هل يفاقم فوز ممداني أزمة الحزب الديمقراطي أم يفتح الطريق لمعالجتها؟

تصدُّره الانتخابات التمهيدية لبلدية نيويورك أثار صدمة ديمقراطية... وغضباً جمهورياً

ممداني يحتفل رفقة أسرته بفوزه في الانتخابات التمهدية الديمقراطية بنيويورك 24 يونيو (أ.ف.ب)
ممداني يحتفل رفقة أسرته بفوزه في الانتخابات التمهدية الديمقراطية بنيويورك 24 يونيو (أ.ف.ب)
TT

هل يفاقم فوز ممداني أزمة الحزب الديمقراطي أم يفتح الطريق لمعالجتها؟

ممداني يحتفل رفقة أسرته بفوزه في الانتخابات التمهدية الديمقراطية بنيويورك 24 يونيو (أ.ف.ب)
ممداني يحتفل رفقة أسرته بفوزه في الانتخابات التمهدية الديمقراطية بنيويورك 24 يونيو (أ.ف.ب)

على الرغم من المفاجأة التي سبّبها فوز زهران ممداني، الديمقراطي الشاب الذي يصفه الرئيس الأميركي بـ«الاشتراكي»، بترشيح الحزب لمنصب رئيس بلدية نيويورك، فإنها تندرج في إطار تداعيات خسارة انتخابات 2024 التي أربكت التوازن بين تيارات الحزب الديمقراطي.

وفي حين تتجه انتخابات رئاسة البلدية في نوفمبر (نشرين الثاني) المقبل لتكون معركة بين أربعة، أو حتى خمسة، مرشّحين، بعدما قرر عمدتها الحالي إريك أدامز التنافس مستقلاً، واحتمال ترشح الحاكم السابق لولاية نيويورك أندرو كومو مستقلاً أيضاً، طرح كثيرٌ من قادة الديمقراطيين تساؤلات حول فرص الحزب في الفوز، ليس فقط في هذه الانتخابات، بل كذلك في انتخابات 2026 النصفية، في ظل حالة التشظي التي يعانيها الديمقراطيون.

«صدمة» ديمقراطية

أثار فوز ممداني صدمة في صفوف الحزب، تاركاً الديمقراطيين على مستوى البلاد يواجهون تداعيات فوز هذا السياسي الكاريزماتي البالغ من العمر 33 عاماً على أندرو كومو، الحاكم الأكثر تمويلاً ودعماً من المؤسسة الحزبية، والذي تورط في فضائح، واستقال من منصبه وسط مزاعم تحرش جنسي. وفي حبن يرى التقدميون أن الديمقراطيين أمامهم خريطة طريق لاستعادة السلطة، يخشى المعتدلون من أن يكون ناخبو مدينة نيويورك قد منحوا الرئيس دونالد ترمب ورقة سياسية جديدة يستخدمها ضدهم، ليس فقط في الانتخابات النصفية، بل في الانتخابات العامة عام 2028.

ممداني لدى إلقائه كلمة في نيويورك 25 يونيو (أ.ب)

وأعاد فوز ممداني في الانتخابات التمهيدية تنشيط الانقسامات بين التقدميين والمعتدلين، ومؤسسة الحزب مقابل «المتمردين» عليها، والشباب مقابل الكبار في السّن، في استعادة للجدل الذي دار حول خطأ الاستمرار بترشح جو بايدن للرئاسة خلال الدورة الرئاسية السابقة.

وبالفعل، يشعر كثير من القادة والمانحين الديمقراطيين الذين ينتمون إلى «المؤسسة التقليدية» بالذعر إزاء فوز ممداني، بعدما كانوا يتطلعون إلى التعافي من خسائر عام 2024. ويخشى هؤلاء أن يُلحق فوز ممداني الضرر بالحزب على الصعيد الوطني، خصوصاً بين الناخبين الذين لا يفضلون التصويت للتقدميين، بينما يعتقد «الشباب التقدميون» أن فوزه قد يمتد إلى أبعد من نيويورك.

وبينما يرى بعض الديمقراطيين في ممداني الشاب أنه قد يكون «نسمة تجديد» منعشة في حزب يهيمن عليه قادة مسنون و«منفصلون عن واقع غالبية الناخبين»، يرى آخرون أنه قد يكون عنصراً مضرّاً في حزب لم يعثر بعد على طريق للخروج من أزمته، في غياب برنامج واضح يعيد تعريف هوية الحزب والقضايا الأكثر أهمية للأميركيين.

تجمّع انتخابي لرئيس البلدية الحالي إريك أدامز في نيويورك 26 يونيو (أ.ف.ب)

في هذا الصدد، قال السيناتور اليساري بيرني ساندرز، الذي كان مع النائبة اليسارية أليكساندريا أوكاسيو كورتيز، أحد أكبر المحتفلين بفوز ممداني، أنه أظهر أن القيادة الديمقراطية «بعيدة كل البعد عن الواقع»، وأنها «على الأرجح أكثر استعداداً للغرق مع تيتانيك من تجربة شيء جديد».

في المقابل، قال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السيناتور تشاك شومر، وزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز، وكلاهما من نيويورك، إنهما تحدثا مع ممداني بعد فوزه، لكنهما لم يعلنا تأييدهما لترشحه للانتخابات رئاسة البلدية في نوفمبر. كما أشاد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بحملته الانتخابية.

وينسب أنصار ممداني فوزه للتركيز على أزمة غلاء المعيشة في نيويورك، وتراجع جودة الحياة.

وتميّز ممداني، الذي يمثّل منطقة كوينز في جمعية ولاية نيويورك، بأسلوبه الحماسي في الحملات الانتخابية، ومقترحاته اللافتة التي تشمل منع زيادة الإيجارات للكثير من أهالي نيويورك، وتوفير خدمة حافلات مجانية، وخدمة رعاية الأطفال الشاملة. ولامست رسالته قلوب بعض الناخبين في المدينة، حيث تكلفة المعيشة مرتفعة جداً.

في المقابل، يرى المتشكّكون في الحزب الديمقراطي أن هذه السياسات لن تكون كافية لإخراج الحزب من أزمته، أو حتى استقطاب الناخبين الوسطيين؛ إذ لا تزال الانقسامات عميقة داخل الحزب، ولا سيّما فيما يرتبط بالموقف من إسرائيل، ودور الشرطة، وقضايا الهجرة، والمثليين، وغيرها.

موقف اليهود الأميركيين أساسي

ويرى المراقبون أن عاملاً مُهمّاً ينبغي ألّا يسقط من الحسبان في قراءة نتائج هذه الانتخابات التمهيدية، يتعلق بالجالية اليهودية الكبيرة التي تقطن نيويورك، والتي يُعدّ عدد من أعضائها من كبار المانحين على المستوى الوطني للحزب الديمقراطي. فقد عبّروا عن قلقهم من مواقف ممداني تجاه إسرائيل وحربها مع «حماس»، وأبرزها دفاعه عن استخدام عبارة «عولمة الانتفاضة»، وهم يدرسون خياراتهم، بما في ذلك التحالف المحتمل مع رئيس البلدية الحالي أدامز.

ونقلت صحيفة «بوليتيكو» عن ديفيد غرينفيلد، وهو يهودي أرثوذكسي ذو نفوذ سياسي: «يسود المجتمع اليهودي المنظم قلقٌ بالغ؛ ما دفع إلى إجراء الكثير من المحادثات المبكرة، بما في ذلك محادثات مع فريق العمدة إريك أدامز، ولكن لم تُتخذ أي قرارات بعد». وأضاف: «من المهم أن نتذكر أننا ما زلنا على بُعد خمسة أشهر تقريباً من يوم الانتخابات. لذا؛ لدينا متسع من الوقت للتحليل والنقاش، بينما نعالج كل ما حدث في انتخابات الثلاثاء».

الموقف من إسرائيل

ويؤخذ على ممداني تهربه من الإجابة عن أسئلة حول حقّ إسرائيل في الوجود بصفتها دولة يهودية، وهي قضية مهمة لكثير من الناخبين اليهود في مدينة نيويورك. كما أنه يتّهم إسرائيل بارتكاب «إبادة» في غزة، ويرى أن «السلام العادل والدائم لا يمكن أن يبدأ إلا بإنهاء الاحتلال وتفكيك نظام الفصل العنصري».

ومع ذلك، ندّد ممداني بمعاداة السامية، رغم أن بعض الديمقراطيين زعموا أنه «أظهر نمطاً مقلقاً للغاية من التعليقات المعادية للسامية غير المقبولة».

ممداني يحتفل رفقة والدته بفوزه في الانتخابات التمهدية الديمقراطية بنيويورك 25 يونيو (رويترز)

ويقول أحد خبراء البيانات الانتخابية الديمقراطية، إن النتائج «تشير إلى طاقة معادية للمؤسسة الحزبية لعام 2028، لكن ليس بالضرورة معادية للاعتدال. لذلك؛ لا أعتقد أنها تتعلق بالآيديولوجية، بل بشيء جديد ومبتكر». ويعتقد آخرون أن الانتخابات التمهيدية لمنصب عمدة نيويورك لن تُطبّق على السباقات الأخرى، ولا ينبغي للمعتدلين المبالغة في ردة فعلهم. فقد فاز مرشحٌ معتدلٌ في النهاية بالانتخابات التمهيدية الرئاسية الديمقراطية لسنوات، ولا شيء يوحي بأن هذا الأمر قد يتغير حتى الآن.

وأشار كثير من الديمقراطيين إلى النتائج التي تحققت في وقت سابق من هذا الشهر في نيوجيرسي، حيث فازت النائبة المعتدلة ميكي شيريل في الانتخابات التمهيدية الحزبية لمنصب حاكم الولاية. وقد أُشيد بها وبأنها قد تكون مستقبل الحزب، إلى جانب النائبة الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، التي لم تواجه أي منافس في الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ولاية فرجينيا.

ترمب يتهم ممداني بالشيوعية

يشنّ الرئيس ترمب، والجمهوريون بشكل عام، حملة شعواء على ممداني والنائبة اليسارية كورتيز.

وتعليقاً على فوزه، كتب ترمب على منصّته «تروث سوشل» للتواصل الاجتماعي: «لقد تجاوز الديمقراطيون الحدود. زهران ممداني شيوعي مجنون تماماً (...) لقد رأيت الكثير من اليساريين المتطرفين في الماضي، لكنّ هذا الشخص أكثر سخافة بقليل من غيره».

وقال كيرتس سليوا، المرشح الجمهوري، إن «زهران ممداني متطرف لتولي مدينة مضطربة (...) الوقت غير موات للسياسات المتطرفة». في حين دعا السناتور تيد كروز، أحد أعمدة الحزب الجمهوري، سكان نيويورك «غير الشيوعيين» إلى مغادرة المدينة للاستقرار في تكساس. وكتب ستيفن ميلر، مهندس سياسة ترمب المناهضة للهجرة على منصة «إكس»، إن «الديمقراطيون يغيرون السياسة من خلال تغيير الناخبين»، متّهماً «الهجرة غير المنضبطة» بأنها «أحدثت تحولاً عميقاً في قاعدة الناخبين في نيويورك».

كما سعى الجمهوريون إلى توظيف فوزه للتحريض على الديمقراطيين وشيطنتهم. وقالت النائبة الجمهورية إليز ستيفانيك عن ولاية نيويورك، والتي تُعدّ مرشحة محتملة لمنصب حاكم الولاية، إن «ممداني على وشك أن يصبح أشهر ديمقراطي في البلاد». وقالت: «سيُحاسب كل ديمقراطي على هذا، تماماً كما كان على الجمهوريين لسنوات أن يُحاسبوا (...) نيابةً عن الرئيس ترمب». لكن ستيفانيك حذّرت قائلةً: «أعتقد أن الأمر لن يُؤتي ثماره في انتخابات التجديد النصفي، إلا إذا فاز في الانتخابات العامة».


مقالات ذات صلة

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاشة هاتف أحد السكان المحليين وفيها تحديثات حول التصويت على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا تمنح الديمقراطيين أفضلية في حرب الدوائر الانتخابية

انتصر الديمقراطيون في استفتاء فيرجينيا على إعادة تقسيم دوائرها الانتخابية، مما يؤجج حرب ترسيم الدوائر مع الجمهوريين عبر الولايات قبل الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شخص يدلي بصوته ضمن استفتاء إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بولاية فرجينيا الأميركية داخل مركز «فيرفاكس» الحكومي في فرجينيا يوم 21 أبريل 2026 (أ.ب)

في خطوة لتعزيز مقاعد الديمقراطيين بالكونغرس... ناخبو فرجينيا يوافقون على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية

وافق ناخبو ولاية فرجينيا الأميركية على خطة لإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، في خطوة قد تعزّز فرص الديمقراطيين في الفوز بـ4 مقاعد إضافية بمجلس النواب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناخبون يسجلون أسماءهم لدى موظفي الاقتراع قبل الإدلاء بأصواتهم في مركز اقتراع في أرلينغتون - فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا أحدث ساحة للتلاعب بالخرائط الانتخابية الأميركية

أجرت فيرجينيا استفتاءً على إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية سعياً من الديمقراطيين لتعزيز فرصهم لانتزاع الغالبية من الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مبنى الكابيتول ومكتبة الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن 16 أبريل 2026 (رويترز)

مجلس النواب الأميركي يمدد برنامج المراقبة حتى 30 أبريل

أقر مجلس النواب الأميركي تمديد العمل ببرنامج المراقبة الذي تستخدمه وكالات الاستخبارات الأميركية حتى 30 أبريل الحالي بعد اعتراض الجمهوريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».


ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء اليوم (السبت)، للمرة الأولى عشاء مراسلي وسائل الإعلام المعتمدين في البيت الأبيض، ولكن خلافاً لما جرت عليه العادة، لن يشارك في اللقاء أيّ ممثل فكاهي يُدلي -وفقاً للتقليد المتبّع- بتعليقات ونكات عن الرئيس الأميركي، فيما يُتوقع أن يسود الحفل شيء من التشنج، نظراً إلى العلاقة المتوترة بينه وبين الصحافة، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستعاضت رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تنظّم هذا اللقاء السياسي-الإعلامي الكبير عن الحضور المعتاد لممثل فكاهي بدعوة «الساحر» المختص في قراءة الأفكار أوز بيرلمان.

ومنذ عودته إلى السلطة، دأب ترمب على مهاجمة الصحافة بلا هوادة، سواء في تصريحاته أو من خلال الدعاوى القضائية، في موازاة اتساع نفوذ حلفائه في المشهد الإعلامي، وهو ما يتجلى مثلاً في صفقة استحواذ «باراماونت سكايدانس» المملوكة لعائلة إليسون المقرّبة منه على «وارنر براذرز ديسكفري». وتملك هذه العائلة أيضاً قناة «سي بي إس».

وعمد البيت الأبيض، وكذلك وزارة الدفاع (البنتاغون)، إلى تقييد وحتى في بعض الحالات إلغاء تصاريح دخول وسائل إعلام عريقة، فيما تعاملت على نحو مختلف مع معلّقين مؤيدين لحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا).

وتثير الدعوة الموجهة إلى الرئيس الذي وصف الصحافيين بأنهم «أعداء الشعب» استياء لدى هيئات تحرير وسائل الإعلام في واشنطن، وتتداول الأوساط الإعلامية رسالة مفتوحة وقّعها مئات الصحافيين وعدد من الجمعيات.

«التعبير بقوة»

وتدعو الرسالة أعضاء رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تجنّبت إلى الآن المواجهة المفتوحة مع ترمب، إلى «التعبير بقوة في مواجهة الرجل الذي يحاول تقويض التقليد العريق لصحافة مستقلة».

ودرج ترمب خلال ولايته الرئاسية الأولى على مقاطعة هذا العشاء، خلافاً لجميع أسلافه منذ عشرينات القرن الفائت، الذين كانوا يحرصون على المشاركة فيه.

وكتب على شبكته «تروث سوشيال»، مبرراً هذه المقاطعة: «لقد كانت الصحافة قاسية جداً معي».

وأفادت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأن الخطاب الذي يلقيه الرئيس، البالغ 79 عاماً، خلال هذا العشاء سيكون «مسلّيا جداً».

وتوقع أستاذ التواصل في جامعة كنساس، روبرت رولاند، أن يثير ترمب أمام الصحافيين «مآخذه» على الإعلام. ورأى الأكاديمي أن قرار الرئيس الأميركي المشاركة يدل على أنه «يشعر بأنه لا يُمس».

وهذا العشاء الذي يحضره مئات الصحافيين ومديرو المؤسسات الإعلامية مع ضيوفهم من الأوساط السياسية والاقتصادية يُنظَّم كل عام في نهاية أبريل (نيسان)، ويُخصَّص ريعه لتمويل منح وجوائز.

دائرة مغلقة

ويشدد المدافعون عن هذا العشاء السنوي على كونه بمثابة احتفاء بحرية الصحافة. لكنّ هذه الأمسية تعرّضت أيضاً لانتقادات تمحورت على فكرة كونها تعبيراً عن ثقافة الدوائر المغلقة والتواطؤ.

وعلّقت مجلة «ذي أتلانتيك» بأن عشاء المراسلين «كان دائماً مزعجاً»، لكنه هذه السنة «محرج جداً». أما صحيفة «نيويورك تايمز» فقررت قبل سنوات تغطية الحدث من دون المشاركة فيه.

وكان أسلاف ترمب يُصغون بهدوء إلى خطاب لاذع يلقيه الممثل الفكاهي الضيف، ثم كان الرئيس نفسه يلقي كلمة زاخرة بالنكات يسخر فيها من نفسه.

أما ترمب الذي لا يتوانى عن إذلال خصومه، لكنه لا يحتمل أن يتعرّض هو نفسه للسخرية، فطالته خلال حضوره العشاء عام 2011 بصفته ضيفاً «لسعات» وجهها إليه الرئيس الأسبق باراك أوباما.

أوباما

فقد سخر أوباما بإسهاب يومها من رجل الأعمال العقاري الذي لم يكن تبوّأ بعد سدّة السلطة.

ونفى ترمب مراراً أن يكون قد قرر في تلك الليلة خوض سباق الوصول إلى البيت الأبيض بدافع الانتقام، كما يتردد في واشنطن.

واستخدم أوباما يومذاك كل ما أُوتي من قدرات خطابية، ليهزأ من نزعة ترمب إلى نشر نظريات المؤامرة، ومنها تلك التي تشكك في أصول وجنسية أول رئيس أسود للولايات المتحدة.

كذلك سخر الرئيس الديمقراطي في المناسبة نفسها من ولع مقدّم البرامج التلفزيونية السابق بالترويج لذاته وبالاستعراض.

وقال أوباما: «قولوا ما تشاءون عن السيد ترمب، لكنه سيأتي بالتغيير إلى البيت الأبيض»، عارضاً صورة للمقر الرئاسي الشهير، وقد تحول إلى فندق وكازينو مبهر يحمل علامة ترمب.

وخلال ولايته الثانية، غطى الرئيس الجمهوري البيت الأبيض بزخارف مذهّبة ورخامية، وعلّق فيه لوحات تحمل صورته، وأطلق مشروع بناء قاعة احتفالات ضخمة.


مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، الجمعة، أنه قتل شخصين في ضربة استهدفت قاربا يشتبه بتهريبه المخدرات، ما يرفع عدد ضحايا حملة واشنطن ضد «إرهابيي المخدرات» في أميركا اللاتينية إلى 182 قتيلا على الأقل.

وقالت القيادة العسكرية الجنوبية الأميركية في بيان على منصة «إكس»، أنها نفذت «ضربة عسكرية قاتلة على سفينة تشغلها منظمات مصنفة إرهابية».

أضافت «أكدت المعلومات الاستخباراتية أن السفينة كانت تعبر طرق تهريب مخدرات معروفة في شرق المحيط الهادئ، وأنها كانت تشارك في عمليات تهريب مخدرات»، مكررة العبارات نفسها التي تستخدمها لوصف العشرات من هذه العمليات منذ بدء الحملة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكان مسؤولون عسكريون أميركيون قد أعلنوا عن سبع ضربات مماثلة على الأقل في أبريل (نيسان*، ليصل إجمالي عدد القتلى في هذه العمليات إلى 182 على الأقل، وفقا لإحصاءات وكالة الصحافة الفرنسية.

ولم تقدم إدارة ترمب أي دليل قاطع على تورط القوارب التي تستهدفها في تهريب المخدرات، ما يثير الجدل حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء في القانون الدولي ومنظمات حقوقية، إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها تستهدف مدنيين لا يشكلون تهديدا مباشرا على الولايات المتحدة.