ديمقراطيون يناشدون ترمب التدخل لوقف المجاعة في غزة

السيناتور المستقل بيرني ساندرز يدفع بقرار لمنع بيع السلاح الأميركي لإسرائيل

السيناتور الأميركي تشاك شومر يتحدث في مؤتمر صحافي بمبنى الكونغرس في واشنطن وخلفه اثنتان من أعضاء مجلس الشيوخ الثلاثاء (رويترز)
السيناتور الأميركي تشاك شومر يتحدث في مؤتمر صحافي بمبنى الكونغرس في واشنطن وخلفه اثنتان من أعضاء مجلس الشيوخ الثلاثاء (رويترز)
TT

ديمقراطيون يناشدون ترمب التدخل لوقف المجاعة في غزة

السيناتور الأميركي تشاك شومر يتحدث في مؤتمر صحافي بمبنى الكونغرس في واشنطن وخلفه اثنتان من أعضاء مجلس الشيوخ الثلاثاء (رويترز)
السيناتور الأميركي تشاك شومر يتحدث في مؤتمر صحافي بمبنى الكونغرس في واشنطن وخلفه اثنتان من أعضاء مجلس الشيوخ الثلاثاء (رويترز)

ناشد عدد كبير من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب تكثيف دورها لإيقاف المعاناة والجوع في غزة، ووجَّه 44 عضواً ديمقراطياً في المجلس رسالةً تحثّ على استئناف محادثات وقف إطلاق النار، وتنتقد بشدة «منظمة غزة الإنسانية» الأميركية المدعومة إسرائيلياً، والتي أُنشئت لتوزيع المساعدات الغذائية بالقطاع.

واتهم الديمقراطيون المنظمة بالفشل في معالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، والمساهمة في ارتفاع أعداد القتلى المدنيين الذين يسعون للحصول على المساعدات.

في الوقت نفسه، دفع السيناتور المستقل، بيرني ساندرز، بمشروع قرار في المجلس لوقف إرسال قنابل وبنادق هجومية إلي إسرائيل، متهماً جيشها وحكومتها بتجويع متعمد لسكان غزة وارتكاب مجازر بحقهم.

خطورة الوضع الإنساني

وبعث الديمقراطيون برسالة مفتوحة إلى وزير الخارجية، ماركو روبيو، والمبعوث الخاص، ستيف ويتكوف، يحثون فيها إدارة ترمب على إعادة النظر في نهجها إزاء مساندة إسرائيل، خاصةً بعد انهيار محادثات وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، مشيرين إلى خطورة الوضع الإنساني في غزة. وطالبوا بتكثيف تقديم المساعدات للقطاع عبر منظمات ذات خبرة في العمل بالمنطقة.

وتزعَّم أربعة أعضاء يهود من الكتلة الديمقراطية بمجلس الشيوخ هذه المناشدات، وهم آدم شيف من كاليفورنيا، وتشاك شومر من نيويورك، وجاكي روزن من نيفادا، وبرايان شاتز من هاواي.

ودعت الرسالة أيضاً إلى العمل الجاد لإعادة 50 رهينة لدي حركة «حماس»، يُعتقد أن 20 منهم لا يزالون على قيد الحياة.

فلسطينيون يتسلمون مساعدات غذائية من مركز توزيع المساعدات الإنسانية الأميركي في رفح (د.ب.أ)

وأظهرت توقيعات 44 عضواً في المجلس الشيوخ، يمثلون الأغلبية العظمى من الكتلة الديمقراطية في مجلس الشيوخ، وحدة المشرّعين بشأن واحدة من أهم قضايا السياسة الخارجية، ودعوا في رسالتهم إلى إنهاء الحرب، وإنهاء سيطرة «حماس» على غزة، إضافة إلى معارضة أي تهجير دائم للشعب الفلسطيني.

ودافع المشرّعون الديمقراطيون في الرسالة عن هدف طويل الأمد يتمثل في قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وقال السيناتور آدم شيف إن الرسالة أظهرت كيف يعتقد معظم أعضاء الكتلة أن «الوضع الحالي غير قابل للاستمرار». وأضاف: «هناك الكثير من الحزن والموت، والكثير من الجوع وفقدان الأرواح».

ترمب يعترف بالمجاعة

تزامنت الرسالة مع اعتراف ترمب، في أثناء لقائه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في اسكوتلندا يوم الاثنين، بوجود مجاعة والكثير من الأطفال الجوعي في قطاع غزة يعانون سوء التغذية، معلناً أن قطاع غزة يواجه وضع مجاعة حقيقياً لا يمكن تزييفه.

وأعلن أن الولايات المتحدة ستنشئ «مراكز غذائية» داخل غزة لمعالجة الأزمة الإنسانية المستمرة في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على المساعدات، وأكد أن هذه المرافق ستكون مفتوحة للجميع «بلا حدود» و«بلا أسوار».

وتمثل هذه التصريحات اختلافاً وابتعاداً كبيرين عن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي نفى مراراً وجود مجاعة في غزة. وأشار ترمب في تصريحاته إلى أن إسرائيل «تتحمل مسؤولية كبيرة» عن القيود المفروضة على دخول المساعدات إلى غزة، حتى مع استمراره في إلقاء اللوم على «حماس» في انهيار مفاوضات وقف إطلاق النار وعدم إطلاق سراح الرهائن.

رجل يحمل لافتة أثناء احتجاجه خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك مع انعقاد مؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)

وقال السيناتور الديمقراطي برايان شاتز من هاواي إن التغييرات التي أدخلتها إسرائيل على طريقة سماحها بدخول المساعدات إلى غزة كانت خاطئة، مضيفاً أنه «من غير المعقول إطلاقاً» الاعتقاد بأن الجيش الإسرائيلي الذي يدعي أنه أحد أكثر الجيوش تقدماً في العالم، غير قادر على تسهيل توزيع المساعدات أو السيطرة على الحشود.

وقال السيناتور تيم كين من فرجينيا، العضو الديمقراطي بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، إنه لم يسمع شيئاً بعد عن المراكز التي أعلنها ترمب، وإنه «متشكك للغاية» في أن خططه ستعالج قضية المجاعة في غزة.

تصويت لمنع الأسلحة لإسرائيل

ورغم أن السيناتور ساندرز من ولاية فيرموت لم يوقّع على الرسالة، فإنه دفع المجلس للتصويت على مشروع قرار يقضي بمنع مبيعات الأسلحة لإسرائيل. وأحيل هذا التشريع إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ وسط غموض حول إمكانية التصويت عليه قبل الإجازة التشريعية للكونغرس

وكانت إدارة ترمب قد أخطرت الكونغرس في مارس (آذار) الماضي بخططها إرسال المزيد من الأسلحة لإسرائيل، بما في ذلك آلاف القنابل التي تزن ألف رطل، وعشرات الآلاف من البنادق الهجومية. ويهدف مشروع القرار إلى حظر بيع هذه القنابل والبنادق الهجومية، ولا يتطلب سوى تصويت الأغلبية البسيطة لإقراره.

ممرضة تفحص طفلاً يعاني سوء التغذية بمستشفى ناصر في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وقال ساندرز في بيان: «لقد أنفق دافعو الضرائب الأميركيون عشرات التريليونات من الدولارات دعماً لحكومة نتنياهو العنصرية المتطرفة، ولا يمكننا الاستمرار في إنفاق أموال دافعي الضرائب على حكومة قتلت أكثر من 60 ألف فلسطيني وجرحت أكثر من 143 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن. لا يمكننا الاستمرار في دعم حكومة منعت المساعدات الإنسانية، وتسببت في مجاعة هائلة، وجوَّعت سكان غزة حرفياً».

وأضاف: «لقد حان الوقت منذ زمن طويل للكونغرس لاستخدام نفوذه لمطالبة إسرائيل بإنهاء هذه الفظائع».

وقال السيناتور الذي لطالما هاجم السياسات الإسرائيلية منذ بداية الحرب على قطاع غزة: «إن استمرار مبيعات الأسلحة هذه من شأنه أن ينتهك القوانين الأميركية التي تحظر مساعدة الحكومات المتورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعرقلة المساعدات».

وغرَّد ساندرز عبر منصة «إكس» قائلاً: «آن الأوان للكونغرس أن يوقف تمويل حرب إسرائيل غير القانونية والمروعة ضد الشعب الفلسطيني، ويجب على الولايات المتحدة ألا تدعم حكومة تجوّع الأطفال». وشارك ساندرز مساء الثلاثاء في برنامج «المصدر» على شبكة «سي إن إن»، واتهم خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بالكذب بشأن المجاعة الواضحة في غزة.

وقاد ساندرز جهوداً خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن لمنع بيع السلاح الأميركي لإسرائيل، ولم يلقَ دعماً سوي من 14 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ.

ومنذ مجيء إدارة ترمب للبيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) الماضي، تمت الموافقة على مبيعات أسلحة لإسرائيل بقيمة 12 مليار دولار، ورفعت الإدارة حظراً فرضته إدارة بايدن على تسليم قنابل تزن 2000 رطل استخدمتها القوات الإسرائيلية في غزة.


مقالات ذات صلة

خنق غزة يُفسِدُ الجيش الإسرائيلي

المشرق العربي صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

خنق غزة يُفسِدُ الجيش الإسرائيلي

كثّفت إسرائيل من الحصار على قطاع غزة، وبسبب تفاقم أزمة نقص الغذاء وارتفاع الأسعار دخل بعض أفراد القوات الإسرائيلية على خط الأزمة لتحقيق بعض المكاسب.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينية مسيحية تحضر صلاة بكنيسة القديس برفيريوس في غزة الأحد (د.ب.أ)

خاص فصائل غزة تتوقع هجمات كثيفة بعد طلبها تعديل خطة «نزع السلاح»

توقعت مصادر عدة من فصائل فلسطينية كبيرة في غزة تكثيف إسرائيل لهجماتها داخل القطاع بعد طلبها عبر «حماس» تعديل خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

إسرائيل تنشئ مزيداً من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

توسع القوات الإسرائيلية سيطرتها داخل قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

تتطلع حركة «حماس» إلى نجاح الضغوط التي تمارسها، عبر الوسطاء، في إحداث تعديلات على الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إلى قيادة…

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز) p-circle

«حماس» في القاهرة بعد أنقرة بحثاً عن تفاهمات «نزع السلاح»

بدأ وفد من حركة «حماس» محادثات في القاهرة، الخميس، قادماً من جولة أخرى في أنقرة، لمناقشة تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في غزة.

محمد محمود (القاهرة)

ترمب: الجيش الأميركي سيبقى منتشراً قرب إيران حتى يتم التوصل إلى «اتفاق حقيقي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: الجيش الأميركي سيبقى منتشراً قرب إيران حتى يتم التوصل إلى «اتفاق حقيقي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الأربعاء أن القوات الأميركية المنتشرة قرب إيران ستبقى متمركزة في المنطقة إلى حين التوصل إلى «اتفاق حقيقي»، وذلك إثر بدء سريان وقف هشّ لإطلاق النار مع طهران لمدة أسبوعين.

 

وكتب ترامب على منصته «تروث سوشال» أن «كل السفن والطائرات والأفراد العسكريين الأميركيين، بالإضافة إلى الذخائر والأسلحة الإضافية، وكل ما هو مناسب وضروري لإلحاق الهزيمة الساحقة بالعدو الذي أُضعف بشكل كبير، ستبقى في مواقعها داخل إيران وحولها إلى حين الالتزام الكامل بالاتفاق الحقيقي الذي تم التوصل إليه».

 

 


تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

TT

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن الرئيس دونالد ترمب يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذين يعتقد أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب على إيران.

وأضاف التقرير أن المقترح يتضمن سحب القوات الأميركية من دول بالحلف تعدها واشنطن غير متعاونة في حربها على إيران، ونشرها في دول قدمت دعماً أكبر للحملة العسكرية الأميركية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض، الأربعاء، إن الرئيس الأميركي يعتقد أن حلف شمال الأطلسي «تعرض للاختبار وفشل» خلال حرب إيران، إذ نقلت عنه تصريحاً مباشراً قبل اجتماعه مع الأمين العام للحلف مارك روته في البيت الأبيض.

ويستقبل ترمب أمين عام الحلف في وقت دفعت فيه حرب إيران علاقات الولايات المتحدة مع دول أخرى في الحلف إلى مرحلة الأزمة.

وهدد الرئيس الجمهوري بالانسحاب من الحلف، الذي يضم 32 دولة، وانتقد حلفاءه الأوروبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية، معتبراً أن دعمهم للحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران غير كاف.

وأدى الخلاف المتعلق بحرب إيران إلى تفاقم القلق على جانبي الأطلسي بشأن ملفات أخرى مثل أوكرانيا وغرينلاند والإنفاق العسكري.

وقال أحد المسؤولين الأوروبيين اللذين شاركا في محادثات تتعلق بالأمر إن مسؤولين أميركيين كباراً أكدوا في أحاديث خاصة للحكومات الأوروبية على أن الإدارة الأميركية لا تزال ملتزمة بالحلف.

وقالت أوانا لونجيسكو، المتحدثة السابقة باسم الحلف، وحالياً مع معهد «رويال يونايتد سيرفيس»، وهو مجموعة بحثية مقرها لندن: «هذه مرحلة حرجة للتحالف عبر الأطلسي».

وقال دبلوماسيون إن من المرجح أن يحاول روته إقناع ترمب بتخفيف انتقاداته العلنية للحلف مع إبراز الخطوات التي اتخذتها الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق الدفاعي.


قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».