هل ينجح حزب ماسك في استغلال استياء الأميركيين من نظام الحزبَين؟

الملياردير يواجه تحديات قانونية وسياسية لإطلاق «حزب أميركا»

ترمب وماسك في البيت الأبيض 30 مايو 2025 (أ.ب)
ترمب وماسك في البيت الأبيض 30 مايو 2025 (أ.ب)
TT

هل ينجح حزب ماسك في استغلال استياء الأميركيين من نظام الحزبَين؟

ترمب وماسك في البيت الأبيض 30 مايو 2025 (أ.ب)
ترمب وماسك في البيت الأبيض 30 مايو 2025 (أ.ب)

احتفلت الولايات المتحدة في الرابع من الشهر الحالي بعيد استقلالها، ومعها احتفل الرئيس الأميركي دونالد ترمب والجمهوريون بأول نصر تشريعي بارز لهم في ولاية ترمب الثانية: «المشروع الكبير والجميل» الذي أُقرّ بعد عملية شدّ حبال طويلة في الكونغرس، أظهر خلالها الجمهوريون ولاءهم التام لقاطن البيت الأبيض.

لكن الجميع لم يخرج منتصراً من هذه المعركة، فكانت الضحية الأبرز صداقة وحلف بدأ في الحملة الانتخابية بين ترمب والملياردير إيلون ماسك. لم يتوان ماسك عن التعبير عن غضبه من إقرار المشروع، لدرجة أعلن فيها فكّ الارتباط مع البيت الأبيض، مُهاجماً ترمب والجمهوريين، ومتوعداً بالتسبب بخسارتهم في الانتخابات من خلال تأسيس حزب ثالث، «حزب أميركا».

يستعرض برنامج تقرير واشنطن -وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»- أسباب الاستياء والقطيعة وتداعياتها، والتحديات المحيطة بتأسيس حزب ثالث في بلاد كرّست نظام الحزبَيْن.

من صداقة إلى قطيعة

ترمب وماسك في فيلادلفيا 22 مارس 2025 (رويترز)

يعدّ مؤسس مركز الديمقراطية التنافسية، وليفر هال، بأن الخلاف بين ترمب وماسك هو خلاف شخصي إلى حد كبير، وأن جزءاً منه يتعلّق بسياسات حقيقية مرتبطة بقلق ماسك من مشروع الموازنة الجديد الذي سيرفع سقف الدين بمليارات الدولارات، و«هو ما يتعارض مع مهمته السابقة التي كلّفه بها ترمب في دائرة الكفاءة الحكومية (دوغ)»، بالإضافة إلى قلقه من انتهاء الحوافز الخاصة بشراء السيارات الكهربائية.

ويوافق كبير الباحثين في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة، هنري أولسن، على أنّ الخلاف بين الرجلَيْن هو مزيج بين الشخصي والسياسي، مشيراً إلى أن ماسك يُفضّل دائماً نهجاً «ليبرتارياً» بعض الشيء في الحكم، يقوم على تقليل الإنفاق الحكومي بشكل أكبر مما يقبله ترمب، كما أنه يؤيّد بشكل كبير الدعم الحكومي للمجالات التي يعدّها مستقبلية؛ مثل: الذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية. ويضيف: «ماسك لا يستثمر في السيارات الكهربائية فقط، وإنما في الطاقة الشمسية والبطاريات وكل منظومة الاقتصاد الجديد للطاقة، وهذا القانون يضر بكل ذلك. لكن لا ننسى الجانب الشخصي أيضاً، فهما شخصيتان قويتان اعتادتا أن تكونا في الصدارة. وفي السياسة، لا يوجد سوى قائد واحد، وهو من يُنتخب، وليس من يتم تعيينه. وأعتقد أن ماسك وجد صعوبة في تقبّل ذلك».

من ناحيته، يقول المستشار السابق في حملة هيلاري كلينتون الانتخابية، كايفن شروف، إنه لم يتفاجأ قط من تدهور العلاقة بين ترمب وماسك، إذ إنهما شخصيتان «ذات حضور قوي اشتهرا بعدم المحافظة على العلاقات». وأضاف: «أعتقد أن ما أغضب ماسك أكثر من السياسة في مشروع القانون، هو طريقة تعامل ترمب معه أمام الجمهور».

وعدّ شروف أن جزءاً من سبب إطلاق «حزب أميركا» مباشرة بعد تمرير القانون وبعد احتفالات الرابع من يوليو (تموز)، مرتبط برغبة ماسك في توجيه ضربة إلى ترمب في الإعلام والعناوين، وسرقة الأضواء منه. وأضاف: «لذا أرى أن الأمر يشبه معركة بين اثنَيْن من أصحاب المليارات لأسباب شخصية صغيرة».

عقبات أمام «حزب أميركا»

ماسك أعلن تأسيس «حزب أميركا» (رويترز)

يواجه ماسك عقبات كثيرة لتأسيس حزب ثالث. فقبله، سعى كثيرون لخوض سباقات الانتخابات عن حزب ثالث، مثل حزب الخضر والحزب الليبرتاري، لكن قلة منهم تمكنوا من الوصول إلى مقاعد صنع القرار.

ويقول هال الذي يتضمن عمله دعم مرشحين عن أحزاب ثالثة في السباقات الانتخابية لضمان إدراج أسمائهم على اللوائح الانتخابية في الولايات، إن هناك ثلاث عقبات رئيسية أمام ما يحاول ماسك القيام به؛ «الأولى هي عقبة هيكلية متعلقة بأن الولايات المتحدة أُسست على نظام الحزبَيْن، وهو ما يُعرف بنظام (الفائز يأخذ كل شيء). ولهذا، يميل الناخبون إلى الالتفاف حول حزبَيْن رئيسيين. أما العقبة الثانية التي يواجهها فهي عقبة قانونية، متعلقة بالقوانين المختلفة في كل ولاية من الولايات الخمسين للوصول إلى بطاقات الاقتراع». ويفسّر هل «هذه القوانين صعبة جداً لدرجة أن الدخول في السباق يصبح شبه مستحيل لأي مرشح أو حزب ليست لديه ثروة كبيرة؟ وهذه ليس مشكلة لماسك، فهو يملك المال اللازم لذلك. لكنه يحتاج أيضاً إلى التأكد من وجود الأشخاص المناسبين على الأرض لضمان سير الإجراءات بشكل صحيح».

أما العقبة الثالثة فهي سياسية، قائلاً «إن الديمقراطيين والجمهوريين لا يحبون المنافسة، وسيقومون كل ما بوسعهم لمنع أي منافس جديد عبر رفع دعاوى قضائية، والطعن في استمارات الترشيح تحت أي ذريعة كانت، وغالباً ما يوجهون اتهامات بالتزوير في عملية جمع التوقيعات». ويضيف: «بالإضافة إلى ذلك، سيحتاج ماسك إلى استثمار جهد حقيقي في تحديد مرشحين جيدين لخوض الانتخابات في المناصب التي يريد المنافسة فيها. كما سيتعيّن عليه مواجهة مواقف الناخبين الذين اعتادوا على التفكير بأن التصويت لأي شخص غير الجمهوريين أو الديمقراطيين هو تصويت بغير جدوى».

دور مؤثّر

ماسك في حدث انتخابي في ويسكونسن 30 مارس 2025 (رويترز)

يعدّ شروف أن ماسك لا يتمتع بأي فرصة لتأسيس حزب ثالث، لأن أي دعم سياسي له كان مرتبطاً بعلاقته مع ترمب، «وهو فُقد ذلك اليوم». وأشار أن جُلّ ما يفعله الحزب الثالث هو التأثير على حظوظ مرشحي الحزبَيْن الرئيسيَّيْن بالفوز. وأعطى شروف مثالاً على ذلك، في عام 2016 حين فازت مرشحة حزب الخضر، جيل ستاين، بعدد من الأصوات في ثلاث ولايات متأرجحة، كانت لتكون كافية لفوز هيلاري كلينتون بالانتخابات. وأضاف: «نعم، للحزب الثالث دور مؤثر، لكنني لا أرى أن (حزب أميركا) سيصبح حقيقة على الأرض، وإن حصل ذلك فلا أعتقد أنه سيكون له أي تأثير كبير».

ويؤكّد أولسن بدوره أن دور الأحزاب الثالثة «لطالما كان سحب الأصوات من مرشحي الحزبَيْن الرئيسييْن». ويرجح أن يكون المتضرر الأكبر في ذلك هو الحزب الديمقراطي، نظراً إلى غياب مرشحين يستقطبون حماسة الناخبين على خلاف ترمب وحزبه. وقال: «هؤلاء هم الأشخاص الذين يحتاج إليهم الديمقراطيون لاستعادة مجلسي الشيوخ والنواب، الأشخاص الذين ربما صوّتوا لترمب؛ لأنهم لم يحبوا (كامالا) هاريس».

غياب آيديولوجية واضحة

يُسلّط شروف الضوء على تحدٍّ آخر أمام ماسك، وهو أنه لا يملك آيديولوجية واضحة، «سوى ما يخدم مصالحه الشخصية»، على حد تعبيره. ويُفسّر: «لقد كان داعماً كبيراً للديمقراطيين، ثم اتجه إلى ترمب، ثم ابتعد عنه، ولا يوجد لديه تفكير ثابت أو منهج واضح، كما أنه وعد بالكثير من الأمور دون أن ينفذها».

إيلون ماسك لدى مشاركته في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 30 أبريل 2025 (رويترز)

لكن هال يعد أن ماسك يتمتع بفرص أكبر في إحداث فارق في التركيبة السياسية الأميركية، خاصّة في الانتخابات النصفية؛ «لأن لديه المال اللازم لوضع مرشحيه على بطاقات الاقتراع»، مشيراً إلى أنه يريد التركيز على ولايتَيْن لترشيح أعضاء لمجلس الشيوخ، وثماني ولايات يمكنه فيها دعم مرشحين لمجلس النواب.

وأضاف: «هو قادر على ذلك، وأعتقد أنه يمكنه النجاح. يمكنه إنفاق المال اللازم ليخوض مرشحوه حملات انتخابية قوية. لكن عليه أن يجد مرشحين حقيقيين، وليس مجرد أشخاص يظهرون بشكل مفاجئ ويقررون الترشح. يجب أن يكون لديه مرشحون حقيقيون وشرعيون إذا أراد لهذا الأمر أن ينجح». ويشير هال إلى وجود رغبة كبيرة بين الناخبين الأميركيين لتأسيس حزب ثالث، ورؤية خيارات أكثر على بطاقات الاقتراع، وذلك بحسب استطلاعات الرأي. وتابع: «الناس يريدون المزيد من الخيارات عند التصويت، وماسك يمكنه تقديم هذه الخيارات لهم».

لكن أولسن أشار إلى تحدٍّ من نوع آخر، فقال: «الناس مهتمون بحزب ثالث بشكل عام؛ لكن هذا لا يعني أنهم سيدعمون حزباً ثالثاً بشكل فعلي. لأن ما قد يريده (الجمهوري) من الحزب الثالث قد يختلف عما يريده (الديمقراطي) منه. وهذا هو التحدي الذي يواجهه ماسك، أي تحويل هذا الدعم المحتمل إلى دعم حقيقي عندما يطلب من الناخبين تبني مجموعة معينة من الأفكار ونوعية معينة من الأشخاص». ويختتم متسائلاً: «هنا نصل إلى مسألة من سيكون المرشحون؟ وما البرامج التي سيقدمونها؟».


مقالات ذات صلة

تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)
شؤون إقليمية صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

مسؤولون أميركيون لنتنياهو: لا مجال للاعتراض على هيئات ومجالس غزة

أعربت مصادر سياسية أميركية عن استغرابها من موقف الحكومة الإسرائيلية من تشكيلة «مجلس السلام» بقيادة ترمب، موضحة أن «واشنطن أبلغت نتنياهو بأنه لا مجال للاعتراض».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب)

طهران تنفي رواية واشنطن بشأن «800 إعدام»

نفت إيران تنفيذ أو التحضير لنحو 800 حكم إعدام بحق محتجين، فيما قالت مصادر أميركية إن وزير الخارجية الإيراني نقل المعلومة لمبعوث ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز) play-circle

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص محمود الهباش مستشار الرئيس الفسطيني (وكالة وفا) play-circle

خاص مستشار الرئيس الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: مجالس وهيئات غزة «وضع مؤقت» لا نقبل استمراره

الهباش يقول إن الواقع في غزة هو أقل الشرور وإن السلطة الفلسطينية ليست راضية لكنها ليست غائبة ولن تستبدل احتلالاً باحتلال وستحكم القطاع بنهاية الفترة الانتقالية

كفاح زبون (رام الله)

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
TT

ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)

عبرت ثماني ​دول أوروبية في بيان مشترك، اليوم الأحد، عن تضامنها مع مملكة ‌الدنمارك وشعب ‌غرينلاند ‌في ⁠أعقاب ​تهديد ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضم الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وقالت كل من ⁠الدنمارك وفنلندا ‌وفرنسا وألمانيا ‍وهولندا والنرويج والسويد ‍وبريطانيا في البيان: «بصفتنا أعضاء في حلف شمال الأطلسي، ​نحن ملتزمون بتعزيز أمن القطب ⁠الشمالي باعتباره مصلحة مشتركة عبر الأطلسي». وجاء في البيان أن «التهديد بالرسوم الجمركية يقوض العلاقات عبر الأطلسي وينذر بانحدار ‌خطير».

وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية جديدة على أعضاء أوروبيين في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» لحين موافقتهم على بيع غرينلاند للولايات المتحدة، قلقاً واستنكاراً من قبل بعض الدول الأوروبية.

ويجتمع الأحد ممثلو الدول في جلسة خاصة لمناقشة الأحداث الأخيرة. وقالت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية لـ«الاتحاد الأوروبي» لمدة 6 أشهر، في وقت متأخر من السبت، إن سفراء الدول استُدعوا لعقد اجتماع استثنائي بعد ظهر الأحد للرد على أحدث التصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة.

ووفق أحدث استطلاع نُشر في يناير (كانون الثاني) 2025، فإن 85 في المائة من سكان غرينلاند يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، بينما يؤيده 6 في المائة فقط.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة، هذا الأسبوع، نشر قوات عسكرية في مهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظِّمها الدنمارك في غرينلاند.

ابتزاز... وتفعيل آلية لمكافحة الإكراه

وصف وزير الخارجية الهولندي، ديفيد فان فيل، هذا التهديد بأنه «ابتزاز». وقال الوزير في حديث للتلفزيون الهولندي: «ما يفعله (ترمب) ابتزاز... وهو أمر غير ضروري. هذا لا يصب ‌في مصلحة (الحلف) ‌أو غرينلاند».

وقال فان ‍فيل إن «مهمة غرينلاند» هدفها أن تظهر للولايات المتحدة استعداد أوروبا للمساعدة في الدفاع عن غرينلاند، مؤكداً اعتراضه على ربط ترمب بين الدبلوماسية بشأن الجزيرة ​والتجارة. ويشدد ترمب على أنه لن يقبل بأقل من الملكية الكاملة ⁠لغرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي تابعة للدنمارك، ويقول إن لها أهمية بالغة لأمن الولايات المتحدة؛ بسبب موقعها الاستراتيجي ومخزونها المعدني.

ويعتزم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال تواصله الذي يمتد «طيلة اليوم مع نظرائه الأوروبيين»، طلب «تفعيل (آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه)» في حال تنفيذ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية، وفق ما أفاد به مقربون منه.

وتتيح هذه الآلية، التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية ومنع استثمارات معينة. وأوضح مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي أن التهديدات التجارية الأميركية «تثير تساؤلات بشأن مدى صحة الاتفاقية» المتعلقة بالرسوم الجمركية المبرمة بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة في يوليو (تموز) الماضي.

وعدّت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أن تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على معارضي خطته للاستحواذ على غرينلاند «خطأ»، مشيرة إلى أنها أبلغته وجهة نظرها. وقالت ميلوني للصحافيين خلال زيارة للعاصمة الكورية الجنوبية سيول: «أعتقد أن فرض عقوبات جديدة اليوم سيكون خطأ»، مضيفة: «تحدثتُ إلى دونالد ترمب قبل بضع ساعات وقلت له ما أفكر فيه».

«بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض»

وصرح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بأن غزو الولايات المتحدة غرينلاند «سيجعل بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض». وحذر سانشيز، في مقابلة نشرت الأحد، بأن أي عمل عسكري أميركي ضد جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي سيضر بـ«حلف شمال الأطلسي» ويضفي الشرعية على غزو روسيا أوكرانيا.

وأضاف، في مقابلة مع صحيفة «لا فانغوارديا»: «إذا ‌ركزنا على غرينلاند، ‌فعليّ أن أقول إن ‌غزو ⁠الولايات ​المتحدة ‌تلك المنطقة سيجعل فلاديمير بوتين أسعد رجل في العالم. لماذا؟ لأن ذلك سيضفي الشرعية على محاولة غزوه أوكرانيا». وتابع: «إذا استخدمت الولايات المتحدة القوة، فسيكون ذلك المسمار الأخير في نعش (حلف شمال الأطلسي). وسيكون بوتين سعيداً للغاية».

وكان ترمب قد قال في ‌منشور ⁠على ​منصة ‌«تروث سوشيال»، السبت، إن الرسوم الجمركية الإضافية بنسبة 10 في المائة على الواردات ستدخل حيز التنفيذ في 1 فبراير (شباط) المقبل على البضائع من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، ⁠وهي الدول التي وافقت على المشاركة بأفراد في ‌تدريبات لـ«حلف شمال الأطلسي» ‍في غرينلاند.

رد أوروبي مضاد وحازم

ودعا «اتحاد الشركات الألمانية المصنعة للآلات والأنظمة (في دي إم ايه)» إلى رد أوروبي مضاد وحازم على تهديدات ترمب، وقال رئيس «الاتحاد»، بيرترام كافلات، في فرانكفورت الأحد: «لا يجوز لأوروبا أن تخضع للابتزاز، حتى وإن كان من جانب الولايات المتحدة». وأضاف أن غرينلاند جزء من أوروبا وأنها يجب أن تبقى كذلك، محذراً بأن «استسلام (الاتحاد الأوروبي) في هذا الملف لن يؤدي إلا إلى تشجيع الرئيس الأميركي على طرح مطالب عبثية جديدة والتهديد بفرض مزيد من الرسوم الجمركية».

وقال قادة الدنمارك وغرينلاند إن الجزيرة ليست للبيع، وأكدوا عدم الرغبة في أن تكون جزءاً من الولايات المتحدة. ويعقد سفراء دول «الاتحاد الأوروبي»، الأحد، اجتماعاً طارئاً لبحث الرد على ‌تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية.

وفي السياق كان رئيس «المجلس الأوروبي»، أنطونيو كوستا، قد صرح بأنه إذا كانت الولايات المتحدة ‌ترى ‌مشكلة ‌أمنية ⁠في ​غرينلاند، ‌فإنه يجب حلها بين أعضاء «حلف شمال الأطلسي» بصفتهم حلفاء. وقال كوستا، خلال مؤتمر صحافي في ريو دي ‌جانيرو بالبرازيل، الجمعة، «المخاوف الأمنية التي ‍لدى الولايات المتحدة ‍سيجري التعامل معها بشكل صحيح في إطار الجهة المناسبة، ​وهي (حلف شمال الأطلسي)». وكوستا ⁠ورئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، كانا موجودين في أميركا الجنوبية لتوقيع اتفاق تجارة بين «الاتحاد الأوروبي» وتكتل «ميركوسور»، السبت، ‌في باراغواي.

ونُظمت مظاهرات، السبت، في مدن عدّة بالدنمارك وغرينلاند؛ احتجاجاً على مطامع الرئيس الأميركي في الجزيرة، إذ تجمَّع آلاف المتظاهرين في كوبنهاغن، السبت؛ رفضاً لإعلان الرئيس ترمب عزمه السيطرة على الجزيرة القطبية ذات الحكم الذاتي. وتظاهر حشد من الأشخاص في ساحة مبنى البلدية، حاملين أعلام غرينلاند والدنمارك، وهتفوا: «كالاليت نونات!» وهو اسم غرينلاند باللغة المحلية.

وتأتي المظاهرات بعد 3 أيام من اجتماع في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين ومن غرينلاند، انتهى على خلاف؛ إذ أقرَّ وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، بأنه «لم نتمكَّن من تغيير الموقف الأميركي».

وأبدى عدد كبير من القادة الأوروبيين دعمهم الدنمارك، العضو المؤسِّس لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، في حين هدَّد ترمب، الجمعة، بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته لضم غرينلاند.