصدد الاحتراق الآن.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجواب رئيس الوزراء في مجلس العموم في لندن 15 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

ستارمر: لن «أرضخ» لضغوط ترمب للانضمام إلى حرب إيران

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنّه لن «يرضخ» للضغوط للانضمام للحرب على إيران، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلغاء اتفاقية تجارية مع بريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية «يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

أميركا تُحكم حصار الموانئ الإيرانية بحاملة طائرات ثالثة

في ما بدا أنه سباق مع الوساطات لإجراء جولة ثانية من المحادثات الأميركية - الإيرانية، أعلن الجيش الأميركي اكتمال الحصار المفروض على إيران عند مضيق هرمز.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف فوق وحدة مدفعية تطلق النار باتجاه جنوب لبنان من شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (أ.ب)

مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يجتمع لبحث إمكانية وقف النار في لبنان

يعقد مجلس ‌الوزراء الإسرائيلي ‌الأمني ​المصغر ‌بقيادة ⁠رئيس ​الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعاً، الأربعاء، لمناقشة إمكانية التوصل ‌إلى وقف لإطلاق النار في ⁠لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
TT

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)

أعلن البيت الأبيض، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تجري مناقشات بشأن إجراء جولة مفاوضات ثانية مع إيران في باكستان، وأنها متفائلة بإمكان التوصل إلى اتفاق، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت لوسائل الإعلام: «هذه المناقشات تُجرى (...) ونحن نشعر بالارتياح حيال آفاق التوصل إلى اتفاق». وأضافت أن «من المرجح جداً» أن تُعقَد أي جولة أخرى من المحادثات في إسلام آباد.

ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، اليوم، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات لإنقاذ الهدنة الهشة قبل انتهاء صلاحيتها الأسبوع المقبل.

واستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوفد الباكستاني، برئاسة عاصم منير، حسب صور وزّعتها الخارجية الإيرانية.

وأشار التلفزيون الرسمي الإيراني إلى أن الوفد، الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي، يحمل رسالة جديدة من واشنطن إلى طهران، وسيناقش مسألة المفاوضات المستقبلية مع المسؤولين الإيرانيين.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن زيارة الوفد الباكستاني تهدف إلى «تضييق الفجوة» بين إيران والولايات المتحدة للحيلولة دون استئناف الحرب.

وهبطت طائرة عاصم منير في مطار وسط طهران، حيث استقبله عراقجي، وذلك بعدما هدّد مسؤول عسكري إيراني رفيع بوقف التجارة في المنطقة إذا لم ترفع القوات الأميركية حصارها البحري، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الأميركي تطويق الموانئ الإيرانية بالكامل، بما يعكس التوترات التي تلقي بظلالها على الجهود الدبلوماسية.

أتى ذلك بعد ساعات من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار الاتصالات الدبلوماسية، موضحاً أن المشاورات تجري عبر باكستان، وأن طهران «من المرجح» أن تستضيف في اليوم ذاته وفداً باكستانياً.

ونفى بقائي موافقة بلاده على تمديد وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن «جميع التكهنات في هذا الشأن غير قابلة للتأكيد».

وحذّر من أن الحصار البحري على إيران قد يشكل «مقدمة لانتهاك وقف إطلاق النار».


«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
TT

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

عندما وصفت الصين، يوم الاثنين، الحصار الأميركي للنفط الإيراني المغادر عبر مضيق هرمز بأنه «خطير وغير مسؤول»، شكّل ذلك لمحة سريعة عن التحدي الأخير الذي يواجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: كيف يمنع نزاع إيران من تقويض انفراجة آخذة في التشكّل مع الصين؟

ومن المتوقع أن يصل ترمب إلى بكين بعد أربعة أسابيع، في زيارة كان يُنظر إليها على أنها جهد مُعدّ بعناية ومنظّم بإحكام لإعادة صياغة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان الرئيس قد أرجأ الرحلة مرة بالفعل، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أنه لا يوجد نقاش لتأجيلها مجدداً، حتى لو واصلت الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الإيرانية. وكان نحو 90 في المائة من هذه الصادرات -أي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً- تتجه إلى الصين قبل بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

في البداية، التزمت الصين قدراً من الهدوء إزاء العمل العسكري، مدركةً أن الشحنات الموجودة بالفعل في البحر، إلى جانب مخزون كبير من الاحتياطيات الطارئة من النفط، قد تكفيها مؤقتاً. كما تجاهلت مطلب ترمب إرسال سفن حربية للحفاظ على فتح المضيق، واكتفت بدعوات تقليدية للطرفين لخفض التصعيد.

لكن مع بدء الحصار يوم الاثنين، ومع احتمال أن تُمنع سفن شحن ترفع العلم الصيني، وبعضها بطواقم صينية، من المرور بواسطة البحرية الأميركية، تغيّرت النبرة.

«شريعة الغاب»

وأدلى الزعيم الصيني شي جينبينغ بأول تعليق علني له على الحرب يوم الثلاثاء، قائلاً إن العالم لا يمكنه المخاطرة بالعودة إلى «شريعة الغاب». ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالاسم، لكنه أشار خلال اجتماع مع ولي عهد أبوظبي إلى أن «الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي يعني عدم استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا».

وكانت تلك إشارة واضحة إلى ترمب، الذي قال في يناير (كانون الثاني) لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، مضيفاً: «أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأوضح أنه سيكون الحَكَم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله.

من جانبها، اتخذت وزارة الخارجية الصينية، التي تؤدي دورها المعتاد في توجيه الرسائل بين واشنطن وبكين، موقفاً أكثر تشدداً، متهمةً الولايات المتحدة بفرض «حصار موجّه» من شأنه «زيادة المواجهة وتصعيد التوتر، في ظل وقف إطلاق نار هش أصلاً، وتعريض سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز لمزيد من الخطر».

تحفّظ على الانتقاد المباشر

في المقابل، تجنّب ترمب إلى حد كبير توجيه انتقادات حادة، حتى بعدما تبيّن الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى الإيرانيين لاستخدامها في النزاع. وهذه المعلومات غير حاسمة، ولا يوجد دليل على استخدام صواريخ صينية ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية.

وقال ترمب: «أشك في أنهم سيفعلون ذلك»، مضيفاً سريعاً: «إذا ضبطناهم يفعلون ذلك فستُفرض عليهم رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة»، في تهديد اعتاد توجيهه إلى أي دولة تتحدى إرادته. لكنه لم يتابع الموضوع، ربما إدراكاً منه أن أي تهديد بفرض رسوماً جديدة قد يعرقل آماله في إعلان اتفاق تجاري، وهو الهدف الأسهل تحقيقاً في مسار الدبلوماسية بين البلدين.

وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأميركي السابق في عهد الرئيس جو بايدن، ورئيس مجموعة «آسيا غروب» التي أسسها، إن «الرئيس ترمب خلق وضعاً باتت فيه اثنتان من كبرى أولوياته في تعارض مباشر». وأضاف: «الأولى هي مراقبة والتحكم في جميع الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين. والثانية هي رغبته في زيارة إيجابية إلى بكين».

محادثات صعبة

كان سفير ترمب لدى الصين، ديفيد بيرديو، في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، يناقش الزيارة المرتقبة. وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع النزاع مع إيران، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية كان البلدان سيعلنانها.

لكن لم يُحرز تقدم يُذكر في القضايا الأمنية الكبرى، حسب مسؤولين أميركيين، بما في ذلك كيفية التعامل مع مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارها ذلك مع الفلبين.

ومع تبقي شهر على وصول ترمب إلى بكين، لا يزال من غير الواضح كيف سيُدير الزعيمان نقاشاً حول الحصار -إذا استمر- أو حول استعراض القوة العسكرية الأميركية الذي بدأ بالقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، ثم تواصل مع هجوم ترمب على إيران.

لكن هناك مؤشرات قوية على أن الجيش الصيني يراقب من كثب كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لهذين الهجومين. ويبدو أن المسؤولين الصينيين قلقون من السرعة التي جرى بها «شلّ» القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب.

وقال راش دوشي، أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون ومستشار سابق للرئيس جو بايدن في شؤون الصين: «هناك كثير من التكهنات حول ما يمكن أن يعرقل الانفراجة بين الولايات المتحدة والصين ويقوّض القمة». وأضاف: «لم تكن قضايا مثل رقائق الذكاء الاصطناعي أو حتى المعادن النادرة هي العامل الحاسم... لكن قد تكون إيران».

وأشار إلى أن الحصار قد «يخلق ديناميكيات معقدة» في حال حدوث مواجهة بين البحرية الأميركية وسفن تجارية صينية، رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك. وأضاف أن التقارير عن احتمال دراسة الصين إرسال دعم عسكري فتاك إلى إيران تُؤخذ بجدية من مسؤولين كبار في الكونغرس وأجهزة الاستخبارات.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، تتوجه أنظار المشرعين إلى البيت الأبيض، حيث ينتظر الجميع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة. غير أن مفتاح فهم المواقف يكمن في خلفية المشهد، حيث يراقب الكونغرس عقارب الساعة. فالجمهوريون، الذين يدعمون حتى الآن صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية ضد إيران، يقرّون بقرب انتهاء مهلة الستين يوماً التي تتيح للإدارة التحرك عسكرياً قبل أن يتدخل الكونغرس ويقول كلمته. وقد ينضمّ الجمهوريون حينها إلى الجهود الديمقراطية المستمرة لتقييد هامش تحرّك ترمب في الحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مؤتمر صحافي بالكونغرس 14 أبريل 2026 (رويترز)

وهذا ما تحدث عنه السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال: «دخلنا في اليوم الـ45، والآن يجب أن نبدأ بالحديث عن إقرار تفويض استعمال القوة العسكرية في الكونغرس». وتابع: «نحتاج إلى مؤشر واضح حول الوجهة التي تريد الإدارة الذهاب إليها: هل ستصعّد أكثر أم تبدأ بوقف الأعمال العدائية؟».

وتطرقت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً حاسماً في ولايتها ماين للحفاظ على مقعدها، إلى مسألة تفويض الحرب، فقالت محذرة: «عند بلوغ عتبة الستين يوماً، أو في حال تم نشر قوات برية، تصبح موافقة الكونغرس ضرورية. حينها لن أصوّت لصالح إقرار هذا العمل العسكري».

مخاطر انتخابية

ويعلم ترمب جيداً المخاطر السياسية الناجمة عن استمرار الحرب، فهو يتحدث باستمرار مع القيادات الجمهورية التي تستعد لانتخابات نصفية حاسمة للحزب وللرئيس. ففوز الديمقراطيين فيها يعني عرقلة أجندة الجمهوريين، وتسليم الديمقراطيين مفتاح عزل ترمب. وفي هذا الإطار عقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مطلع هذا الأسبوع مع رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، ورئيس اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، لرسم الاستراتيجية الانتخابية.

بدأ الكونغرس العد العكسي لإنهاء حرب إيران (رويترز)

ولعلّ ما يؤرق القيادات الحزبية هو التأييد شبه الغائب للحرب في صفوف الناخبين الأميركيين الذين يشعرون بتداعياتها الاقتصادية مع استمرار الأسعار بالارتفاع. وهذا سيكون عاملاً أساسياً يحسم توجهاتهم لدى الإدلاء بأصواتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد شعر أعضاء الكونغرس بوطأة الحرب وتأثيرها على الأميركيين خلال إجازتهم الربيعية التي قضوها في ولاياتهم واستمعوا إلى آراء الناخبين. لهذه الأسباب، يبدو أن ترمب يسعى إلى كبح جماح الحرب قبل أن يفقد السيطرة على قاعدته الشعبية من جهة، وأن يفقد ثقة المستقلين الذين عادة ما يحسمون السباقات المتأرجحة في صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، سعى ترمب إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما قال في مقابلة سابقة إن أسعار الوقود قد تبقى على حالها أو ترتفع قليلاً بحلول انتخابات الكونغرس في نوفمبر. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، سُجّلت في البيت الأبيض وبُثّت الأربعاء، قال إنه أسيء اقتباسه، مؤكداً رضاه عن مستوى أسعار النفط الحالية عند نحو 92 دولاراً للبرميل. وأضاف: «ستنخفض بشكل كبير جداً فور انتهاء هذا الأمر»، في إشارة إلى الحرب، عادّاً أنها «قد تنتهي قريباً جداً». كما توقّع أن تتراجع أسعار البنزين، التي يبلغ متوسطها حالياً أكثر بقليل من 4 دولارات للغالون، إلى مستويات «أدنى بكثير» بحلول موعد الانتخابات، مؤكداً أن «أسعار الوقود ستنخفض بشكل هائل» فور تسوية النزاع.