ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
TT

ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)

شنَّت إسرائيل هجمات على إيران لليلة السابعة على التوالي، اليوم (الخميس)، في حين لم يستبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إمكان دخول الولايات المتحدة الحرب؛ للقضاء على البرنامج النووي لطهران. ولدى سؤاله عمّا إذا قرَّر توجيه ضربات أميركية إلى إيران، أشار ترمب إلى أنه لا يسعى للقتال، لكنه أضاف: «إذا كان الخيار هو القتال أو حيازتهم قنبلة نووية، فيجب أن أفعل ما يلزم. وربما لا نحتاج إلى القتال».

وسيتم إطلاعه على مستجدات الحرب اليوم، وهو يوم عطلة رسمية في الولايات المتحدة، في غرفة العمليات، حيث تُتَّخذ غالبية القرارات العسكرية حساسية.

ويقول تحليل إخباري لشبكة «سي إن إن» الإخبارية، إنّ تهويل الرئيس الأميركي قبل اتخاذ أصعب قرار أمني قومي في أيٍّ من ولايتيه الرئاسيتين لا يُقارن بتاتاً بالمناورات الحربية المعقدة، والتحريك الدقيق للرأي العام الذي يتطلبه معظم القادة العسكريين قبل إرسال الأميركيين للقتال.

وتبدو خطب ترمب وتعليقاته غامضة، أمام الكاميرات وعلى الإنترنت، سطحية، بل ومُهملة، نظراً للعواقب الوخيمة المحتملة لهجوم أميركي على المواقع النووية الإيرانية، وفقاً لما وصفه التحليل الإخباري.

لكن هكذا يتصرف. يُريد أن يُبقي الأصدقاء والأعداء في حيرة. لقد أثبت أنه يعتقد أن عدم القدرة على التنبؤ، والتقلب - وهما عاملان يسعى معظم الرؤساء إلى تجنبهما في أزمات الأمن القومي - يمنحانه ميزةً رئيسيةً.

هل يُخطط ترمب لحالات الطوارئ؟

لقد خشِي منتقدو ترمب اللحظة التي سيواجه فيها نوع الأزمة الدولية الذي تجنَّبه إلى حدٍ كبير خلال ولايته الأولى. ولأسلوبه عيوبٌ خطيرة.

لم تكتسب إدارته ثقة الشعب الأميركي بعد، ولم تشرح سبب تغييرها المفاجئ لرأيها بأن إيران لا تُصنّع سلاحاً نووياً. والآن، يقول ترمب إنه على بُعد أسابيع من ذلك. ولا توجد أي إشارة إلى أن الإدارة تنوي طلب تفويض من الكونغرس لشنِّ حرب جديدة محتملة ضد إيران - كما ينصّ الدستور.

كما أنها ترفض الإفصاح عمّا إذا كانت قد حسمت أمرها بشأن كيفية تأثير هجوم على محطة «فوردو» النووية الإيرانية على منطقة خطرة، وما إذا كانت لديها أي استراتيجية للخروج.

ويشير التحليل لشبكة «سي إن إن» إلى أنه قد تكون خطط الرئيس الأميركي غامضة. لكن حساباته بسيطة.

وعليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية، بقدراتٍ فريدةٍ لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المحتملة

أفادت شبكة «سي إن إن»، أمس (الأربعاء)، بأن ترمب منشغل بإيجاد طريقة لضرب أهداف رئيسية للبرنامج النووي الإيراني دون الانجرار إلى حرب شاملة. وذكرت مصادر مطلعة على الأمر أنه يريد تجنب الصراعات المفتوحة مثل تلك التي شهدها العراق وأفغانستان، التي تعهد بتجنبها.

هناك بعض المنطق في موقفه. لا أحد يتوقع من ترمب إرسال قوات أميركية إلى الميدان، فقد تكون هدفاً مباشراً في إيران، كما حدث في العراق وأفغانستان. فلم تُثر غارة اغتيال ترمب، التي أودت بحياة رئيس الاستخبارات الإيراني قاسم سليماني، خلال ولايته الأولى، غضباً عارماً تجاه الأهداف الأميركية كما توقع كثير من المحللين. كما أن القواعد الأميركية في المنطقة مُحصَّنة بشكل كبير ضد الهجمات الصاروخية. وهناك أيضاً بعض التساؤلات حول مدى قدرة الجيش الإيراني المُنهك على توجيه ضرباته الآن للولايات المتحدة وإسرائيل.

سيكون هذا الأمر مُقلقاً في حد ذاته. ولكن بعد تاريخ واشنطن الكارثي في ​​الغرق في مستنقعات ناجمة عن تخطيط غير كافٍ لليوم التالي بعد بدايات صادمة ومرعبة، فلاشك أن القلق يزداد.

كما أن خداع ترمب المُتكرر وأسلوب قيادته المُتّبِع «سياسة الأرض المحروقة» يعنيان أن ملايين الأميركيين سيحتاجون إلى أكثر من مجرد كلامه للثقة في أي قرار بشنِّ عمل عسكري.

قد تكون خططه غامضة... لكن حساباته بسيطة

يشير التحليل إلى أنه عليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية بقدرات فريدة لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المُحتملة؛ مثل هجمات إيرانية على قواعد أميركية في الشرق الأوسط، وهجمات إرهابية مُحتملة على أهداف أميركية، وموجة صادمة قد تزعزع استقرار العالم في حال انهيار النظام في طهران.

التطورات الأخيرة تُنذر بالسوء. مجموعة ثالثة من حاملات الطائرات الأميركية تتجه نحو الشرق الأوسط. تتصاعد حدة حرب كلامية شرسة بين ترمب وقادة إيران الدينيين. ويجتمع الرئيس يومياً في غرفة العمليات مع كبار مساعديه للأمن القومي.

«قد أفعل ذلك... وقد لا أفعل»

لم يعد العالم المُراقب أكثر حكمةً بعد الظهور العلني للرئيس، أمس (الأربعاء)، قائلاً: «أعني، أنتم لا تعلمون أنني سأفعل ذلك. أنتم لا تعلمون. قد أفعله، وقد لا أفعله. أعني، لا أحد يعلم ما سأفعله»، هذا ما قاله ترمب للصحافيين الذين سألوه عن خططه تجاه إيران في أثناء كشفه عن ساريتي علم ضخمتين في البيت الأبيض. «لا شيء ينتهي حتى ينتهي. كما تعلمون، الحرب معقدة للغاية. يمكن أن تحدث أشياء سيئة كثيرة. تحدث الكثير من المنعطفات».

لاحقاً، في المكتب البيضاوي، صرَّح ترمب لمراسلة شبكة «سي إن إن»، كايتلان كولينز، بأنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن ما سيفعله، إذ تحاصره ضغوط من الإسرائيليين للتحرك، وتحذيرات مؤيديه للبقاء بعيداً عن الحروب الخارجية.

وأضاف: «لديّ أفكار بشأن ما سأفعله، لكنني لم أتخذ قراراً نهائياً بعد. أحب أن أتخذ القرار النهائي قبل ثانية واحدة من موعده، كما تعلمون، لأن الأمور تتغير».

قلق الديمقراطيين من افتقار ترمب للدقة

قال السيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، آدم شيف، في برنامج «غرفة العمليات»: «من الواضح أن تفكيره غير واضح حالياً. أعتقد أنه كان متردداً بعض الشيء بشأن إيران، وهو أمر أفهمه».

وصرَّح شيف، رداً على أحد تصريحات ترمب الصحافية المتقطعة: «هذا قرار صعب. لكنني لا أعتقد أننا حصلنا على كثير من التوجيهات بشأن ما إذا كان متفائلاً بشأن احتمال توجيه ضربة محتملة لإيران في المحادثات مع إيران». وأضاف: «كان الأمر غامضاً للغاية، مثل تدفق الأفكار المعتاد».

هناك لبس حول تضارب تقييمات الاستخبارات في الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن التقدم النووي الإيراني. السيناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، مارك وارنر، عضو في مجموعة من كبار المُشرِّعين الذين يُمنحون حق الوصول إلى أكثر المعلومات السرية حساسية، قال لشبكة «سي إن إن»: «أنا عضو... في مجموعة الثمانية. من المفترض أن نعرف... ليست لدي أدنى فكرة عن خطط هذه الإدارة أو عن السياسة الخارجية تجاه إيران».

تزداد أهمية مسألة خطط الطوارئ التي وضعتها الإدارة. لكن لا تتوقع أي تفاصيل.

واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث، السيناتورة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان، إليسا سلوتكين، خلال جلسة استماع، الأربعاء. وتتحدَّث سلوتكين من واقع خبرتها: كانت ضابطة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وأكملت جولات قتالية في بغداد بعد فشل إدارة جورج دبليو بوش في التخطيط لكيفية تحقيق السلام في العراق.

سألت سلوتكين: «هل أعددت أي تخطيط لليوم التالي؟» أي حماية عسكرية، أي استخدام للقوات البرية، في إيران، ردَّ هيغسيث بازدراء. قال: «لدينا خطط لكل شيء، يا سيناتورة».

أظهر ترمب غطرسةً مماثلةً. قال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «لدي خطة لكل شيء، لكننا سنرى ما سيحدث».

يقول الرئيس الأميركي أيضاً إنه منفتح على الدبلوماسية. لكن لا توجد أي علامة على وجود رحلة مكوكية للسلام على غرار جيمس بيكر.

بعيداً عن منح خصمه مخرجاً يحفظ ماء وجهه، يطالب ترمب بالاستسلام الكامل منذ البداية. في حين أن هذا قد يتوافق مع أهداف إسرائيل، إلا أنه أمرٌ غير قابل للتنفيذ بالنسبة للقادة الإيرانيين.

يبدو أن ترمب غالباً ما يعمل في عالم موازٍ. على سبيل المثال، يُصرّ على أن القادة الإيرانيين كانوا يرغبون في اللقاء و«الذهاب إلى البيت الأبيض». نفت إيران بشدة أي تطلعات من هذا القبيل.

وقال نائب وزير الخارجية، مجيد تخت روانجي، لشبكة «سي إن إن»: «نحن لا نتوسَّل من أجل أي شيء. ما دامت العدوان مستمراً، وما دامت هذه الوحشية مستمرةً، فلا يمكننا التفكير في الانخراط».

يشير هذا إلى إحدى نقاط ضعف دبلوماسية ترمب، التي تُفسر أيضاً فشل مساعيه للسلام في أوكرانيا. تُبدي إدارته مهارةً ضئيلةً في خلق فرص وسيناريوهات تفاوضية متعددة الطبقات من شأنها أن تُضعف المواقف المتصلبة. يُطالب ترمب بمطالب مُبالغ فيها. وعندما يعترض المُحاورون، تتوقف العملية تماماً.

لذا، يشير التحليل إلى أنه يبدو أن أميركا في الوقت الحالي تسير على طريق مغامرة أخرى في الشرق الأوسط، بعواقب غير مؤكدة.


مقالات ذات صلة

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

أوروبا إيلون ماسك (رويترز) p-circle

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا، ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين، وكييف توقع مع شركتين من فنلندا لتطوير نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية خاص بها.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)

ترمب: يمكننا إنهاء الحرب مع إيران بسرعة كبيرة

​قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب ‌إن ‌الولايات ​المتحدة ‌تستطيع إنهاء ​الحرب مع إيران بسرعة، لكنه تساءل عما إذا ‌كان ينبغي ‌لواشنطن ​السعي ‌إلى إنهائها ‌سريعاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

تواجه الحكومة العراقية اختباراً لجهودها في حصر السلاح بيد الدولة، مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل مسلحة فيها

حمزة مصطفى (بغداد)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يلتقي نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض (رويترز) p-circle

رغم التوترات الأخيرة... زيلينسكي: لا خلاف شخصياً مع ترمب

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أنه لا توجد خلافات شخصية بينه وبين نظيره الأميركي دونالد ترمب، رغم التوترات الحادة التي شهدتها علاقتهما مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يلتقي الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في المنطقة المنزوعة السلاح التي تفصل بين الكوريتين عام 2019 (رويترز)

تقرير: تضاؤل فرص عقد لقاء بين ترمب وزعيم كوريا الشمالية هذا العام

كشفت مصادر مطلعة أن المسؤولين ​الأميركيين والكوريين الجنوبيين يرون أن فرص عقد لقاء بين الرئيس دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون هذا ‌العام تتضاءل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البيت الأبيض: ميلانيا ترمب تتوصل لاتفاق هدنة في مدينة بجنوب أوكرانيا

ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: ميلانيا ترمب تتوصل لاتفاق هدنة في مدينة بجنوب أوكرانيا

ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)

أعلن البيت الأبيض، ​اليوم الجمعة، أن ميلانيا ترمب نجحت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين روسيا ‌وأوكرانيا في ‌مدينة ​أوليشكي ‌بجنوب أوكرانيا، ​على أن يبدأ سريانه في 29 أكتوبر (تشرين الأول).

وذكر البيت الأبيض أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا ‌على ‌وقف مؤقت لجميع ​العمليات ‌العسكرية في ‌أوليشكي، للسماح بدخول المساعدات الإنسانية والتحضير لإجلاء المدنيين عبر ‌ممر آمن مخصص لهذا الغرض.

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»، أن السيدة الأولى وممثلاً لها عملا بشكل مباشر مع القيادتين الروسية والأوكرانية للتوصل إلى وقف إطلاق النار في المدينة.


ترمب يكثّف تحركاته الانتخابية دفاعاً عن مجلس الشيوخ

يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

ترمب يكثّف تحركاته الانتخابية دفاعاً عن مجلس الشيوخ

يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

لا تقتصر أهمية السيطرة على مجلس الشيوخ الأميركي في الانتخابات النصفية على تحديد الحزب الذي سيفوز بالأغلبية هناك، بل تمتد إلى قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته الثانية. فالمجلس الذي يصادق على تعيينات الوزراء وكبار المسؤولين والقضاة، ويملك صلاحيات واسعة في الرقابة والمساءلة، ويوافق على المعاهدات الدولية، يشكّل أحد أهم مفاتيح السلطة بالنسبة إلى البيت الأبيض. وخسارته قد تعني عرقلة تعيينات ترمب الحكومية والقضائية، وفتح جبهة جديدة من التحقيقات في سياسات إدارته.

يستعرض «تقرير واشنطن» وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» أهمية سباق مجلس الشيوخ ودوره التشريعي، بالإضافة إلى تأثيره على أجندة ترمب.

معركة محتدمة

مناصرو ترمب في حدث انتخابي في أيوا 22 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تزداد أهمية معركة مجلس الشيوخ مع ترجيحات بانتقال الأغلبية في مجلس النواب إلى الديمقراطيين، ما يجعل احتفاظ الجمهوريين به ضرورة سياسية لترمب، وليس مجرد انتصار انتخابي. وهو ما يفسّر حضوره المكثّف في ولايات يسعى حزبه للدفاع عن مقاعده فيها، بعدما امتدت المنافسة الديمقراطية إلى معاقل جمهورية، لم تكن مهددة قبل أشهر قليلة.

وفي هذا السياق، اعتبر جيك مكوبي، المستشار السابق في حملة هيلاري كلينتون الانتخابية والمستشار الاستراتيجي السابق في وزارة العدل، أن خسارة المجلس «ستشكّل ضربة كبيرة لنفوذ الرئيس، خصوصاً على الصعيد القضائي»، ويقول إن «الأمر لا يقتصر على مجرد سلسلة من التحقيقات، بل يشمل قدرة المجلس على المصادقة على تعيينات ترمب»، مشيراً إلى أن المحافظين «بنوا جانباً مهماً من نفوذهم خلال العقدين الماضيين عبر تعيين قضاة محافظين في المحاكم الفيدرالية». وأضاف أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ قد تمنع ترمب من تعيينات جديدة في المحكمة العليا.

أما جون بينيت، مراسل البيت الأبيض في صحيفة «سي كيو رول كول»، فركّز على تداعيات خسارة الأغلبية على الرقابة التشريعية، محذّراً من «أن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين قد تضع البيت الأبيض أمام تحقيقات متتالية تستنزف الإدارة سياسياً وقانونياً». لكنه استبعد أن يتمكن الديمقراطيون من تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لإدانة ترمب وعزله في مجلس الشيوخ، حتى لو أطلق مجلس النواب إجراءات عزله.

حسابات الأغلبية

المرشح الجمهوري في ميشغان مايك روجرز مع الناخبين 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

يملك الجمهوريون حالياً 53 مقعداً في مجلس الشيوخ، مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم. ويتنافس المرشحون في انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني) على 35 مقعداً، بينها انتخابات خاصة في فلوريدا وأوهايو.

ولانتزاع الأغلبية، يحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ بـ4 مقاعد، لأن التعادل بـ50 مقعداً لكل حزب يمنح نائب الرئيس جاي دي فانس الصوت الحاسم لصالح الجمهوريين. لكن ما كان يبدو مهمة شبه مستحيلة في بداية الدورة الانتخابية، بات اليوم احتمالاً مطروحاً، بعدما رفع «تقرير كوك السياسي» عدد السباقات المتأرجحة إلى سبعة، ستة منها على مقاعد يشغلها الجمهوريون، مقابل مقعد ديمقراطي واحد في ميشيغان.

و يرفض بو روثتشايلد، المدير السابق للتنسيق لدى الجمهوريين في الكونغرس، اعتبار حزبه في مأزق، مشككاً في «دقة» استطلاعات الرأي التي تظهر تقدم الديمقراطيين، واعتبر أن النتيجة ستكون متقاربة، مرجحاً احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في المجلس. من ناحيته، يرى مكوبي أن فرص الديمقراطيين «أفضل مما كانت عليه قبل بضعة أشهر»، موضحاً أن التوقعات في بداية الدورة الانتخابية كانت تقتصر على إمكانية تقليص الأغلبية الجمهورية، بينما كان الجمهوريون يطمحون إلى توسيع هذه الأغلبية.

المعركة تمتد إلى المعاقل الجمهورية

الجمهورية سوزان كولينز والديمقراطي تروي جاكس،ن في مناظرة في ماين في 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تتركز السباقات السبعة المتأرجحة في ولايات مين وأوهايو وتكساس وألاسكا وآيوا وكانساس وميشيغان، مع سباقات أخرى يراقبها الحزبان، أبرزها كارولينا الشمالية. وفي ماين، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تشغل مقعدها منذ عام 1997 الديمقراطي تروي جاكسون. ورغم التحديات، حذّر بينيت من «الاستهانة بقدرتها على تجاوز المنافسات الصعبة»، مشيراً إلى «أنها دائماً ما تفوز سياسياً». أما في أيوا وكانساس، فتبرز القضايا الاقتصادية عاملاً رئيسياً في تهديد المقاعد الجمهورية. وحمّل مكوبي سياسات ترمب مسؤولية تراجع التأييد الجمهوري، معتبراً أن الرسوم الجمركية والحرب مع إيران ساهمتا في ارتفاع الأسعار، ما ألحق أضراراً بالمزارعين والقطاعات الاقتصادية في هذه الولايات. وأشار إلى أن انتزاع الديمقراطيين مقاعد في ولايات جمهورية تقليدية قد تكون له تداعيات تتجاوز الانتخابات الحالية، لأن أعضاء مجلس الشيوخ يُنتخبون لـ6 سنوات، ما يسمح للحزب الديمقراطي بتعزيز حضوره السياسي على المدى الطويل.

تكساس معقل الجمهوريين

المرشح الجمهوري في تكساس كين باكستون في 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)

تكتسب تكساس أهمية خاصة في حسابات الحزبين، حيث يواجه الجمهوري كين باكستون، الديمقراطي جيمس تالاريكو في ولاية لم تنتخب ديمقراطياً لمجلس الشيوخ منذ عام 1988. وأقرّ روثتشايلد بصعوبة المنافسة، مشيراً إلى أن باكستون خرج من انتخابات تمهيدية شديدة التنافس، وأن الجمهوريين يواجهون تحدياً في تعبئة الناخبين. لكنه اعتبر، أن مفتاح السباق يكمن في نسبة المشاركة، خاصة في المناطق الريفية التي تشكّل قاعدة رئيسية للجمهوريين، مقابل المدن الكبرى وضواحيها التي يسعى الديمقراطيون إلى تعزيز نتائجهم فيها. وحذّر من أن ارتفاع التأييد لتالاريكو في بعض ضواحي هيوستن ودالاس وأوستن قد يجعل ليلة الانتخابات «ليلة طويلة جداً للجمهوريين».

وفي كارولينا الشمالية، قدّم بينيت تقييماً أكثر تشاؤماً لفرص الجمهوريين، قائلاً إن الانطباع السائد لدى مسؤولين جمهوريين تحدث إليهم، حتى داخل البيت الأبيض، «هو أن فرص الحزب تراجعت، وأن الديمقراطي روي كوبر قد يكون السيناتور المقبل عن الولاية».

ميشيغان وألاسكا مقعد حاسم ونتائج قد تتأخر

ترمب مع المرشح الجمهوري في الاسكا دان سوليفان في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

في المقابل، يخوض الديمقراطيون معركة دفاعية مهمة في ميشيغان، حيث يواجه عبد الرحمن السيد، الجمهوري مايك روجرز، وخسارة هذا المقعد تعني أن على الديمقراطيين انتزاع 5 مقاعد جمهورية بدلاً من 4 لتحقيق الأغلبية.

ورأى روثتشايلد أن روجرز نجح في مخاطبة مؤيدي ترمب وبعض معارضيه، معتبراً أن لديه فرصة جدية للفوز.

أما ألاسكا، فقد تتحول إلى إحدى الولايات التي تؤخر حسم الأغلبية بسبب فارق التوقيت ونظام التصويت فيها. وأشار مكوبي إلى تحدٍّ إضافي يتمثل في وجود مرشح آخر يحمل اسم السيناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان، ما قد يربك بعض الناخبين في سباقه أمام الديمقراطية ماري بيلتولا. أما بينيت، فقد حذّر من احتمال عدم إعلان نتائج بعض السباقات ليلة الانتخابات، وربما امتداد المنافسة إلى المحاكم إذا كانت الفوارق ضئيلة.

ترمب والجمهوريون

ترمب على مسرح حدث انتخابي في أيوا 22 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

مع اشتداد المنافسة، كثّف ترمب مشاركته في التجمعات الانتخابية لدعم المرشحين الجمهوريين، خاصة في الولايات التي يحتاج فيها الحزب إلى رفع نسبة المشاركة. لكن تأثير هذا الحضور يشكل موضع جدل. فقد اعتبر مكوبي أن ظهور ترمب «سيأتي بنتائج عكسية، لأنه يذكّر الناخبين بسياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية وارتفاع الأسعار والحرب مع إيران»، وهي ملفات يستخدمها الديمقراطيون في حملاتهم ضد الجمهوريين.

أما روثتشايلد فأقرّ بأن ترمب «قد يشكّل عبئاً على بعض المرشحين»، لكنه شدّد على قدرته على حشد قاعدته الانتخابية، خصوصاً في المناطق الريفية.

في المقابل، تساءل بينيت عن مدى فاعلية تجمعات الرئيس الحالية، معتبراً أنها تختلف عن تلك التي شهدتها حملاته السابقة، وأن الخطابات المطوّلة التي يركز فيها ترمب على نفسه قد لا تكون كافية لإقناع الناخبين القلقين من ارتفاع الأسعار.

وبينما يتوقع روثتشايلد احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية، قدّم مكوبي توقعاً معاكساً، مرجحاً وصول الديمقراطيين إلى 51 مقعداً، لكن أياً تكن النتيجة، فإن معركة مجلس الشيوخ ستحدد جانباً أساسياً من علاقة ترمب بالكونغرس خلال العامين المقبلين. فخسارة مجلس النواب قد تفتح الباب أمام تحقيقات ومواجهات تشريعية. أما خسارة مجلس الشيوخ أيضاً، فستحرم الرئيس من إحدى أهم الأدوات التي يحتاج إليها لمواصلة تنفيذ أجندته، خاصة على مستوى التعيينات الحكومية والقضائية.


محاكمة أميركية متهمة بالتدرّب مع «داعش»... والدفاع يقول إن والدها استدرجها إلى سوريا

حليمة سلمان تغطّي وجهها أثناء مغادرتها المحكمة الفيدرالية في حي بروكلين بمدينة نيويورك يوم 21 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حليمة سلمان تغطّي وجهها أثناء مغادرتها المحكمة الفيدرالية في حي بروكلين بمدينة نيويورك يوم 21 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

محاكمة أميركية متهمة بالتدرّب مع «داعش»... والدفاع يقول إن والدها استدرجها إلى سوريا

حليمة سلمان تغطّي وجهها أثناء مغادرتها المحكمة الفيدرالية في حي بروكلين بمدينة نيويورك يوم 21 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حليمة سلمان تغطّي وجهها أثناء مغادرتها المحكمة الفيدرالية في حي بروكلين بمدينة نيويورك يوم 21 أكتوبر 2026 (أ.ب)

صرّحت محامية دفاع أمام هيئة محلفين، الخميس، بأن شابة من نيويورك، متهمة بتلقي تدريبات على استخدام الأسلحة من تنظيم «داعش»، كانت ضحية لخديعة دبّرها والدها، إذ استدرجها للسفر إلى سوريا، حيث أُجبرت وهي مراهقة على الزواج من أحد مقاتلي التنظيم، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

ووفقاً للمحامية ميا آيسنر غرينبرغ، فإن حليمة سلمان، وهي مواطنة أميركية وُلدت في بروكلين، كانت تبلغ من العمر 17 عاماً عندما اصطحب والدها العائلة إلى تركيا في عام 2017، ثم وضعها في شاحنة، دون إخبارها بوجهتهم، وتوجّه بها إلى سوريا، حيث حاصرت الشاحنة مجموعة من المسلحين.

وهناك، وجدت حليمة نفسها عالقة في خضم الحرب الأهلية السورية، حيث قضت ثلاثة أشهر محبوسة في غرفة، بينما كانت أصوات القنابل التي تضرب أهدافاً قريبة تُسمع باستمرار. أما والدها، الذي كان متعاطفاً مع تنظيم «داعش»، فقد لقي حتفه متأثراً بإصابته في قصف عام 2018، لكنه كان قد رتّب قبل وفاته زواجها من أحد عناصر التنظيم عند بلوغها سن الثامنة عشرة. وفي عام 2019، احتُجزت حليمة في بلدة الباغوز السورية على يد قوات مناهضة لتنظيم «داعش».

وعند عودتها إلى الولايات المتحدة في عام 2024، أُلقي القبض عليها ووُجّهت إليها تهمة تلقّي تدريبات عسكرية طوعاً مع تنظيم «داعش» في عام 2018، حين كانت تبلغ من العمر 18 عاماً.

وقالت آيسنر غرينبرغ لهيئة المحلفين يوم الخميس: «برّئوها من التهم الموجّهة إليها»، بينما كانت حليمة تمسح دموعها بملابسها. وأضافت المحامية أن حليمة «عاشت جحيماً لا يُطاق» منذ مغادرتها نيويورك، حيث كانت في صغرها عضواً في منظمة «فتيات الكشافة» (Girl Scouts) وتلقت تدريبات في الخياطة والأعمال اليدوية.

في المقابل، يصرّ الادعاء على أن حليمة كانت تتمتع بقدر أكبر من حرية الاختيار في سوريا مما تدعيه.

وفي مرافعتها الختامية يوم الأربعاء، وصفت مساعدة المدعي العام الأميركي، أماندا شامي، حليمة، التي تبلغ الآن 27 عاماً، بأنها غير صادقة وتجيد التلاعب.

رسم لمحاكمة حليمة سلمان المتهمة بتلقي تدريبات عسكرية مع تنظيم «داعش» أمام محكمة اتحادية في بروكلين بنيويورك يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)

تدريبات مع «داعش»

وذكرت شامي أن حليمة بايعت تنظيم «داعش»، وأرسلت لزوجها آنذاك صورة لها وهي تحمل راية التنظيم. كما ظهرت في مقطع فيديو صوّره زوجها وهي تحمل بندقية هجومية، كانت قد تلقت تدريباً على استخدامها. عُرض على أعضاء هيئة المحلّفين مقطع فيديو قصير.

وخلال المحاكمة، صعدت سلمان إلى منصة الشهود وأدلت بشهادتها قائلة إن زواجها كان سيئاً قبل مغادرتها سوريا وطلاقها من زوجها. لكن المدعي العام، شامي، شكك في هذا الادعاء، مستشهداً برسالتين نصيتين مليئتين بالمودة أرسلتهما سلمان إلى زوجها.

وقال شامي: «تصريحاتها أمام المحكمة لا تبدو منطقية».

من جانبها، قالت آيسنر غرينبيرغ إن الحكومة كانت محقة في التحقيق مع سلمان بعد عودتها من سوريا، لكن كان ينبغي ألا توجّه إليها تهماً، لا سيما بعد أن فشلت في العثور على أي شخص رأى سلمان وهي تتلقى تدريبات على استخدام الأسلحة. وأضافت أن الادعاء لم يتمكن من إثبات أن سلمان أبدت يوماً اهتماماً جدياً بتنظيم «داعش»، الذي صنّفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية.

وقالت آيسنر غرينبيرغ لهيئة المحلفين: «يمكنكم العودة بعد خمس دقائق بقرار يقضي ببراءتها»، واصفةً إجراءات الادعاء بأنها «إجحاف جسيم بالعدالة».

وقد بدأت هيئة المحلفين مداولاتها يوم الخميس.