إدارة ترمب لا ترسل مساعدات لأفغانستان رغم الزلزال

منظمة الصحة تطالب «طالبان» برفع القيود عن عاملات الإغاثة

آدم خان مزارع يبلغ من العمر 67 عاماً ينظر إلى الجدران المتضررة في منزله بعد زلزال مدمر ضرب ولايتي كونار وننكرهار في أفغانستان في قرية مسعود في منطقة نورغال بولاية كونار في أفغانستان 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
آدم خان مزارع يبلغ من العمر 67 عاماً ينظر إلى الجدران المتضررة في منزله بعد زلزال مدمر ضرب ولايتي كونار وننكرهار في أفغانستان في قرية مسعود في منطقة نورغال بولاية كونار في أفغانستان 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

إدارة ترمب لا ترسل مساعدات لأفغانستان رغم الزلزال

آدم خان مزارع يبلغ من العمر 67 عاماً ينظر إلى الجدران المتضررة في منزله بعد زلزال مدمر ضرب ولايتي كونار وننكرهار في أفغانستان في قرية مسعود في منطقة نورغال بولاية كونار في أفغانستان 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
آدم خان مزارع يبلغ من العمر 67 عاماً ينظر إلى الجدران المتضررة في منزله بعد زلزال مدمر ضرب ولايتي كونار وننكرهار في أفغانستان في قرية مسعود في منطقة نورغال بولاية كونار في أفغانستان 4 سبتمبر 2025 (رويترز)

رغم مضي أسبوع على الزلزال الذي أوقع أكثر من 2200 قتيل وترك عشرات الآلاف بلا مأوى في أفغانستان، لم تتخذ الولايات المتحدة أي خطوة للسماح بتقديم مساعدات إنسانية طارئة وأعمال إغاثة تمس الحاجة اليها في هذا البلد المنكوب.

متطوعون يسيرون وسط خيام أقيمت للضحايا في منطقة نورغال بولاية كونار بأفغانستان في 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين أميركيين كبيرين سابقين أن عدم استجابة واشنطن لأحد أسوأ الزلازل في أفغانستان من حيث عدد القتلى منذ سنوات، يوضح كيف تخلت إدارة الرئيس دونالد ترمب عن الدور القيادي للولايات المتحدة في جهود الإغاثة العالمية من الكوارث بعدما خفضت إلى حد كبير للمساعدات الخارجية، وأُغلقت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية التي كانت تمثل الشريان الرئيسي للمساعدات الخارجية الأميركية.

وعلى أثر الزلزال في مطلع الأسبوع الماضي، قدمت وزارة الخارجية الأميركية، الاثنين الماضي، «تعازيها الحارة» لأفغانستان عبر منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، لكن المسؤولين السابقين اللذين كانا يعملان في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والمصدر الثالث، أكدوا أن وزارة الخارجية لم توافق بعد على إعلان وجود حاجة إنسانية، وهي الخطوة الأولى في التصريح بالإغاثة الطارئة، علماً أن المسؤولين الأميركيين نظروا في توصيات بتقديم مساعدات لمواجهة كارثة الزلزال.

وعادة ما يصدر هذا الإعلان في غضون 24 ساعة من وقوع كارثة كبرى.

وكشف مسؤول كبير سابق أن البيت الأبيض قرر عدم التراجع عن سياسة وقف تقديم المساعدات لكابل.

وعندما سُئل عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم أي مساعدات طارئة لأفغانستان عقب الزلزال، قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية إنه «ليس لدينا ما نعلنه في الوقت الحالي».

ورداً على سؤال عما إذا كانت واشنطن ستقدم مساعدة طارئة للناجين، قال مسؤول في البيت الأبيض إن «الرئيس ترمب ثابت على موقفه في شأن ضمان عدم وصول المساعدات إلى أيدي نظام (طالبان)، الذي يواصل احتجاز مواطنين أميركيين بشكل غير مشروع».

صبي يجلس بجوار جده على السرير خارج منزلهما في أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب قرية بامباكوت بمنطقة ديرا نور، بولاية ننكرهار في أفغانستان 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

وكانت واشنطن حتى هذا العام أكبر مانح للمساعدات لأفغانستان. ولكن في أبريل (نيسان) الماضي، أوقفت إدارة ترمب كل مساعداتها لأفغانستان تقريباً، والتي بلغت في المجمل 562 مليون دولار، مشيرة إلى تقرير لهيئة رقابة أميركية يفيد بأن المنظمات الإنسانية التي تتلقى أموالاً من الولايات المتحدة دفعت 10.9 مليون دولار في شكل ضرائب ورسوم لـ«طالبان».

ووصلت إلى أفغانستان تبرعات بالمال والسلع والخدمات من المملكة العربية السعودية والصين وبريطانيا وكوريا الجنوبية وأستراليا والهند وباكستان وإيران وتركيا ودول أخرى.

وقال ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان ستيفن رودريغيز للصحافيين، الجمعة، إن «هناك حاجة إلى ما هو أكثر بكثير» من المساعدات التي وصلت.

منظمة الصحة

في غضون ذلك، طلبت ممثلة منظمة الصحة العالمية في أفغانستان موكتا شارما من سلطات «طالبان» برفع القيود المفروضة على عاملات الإغاثة الأفغانيات، لتمكينهن من السفر من دون اشتراط وجود محرم ومن تقديم المساعدة للنساء اللواتي يواجهن صعوبات في الحصول على الرعاية عقب الزلزال. وقالت إن «المشكلة الكبرى الآن هي النقص المتفاقم للموظفات في هذه الأماكن». وأشارت إلى أن نحو 90 في المائة من العاملين بالمجال الطبي هناك من الذكور، في حين أن النسبة المتبقية ليست من الطبيبات اللواتي يستطعن التعامل مع الإصابات البالغة بل معظمهن من القابلات والممرضات. وأضافت أن هذا النقص يعوق تقديم الرعاية؛ إذ تشعر كثيرات من النساء بعدم الراحة أو الخوف من التعامل مع الأطباء الرجال؛ ما يضطرهن للسفر بمفردهن لتلقي العلاج. وذكرت أن «القيود هائلة ومسألة اشتراط وجود محرم لا تزال قائمة، ولم تقدم السلطات حتى الآن أي إعفاء رسمي»، مشيرة إلى أن فريقها طرح القضية أمام المسؤولين الأسبوع الماضي.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 11600 امرأة حامل تضررن من الزلازل في دولة تعاني أعلى معدلات وفيات النساء المرتبطة بالحمل والوضع في آسيا.


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة»: «طالبان» تحتجز عشرات الأفغانيات بسبب قواعد اللباس

آسيا امرأة أفغانية ترتدي البرقع تستقل سيارة أجرة في قندهار 7 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«الأمم المتحدة»: «طالبان» تحتجز عشرات الأفغانيات بسبب قواعد اللباس

أعلنت «الأمم المتحدة» احتجاز 52 امرأة وفتاة واحدة على الأقل في أفغانستان، بدعوى مخالفة قواعد «طالبان» للّباس، محذّرة من انتهاك حقوقهن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا عائلة أفغانية رُحّلت من إيران تستريح بجانب أمتعتها في مخيم للمهاجرين العائدين قرب معبر إسلام قلعة الحدودي بولاية هرات الأفغانية يوم 20 يوليو 2025 (رويترز)

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

بدأت فرنسا محادثات مع حكومة «طالبان» لتسهيل ترحيل أفغان يقيمون بصورة غير نظامية إلى أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا أشخاص يقفون أمام مقر «المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي بهولندا يوم 22 سبتمبر 2025 (رويترز)

«الجنائية الدولية» لإصدار مذكرات اعتقال 4 من قادة «طالبان» بتهمة اضطهاد المرأة

قالت «المحكمة الجنائية الدولية»، إنها ستكشف عن مذكرات اعتقال بحق أربعة من كبار قادة «طالبان»، بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية تتمثل في اضطهاد النساء.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
آسيا رجل يستعيد مقتنيات من بين أنقاض منزل تضرر جراء ما قالت حركة «طالبان» إنها غارة جوية باكستانية في ولاية كونار بأفغانستان (رويترز)

باكستان: مقتل 28 مسلحاً في غارات جوية على 3 مواقع بأفغانستان

شنت مقاتلات باكستانية هجمات جوية، الاثنين، على ما وصفه المسؤولون الأمنيون بمخابئ للمسلحين في شرق أفغانستان؛ ما أسفر عن مقتل 28 منهم.

«الشرق الأوسط» (كابل)
آسيا أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» (أ.ف.ب)

«طالبان» تنفي وجود مؤسس «جيش محمد» في أفغانستان

نفت حكومة «طالبان» صحة الادعاءات المتكررة من جانب باكستان بأن مؤسس جماعة «جيش محمد»، مسعود أزهر، ينشط من أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (كابل)

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء، ​إن مسلحي جماعة الحوثي «يتصرفون بشكل سيئ للغاية» في ظل امتداد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى ‌منطقة الشرق ‌الأوسط ​الأوسع.

وأضاف لصحافيين أنه قد يطلب من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التدخل ودعم ​المصالح ​السعودية. وأضاف «أعتقد أن الرئيس أردوغان سيلبي طلبي».

وأكد أنه سيتخذ «قرارا بشأن إيران قريبا جدا».


استقالة سفيرة أميركا لدى اليونان على خلفية مزاعم بسلوك غير لائق

السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

استقالة سفيرة أميركا لدى اليونان على خلفية مزاعم بسلوك غير لائق

السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)

استقالت كيمبرلي غيلفويل، سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان، اليوم (الثلاثاء)، وذلك في أعقاب مزاعم حول سلوك غير لائق، لكنها أكدت أنها ستدافع عن نفسها «بكل قوة» ضد الادعاءات «الكاذبة»، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وأعلن البيت الأبيض، في وقت سابق اليوم، أنه ​طلب من السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل، الاستقالة.

وقالت كاتي زكاريا، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في مؤتمر صحافي: «طلبنا من السفيرة غيلفويل ‌الاستقالة». وأضافت: «كانت ‌إضافةً رائعة ​للفريق، ‌ونتمنى ⁠لها ​التوفيق».

وذكر الرئيس ⁠دونالد ترمب، أمس (الاثنين)، أنه يفكر في إقالة غيلفويل، قائلاً للصحافيين: «نحن غير راضين».

وعبَّر مشرعون أميركيون ⁠في وقت سابق ‌عن ‌قلقهم إزاء اتهامات لغيلفويل ​بأنها ‌ربما هددت ‌بتقويض الحكومة اليونانية باستخدام نفوذ الولايات المتحدة.

ولم تردّ سفارة واشنطن في أثينا بعد ‌على طلب للتعليق موجّه إلى غيلفويل.

كيمبرلي غيلفويل يوم قدمت أوراق اعتمادها إلى الرئيس اليوناني قسطنطين تاسولاس 4 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)

ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في الأيام الأخيرة سلسلة من المقالات المحرجة التي طالت الخطيبة السابقة لنجل الرئيس الأكبر دونالد جونيور، والمذيعة السابقة في «فوكس نيوز».

ووفقاً للصحيفة التي استندت إلى لقطات شاشة، تبادلت غيلفويل مراسلات على مدى أشهر مع إريك ديترز، وهو قانوني ومرشح سابق للكونغرس عن ولاية كنتاكي، سعياً لشطب ديون شخصية مترتبة عليها لبطاقة ائتمان بقيمة 100 ألف دولار. ومنذ عام 2020، قدّم هذا المانح الجمهوري الثري مئات آلاف الدولارات إلى عائلة ترمب، ودعماً لمعسكر المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية لعام 2024؛ غير أن طلباً من غيلفويل في يوليو (تموز) 2025 بدا ذا طابع شخصي أكثر، إذ كان بشأن تسوية رصيد بطاقتها الائتمانية، وكتبت: «عزيزي، أحتاج منك أن تقوم بذلك من أجلي اليوم».

وأضافت، بحسب الصحيفة التي قالت إنه أرسل عبر تطبيق «سيغنال»: «لن يظهر ذلك إذا حوّلت المال إلى أميركان إكسبريس».

ولم يتابع إريك ديترز الأمر، مؤكداً أن ذلك سيعرّض زواجه للخطر، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال» التي أشارت إلى أن محامياً يمثل غيلفويل شكك في صحة الرسائل المنشورة، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وفي أحدث ما كشفته، أفادت «وول ستريت جورنال»، السبت، مستندة هذه المرة إلى تسجيلات، بوجود محادثات تتباهى فيها السفيرة برحلات وإقامات فاخرة تكفل بتمويلها رجال أعمال يونانيون.

واليونان حليف ⁠مهم ⁠للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، إذ توفر منشآت عسكرية رئيسية لحماية الأمن في شرق البحر المتوسط، وتقود بعثة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي لحماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر.


تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
TT

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تحتفظ سجلات القضاء العسكري الأميركي بفصول قاتمة وقاسية، تحولت فيها بذلة الجندية إلى حبل مشنقة أو جدار صلد أمام فرقة إعدام، فبينما كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل في شتاء عام 1945، سار الجندي الأميركي إيدي دونالد سلوفيك نحو حتفه أمام فرقة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا، لتليها بعد 16 عاماً، وفي ليلة ماطرة من ربيع 1961، خطوات الجندي جون بينيت الأخيرة نحو حبل المشنقة في كانساس.

لم تكن هاتان النهايتان مجرد قرارات قضائية عابرة داخل معسكرات مغلقة، بل مثلتا نقطتي تحول تاريخيتين صدرتا كقرارات سيادية مصيرية تطلبت توقيعاً مباشراً ومصادقة نهائية من رئيس الولايات المتحدة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتطويا معاً حقبة العقوبات القصوى في العصر الحديث للجيش الأميركي وتفتحا الباب لقراءة الأبعاد السياسية والقانونية التي شكلت مصير هذين الجنديين.

المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (ويكيبيديا)

إيدي سلوفيك ورصاصات «هرتغن»... الهارب الوحيد من ساحة الشرف

في شتاء عام 1945 القارس، وبينما كانت معركة غابة هرتغن الطاحنة تحصد أرواح جنود الحلفاء، اتخذ المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك قراراً كلفه حياته. سلوفيك، الذي كان يحمل تاريخاً من الجنوح في شبابه صُنّف بسببه سابقاً غيرَ مؤهل للخدمة قبل أن يُعاد سحبه مع اشتداد الحرب، لم يكن يملك عقيدة القتال، وأعلن صراحة لضباطه عجز هدوئه النفسي عن تحمل قعقعة السلاح وقذائف المدفعية في أوروبا.

تكمن الدلالة القانونية في قضية سلوفيك في أنه قدّم اعترافاً خطياً موقعاً بيده يؤكد فيه ارتكابه جرم «الفرار من الخدمة لتجنب الواجب الخطير»، رافضاً تمزيق تلك الورقة أو التراجع عنها حتى بعدما عُرضت عليه فرص العودة إلى الصفوف دون ملاحقة جنائية.

وقف سلوفيك أمام محكمة عسكرية مؤلفة من 9 ضباط، وفي 31 من يناير (كانون الثاني) عام 1945، نُفّذ بحقه حكم الإعدام رمياً بالرصاص في الأراضي الفرنسية، ليصبح الجندي الأميركي الوحيد الذي أُعدم بتهمة الفرار من الخدمة منذ الحرب الأهلية الأميركية وحتى يومنا هذا.

اعتراف خطي موقع بيد المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك يؤكد فيه ارتكابه جرم «الفرار من الخدمة لتجنب الواجب الخطير» (ويكيبيديا)

سينما الواقع العسكري... فيلم يخلد مأساة سلوفيك

لم تقتصر قصة سلوفيك المأساوية على أروقة المحاكم العسكرية ودفاتر التاريخ، بل تحولت إلى عمل سينمائي وتلفزيوني بارز حظي باهتمام واسع وجسّد تفاصيل محاكمته وأيامه الأخيرة.

صورة لملصق الفيلم «إعدام الجندي سلوفيك» (ويكيبيديا)

فقد أُنتج فيلم درامي شهير ومؤثر بعنوان «إعدام الجندي سلوفيك» (The Execution of Private Slovik) وعُرض عام 1974، حيث لعب فيه الممثل مارتن شين دور الجندي الهارب ونقل من خلاله للجمهور الأميركي والعالمي حجم التعقيد الإنساني والنفسي الذي عاشه سلوفيك قبل أن يواجه رصاصات زملائه.

الممثل الأميركي مارتن شين في لقطة من فيلم «إعدام الجندي سلوفيك» (1974) الذي جسد مأساة الجندي الوحيد المحكوم بالفرار من الخدمة (المصدر: IMDb)

قرار أيزنهاور الصارم... عندما تصبح العقوبة رسالة ردع عليا

لم يكن إعدام سلوفيك ليرى النور دون غطاء سياسي وعسكري من أعلى الهرم؛ إذ جاء قرار المصادقة على موته بتوقيع من الجنرال دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا في ذلك الوقت والذي تولى رئاسة الولايات المتحدة لاحقاً.

واجه أيزنهاور في تلك الفترة الحرجة تدفقاً مقلقاً لحالات الفرار وإصابات الجنود الذاتية هرباً من جحيم الجبهات المشتعلة. ورغم أن آلاف الجنود فروا من الخدمة ولم يواجهوا سوى أحكام بالسجن، فإن أيزنهاور رأى في ملف سلوفيك واعترافه الفج فرصة سانحة لتقديم نموذج ردع حازم لإعادة الانضباط إلى صفوف القوات المنهكة وسط معارك الحرب العالمية الثانية الطاحنة، متجاهلاً التماسات الرأفة ليدخل سلوفيك التاريخ كضحية لظرف عسكري وسياسي استثنائي.

جون بينيت وضباب ليفنوورث... حبل المشنقة الأخير في زمن السلم

بعد مرور 16 عاماً على رصاصات سلوفيك، تكرر المشهد في ثكنات الانضباط العسكري في فورت ليفنوورث بولاية كانساس، لكن بتهمة جنائية مغايرة تماماً وفي أجواء السلم.

في 13 من أبريل (نيسان) عام 1961، وتحت وابل من أمطار رعدية ضربت سماء كنساس، كان الجندي أسود البشرة جون بينيت يسير نحو المشنقة ليصبح آخر عسكري يُنفذ بحقه حكم الإعدام شنقاً في تاريخ القوات المسلحة الأميركية. تعود تفاصيل القضية إلى عام 1954، عندما كان بينيت متمركزاً مع القوات الأميركية في النمسا، حيث أُدين أمام محكمة عسكرية بتهمة اغتصاب طفلة نمساوية تبلغ من العمر 11 عاماً ومحاولة قتلها.

ورغم الدفوع الطبية التي قدمها محامو الدفاع حول معاناته من نوبات صرع واختلالات عقلية، ورغم المفارقة الإنسانية المتمثلة في تقديم الضحية وعائلتها التماساً للعفو عنه، صمد الحكم العسكري ليكون بينيت الجندي الأميركي الوحيد الذي يُعدم بسبب جريمة جنائية ارتُكبت في وقت السلم.

الجندي الأميركي جون بينيت (ويكيبيديا)

في عهد جون كينيدي... خيار الحفاظ على هيبة القانون الدولي

وصل ملف الجندي جون بينيت إلى مكتب الرئيس الأميركي الشاب جون كينيدي في عام 1961، وهو العام الأول لدخوله البيت الأبيض. وجد كينيدي نفسه أمام معضلة دبلوماسية وقانونية معقدة، فالجريمة ارتُكبت على أرض حليفة وفي حق مدنيين بالخارج، وأي تراجع عن العقوبة القصوى كان سيُفسر على أنه تساهل أميركي مع انتهاكات جنودها في القواعد الخارجية. رفض الرئيس كينيدي التدخل لتخفيف العقوبة وامتنع عن إصدار عفو رئاسي، تاركاً حبل المشنقة يطوي صفحة الإعدامات العسكرية الأميركية لستة عقود كاملة.

امتداد الإرث العسكري إلى الحاضر

طوت المنظومة القضائية الأميركية ملفي سلوفيك وبينيت كآخر الأحكام المنفذة في القرن العشرين، لتبقى ثكنات الانضباط العسكري في «فورت ليفنوورث» خالية من منصات الإعدام الفعلي طوال العقود التالية.

ورغم بقاء القوانين العسكرية الصارمة سارية دون تغيير جوهري في بنودها الأساسية، فإن ميزان العقوبات القصوى ظل معلقاً في انتظار قرار سيادي جديد يعيد تحريك هذه العجلة التاريخية.

نضال حسن يظهر بعد نقله من مركز بروك الطبي العسكري بسان أنطونيو إلى سجن مقاطعة بيل في بيلتون بولاية تكساس 9 أبريل 2010 (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه السجلات القديمة أبعاداً معاصرة في الوقت الراهن؛ إذ يمثل قرار المصادقة على تنفيذ حكم الإعدام بحق الرائد السابق نضال مالك حسن حلقة الوصل الأولى والوحيدة التي تعيد إحياء هذا الإرث القضائي، لتصبح جريمته في قاعدة «فورت هود» الامتداد المباشر لتلك السلسلة التاريخية التي بدأت برصاصات سلوفيك عام 1945 وانتهت بمشنقة بينيت عام 1961.