ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
TT

ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)

شنَّت إسرائيل هجمات على إيران لليلة السابعة على التوالي، اليوم (الخميس)، في حين لم يستبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إمكان دخول الولايات المتحدة الحرب؛ للقضاء على البرنامج النووي لطهران. ولدى سؤاله عمّا إذا قرَّر توجيه ضربات أميركية إلى إيران، أشار ترمب إلى أنه لا يسعى للقتال، لكنه أضاف: «إذا كان الخيار هو القتال أو حيازتهم قنبلة نووية، فيجب أن أفعل ما يلزم. وربما لا نحتاج إلى القتال».

وسيتم إطلاعه على مستجدات الحرب اليوم، وهو يوم عطلة رسمية في الولايات المتحدة، في غرفة العمليات، حيث تُتَّخذ غالبية القرارات العسكرية حساسية.

ويقول تحليل إخباري لشبكة «سي إن إن» الإخبارية، إنّ تهويل الرئيس الأميركي قبل اتخاذ أصعب قرار أمني قومي في أيٍّ من ولايتيه الرئاسيتين لا يُقارن بتاتاً بالمناورات الحربية المعقدة، والتحريك الدقيق للرأي العام الذي يتطلبه معظم القادة العسكريين قبل إرسال الأميركيين للقتال.

وتبدو خطب ترمب وتعليقاته غامضة، أمام الكاميرات وعلى الإنترنت، سطحية، بل ومُهملة، نظراً للعواقب الوخيمة المحتملة لهجوم أميركي على المواقع النووية الإيرانية، وفقاً لما وصفه التحليل الإخباري.

لكن هكذا يتصرف. يُريد أن يُبقي الأصدقاء والأعداء في حيرة. لقد أثبت أنه يعتقد أن عدم القدرة على التنبؤ، والتقلب - وهما عاملان يسعى معظم الرؤساء إلى تجنبهما في أزمات الأمن القومي - يمنحانه ميزةً رئيسيةً.

هل يُخطط ترمب لحالات الطوارئ؟

لقد خشِي منتقدو ترمب اللحظة التي سيواجه فيها نوع الأزمة الدولية الذي تجنَّبه إلى حدٍ كبير خلال ولايته الأولى. ولأسلوبه عيوبٌ خطيرة.

لم تكتسب إدارته ثقة الشعب الأميركي بعد، ولم تشرح سبب تغييرها المفاجئ لرأيها بأن إيران لا تُصنّع سلاحاً نووياً. والآن، يقول ترمب إنه على بُعد أسابيع من ذلك. ولا توجد أي إشارة إلى أن الإدارة تنوي طلب تفويض من الكونغرس لشنِّ حرب جديدة محتملة ضد إيران - كما ينصّ الدستور.

كما أنها ترفض الإفصاح عمّا إذا كانت قد حسمت أمرها بشأن كيفية تأثير هجوم على محطة «فوردو» النووية الإيرانية على منطقة خطرة، وما إذا كانت لديها أي استراتيجية للخروج.

ويشير التحليل لشبكة «سي إن إن» إلى أنه قد تكون خطط الرئيس الأميركي غامضة. لكن حساباته بسيطة.

وعليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية، بقدراتٍ فريدةٍ لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المحتملة

أفادت شبكة «سي إن إن»، أمس (الأربعاء)، بأن ترمب منشغل بإيجاد طريقة لضرب أهداف رئيسية للبرنامج النووي الإيراني دون الانجرار إلى حرب شاملة. وذكرت مصادر مطلعة على الأمر أنه يريد تجنب الصراعات المفتوحة مثل تلك التي شهدها العراق وأفغانستان، التي تعهد بتجنبها.

هناك بعض المنطق في موقفه. لا أحد يتوقع من ترمب إرسال قوات أميركية إلى الميدان، فقد تكون هدفاً مباشراً في إيران، كما حدث في العراق وأفغانستان. فلم تُثر غارة اغتيال ترمب، التي أودت بحياة رئيس الاستخبارات الإيراني قاسم سليماني، خلال ولايته الأولى، غضباً عارماً تجاه الأهداف الأميركية كما توقع كثير من المحللين. كما أن القواعد الأميركية في المنطقة مُحصَّنة بشكل كبير ضد الهجمات الصاروخية. وهناك أيضاً بعض التساؤلات حول مدى قدرة الجيش الإيراني المُنهك على توجيه ضرباته الآن للولايات المتحدة وإسرائيل.

سيكون هذا الأمر مُقلقاً في حد ذاته. ولكن بعد تاريخ واشنطن الكارثي في ​​الغرق في مستنقعات ناجمة عن تخطيط غير كافٍ لليوم التالي بعد بدايات صادمة ومرعبة، فلاشك أن القلق يزداد.

كما أن خداع ترمب المُتكرر وأسلوب قيادته المُتّبِع «سياسة الأرض المحروقة» يعنيان أن ملايين الأميركيين سيحتاجون إلى أكثر من مجرد كلامه للثقة في أي قرار بشنِّ عمل عسكري.

قد تكون خططه غامضة... لكن حساباته بسيطة

يشير التحليل إلى أنه عليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية بقدرات فريدة لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المُحتملة؛ مثل هجمات إيرانية على قواعد أميركية في الشرق الأوسط، وهجمات إرهابية مُحتملة على أهداف أميركية، وموجة صادمة قد تزعزع استقرار العالم في حال انهيار النظام في طهران.

التطورات الأخيرة تُنذر بالسوء. مجموعة ثالثة من حاملات الطائرات الأميركية تتجه نحو الشرق الأوسط. تتصاعد حدة حرب كلامية شرسة بين ترمب وقادة إيران الدينيين. ويجتمع الرئيس يومياً في غرفة العمليات مع كبار مساعديه للأمن القومي.

«قد أفعل ذلك... وقد لا أفعل»

لم يعد العالم المُراقب أكثر حكمةً بعد الظهور العلني للرئيس، أمس (الأربعاء)، قائلاً: «أعني، أنتم لا تعلمون أنني سأفعل ذلك. أنتم لا تعلمون. قد أفعله، وقد لا أفعله. أعني، لا أحد يعلم ما سأفعله»، هذا ما قاله ترمب للصحافيين الذين سألوه عن خططه تجاه إيران في أثناء كشفه عن ساريتي علم ضخمتين في البيت الأبيض. «لا شيء ينتهي حتى ينتهي. كما تعلمون، الحرب معقدة للغاية. يمكن أن تحدث أشياء سيئة كثيرة. تحدث الكثير من المنعطفات».

لاحقاً، في المكتب البيضاوي، صرَّح ترمب لمراسلة شبكة «سي إن إن»، كايتلان كولينز، بأنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن ما سيفعله، إذ تحاصره ضغوط من الإسرائيليين للتحرك، وتحذيرات مؤيديه للبقاء بعيداً عن الحروب الخارجية.

وأضاف: «لديّ أفكار بشأن ما سأفعله، لكنني لم أتخذ قراراً نهائياً بعد. أحب أن أتخذ القرار النهائي قبل ثانية واحدة من موعده، كما تعلمون، لأن الأمور تتغير».

قلق الديمقراطيين من افتقار ترمب للدقة

قال السيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، آدم شيف، في برنامج «غرفة العمليات»: «من الواضح أن تفكيره غير واضح حالياً. أعتقد أنه كان متردداً بعض الشيء بشأن إيران، وهو أمر أفهمه».

وصرَّح شيف، رداً على أحد تصريحات ترمب الصحافية المتقطعة: «هذا قرار صعب. لكنني لا أعتقد أننا حصلنا على كثير من التوجيهات بشأن ما إذا كان متفائلاً بشأن احتمال توجيه ضربة محتملة لإيران في المحادثات مع إيران». وأضاف: «كان الأمر غامضاً للغاية، مثل تدفق الأفكار المعتاد».

هناك لبس حول تضارب تقييمات الاستخبارات في الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن التقدم النووي الإيراني. السيناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، مارك وارنر، عضو في مجموعة من كبار المُشرِّعين الذين يُمنحون حق الوصول إلى أكثر المعلومات السرية حساسية، قال لشبكة «سي إن إن»: «أنا عضو... في مجموعة الثمانية. من المفترض أن نعرف... ليست لدي أدنى فكرة عن خطط هذه الإدارة أو عن السياسة الخارجية تجاه إيران».

تزداد أهمية مسألة خطط الطوارئ التي وضعتها الإدارة. لكن لا تتوقع أي تفاصيل.

واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث، السيناتورة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان، إليسا سلوتكين، خلال جلسة استماع، الأربعاء. وتتحدَّث سلوتكين من واقع خبرتها: كانت ضابطة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وأكملت جولات قتالية في بغداد بعد فشل إدارة جورج دبليو بوش في التخطيط لكيفية تحقيق السلام في العراق.

سألت سلوتكين: «هل أعددت أي تخطيط لليوم التالي؟» أي حماية عسكرية، أي استخدام للقوات البرية، في إيران، ردَّ هيغسيث بازدراء. قال: «لدينا خطط لكل شيء، يا سيناتورة».

أظهر ترمب غطرسةً مماثلةً. قال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «لدي خطة لكل شيء، لكننا سنرى ما سيحدث».

يقول الرئيس الأميركي أيضاً إنه منفتح على الدبلوماسية. لكن لا توجد أي علامة على وجود رحلة مكوكية للسلام على غرار جيمس بيكر.

بعيداً عن منح خصمه مخرجاً يحفظ ماء وجهه، يطالب ترمب بالاستسلام الكامل منذ البداية. في حين أن هذا قد يتوافق مع أهداف إسرائيل، إلا أنه أمرٌ غير قابل للتنفيذ بالنسبة للقادة الإيرانيين.

يبدو أن ترمب غالباً ما يعمل في عالم موازٍ. على سبيل المثال، يُصرّ على أن القادة الإيرانيين كانوا يرغبون في اللقاء و«الذهاب إلى البيت الأبيض». نفت إيران بشدة أي تطلعات من هذا القبيل.

وقال نائب وزير الخارجية، مجيد تخت روانجي، لشبكة «سي إن إن»: «نحن لا نتوسَّل من أجل أي شيء. ما دامت العدوان مستمراً، وما دامت هذه الوحشية مستمرةً، فلا يمكننا التفكير في الانخراط».

يشير هذا إلى إحدى نقاط ضعف دبلوماسية ترمب، التي تُفسر أيضاً فشل مساعيه للسلام في أوكرانيا. تُبدي إدارته مهارةً ضئيلةً في خلق فرص وسيناريوهات تفاوضية متعددة الطبقات من شأنها أن تُضعف المواقف المتصلبة. يُطالب ترمب بمطالب مُبالغ فيها. وعندما يعترض المُحاورون، تتوقف العملية تماماً.

لذا، يشير التحليل إلى أنه يبدو أن أميركا في الوقت الحالي تسير على طريق مغامرة أخرى في الشرق الأوسط، بعواقب غير مؤكدة.


مقالات ذات صلة

إيران تهدد باستهداف البنى التحتية في الشرق الأوسط بعد مهلة ترمب لفتح «هرمز»

شؤون إقليمية سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز) p-circle

إيران تهدد باستهداف البنى التحتية في الشرق الأوسط بعد مهلة ترمب لفتح «هرمز»

هددت إيران (الأحد) بمهاجمة بنى تحتية رئيسية في أنحاء الشرق الأوسط، بعدما توعَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير محطات الطاقة في إيران ما لم يُفتَح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

أعادت الولايات المتحدة إرسال موارد عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط، شملت سفناً حربية، ومنظومة دفاع جوي، وقوات «مارينز».

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الغواصة البريطانية «إتش إم إس أنسون» في صورة وزعتها وزارة الدفاع البريطانية في 22 فبراير(شباط) الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

تقرير: غواصة بريطانية تعمل بالطاقة النووية تتمركز في بحر العرب

اتَّخذت غواصة بريطانية، تعمل بالطاقة النووية ومُزوَّدة بصواريخ «كروز» من طراز «توماهوك»، موقعاً لها في بحر العرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد باول خلال ترؤسه اجتماع لجنة السوق المفتوحة الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)

باول يواجه هجمات ترمب بـ «إرث فولكر»: الاستقلالية والنزاهة متلازمتان

أشاد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، بـ«استعداد» الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر لمقاومة الضغوط السياسية التي واجهها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يلقي كلمةً خلال مأدبة عشاء مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بقاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض يوم الخميس 19 مارس 2026 في واشنطن (أ.ب)

ترمب يهدد بنشر شرطة الهجرة في المطارات الأميركية

هدّد الرئيس دونالد ترمب السبت بنشر عناصر وكالة الهجرة والجمارك (ICE) لتولّي عمليات التفتيش الأمني في المطارات الأميركية، حيث يمكن أن تمتد فترات الانتظار لساعات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تُغيّر حربُ إيران، حتى الآن، الاستراتيجيةَ الدفاعية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها وضعتها تحت اختبار قاسٍ. فعلى المستوى النظري، ما زال ترتيب الأولويات المعلن قائماً: حماية «الوطن» ونصف الكرة الغربي وفق مقاربة «ملحق ترمب» لـ«عقيدة مونرو»، ثم ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، مع تخفيف التورط الطويل والمكلف في الشرق الأوسط.

لكن على المستوى العملي، بدا أن واشنطن اضطرت إلى سحب أصول قتالية، ومنظومات دفاعية، وقوة بحرية - برمائية متقدمة، من المسرح الآسيوي؛ لإسناد الحرب ضدّ إيران. هنا يكمن جوهر الإرباك؛ إذ لم تعد المسألة سجالاً فكرياً بشأن ما إذا كانت آسيا هي الأولوية، بل أصبحت سؤالاً عملياً أكبر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على استراتيجية ردع الصين إذا كانت كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط تفرض على الولايات المتحدة الاقتراض من قواتها الجاهزة في آسيا؟ هذا ما يقلق طوكيو وتايبيه وسيول، ويمنح بكين مادة دعائية ثمينة لتكرار أن «أميركا قوية؛ لكنها ليست دائماً الشريك الذي يمكن التعويل عليه عندما تتزاحم الجبهات».

«أولوية آسيا» لم تعد محصنة

الوثائق الرسمية لا تزال واضحة... فـ«استراتيجية الأمن القومي لعام 2025» تتحدث صراحة عن «ملحق ترمب لعقيدة مونرو» لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، فيما تؤكد «استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026» أن الرهان الرئيسي هو «السلام عبر القوة» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء بحيث يكون الدعم الأميركي «حاسماً لكنه محدود» على المسارح الأخرى.

جنود من مشاة البحرية الأميركية يترجلون من طائرة «أوسبري» خلال تدريب في أوكيناوا باليابان يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

نظرياً، هذا يعني أن الشرق الأوسط ليس ساحة استنزاف دائمة في سياسة ترمب الخارجية، بل هو مسرح يُفترض أن يُدار بضربات حاسمة وتكلفة سياسية وعسكرية أقل من الحروب الطويلة. غير أن حرب إيران كشفت عن حدود هذا الترتيب؛ فالرئيس ترمب يكرر أنه لا يريد «حرباً برية» جديدة، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الولايات المتحدة ستفعل «ما يلزم». فيما أعلنت «رويترز» أن واشنطن تدفع آلافاً إضافيين من المارينز والبحارة إلى الشرق الأوسط، لينضمّوا إلى أكثر من 50 ألف عسكري موجودين أصلاً في المنطقة. هذا التناقض بين خطاب تقليص الانخراط، ووقائع التوسع العملياتي، هو ما يضعف صدقية «الأولوية الآسيوية» في نظر الحلفاء.

ما الذي نُقل من آسيا؟

الحديث لم يقتصر على إمكان نقل بطاريات «باتريوت» من كوريا الجنوبية، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية في شبه الجزيرة الكورية، بل شمل أيضاً قوة بحرية - برمائية متقدمة من اليابان. فقد أكدت تقارير عسكرية أن السفينة الهجومية البرمائية «تريبولي» اتجهت إلى الشرق الأوسط مع عناصر من «الوحدة الـ31» الاستكشافية البحرية، وهي قوة متمركزة في أوكيناوا اليابانية وتُعدّ من أهم أدوات الاستجابة السريعة الأميركية في غرب المحيط الهادئ. كما أظهرت بيانات التتبع عبور مجموعة «تريبولي» المؤلفة من 3 سفن ونحو 2200 من المارينز، مضيق ملقا بجنوب شرقي آسيا في طريقها إلى المنطقة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن هذه القوة صُممت أصلاً لسيناريوهات الجزر والنزاعات الساحلية في آسيا، أي لبيئة قريبة مباشرة من أي أزمة محتملة حول تايوان أو البحار المحيطة باليابان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس الماضي (رويترز)

قلق الحلفاء الآسيويين هنا ليس مبالغاً فيه؛ لأنه لا يتعلق بمجرد سفينة نقل، أو تدوير روتيني للقوات، بل بإعادة توجيه أداة ردع كاملة من مسرح حساس إلى آخر... فـ«تريبولي» ليست مجرد منصة برمائية، بل سفينة هجومية يمكن تشغيلها أيضاً على أنها «حاملة خفيفة»، وقد اختبرت سابقاً مفهوم نشر أعداد كبيرة من مقاتلات «إف35 بي» على متنها. وحين تُسحب هذه القدرة من آسيا، فإن الرسالة لا تُقاس فقط بعدد الجنود، بل بنوعية القوة التي غادرت.

وإلى جانب القوة البرمائية المتقدمة التي تحركت من اليابان، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن واشنطن دفعت أيضاً بتعزيزات برمائية إضافية من كاليفورنيا، تمثلت في مجموعة «بوكسر» البرمائية و«وحدة المارينز الـ11» وقوامها 2500 جندي، بما يدل على أن الحرب لم تعد تقتصر على إعادة توزيع الأصول في آسيا، بل باتت تستدعي قوات إضافية من البر الأميركي نفسه.

نقص الذخائر والجاهزية

هذا هو بالتحديد ما بدأ يلفت نظر مراكز البحث والخبراء. وفق معهد «بروكينغز»، فإن اليابان لن تجد كثيراً من الطمأنينة ما دامت واشنطن تعيد توجيه موارد عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط؛ من السفن إلى منظومات الدفاع الجوي والمارينز في أوكيناوا، عادّةً أن الاضطراب الحالي يصدر من واشنطن نفسها بقدر ما يفرضه الخصوم.

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي الاتجاه نفسه، حذّرت دراسة حديثة من «مكتب المحاسبة» الحكومي الأميركي بأن الجاهزية العسكرية الأميركية تدهورت على مدى العقدين الماضيين؛ بسبب صعوبة الموازنة بين الطلب العملياتي والتحديث والاستدامة.

من جهتها، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أن حرب إيران أدت إلى «تآكل ردع أميركا الصين»؛ لأن الموارد التي تُستهلك في الشرق الأوسط تصبح غير متاحة للمحيط الهادئ؛ من صواريخ الدفاع الجوي، إلى المدمرات وناقلات التزود بالوقود، حتى وسائط الاستطلاع. وتكتسب هذه الحجة وزناً أكبر لأنها لا تنطلق من رفض مبدئي للعمل العسكري، بل من سؤال الجاهزية: كيف يمكن ردع خصم بحجم الصين إذا كانت الصيانة والتدريب والمخزون البعيد المدى كلها تُستنزف في مسارح أخرى؟

ويضاف إلى ذلك بُعد آخر أعلى حساسية، هو استنزاف الذخائر بعيدة المدى. فقد أوردت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن تايوان تراقب بقلق الاستهلاك الأميركي الكثيف لصواريخ «JASSM-ER» و«توماهوك» في حرب إيران، خشية أن يُضعف ذلك الجاهزية الأميركية في أي مواجهة مستقبلية مع الصين.

بكين و«موعد 2027»

في قلب هذا المشهد يبرز عام 2027 بوصفه التاريخ الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بتقديرات بشأن تسارع الجاهزية الصينية حيال تايوان. صحيح أن التقديرات الاستخبارية الأميركية الأحدث قالت إن بكين لا تخطط حالياً لضمّ تايوان في ذلك العام، لكن وزير الدفاع التايواني، ويلينغتون كو، شدّد قبل أيام على أن التهديد الصيني «ضاغط وخطير جداً»، وأن الردع الفعّال هو وحده ما يمكن أن يجعل أي هجوم يبدو عالي التكلفة ومنخفض فرص النجاح. هذا يعني أن المسألة لم تعد تاريخاً جامداً، بل معادلة ردع متغيرة: كلما بدت الولايات المتحدة أعلى عرضة للتشتيت، بدت بكين أكبر ميلاً إلى اختبار حدود هذا الردع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

ومن هنا أيضاً يمكن فهم قلق الحلفاء وتأجيل زيارة ترمب الصين. فقد كان مقرراً أن يناقش ترمب والرئيس الصيني، شي جينبينغ، ملفات: تايوان، والرسوم، والرقائق، والمعادن النادرة... في نهاية هذا الشهر، لكن الحرب على إيران قلبت جدول الأولويات، وأُرجئت الزيارة أسابيع عدة.

بالنسبة إلى اليابان، التي تعتمد بشدة على نفط الخليج وتخشى الصين في آن معاً، تبدو المعادلة أشد تعقيداً: فهي لا تريد إضعاف التحالف مع واشنطن، لكنها لا تريد أيضاً أن يتحول الصراع مع إيران إلى ثقب أسود يبتلع التركيز الأميركي.

الخلاصة أن حرب إيران لم تُلغِ «أولوية الصين» في استراتيجية ترمب، لكنها كشفت عن أنها أولوية قابلة للتغيير وليست محصنة. فحين تُنقل بطاريات دفاع من كوريا الجنوبية، وتتحرك «تريبولي» مع المارينز المرتبطين بأوكيناوا إلى الشرق الأوسط، ويحذر الخبراء من أثر ذلك على الجاهزية والردع، يصبح السؤال أقل تعلقاً بما تقوله واشنطن عن أولوياتها، وأكبر ارتباطاً بما تستطيع فعلاً الحفاظ عليه عندما تتعدد الجبهات. وهذا بالضبط ما تراقبه بكين اليوم، وما يخشاه حلفاء أميركا في آسيا.


ترمب يهدد بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
TT

ترمب يهدد بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)

منح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، القيادة العملياتية للجيش، في بيان نقلته وكالة أنباء فارس «إذا تعرّضت البنية التحتية للنفط والطاقة الإيرانية لهجوم من العدو، فسيتم استهداف كل البنى التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه التابعة للولايات المتحدة والنظام في المنطقة»، من دون أن يحدد أي «نظام» يقصد.


ترمب يهدد بنشر شرطة الهجرة في المطارات الأميركية

الرئيس دونالد ترمب يلقي كلمةً خلال مأدبة عشاء مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بقاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض يوم الخميس 19 مارس 2026 في واشنطن (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلقي كلمةً خلال مأدبة عشاء مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بقاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض يوم الخميس 19 مارس 2026 في واشنطن (أ.ب)
TT

ترمب يهدد بنشر شرطة الهجرة في المطارات الأميركية

الرئيس دونالد ترمب يلقي كلمةً خلال مأدبة عشاء مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بقاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض يوم الخميس 19 مارس 2026 في واشنطن (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلقي كلمةً خلال مأدبة عشاء مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بقاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض يوم الخميس 19 مارس 2026 في واشنطن (أ.ب)

هدّد الرئيس دونالد ترمب السبت بنشر عناصر وكالة الهجرة والجمارك (ICE) لتولّي عمليات التفتيش الأمني في المطارات الأميركية، حيث يمكن أن تمتد فترات الانتظار لساعات بسبب نقص العناصر المتخصصين الذين لا يتقاضون رواتبهم نتيجة الشلل الحكومي الجزئي.

وكتب الرئيس الجمهوري على منصته «تروث سوشال» للتواصل الاجتماعي: «ما لم يوقّع الديمقراطيون من أقصى اليسار فوراً اتفاقاً يتيح لبلدنا، وبخاصة مطاراتنا، أن يعود حراً وآمناً من جديد، فسأقوم بنشر عناصر وكالة الهجرة والجمارك اللامعين والوطنيين في المطارات حيث سيتولّون هم الأمن».

ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بجورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

ودخلت وزارة الأمن الداخلي الأميركية اعتباراً من 14فبراير (شباط)، في إغلاق جزئي يُتوقع أن يستمر لفترة طويلة بسبب عدم إقرار تمويلها، على خلفية الخلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن ممارسات إدارة الهجرة.