«قمة ألاسكا» بين استنساخ «يالطا» وانهيار «ريكيافيك»

3 سيناريوهات متوقعة في اللقاء المرتقب بين ترمب وبوتين

صورة مركَّبة للرؤساء بوتين وترمب وزيلينسكي... وتساؤلات بشأن إمكانية عقد قمة ثلاثية لبحث التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة للرؤساء بوتين وترمب وزيلينسكي... وتساؤلات بشأن إمكانية عقد قمة ثلاثية لبحث التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ف.ب)
TT

«قمة ألاسكا» بين استنساخ «يالطا» وانهيار «ريكيافيك»

صورة مركَّبة للرؤساء بوتين وترمب وزيلينسكي... وتساؤلات بشأن إمكانية عقد قمة ثلاثية لبحث التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة للرؤساء بوتين وترمب وزيلينسكي... وتساؤلات بشأن إمكانية عقد قمة ثلاثية لبحث التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ف.ب)

يؤكد فريق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على أهمية إجراء محادثات مباشرة بين القوى العظمى، على غرار «قمة يالطا» عام 1945، التي عقدها الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت مع الزعيم الروسي جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، والتي رسمت خريطة أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ مما يعني أن «قمة ألاسكا» قد تفرض أمراً واقعاً على كييف وأوروبا.

وهناك أيضاً فشل قمة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في ريكيافيك بآيسلندا عام 1986 في التوصل إلى اتفاق شامل للحد من الأسلحة النووية لكلا الجانبين، ورغم عداء ريغان العقيدة السوفياتية، فإنه كان براغماتياً في تعامله مع غورباتشوف. وعدّ المحللون القمة نقطة تحول كبيرة في الحرب الباردة بين الجانبين. وتقول شبكة «سي إن إن» إن عدم التوصل إلى اتفاق خلال «قمة ألاسكا» ليس كارثياً إذا وضعت شروطاً لمحادثات مستقبلية، لكن التحدي هو المخاطرة بإلقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اللوم على أوكرانيا ومواصلة الاعتداءات.

وأبدى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تفاؤلاً كبيراً بقدرته على إقناع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، بإنهاء الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أن بوتين لا يستطيع التلاعب به. وقال للصحافيين في البيت الأبيض، الاثنين، إنه سيعرف خلال دقيقتين ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق أم لا، واصفاً القمة المرتقبة يوم الجمعة في ألاسكا بأنها ستكون «اجتماعاً استشرافياً» لفهم مطالب روسيا لإنهاء الحرب بشكل أفضل.

ومع التفاؤل، فقد خفف ترمب من توقعاته، مشيراً إلى أن المحادثات قد تتضمن «تبادلاً للأراضي» من أجل «تحسين وضع كلا الجانبين»، وأعرب الرئيس الأميركي عن «انزعاجه» من رفض نظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، التنازل عن أراضٍ لروسيا في إطار اتفاق من شأنه إنهاء النزاع. كما أشار إلى أن زيلينسكي لن يحضر القمة، موضحاً أنه سيتصل به لاحقاً وبالحلفاء الأوروبيين لمناقشة نتائج اجتماعه مع بوتين.

ويشير الخبراء إلى 3 سيناريوهات محتملة لهذه القمة عالية المخاطر، التي تعدّ أول لقاء مباشر بين الرئيسين الأميركي والروسي منذ عام 2021، في ظل تصاعد التقدم الروسي في شرق أوكرانيا وازدياد الضغوط على ترمب للوفاء بوعده الانتخابي بحل النزاع بسرعة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ويبدي بعض الخبراء تفاؤلاً بأن الاجتماع يمكن أن يشكل خطوة جريئة نحو السلام من خلال القوة، فيما يحذّر آخرون بأنه يُخاطر بإضفاء الشرعية على العدوان الروسي دون ضمانات صارمة. ويحمل كل سيناريو، وفقاً للخبراء، عواقب وخيمة على سيادة أوكرانيا، ومصداقية الولايات المتحدة، وتماسك «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، والمشهد الجيوسياسي الأوسع.

السيناريو الأول: اتفاق حاسم... وقف إطلاق نار وتنازلات إقليمية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماع في هلسنكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

في السيناريو الأكبر تفاؤلاً، يقول الخبراء إن ترمب قد يتفق مع بوتين على إطار عمل لوقف إطلاق النار، يشمل على الأرجح «مبادلات» أراضٍ، حيث تتنازل أوكرانيا عن أجزاء من مناطق محتلة، مثل دونيتسك ولوغانسك، مقابل تعهدات أمنية أو حوافز اقتصادية. وقد لمح ترمب إلى هذا الاحتمال، خلال المؤتمر الصحافي يوم الاثنين، مشيراً إلى أن المحادثات تهدف إلى إنهاء الحرب بسرعة، وأنه سيُقيّم نيات بوتين بوضوح قبل بدء الاجتماع. ويشير الخبراء إلى أن بوتين، الذي يواجه بالفعل ضغوطاً اقتصادية جراء العقوبات والخسائر العسكرية، قد يُخفف من حدة المطالبات لتحقيق نصر دبلوماسي.

يُوقف هذا السيناريو إراقة الدماء فوراً؛ مما يسمح لأوكرانيا بإعادة البناء وإعادة توجيه الموارد من الدفاع إلى التعافي. لكن دون معايير واضحة لتنفيذ صارم لهذا السيناريو، فقد يُقوّض هذا الاتفاق وحدة أراضي أوكرانيا، ويُشكّل سابقةً لاعتداءات مستقبلية، ويُضعف المعايير الدولية ضد الغزو.

واقتصادياً، قد تستعيد روسيا الوصول إلى الأسواق العالمية، بينما قد تعدّ الولايات المتحدة ذلك انتصاراً في سياستها الخارجية؛ مما يُعزز صورة ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. ومع ذلك، قد يُؤدي أي اتفاق متسرع إلى تفتيت وحدة حلف «الناتو»، مع شعور الحلفاء الأوروبيين بالتهميش وتراجع الالتزام الأميركي.

وينقسم الخبراء الأميركيون بشأن هذا السيناريو المتفائل، حيث ترى ماريا سنيغوفايا، الزميلة البارزة في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)»، أن مجرد عقد القمة «مكسب دبلوماسي لبوتين» يضمن له الاعتراف الدولي دون تنازلات كبيرة؛ مما قد يزيد من عزلة أوكرانيا. وتشير إلى أن غياب زيلينسكي يُهدد بتقويض قدرة كييف على تحديد مصيرها.

ويري بنجامين جنسن، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، أن تبادل الأراضي وحده «غير كافٍ»، مشيراً إلى «ضرورة معالجة قضايا أخرى، مثل الأصول الروسية المجمدة، وأموال إعادة الإعمار من أجل سلام مستدام؛ وإلا، فقد ينتهك بوتين الاتفاق كما فعل في اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة».

ويحث جون هيربست، من «المجلس الأطلسي»، والسفير الأميركي السابق لدى أوكرانيا، ترمب على «الضغط على بوتين بشأن الأمن الأوكراني المستقبلي»، مطالبَين بـ«المعاملة بالمثل، مثل قوات حفظ السلام الأوروبية، وإمدادات أسلحة (الناتو) مقدماً». ويُحذّر هيربست بأن عدم القيام بذلك قد يمنح بوتين «سيطرة سياسية فعالة» على أوكرانيا، مُشبّهاً الأمر بتقسيم «يالطا» المشؤوم لأوروبا عام 1945.

وأشار غريغوري دبليو سلايتون، الدبلوماسي الأميركي السابق، لصحيفة «نيويورك بوست»، إلى أن على ترمب أن «يكشف خدعة بوتين» ويدفع باتجاه ضمانات عضوية أوكرانيا في حلف «الناتو»، متوقعاً أن هذا قد «ينهي المذبحة» ويمنع أي غزوات مستقبلية؛ «نظراً إلى تردد بوتين في مهاجمة دول (الناتو)». ويؤيد بريت ماكغورك، هذا الرأي؛ إذ ينصح ترمب بـ«المطالبة بوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً شرطاً أساسياً»، محذراً بأن «التنازلات دون ذلك قد تطيل أمد الحرب».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسط جنوده (أ.ف.ب)

السيناريو الثاني: جمود - لا اتفاق... لكن الأبواب مفتوحة

قد لا يُسفر نهج ترمب «الاستطلاعي» عن اتفاق فوري إذا تمسك بوتين بمطالبه، مثل السيطرة الكاملة على الأراضي المحتلة دون تقديم تنازلات أمنية لأوكرانيا. ويشير الخبراء إلى تاريخ بوتين في استغلال القمم لكسب الوقت، لا سيما في ظل المكاسب الإقليمية الأخيرة لروسيا ومرونتها الاقتصادية رغم العقوبات. وسبق أن أبدى ترمب مرونةً؛ إذ سمح لروسيا بتفويت مواعيد وقف إطلاق النار السابقة، لكنه قد ينسحب إذا ثبت تعنت بوتين.

العواقب: استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، بل وتسارع وتيرتها، بشن روسيا هجمات مُكثّفة محتملة لتعزيز موقفها؛ مما يؤدي إلى مزيد من الضحايا الأوكرانيين وتدفق اللاجئين. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد يعني هذا زيادة المساعدات العسكرية والعقوبات؛ مما يُرهق الميزانيات مع تعزيز التحالفات. وقد تُسرّع أوروبا تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن روسيا، بينما لا تزال أسعار الغذاء والطاقة العالمية متقلبة.

سياسياً، سيواجه ترمب انتقادات محلية لفشله في تحقيق السلام، على الرغم من أنه قد يُلقي باللوم على بوتين ويلجأ إلى إجراءات أشد صرامة. ويرى إليوت كوهين، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، أن هذا السيناريو مُرجّح، مُشيراً إلى «3 مشكلات كبيرة» هي هدف بوتين النهائي، المتمثل في السيطرة على أوكرانيا بأكملها، والعروض الروسية غير الواضحة، وقدرة أوكرانيا على رفض الشروط غير المُواتية.

ويُسلّط مارك كانسيان، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، الضوء على «ضعف الموقف العسكري لأوكرانيا»، داعياً إلى «مساعدات أميركية دراماتيكية، مثل حزمة بمليار دولار، لتغيير الديناميكيات؛ فمن دونها، يعتقد بوتين أن (الوقت في مصلحته)».

يؤكد لوك كوفي، من «معهد هدسون»، أن زيلينسكي هو «الساعي الرئيسي للسلام»، بينما يبقى بوتين «العائق الرئيسي». وينصح كوفي الرئيسَ ترمب بـ«وضع مبادئ تضمن ألا يكون عدم التوصل إلى اتفاق مكافأةً للعدوان، ويؤدي إلى شرعنة استيلاء بوتين على الأراضي» وإلى إرساء «سابقة مروعة» قد تُشجع على خطوات مماثلة في أماكن أخرى، مثل دول البلطيق.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في المكتب البيضاوي يوم 28 فبراير 2025 (إ.ب.أ)

السيناريو الثالث: انهيار المحادثات وتصاعد التوترات

في ظل التوقعات المتفائلة، فقد تكون هناك حالة من الإحباط إذا رفض بوتين دعوات ترمب لإنهاء الحرب، ويرد ترمب بتهديدات بتصعيد العقوبات أو تقديم المساعدات لأوكرانيا. وقد يؤدي استبعاد زيلينسكي إلى تفاقم هذا الوضع، مما يُغذي الاتهامات بتهميش أوكرانيا وتشجيع المتشددين الروس.

العواقب: قد تُسرّع روسيا هجماتها، وتختبر عزم الولايات المتحدة، وقد تُجرّ «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» إلى مزيد من التورط في الصراع. قد يؤدي هذا إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتأجيج التضخم العالمي، وزيادة المخاطر النووية في ظل الخطاب الروسي. بالنسبة إلى ترمب، قد يتطلب الأمر تحولاً في سياسته نحو دعم أكبر تشدداً لأوكرانيا. وعلى المدى الطويل، قد يُؤدي ذلك إلى تصدع العلاقات عبر الأطلسي إذا عدّت أوروبا الأحادية الأميركية متهورة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الثاني من اليسار) في كييف وإلى جانبه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ثم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ونظيره البولندي دونالد توسك... وإلى يمينه المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال لقاء في كييف يوم 10 مايو 2025 (إ.ب.أ)

يؤكد سيث جونز، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، على أهمية تسليح أوكرانيا «بشكل كامل» لردع الغزو، مع فرض «عقوبات ذات مصداقية»، مثل عقوبات الطاقة، لفرض ضغط اقتصادي على روسيا. ويحذر جون هيربست، الباحث في «المجلس الأطلسي» من «سلام غير مستقر» دون ضمانات أمنية، ويحث ترمب على تجنب المواعيد النهائية دون عواقب، كما انقضت المواعيد النهائية السابقة دون اتخاذ إجراء. وقد حذرت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن بوتين قد يسعى للتأثير على ترمب في قضايا تتجاوز أوكرانيا، مثل إيران والصين.

ورغم تباين السيناريوهات، فإن الخبراء يتفقون؛ سواءٌ أثمرت القمة عن اتفاق سلام أم أدت إلى زيادة شراسة الحرب والتوترات، على أن المخاطر تتجاوز أوكرانيا بكثير، حيث ستكون القمة اختباراً لدور أميركا في عالمٍ متعدد الأقطاب. ومع غموض نيات بوتين ومستقبل أوكرانيا المُعلّق، فقد تُعيد نتيجة القمة تعريف الأمن العالمي لسنواتٍ مقبلة.


مقالات ذات صلة

البيت الأبيض: ترمب سيواصل مناقشة ملف لبنان مع نتنياهو

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ) p-circle

البيت الأبيض: ترمب سيواصل مناقشة ملف لبنان مع نتنياهو

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض ‌كارولاين ‌ليفيت للصحافيين ‌الأربعاء ⁠أن الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب سيوفد فريق التفاوض ⁠مع ‌إيران إلى باكستان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - إسلام آباد)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

حذّر وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

ترددت أصداء وقف إطلاق النار مع إيران في أروقة الكونغرس، بين تشكيك ديمقراطي بجدوى الحرب وترحيب جمهوري بـ«النصر» الأميركي ومهارة ترمب في التفاوض.

رنا أبتر (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (إ.ب.أ) p-circle

إردوغان يحذر في اتصال مع ترمب من تخريب مسعى السلام

ذكر ​مكتب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اليوم الأربعاء ‌أنه ‌أبلغ ​نظيره ‌الأميركي ⁠دونالد ترمب ​بضرورة عدم ⁠منح أي فرصة لتخريب عملية ⁠وقف ‌إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي سحب كثيفة من الدخان فوق بيروت بعد الهجمات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

لبنان يتحول نقطة خلاف رئيسية حول وقف النار

اكتنف الغموض موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مما إذا كان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران يشمل أيضاً لبنان.

علي بردى (واشنطن)

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».


هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تردّدت أصداء وقف إطلاق النار مع إيران في أروقة الكونغرس الأميركي، بين تشكيك ديمقراطي بطبيعة الاتفاق وجدوى الحرب من جهة، وترحيب جمهوري بـ«النصر» الأميركي ومهارة ترمب في التفاوض من جهة أخرى.

وأتى أبرز ردّ ديمقراطي على لسان كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جين شاهين، التي اعتبرت أن خفض التصعيد هو «خطوة طال انتظارها بعد أكثر من شهر من حرب بلا هدف واضح، ومع تكلفة متصاعدة يتحمّلها الشعب الأميركي». ودعت شاهين، في بيان صادر عن مكتبها، إلى «إجراء تقييم حقيقيّ لما حقّقته حرب الرئيس دونالد ترمب» على حدّ وصفها، مضيفة أنه «بعد أسابيع من القتال، ومقتل 13 عسكرياً أميركياً، واضطرابٍ كبيرٍ في الاقتصاد العالمي، يبدو أن الرئيس ترمب قد أسهم، عملياً، في استبدال المرشد الأعلى لإيران بابنه المتشدّد، ومسؤولين في (الحرس الثوري) لا يقلّون خطورة. وفي الوقت نفسه، ما زلتُ أشعر بقلقٍ بالغٍ من أن تكون الإجراءات الأميركية قد حفّزت إيران على السعي لامتلاك سلاحٍ نووي».

وركّزت شاهين، كغيرها من الديمقراطيين، على تأثير الحرب على أسعار الطاقة ومعيشة الأميركيين، مُعتبرة أنها «لم تجعل الأميركيين أكثر أماناً، ولم تُحسّن أوضاعهم»، على عكس ما تقوله إدارة ترمب.

حذر جمهوري

وفيما رحّبت وجوه جمهورية لا تنتمي إلى القيادات بالاتفاق، وأشادت بالرئيس، التزمت القيادات الجمهورية الصمت حتى الساعة، باستثناء السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي انطوى تصريحه على تحذيرات مبطنة. فقد قال غراهام، الذي كان من أبرز الداعمين للحرب، إنه «يفضل المسار الدبلوماسي إذا كان سيقود إلى النتيجة الصحيحة فيما يتعلّق بالنظام الإيراني الإرهابي»، على حد تعبيره. وأضاف أنه، في هذه المرحلة المبكرة، يتعامل بحذرٍ شديد «حيال ما هو حقيقة، وما قد يكون تضليلاً أو تحريفاً» في تفاصيل الاتفاق.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في الكونغرس 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وذكر غراهام نقطة من شأنها أن تُحدث جدلاً واسعاً في واشنطن، وهي آلية مراجعة الاتفاق في الكونغرس «للمضي قدماً»، مُشيراً إلى أن مجلس الشيوخ اعتمد الآلية المذكورة في الاتفاق النووي الإيراني، الذي توصلت له إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

فرغم أن الاتفاق النووي السابق مع إيران لم يُطرح بشكل معاهدة على مجلس الشيوخ للتصويت عليه، فإن المجلس سعى إلى إبطال الاتفاق عبر التصويت لوقفه، وهي آلية يمكن للمشرعين اعتمادها. لكن في عهد أوباما، لم يتمكن المعارضون من حشد الأصوات الكافية لتخطي الأصوات الستين اللازمة في مجلس الشيوخ.

باختصار، يمكن للكونغرس التصويت بهدف وقف الاتفاق، وليس الموافقة عليه، وذلك ضمن صلاحيات أقرّها عام 2015 في قانون «إينارا» لمراجعة الاتفاق النووي الإيراني، الذي يُلزم الإدارة بعرض أي اتفاق نووي مع إيران على الكونغرس، ويمنح المجلس التشريعي فترة 30 إلى 60 يوماً لمراجعته، لا يمكن خلالها أن يرفع الرئيس العقوبات عن طهران.

جهود عزل الرئيس

وفي ظل هذه الأجواء، تنفس الجمهوريون الصعداء لدى الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أتى قبل أقل من 7 أشهر على الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني). فهم أمضوا ساعات عصيبة يوم الثلاثاء، بعد تصريحات مثيرة للجدل للرئيس الأميركي حول «تدمير حضارة بأكملها»، ما وضعهم في موقف دفاعي محرج. وفيما تجنبت قياداتهم التعليق، سارع عدد منهم لانتقاد تصريحات ترمب، في تغيير لافت للهجة الداعمة للحرب. وأدان النائب الجمهوري نثانيال موران التهديدات، قائلاً: «لا أؤيد تدمير حضارة بأكملها. هذا ليس ما نُمثّله، ولا يتماشى مع المبادئ التي وجّهت أميركا على مدى عقود طويلة».

ترمب في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 6 أبريل 2026 (أ.ب)

من جهتها، شدّدت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي على ضرورة عدم «تبرير تهديدات ترمب على أنها محاولة للضغط على النظام الإيراني خلال سير المفاوضات»، كما قال بعض زملائها. وقالت محذرة: «هذا النوع من الخطاب يُعدّ إساءة إلى القيم التي سعت بلادنا إلى ترسيخها وتعزيزها حول العالم على مدى ما يقارب 250 عاماً».

لكن مواقف الديمقراطيين لم تقتصر على الانتقاد، بل صعّد الحزب لدرجة طرح بنود العزل بحق الرئيس، ودعوا الجمهوريين إلى التصدي له مشككين بصحته العقلية. واعتبر أكثر من 70 مشرعاً ديمقراطياً أن «ترمب يجب أن يُجرّد من صلاحياته الرئاسية بسبب ترويجه لتدمير حضارة بأكملها» في منشوره، على حد وصفهم. وفيما من المتوقع أن تصطدم جهود الديمقراطيين سريعاً بحائط مسدود بسبب الأغلبية الجمهورية، إلا أن المسعى الذي كان من المُرجّح أن يُبصر النور في حال عدم التوصل إلى اتفاق هو إقرار مشروع يُقيّد صلاحيات الرئيس في حرب إيران، بعد إسقاطه أكثر من مرة في الكونغرس. وأعرب بعض الجمهوريين عن استعدادهم للتصويت لصالحه. ولعلّ هذا يُعدّ من الأسباب التي دفعت بترمب والبيت الأبيض إلى السعي لاحتواء التداعيات السياسية والتوصل إلى تسوية للتهدئة.

النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين في مؤتمر بالكونغرس 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)

كما واجه ترمب «نيراناً صديقة»، بعد أن دعت حليفته السابقة مارجوري تايلور غرين، إلى جانب الناشط اليميني ألكس جونز، إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور. وهو نص دستوري يتيح لنائب الرئيس، بموافقة أغلبية أعضاء الحكومة، إعلان عجز الرئيس عن أداء مهامه، ما يؤدي إلى نقل صلاحيات الحكم إليه. ويُفعَّل هذا الإجراء في حال رأت الإدارة أن الحالة الذهنية أو الجسدية للرئيس تحول دون قيامه بواجباته.

ورغم أن هذا السيناريو يبقى مستبعداً، في ظل دعم غالبية أعضاء حكومة ترمب له، فإنه يُلقي بظلاله على المشهد السياسي المضطرب في واشنطن، مع اقتراب الحزبين من انتخابات حاسمة في نوفمبر. ويتزامن ذلك مع تسريبات لصحيفة «نيويورك تايمز» تفيد بأن نائب ترمب، جاي دي فانس، كان من المعارضين لشنّ الحرب، وهو ما قد يفتح الباب أمام تصدعات داخل الإدارة، في وقت تسعى فيه إلى احتواء التداعيات الداخلية للصراع.


ميلانيا تُعطي بارون مساحةً خاصة… استبعاد الإخوة الأكبر يثير التساؤلات

بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)
بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)
TT

ميلانيا تُعطي بارون مساحةً خاصة… استبعاد الإخوة الأكبر يثير التساؤلات

بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)
بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)

تداولت تقارير إعلامية غير مؤكّدة روايةً تفيد بأن ميلانيا ترمب استبعدت كلاً من دونالد ترمب الابن وإيفانكا ترمب من احتفالات عيد الميلاد العشرين لنجلها بارون ترمب، في خطوةٍ أثارت تساؤلاتٍ حول طبيعة العلاقات داخل واحدة من أكثر العائلات حضوراً في المشهد الأميركي. وفقاً لموقع «إنترناشيونال بيزنس تايمز».

وبحسب ما أورده كاتب أخبار المشاهير الأميركي روب شيوتر عبر نشرته «Naughty But Nice» على منصة «Substack»، فقد أُقيم الحفل في مارس (آذار) الماضي بولاية فلوريدا، ضمن أجواء عائلية ضيّقة للغاية. وأشار التقرير إلى أن ميلانيا تولّت تنظيم المناسبة شخصياً، مكتفيةً بدعوة عدد محدود جداً من الحضور، بينهم فرد واحد فقط من أبناء دونالد ترمب الأكبر سناً، في حين غاب دونالد جونيور وإيفانكا عن قائمة المدعوّين.

وفي ظل غياب تأكيدات رسمية، يُفهم من هذه الرواية أن ميلانيا سعت إلى جعل المناسبة أقرب إلى احتفالٍ خاص بابنها، بعيداً عن الأضواء والامتدادات العائلية الواسعة، وربما أيضاً تجنّباً للطابع العام الذي يلازم اسم العائلة، بما يحمله من حضور إعلامي وسياسي كثيف.

مكانة مختلفة داخل العائلة

لطالما بدا أن بارون يشغل موقعاً مختلفاً داخل عائلة ترمب. فهو الابن الوحيد لميلانيا، وقد نشأ في توازنٍ دقيق فرضته والدته، بين الظهور المحدود خلال فترة وجود والده في البيت الأبيض، وحرصٍ واضح على إبقائه بعيداً عن الضجيج الإعلامي، حمايةً لخصوصيته.

ورغم مشاركته في مناسبات رسمية بارزة، فإنه ظلّ بعيداً عن التصريحات العلنية، ونادراً ما ظهر في تفاعلٍ مباشر مع إخوته الأكبر سناً، ما عزّز الانطباع بوجود مسافةٍ طبيعية أو مقصودة داخل العائلة.

مسافة محسوبة

وبحسب المصدر الذي نقل عنه شيوتر، فإن ميلانيا كانت المسؤولة بالكامل عن تفاصيل الحفل، وحرصت على أن تكون الدعوات محدودةً للغاية، مضيفاً أن استبعاد بعض الأسماء لم يكن سهواً، بل كان مقصوداً.

وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى حضور تيفاني ترمب بوصفها الوحيدة من بين الإخوة الأكبر سناً، وهي التي تُصوَّر أحياناً في الإعلام الأميركي على أنها الأقرب إلى بارون، من خلال لقطاتٍ عائلية عفوية تعكس علاقةً أقل رسمية داخل العائلة.

فجوة الأجيال... تفسيرٌ محتمل

لقد يجد هذا الطرح ما يدعمه في فارق السن الكبير بين بارون وإخوته. فحين وُلد عام 2006، كان أشقاؤه من زواج والده الأول قد بلغوا سن الرشد، وبدأوا بالفعل مساراتهم المهنية، بل وانخرط بعضهم في أعمال العائلة.

وهذا التباعد الزمني غالباً ما يخلق علاقاتٍ أقرب إلى تداخل الأجيال منها إلى الأخوّة التقليدية، وهو أمرٌ لا يخرج عن المألوف في العائلات الكبيرة، وإن كان في حالة عائلة ترمب يخضع لتدقيقٍ إعلامي دائم، حيث تُقرأ التفاصيل الصغيرة بوصفها مؤشراتٍ على القرب أو التباعد.

حماية مستمرة

يُضاف إلى ذلك نهج ميلانيا المعروف في حماية نجلها من الأضواء، إذ تجنّبت منذ وقتٍ مبكر إشراكه في الحياة السياسية، خلافاً لدور بارز أدّاه كلٌّ من دونالد جونيور وإيفانكا خلال الحملات الانتخابية، ما أبقى بارون في مساحةٍ أكثر هدوءاً واستقلالاً.

بين الخصوصية والتأويل

إذا صحّت هذه الرواية، فإنها قد تعكس توجهاً واعياً لمنح بارون حياةً أقل صخباً، وتعويضاً مناسباً عن سنواتٍ قضاها في ظل متابعةٍ إعلامية مكثّفة. ومع ذلك، يبقى احتمالٌ آخر قائماً، وهو أن شاباً في العشرين من عمره قد يفضّل ببساطة احتفالاً محدوداً يقتصر على الدائرة الأقرب إليه.

وفي المحصّلة، يظلّ ما جرى إن صحّ تفصيلاً عائلياً خاصاً، لكنه في حالة عائلة ترمب يتحوّل سريعاً إلى مادةٍ للتأويل، بين من يراه تعبيراً عن خصوصيةٍ مشروعة، ومن يقرأه مؤشراً على مسافةٍ تتجاوز حدود الاحتفال.