ترمب يأمل في اتفاق سلام بين إيران وإسرائيل

مساعٍ لتهدئة التوترات الاقتصادية مع «مجموعة السبع»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل إلى مطار كالغاري الدولي قبل قمة زعماء «مجموعة السبع» في كاناناسكيس وسط أجواء متوترة سياسياً واقتصادياً (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل إلى مطار كالغاري الدولي قبل قمة زعماء «مجموعة السبع» في كاناناسكيس وسط أجواء متوترة سياسياً واقتصادياً (د.ب.أ)
TT

ترمب يأمل في اتفاق سلام بين إيران وإسرائيل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل إلى مطار كالغاري الدولي قبل قمة زعماء «مجموعة السبع» في كاناناسكيس وسط أجواء متوترة سياسياً واقتصادياً (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل إلى مطار كالغاري الدولي قبل قمة زعماء «مجموعة السبع» في كاناناسكيس وسط أجواء متوترة سياسياً واقتصادياً (د.ب.أ)

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب امتحاناً صعباً في تحديد سياسات الولايات المتحدة تجاه الصراع الإسرائيلي الإيراني الذي يزداد اشتعالاً، ويجد نفسه متنازعاً بين الرغبة في إبقاء صورته بوصفه صانع سلام والانجرار إلى حرب إقليمية واسعة وخطرة العواقب.

وتتطلع القوى الاقتصادية في العالم المجتمعة في جبال روكي الكندية لحضور قمة «مجموعة السبع» إلى معرفة توجهات إدارة ترمب في هذا الصراع الذي قد يستمر أسابيع، وفيما يتعلق بالحرب التجارية التي شنها من خلال الرسوم الجمركية. ويشارك ترمب في هذه القمة التي تهيمن عليها الانقسامات حول الشرق الأوسط والتجارة وأوكرانيا.

وتبدأ أعمال القمة مع دخول الصراع بين إسرائيل وإيران يومه الرابع مع انخفاض سقف التوقعات حول إمكانية أن تتوصل الدول السبع إلى أرضية مشتركة حول الأزمة بين إيران وإسرائيل، وحول إمكانية إبرام صفقات تجارية تخفض التوترات والاضطرابات في أسواق المال، وما يمكن أن ينجم من نتائج في لقاءات ترمب الثنائية مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، والرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

ويدرك قادة «مجموعة السبع» المخاطر الأمنية والاقتصادية في هذا الصراع، واحتمالات انجرار دول كثيرة إليه مع مخاطر ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد. وبينما يدعو كل من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، بينما أدان آخرون مثل رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا الهجوم الإسرائيلي على إيران.

ويسعى ترمب جاهداً إلى تجنب خوض حرب مع إيران، لكن عناصر كثيرة قد تدفع الولايات المتحدة إلى الانجرار إلى صراع أعمق يتجاوز دورها الحالي في توفير المساندة اللوجيستية والاستخباراتية والدفاعية لإسرائيل.

سيناريوهات التدخل الأميركي

أصدر الرئيس ترمب تغريدات كثيرة منذ بداية المواجهات بين إسرائيل وإيران ليل الجمعة، بدأت بالإعجاب والإشادة بالضربة الإسرائيلية، ثم نفي وجود أي دور للولايات المتحدة في الهجمات ضد إيران، ثم تهديد لإيران بضرورة استغلال الفرصة والمجيء إلى طاولة المحادثات، وإلا سيكون هناك مزيد من الضربات الإسرائيلية.

وفي أحدث تغريدة تفاءل ترمب بإمكانية الوصول إلى إبرام صفقة، متفاخراً بجهوده الدبلوماسية السابقة في التوصل إلى وقف الصراع بين الهند وباكستان من دون أن يوضح الأسس التي اعتمد عليها في تفاؤله.

ومن المنطقي الارتكاز إلى الاعتبارات السياسية الداخلية وتخوف الأميركيين من الانخراط في حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، وهناك حجج أمن قومي تقوي موقف ترمب في تجنب الانجرار إلى المشاركة في عمليات هجومية أميركية مباشرة في هذا الصراع الذي تصفه إسرائيل بأنه «وجودي».

أفراد الطوارئ يعملون في موقع الاصطدام بعد هجوم صاروخي من إيران على إسرائيل في تل أبيب (رويترز)

وقد تضطر الولايات المتحدة إلى الانجرار إلى هذه الحرب إذا قرر النظام الإيراني مهاجمة قواعد وجنود أميركيين في المنطقة أو أهداف أميركية حول العالم، أو أن تصل طهران إلى حالة من الضعف الشديد الذي قد يغري إسرائيل وصقور الجمهوريين المؤيدين لها والمعارضين لفكرة الجهد الدبلوماسي مع إيران، بدفع ترمب إلى استغلال هذا الضعف، وتوجيه ضربة قاسية وصارمة تقضي على البرنامج النووي، خصوصاً في منشأة فوردو المحصنة تحت الأرض.

ويزداد الضغط على ترمب من داخل حزبه الجمهوري لاتخاذ إجراء لا يمكن لأحد سوى الولايات المتحدة تنفيذه، وهو تدمير موقع فوردو الذي يتجاوز قدرات إسرائيل الجوية. ويردد هذا التيار أن الفرصة لن تتكرر أمام الولايات المتحدة لتدمير قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي، وهذا هو التوقيت الذهبي للقيام بالقضاء على برنامجها النووي والصاروخي، وربما أيضاً المساهمة في إسقاط النظام الإيراني.

ويدعو السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إدارة ترمب إلى مساندة إسرائيل في القضاء على تهديد البرنامج النووي الإيراني بشكل نهائي، وأن أسوأ نتيجة لهذا الصراع هو بقاء القدرات النووية الإيرانية. وقال غراهام لبرنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس» يوم الأحد الماضي: «إذا لم تنجح الدبلوماسية فليس أمامنا سوى خيار القوة، وأنا أحث الرئيس ترمب على بذل قصارى جهده لضمان عدم بقاء أي شيء صامد في إيران يتعلق ببرنامجها النووي بعد انتهاء هذه العملية». وأضاف: «إذا كان ذلك يعني توفير القنابل فليكن، وإذا كان ذلك يعني التعاون مع إسرائيل فليكن».

في المقابل، حذّر السيناتور جاك ريد، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية رود آيلاند والديمقراطي البارز في لجنة القوات المسلحة، من أن نتنياهو أقدم على «تصعيد متهور قد يُشعل فتيل عنف إقليمي»، وشجع ترمب على تجنب التورط في الحرب، قائلاً: «يُحسب لترمب أنه بدا حذراً من التورط في حروب خارجية، ونأمل أن يُظهر ضبط النفس هذه المرة بدلاً من الخوض في صراع مع إيران».

إضعاف إسرائيل

أما الاحتمال الثالث للتدخل الأميركي، فهو أن تنجح رشقات إيران الصاروخية في تحقيق أهداف استراتيجية قوية تجعل وضع إسرائيل ضعيفاً للغاية، بما قد يدفع المشرعين في الكونغرس المؤيدين لإسرائيل واللوبي اليهودي لحث ترمب على تقديم المساعدة السريعة لإسرائيل.

ويقول فريق البيت الأبيض إن الرئيس ترمب متشكك بشدة من إمكانية إقحام الولايات المتحدة في الصراع؛ لأنها خطوة محفوفة بالمخاطر، وتؤدي إلى حرب مفتوحة من دون نهاية واضحة. ويشير محللون إلى أن الفكرة التي تطرحها إسرائيل باحتمالات إسقاط النظام الإيراني - رغم جاذبيتها لبعض صقور الجمهوريين - لكنها تستحضر تجارب سابقة في الشرق الأوسط كما في العراق وسوريا تفيد بالانزلاق إلى الفوضى والتفكك في حال فراغ السلطة.

وعلى الجانب الآخر يخشى ترمب من فقدان قاعدته من المناصرين لشعار أميركا أولاً، والرافضين للانخراط في حروب.

وقد لجأ ترمب إلى عبارات مطاطة في حواره مع مجلة «ذا أتلانتيك» يوم الأحد تشير إلى أنه يجهز حججه السياسية التي قد يضطر لاستخدامها إذا ساند إسرائيل، وقال: «بالنسبة لأولئك الذين يقولون إنهم يريدون السلام، لا يمكن تحقيق السلام إذا امتلكت إيران سلاحاً نووياً». وفي مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» ترك ترمب الباب مفتوحاً أمام التدخل قائلاً: «لسنا متورطين في هذا الصراع، لكن من الممكن أن نتدخل».

رهانات «مجموعة السبع»

يعمل المتداولون ببورصة نيويورك خلال جلسة التداول الصباحية 16 يونيو 2025 بمدينة نيويورك حيث افتتحت الأسهم على ارتفاع مع استمرار السوق في التفاعل مع الصراع بين إسرائيل وإيران الذي تسبب بارتفاع حاد بأسعار النفط (أ.ف.ب)

تجري القمة اجتماعاتها وسط هذه الأجواء المتوترة حول إسرائيل وإيران، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية دون آفاق للحل السياسي، إضافة إلى الحرب في غزة التي توارت خلف الصراع، مع حرب الرسوم الجمركية التي يجري التفاوض على أسعارها. ويسعى قادة «مجموعة السبع» إلى تجنب الخلافات مع ترمب، وإخفاء الانزعاج من التوجهات الأميركية، ومحاولة إظهار جبهة موحدة على الأقل في ملفات أمن الطاقة والمعادن والبيئة، ويقول المحللون إن «مجموعة السبع» عند مفترق طرق حاسم.

وتتصدر أوكرانيا محور النقاشات مع انضمام الرئيس زيلينسكي إلى المناقشات يوم الثلاثاء. وسيكون هدفه تقييم الوضع الراهن لموقف ترمب من روسيا، إذ يرغب حلفاء أوكرانيا في زيادة الضغط على الرئيس بوتين للجلوس إلى طاولة المفاوضات. ولتحقيق ذلك، يريدون ضرب اقتصاده بقوة أكبر.


مقالات ذات صلة

«مجلس السلام» برئاسة ترمب: التمويل لا يواجه أي عراقيل

الولايات المتحدة​ أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل ميثاق  إنشاء مجلس السلام  (ا.ب)

«مجلس السلام» برئاسة ترمب: التمويل لا يواجه أي عراقيل

أعلن مجلس السلام ​الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه لا يواجه ‌أي ‌عراقيل بشأن ​التمويل، ‌وأن ⁠جميع ​الطلبات تمت ⁠تلبيتها «على الفور وبشكل كامل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ هانتر بايدن (رويترز)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص السفارة الأميركية في «المنطقة الخضراء» ببغداد (د.ب.أ)

خاص مسؤول أميركي يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن كمين «الدرونات» في بغداد

كشف مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية عن طبيعة «الكمين» الذي تعرض له دبلوماسيون في بغداد، تزامناً مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ.

علي السراي (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

ترمب: «هرمز» ورقة إيران التفاوضية الوحيدة وأميركا ستعيد فتحه قريباً

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إن إيران ليست لديها «أوراق» تفاوضية في المحادثات باستثناء التحكم في حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«مجلس السلام» برئاسة ترمب: التمويل لا يواجه أي عراقيل

أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل ميثاق  إنشاء مجلس السلام  (ا.ب)
أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل ميثاق إنشاء مجلس السلام (ا.ب)
TT

«مجلس السلام» برئاسة ترمب: التمويل لا يواجه أي عراقيل

أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل ميثاق  إنشاء مجلس السلام  (ا.ب)
أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل ميثاق إنشاء مجلس السلام (ا.ب)

أعلن مجلس السلام ​الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أنه لا يواجه ‌أي ‌عراقيل بشأن ​التمويل، ‌وأن ⁠جميع ​الطلبات تمت ⁠تلبيتها «على الفور وبشكل كامل» حتى الآن.

وكانت وكالة «رويترز» قد ⁠ذكرت في وقت ‌سابق ‌من ​اليوم ‌نقلا عن مصادر، أن ‌مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ‌ضئيل من مبلغ يبلغ 17 ⁠مليار ⁠دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدما في خطته لمستقبل القطاع ​الفلسطيني ​المدمر.


بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

هانتر بايدن (رويترز)
هانتر بايدن (رويترز)
TT

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

هانتر بايدن (رويترز)
هانتر بايدن (رويترز)

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

وبعد سنوات من التراشق اللفظي، قال هانتر بايدن، في مقطع فيديو نُشر عبر الإنترنت، الخميس، إنه سيكون «مستعداً بنسبة 100 في المائة» لخوض مواجهة ضد نجلي ترمب، في خطوة قد تحوّل الخلاف الطويل الأمد بين العائلتين إلى حدث رياضي يُبثّ بنظام الدفع مقابل المشاهدة.

ونشر حساب القناة الخامسة، التي يديرها صانع المحتوى اليساري أندرو كالاغان، مقطع فيديو عبر منصة «إنستغرام»، الخميس، يظهر فيه بايدن الابن، وهو يعلن مشاركته في عدد من الفعاليات ضمن جولة إعلامية مقبلة داخل الولايات المتحدة.

وقال بايدن: «أعتقد أنه يحاول تنظيم نزال داخل القفص بيني وبين إريك ودونالد جونيور. لقد قلت له إنني مستعد، بنسبة 100 في المائة، إذا تمكن من تنظيمه»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

دونالد جونيور وإريك ترمب (أ.ب)

ولا تزال تفاصيل المواجهة المقترحة غير واضحة، بما في ذلك ما إذا كان الشقيقان ترمب سيخوضان النزال معاً أو بشكل منفصل، وأين يمكن أن يُقام هذا الحدث في حال تنظيمه.

وحتى الآن، لم يصدر أي ردّ علني من دونالد جونيور أو إريك، اللذين يتمتعان، في سن 48 و42 عاماً على التوالي، بأفضلية عمرية مقارنة بمنافسهما المفترض البالغ من العمر 56 عاماً.

وتأتي هذه التطورات في سياق منافسة سياسية محتدمة بين شاغل البيت الأبيض الحالي وسلفه، التي تصاعدت بعد فوز بايدن على ترمب في انتخابات عام 2020، واتسمت بهجمات شخصية غير معتادة وتصعيد مستمر في حدة الخطاب.

ودأب ترمب على توجيه انتقادات لاذعة لخصمه الديمقراطي، مستخدماً ألقاباً مثل «جو النائم»، كما اتهم إدارته، من دون تقديم أدلة، بتزوير انتخابات 2020 و«تسليح» الوكالات الفيدرالية ضد الجمهوريين.

في المقابل، وصف بايدن ترمب بأنه تهديد للمعايير الديمقراطية، وقال في وقت سابق إنه كان سيتمنى «تلقينه درساً قاسياً» بسبب تعليقاته الفظة تجاه النساء، لو أنهما كانا في مرحلة الدراسة الثانوية معاً.


من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات

صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات

صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

عاشت الولايات المتحدة أياماً متقلبة من التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول حرب إيران، بدأت بالتصعيد، ووصلت إلى التهدئة ووقف إطلاق النار؛ فبعد تهديداته بمحو حضارة بكاملها، حبس العالم أنفاسه تحسباً وترقباً، لكن، وبعد ساعات طويلة من الانتظار، أتى الخبر المفاجئ: اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار على مدى أسبوعين فقط أعلن عنه ترمب على منصة «تروث سوشيال»، واعداً بعصر ذهبي في الشرق الأوسط، بعد ساعات من توعُّده بإعادة إيران إلى العصر الحجري. يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» أسباب هذا التغيير، وما إذا أدَّت الضغوط الداخلية المتصاعدة إلى التهدئة قبل الموسم الانتخابي.

اتفاق «هش»

وزير الحرب بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي مع ترمب بالبيت الأبيض في 6 أبريل 2026 (د.ب.أ)

يقول تشارلز كوبشان، المسؤول السابق بمجلس الأمن القومي في عهدَي كلينتون وأوباما وكبير الباحثين في معهد العلاقات الخارجية أنه رغم وجود احتمال معقول لاستمرار وقف إطلاق النار، فإنه هش للغاية، ويشدد على ضرورة فتح مضيق هرمز، مشيراً إلى أن ناقلات النفط لم تبدأ في عبور المضيق بعد.

وأضاف: «ترمب بحاجة إلى ذلك. وأعتقد أن أحد الأسباب التي دفعته للموافقة على وقف إطلاق النار أن هذه الحرب اندلعت بطرق لم يكن يتوقعها. كان يظن أنه يمكنه شن حملة قصف لمدة 3 إلى 5 أيام، وأن النظام سوف يسقط، وسينزل الشعب الإيراني إلى الشوارع، وسيدخل التاريخ باعتباره الرئيس الأميركي الذي امتلك الشجاعة لفعل ما لم يجرؤ أحد آخر على فعله، وهو إسقاط الجمهورية الإسلامية. لكن ذلك لم يحدث».

واعتبر كوبشان أن إيران أظهرت «مرونة» أكبر مما توقَّعه أي شخص، ولعبت ورقتها الرابحة، عبر إغلاق المضيق؛ ما وضع ترمب في موقف صعب للغاية على الصعيد الداخلي، لأن نقطة ضعفه السياسية الرئيسية هي أزمة التكاليف التي تزداد سوءاً.

ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

وأشار كوبشان إلى أن ترمب شعر بضغوط داخلية دفعته إلى محاولة نقل الحرب من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات، وذلك بسبب استياء الأميركيين منها، لكنه يشكك في الوقت نفسه من احتمالات التوصل إلى اتفاق، متسائلاً: «هل هناك أرضية مشتركة كافية بين خطة إيران المكونة من 10 نقاط وخطة ترمب المكونة من 15 نقطة لبناء سلام دائم؟ يبدو أنهما متباينتان تماماً، وهناك القليل جداً من العوامل المشتركة بينهما».

ويشكك ريك ديلاتوري، المسؤول السابق بـ«وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)» في احتمال التوصل لحل دائم للصراع الحالي، مشيراً إلى أن الإيرانيين لم يقدموا أي شيء ملموس أو أي تنازلات من شأنها أن تثبت للإدارة أنهم غيروا أساليبهم؛ فلم يقدموا اليورانيوم، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً، ويضيف: «لا شك أن الأمر محبط للغاية بالنسبة لهذه الإدارة. لكن لا تزال هناك قوة عسكرية كبيرة في تلك المنطقة، بحيث يمكن للولايات المتحدة أن تواصل ممارسة ضغوط إضافية على ذلك النظام».

أما جون هيربست، السفير الأميركي السابق لدى أوكرانيا والقنصل العام السابق في القدس، فيشير إلى أنه من الواضح أن إدارة ترمب لم تكن مستعدة لاحتمال أن تستخدم إيران سيطرتها على مضيق هرمز للتأثير على السياسة الأميركية، ووصف الأمر بـ«الخطأ الفادح».

ويرجح هيربست أن يعود السبب إلى اعتقاد ترمب أن ما حققه في فنزويلا يمكنه تحقيقه في إيران، عبر إطاحة سريعة بالنظام تؤدي إلى نظام أكثر مرونة. ويضيف: «من الواضح أن ذلك لم يحدث؛ فعلى الرغم من العدد الكبير من القادة الإيرانيين الذين تم القضاء عليهم، لا تزال هناك عمليات عسكرية خطيرة تتحدى المصالح الأميركية بشكل مباشر، وتؤدي إلى مقتل جنود وطيارين أميركيين في الشرق الأوسط. هذه هي المشكلة في الوقت الحالي، كما لا يوجد أي تداخل بين مقترحات الجانبين الأميركي والإيراني».

فانس و«تقديم تنازلات»

نائب ترمب جاي دي فانس يتحدث مع الصحافيين في بودابست في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وبينما تستعد إسلام آباد للجولة الأولى من المحادثات، يوم السبت، يقول كوبشان إن ترؤس نائب ترمب، جاي دي فانس، للوفد الأميركي يزيد من فرص التوصل إلى اتفاق، لأن فانس ينتمي إلى جناح الحزب من حركة «ماغا»، ويصفه بالـ«نيو - انعزالي» الذي يؤمن بأن الولايات المتحدة «قد تجاوزت حدودها»، وأنها لم تعد «شرطي العالم»، ويضيف: «هذا هو موقف فانس. ونتيجة لذلك، قد يكون أكثر ميلاً لتقديم التنازلات التي قد تكون ضرورية لإنهاء الصراع وإيجاد أرضية مشتركة مع إيران».

ومع ذلك، إذا نظرت إلى موقف الإيرانيين وموقف إدارة ترمب، فمن الصعب أن ترى كيف سيتوصلون إلى اتفاق، لأن الإيرانيين يقولون إنهم يريدون السيطرة على المضيق، ويريدون تخصيب اليورانيوم، ويريدون خروج جميع القوات الأميركية من الخليج، ويريدون تعويضات حرب، بينما يريد ترمب إنهاء عمليات التخصيب وفرض قيود صارمة على مجال الصواريخ الباليستية، ووقف الدعم للوكلاء المتطرفين في المنطقة.

يبدو الأمر وكأن هذين الطرفين يعيشان على كوكبين مختلفين. لذا أعتقد أن هناك قلقاً من أن تكون هذه مجرد فترة توقف مؤقتة أكثر من كونها نهاية للحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر - 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وهنا يتساءل ديلاتوري عن أسباب وقف إطلاق النار من دون إحداث تغيير بارز في النظام قائلاً: «لقد صنفنا هذا النظام على مدى الخمسين عاماً الماضية على أنه المصدر الرئيسي للإرهاب في جميع أنحاء العالم، وهو نظام يستمر في التحريض على العنف، وفي انتهاك حقوق الإنسان؛ فلماذا ينبغي لنا في هذه المرحلة المبكرة، حيث لم يمضِ على بدء الأزمة سوى ما يزيد قليلاً على شهر، أن نفكر حتى في فكرة وقف إطلاق النار؟».

ويعتبر ديلاتوري أنه كان من الخطأ توصيف مسؤولين في إدارة ترمب لهذه الحرب بالسريعة، لأن هذا دفع بالأميركيين إلى الاعتقاد بأنها ستنتهي في غضون أيام، ويضيف: «إن إدارة ترمب أعطت بعضاً من الأمل للأميركيين، بدلاً من الاعتراف حقاً بأن هذه حرب أطول وأصعب بكثير. صحيح أن أسعار النفط مرتفعة الآن، لكن هذه مشكلة مؤقتة تتعلق بالأسواق، وليست مشكلة تتعلق بالإمدادات؛ فالولايات المتحدة لا تحصل على نفطها عبر مضيق هرمز».

ويشير ديلاتوري إلى وجود بعض الاعتبارات السياسية التي تراعيها الإدارة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ومع وجود ضغوط كبيرة من الحزب الديمقراطي الذي يصعّد من انتقاداته لترمب ويدفع باتجاه عزله.

لكن هيربست يعارض تقييم ديلاتوري، حيال عدم اعتماد أميركا على المضيق، فيشير إلى أنه عندما ترتفع أسعار النفط العالمية، ترتفع أسعار النفط في الولايات المتحدة أيضاً: «ولهذا السبب هي الآن أعلى بنسبة 60 في المائة أو 70 في المائة عما كانت عليه قبل بدء الحرب».

ويشكك هيربست في نية النظام الإيراني فتح مضيق هرمز، مذكّراً بطبيعة هذا النظام، فيقول: «من الواضح أن المتطرفين في طهران مستعدون للقتال حتى النهاية، لأنهم يعتقدون أن استمرارية نظامهم باتت على المحك. وكان هدف ترمب، بالتعاون مع (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو في هذه الحرب الإطاحة بهذا النظام من خلال القضاء أولاً على جميع قادته، ومن الواضح أن ذلك قد فشل. لا نعرف ما إذا كان النظام في طهران يمكنه الاستمرار، إذا استمر اقتصاده في التعرض لضغوط كبيرة لمدة 6 أشهر أخرى. ربما لا يستطيع، ولكن ربما يستطيع أيضاً. ولا أعتقد أن المخابرات الأميركية تعرف الإجابة عن ذلك، ولا المخابرات الإسرائيلية». ولهذا السبب يقول هيربست إن استعداد النظام و«الحرس الثوري» في طهران للتحمل أكبر بكثير من استعداد القادة الغربيين، بما في ذلك الرئيس ترمب.

تحذيرات من تصعيد خطير

ترمب يتحدث مع عناصر أميركيين في قاعدة (فروت براغ) في نورث كارولاينا في 10 يونيو 2025 (رويترز)

وفي حين صدمت تهديدات ترمب التي حذر فيها من القضاء على حضارة بكاملها واشنطن، ودفعت بالجمهوريين إلى القول إنه لم يكن يقصدها «حرفياً»، يقول كوبشان إنه لو لم يتخذ رئيس الوزراء الباكستاني المبادرة، ويجد طريقة لإقناع الطرفين بالموافقة على هدنة لمدة أسبوعين في الساعة الثامنة مساءً لكان دونالد ترمب أمر بشن حملة جوية واسعة النطاق ضد أهداف مدنية وعسكرية، ويعرب عن ارتياحه من عدم الوصول إلى تلك المرحلة، مضيفاً: «أنا مؤيد لتغيير النظام، بمعنى أنني لن أذرف الدموع إذا سقطت الجمهورية الإسلامية، وتحولت إيران إلى ديمقراطية. سيكون ذلك جيداً للإيرانيين، وسيكون جيداً لبقية العالم. لكنني أخشى أن محاولة تغيير النظام بالقوة مرة أخرى هو أمر محفوف بالمخاطر، لأننا جربنا ذلك في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، وفي كل تلك الحالات، لم تكن النتائج جيدة. ولذا سأفضل توخي الحذر هنا، وألا أسعى إلى تغيير النظام.

ومع اقتراب المفاوضات يدعو كوبشان إدارة ترمب إلى التمسك بمواقفها، وعدم الإعلان عن «إنجاز المهمة» ما لم يتم وقف تخصيب اليورانيوم وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتقليص الدعم المقدم للوكلاء. لكنه يتخوف من امتلاك إيران ورقة ضغط مهمة، وهي مضيق هرمز، مضيفاً: «يحتاج ترمب إلى إنهاء الحرب. لكن إذا فشل، وإذا اندلعت هذه الحرب مجدداً، أتوقع أن نرى تصعيداً خطيراً للغاية. أنا أخشى من الشكل الذي قد تتخذه تلك الحرب إذا اندلعت مرة أخرى».