واين وول... ضابط استخبارات يقود سياسة أميركا في الشرق الأوسط

مسيرة عسكرية يكتنفها الغموض... وقلق إسرائيلي من «الرجل المجهول»

صورة من حساب وول على «فيسبوك» بزيه العسكري
صورة من حساب وول على «فيسبوك» بزيه العسكري
TT

واين وول... ضابط استخبارات يقود سياسة أميركا في الشرق الأوسط

صورة من حساب وول على «فيسبوك» بزيه العسكري
صورة من حساب وول على «فيسبوك» بزيه العسكري

لم يكن اسم واين وول يتردد خارج الأروقة الأمنية في واشنطن، حتى اختارته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس الثلاثاء، مديراً لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، لتخرجه من ظلال الاستخبارات إلى واجهة صناعة القرار في أخطر ملفات المنطقة.

وتحول الضابط المتقاعد إلى محور اهتمام الأوساط الدبلوماسية والعسكرية على حد سواء، لشح المعلومات المتوافرة عنه وعن مواقفه من قضايا الشرق الأوسط.

فالرجل الذي أمضى ثلاثة وعشرين عاماً في الجيش، منها أربعة عشر عاماً منغمساً في ملفات المنطقة، خرج من القيادة المركزية للجيش «سنتكوم» ووكالة استخبارات الدفاع إلى البيت الأبيض، حاملاً إرثاً من الخبرة الميدانية والتحليل الاستخباراتي.

مسيرة ميدانية تجافي الأضواء

يحمل وول شهادة ماجستير من كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة «جونز هوبكنز»، لكن مسيرته بقيت ضمن المؤسسات الرسمية؛ فالمدرجات الأكاديمية ومراكز التفكير لم تغره، كما لم تغوه المغريات التجارية التي تدفع ببعض الضباط المتقاعدين إلى مكاتب الاستشارات وشركات السلاح.

تذكر جامعة «جونز هوبكنز» في نشرة لخريجيها أنه ترقى إلى رتبة مقدم عام 2016 وانتقل من فلوريدا إلى واشنطن في نهاية العام نفسه. في «سنتكوم» عمل وول على ملفات الاستراتيجية العسكرية والاستخبارات في مسارح الشرق الأوسط المختلفة، بحسب تقرير لصحيفة «أكسيوس» الأميركية.

واتجه بعدها إلى وكالة استخبارات وزارة الدفاع ليقود أحد أقسامها، فوجد نفسه أمام ملفات حساسة: البرنامج النووي الإيراني، النزاع السوري، صعود الجماعات المسلحة، ومعادلات الردع في الخليج.

لغز الجزائر: فجوة غامضة

في صفحة عنه على موقع «روكيت ريتش» المعني بالسجلات المهنية، إشارة إلى شغله منصب الملحق العسكري للسفارة الأميركية في الجزائر بين 2017 و2019. لكن لم يتسن التحقق من صحة ذلك، إذ لم يكن لاسمه أثر في أي بيانات أميركية أو جزائرية في هذه الفترة.

لكن في الوقت نفسه هناك فجوة في سجلات المنصب بين العقيد بيل رويل الذي شغله حتى منتصف 2018 والعقيد كريس داميكو الذي تسلمه منتصف 2020. غير أنه لا تتوافر دلائل مؤكدة على أن وول شغلها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية في البيت الأبيض 9 يونيو 2025 (أ.ب)

هذه الخلفية الاستخباراتية الغامضة ربما كانت سبباً رئيسياً في استدعاء وول إلى مجلس الأمن القومي بعد إعادة هيكلة واسعة أقدمت عليها إدارة ترمب، أطاحت إريك تراغر صاحب الخلفية البحثية والمواقف الصاخبة، وفتحت الباب أمام رجل اعتاد العمل بعيداً من الأضواء.

من سباقات الخيول إلى الشرق الأوسط

ولعل أبرز ما يلفت في شخصية وول هو تقشف حضوره العام. فصفحته على منصة «لينكدإن» محذوفة، وحسابه على منصة «إكس» يخلو من أي تغريدات، وإن كان يتابع حسابات مرتبطة بالشرق الأوسط وملفاته، ولا مقالات في الدوريات، ولا شهادات أمام الكونغرس توضح رؤيته للاتفاق النووي أو للمقاربة الأميركية إزاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وحتى حسابه على «فيسبوك» لا يضم سوى بضع صور شخصية وتفاعلات محدودة تظهر ضمن ما تظهر اهتماماً بالخيول وسباقاتها.

ومع ذلك، يجمع قائمته المختصرة من الحسابات التي يتابعها على «إكس» ولا تتجاوز 49، خيط ناظم هو الاهتمام بالشرق الأوسط وأفريقيا، إذ تضم مراكز بحث مثل «شاتام هاوس» ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، مروراً بجهات معروفة بانتقادها لإسرائيل، وصولاً إلى شخصيات وحسابات يمينية شعبوية أميركية.

التعيين نفسه جرى من دون بيان رسمي أو صورة مع الرئيس. مجرد تسريب تردد في صحف واشنطن. هذا الصمت المتعمد ربما يعكس التوجه الذي يرجح أن يتبعه وول: مقاربة هادئة تعتمد جمع المعلومات بصمت، وتدير الأزمات من الخلف، من دون ضجيج المؤتمرات الصحافية التي اعتاد بعض أسلافه استخدامها لإبراز العضلات.

فالمطلوب اليوم، وفق مطلعين على أجواء مجلس الأمن القومي، هو خبير يعرف متى يُسمع صوته ومتى يكتفي بتدوين الملاحظات، خصوصاً في ملف كإيران حيث يشدد البيت الأبيض على توازن دقيق بين التفاوض وإبقاء «الخيار العسكري» على الطاولة.

انقسام متوقع حول «الرجل المجهول»

في تل أبيب، تفاجأ بعض المراقبين بأن الرجل «مجهول» بالنسبة إليهم، وتساءلوا إن كانت متابعته لمراكز أبحاث «تنتقد إسرائيل» مؤشر ميلٍ إلى خطاب أكثر تشدداً تجاه حكومة بنيامين نتنياهو، بحسب ما نقلت عنهم منصة «جويش إنسايدر» اليهودية الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (رويترز)

في المقابل، قد تكون خلفيته في «سنتكوم» مبعث ارتياح لدى أطراف أخرى ربما ترى في خبرته تلك ضمانة لفهمه والتزامه أسس أمن المنطقة. أما طهران، فالأرجح أن ترى في انتقال ضابط استخبارات سابق في وزارة الدفاع إلى موقع سياسي رفيع سبباً للحذر.

يجلس وول اليوم في مكتب يطل على الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، مسلحاً بخبرة ميدانية لم تُختبر في العلن بعد، وبشبكة علاقات داخل «الدولة العميقة».

المنطقة بدورها ستكتشف سريعاً إن كان «رجل الظل» سيحافظ على صمته أم سيجد نفسه مضطراً إلى الكلام عندما تبدأ العواصف - التي لا تهدأ في الشرق الأوسط - بالاقتراب من أبواب البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

ترمب يتوقع إدارة فنزويلا «لسنوات»... ويدعو رئيس كولومبيا لزيارة البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ صورة من فيديو قدمته وزارة الدفاع الأميركية لسفينة من خفر السواحل تراقب الناقلة «إم في بيلا 1» شمال المحيط الأطلسي يوم 7 يناير (أ.ب)

ترمب يتوقع إدارة فنزويلا «لسنوات»... ويدعو رئيس كولومبيا لزيارة البيت الأبيض

توقع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن تدير الولايات المتحدة فنزويلا ونفطها لسنوات، وتصالَحَ مع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، ودعاه لزيارة البيت الأبيض قريباً.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ يسعى الديمقراطيون لكبح جماح طموحات ترمب التي يصفونها بـ«التوسعية» (أ.ف.ب)

تحرك ديمقراطي في الكونغرس لكبح طموحات ترمب «التوسعية»

يستعد مجلس الشيوخ الأميركي للتصويت، الخميس، على مشروع قانون يمنع الإدارة من استعمال القوة العسكرية مجدداً في فنزويلا.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مناصرو ترمب أمام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 (أ.ب)

«السادس من يناير» ومعركة الذاكرة في أميركا

منذ 5 أعوام، تدافع الآلاف من أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مبنى الكابيتول للاحتجاج على خسارته في الانتخابات أمام خصمه الديمقراطي جو بايدن.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة عامة تُظهر المناطق المركزية لمدينة نوك بغرينلاند (أ.ف.ب) play-circle

مسؤول بالبيت الأبيض يستبعد نشوب صراع عسكري بسبب غرينلاند

وصف مسؤول رفيع المستوى بالبيت الأبيض، أمس (الاثنين)، مطالبة الولايات المتحدة بالسيطرة على غرينلاند بأنها «الموقف الرسمي للحكومة الأمريكية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ومسؤولون في إدارته يشاهدون عملية «العزم المطلق» في مارالاغو في 3 يناير 2025 (أ.ب)

«العزم المطلق» تحت مجهر الكونغرس

بوجه الانتقادات الديمقراطية أوفدت إدارة ترمب مسؤولين كباراً إلى مبنى الكابيتول لعقد إحاطة سرية مع المشرعين حول عملية «العزم المطلق».

رنا أبتر (واشنطن)

ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن البيت الأبيض، الخميس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا.

وفد تقدم مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم ، بقرار من شأنه منع ترمب من اتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية ضد فنزويلا دون تفويض من الكونغرس، مما ‌يمهد الطريق ‌لدرس ‌الأمر ⁠باستفاضة ​أكبر ‌في المجلس المكون من 100 عضو.وجاء التصويت على تدبير يتعلق بالإجراءات للمضي قدما في قرار سلطات الحرب بأغلبية 52 ⁠صوتا مقابل 47، ‌إذ صوتت حفنة ‍من زملاء ترامب ‍الجمهوريين مع جميع ‍الأعضاء الديمقراطيين لصالح القرار.ويأتي التصويت أيضا بعد أيام من اعتقال القوات الأميركية الرئيس ​الفنزويلي نيكولاس مادورو في غارة عسكرية مباغتة ⁠على العاصمة الفنزويلية كراكاس.وعرقل الجمهوريون محاولتين سابقتين في مجلس الشيوخ العام الماضي بعدما كثفت الإدارة الضغط العسكري على فنزويلا بهجمات على قوارب في جنوب البحر الكاريبي منذ سبتمبر( ‌أيلول) الماضي.


الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستنسحب من عشرات المنظمات الدولية، بما فيها وكالات رئيسية لدى الأمم المتحدة، في خطوة تُقلّص تعاون واشنطن مع المجتمع الدولي في مجالات كثيرة، من قضايا تغير المناخ والسكان إلى زراعة القطن.

وعقب مراجعة شاملة من إدارته لانخراط الولايات المتحدة مع كل المنظمات الدولية، وقّع الرئيس ترمب الأربعاء قراراً تنفيذياً يُعلق الدعم الأميركي لـ66 منظمة ووكالة وهيئة ولجنة، ومنها 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة. وأوضح البيت الأبيض في بيان أن الولايات المتحدة ستنسحب من هذه الهيئات وتوقف أي تمويل لها؛ لأنها «تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة، وأمنها، وازدهارها الاقتصادي، وسيادتها». وأضاف أن «كثيراً من هذه الهيئات يُروّج لسياسات مناخية متطرفة، وحوكمة عالمية، وبرامج آيديولوجية تتعارض مع سيادة الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية».

ومن المنظمات البارزة التي ستنسحب منها الولايات المتحدة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي كيان علمي يُعنى بأبحاث المناخ العالمية، والمنتدى العالمي للهجرة والتنمية الذي أسهم في صوغ ميثاق الأمم المتحدة للهجرة عام 2018، وصندوق الأمم المتحدة للسكان الذي يدعم الصحة والحقوق الإنجابية في كل أنحاء العالم، واللجنة الاستشارية الدولية للقطن التي تأسست في واشنطن قبل نحو 90 عاماً.

«تهديد» لسيادة أميركا

وفي بيان منفصل، أشاد وزير الخارجية ماركو روبيو بهذه الانسحابات، عادّاً أن كثيراً من المنظمات الدولية يخدم «مشروعاً عولمياً متجذراً في وهم مُفند لفكرة نهاية التاريخ»، مضيفاً أن هدفها الحقيقي هو «تقييد السيادة الأميركية».

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز خلال اجتماع لمجلس الأمن يوم 5 يناير (رويترز)

وقال إن الولايات المتحدة تستهدف «شبكة المنظمات غير الحكومية» و«الشبكات النخبوية» التي تديرها. وأضاف: «وجدت إدارة ترمب أن هذه المؤسسات (...) تفتقر إلى الإدارة الفعالة، وغير ضرورية، ومهدرة للموارد، وسيئة الإدارة، وخاضعة لمصالح جهات تسعى إلى تحقيق أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع مصالحنا، أو أنها تُشكل تهديداً لسيادة أمتنا وحرياتها وازدهارها العام».

ويأتي هذا التحرك بعد مرور عام تقريباً على محاولة ترمب سحب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زاعماً أن ذلك ساعد «منتهكي حقوق الإنسان بالسماح لهم باستخدام المنظمة كغطاء يحميهم من المساءلة». وتصادم ترمب مراراً مع منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما فيما يتعلق بسياسات الهجرة والمناخ. وتساءل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي: «ما الغرض من الأمم المتحدة؟»، مضيفاً أنها تمتلك «إمكانات هائلة»، لكنها في نهاية المطاف لا تُصدر سوى «كلام فارغ».

وعلى الرغم من أن الرئيس ترمب لم يُقدم على سحب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة نفسها، فإنه أثار أزمة في هذه المؤسسة العالمية بسحب مليارات الدولارات من التمويل، ومطالبتها بتغيير آلية عملها، ورفض دفع الرسوم المقررة لعام 2024 لميزانية الأمم المتحدة الاعتيادية. كما ألغت إدارته نحو مليار دولار من التمويل المخصص لرسوم عام 2025 وعمليات حفظ السلام، رغم أن الكونغرس خصصها بالفعل.

ولم يتّضح على الفور تأثير عمليات الانسحاب الجديدة، علماً بأن ترمب أنهى فعلاً مشاركة الولايات المتحدة مع بعض الهيئات الأممية، بما في ذلك الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، العام الماضي.

المنظمات الدولية

علّق الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، سيمون ستيل، الخميس، قائلاً إن انسحاب ترمب من ‌معاهدة المناخ ‌ «خطأ فادح سيجعل الولايات المتحدة أقل أماناً وأقل ازدهاراً»، وسيُلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي والوظائف ومستويات المعيشة.

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل في بيليم بالبرازيل يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

وقال مدير مكتب الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، ريتشارد غاون، إن الولايات المتحدة «يبدو أنها تتخلى عن كيانات تُعنى بالقانون الدولي، والتنمية الاقتصادية، والتعاون البيئي، وحقوق المرأة». ولاحظ أنه منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، تعاملت إدارته مع التنمية والتعاون البيئي كـ«أجندات شبه اشتراكية»، وانتقدت بشدة أي جهود تبذل لتعزيز المساواة بين الجنسين. وإذ تساءل: «من الرابح هنا؟»، أجاب غاون: «على الأرجح الصين»، موضحاً أن «الصينيين استثمروا لسنوات في أذرع الأمم المتحدة التي تركز على سياسة التنمية. والآن انسحبت الولايات المتحدة من هذا المجال».

كذلك، قالت المديرة الوطنية للتواصل الحكومي والمناصرة في منظمة العفو الدولية أماندا كلاسينغ إن «هذا تأكيد واضح على نهج هذه الإدارة الانتقائي في التعامل مع حقوق الإنسان». وأضافت أن «هذا استمرار واضح لجهود الإدارة الرامية إلى تمزيق نظام عالمي أسهمت هذه الدولة في تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية لضمان الحماية الشاملة لجميع الناس، بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم».

وحتى الآن لم تنسحب الولايات المتحدة من بعض الهيئات التي توقع الخبراء أن تكون مهددة، ومنها منظمات الأمم المتحدة المعنية بالهجرة ومساعدة اللاجئين، فضلاً عن وكالة الطاقة الدولية، التي انتقدتها إدارة ترمب مراراً لعملها في مجال الطاقة النظيفة.


مقتل امرأة برصاص «إدارة الهجرة» في مينيابوليس يشعل مواجهة حزبية

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
TT

مقتل امرأة برصاص «إدارة الهجرة» في مينيابوليس يشعل مواجهة حزبية

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)

أعاد مقتل امرأة أميركية برصاص ضابط في إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أيس) خلال عملية أمنية في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، إشعال جدل وطني حاد حول سياسات الهجرة، وحدود استخدام القوة من قبل السلطات الفيدرالية، وتسييس أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة. الحادث، الذي وقع في مدينة لا تزال مثقلة بذاكرة احتجاجات 2020 بعد مقتل جورج فلويد، تحوّل سريعاً من واقعة أمنية قيد التحقيق إلى معركة سياسية مفتوحة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحلفائها الجمهوريين من جهة، ومعارضيها الديمقراطيين من جهة أخرى، في توقيت بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي نهاية العام.

ذكرى فلويد

وقعت الحادثة يوم الأربعاء عندما أطلق عنصر في «أيس» النار على امرأة تبلغ 37 عاماً، رينيه تُدعى نيكول غود وهي شاعرة وأم لثلاثة أطفال، خلال عملية لإنفاذ قوانين الهجرة في أحد أحياء مينيابوليس، ما أدى إلى إصابتها بطلق ناري في الرأس وفارقَت الحياة لاحقاً في المستشفى. وسرعان ما تجمّع مئات الأشخاص في موقع الحادث لإقامة وقفة احتجاجية وإضاءة الشموع، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الاحتجاجات التي اجتاحت المدينة قبل خمس سنوات.

أشخاص يحيون ذكرى أميركية قتلت برصاص أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس يوم 8 يناير (أ.ف.ب)

لكن ما يضفي على الحادث ثقلاً سياسياً إضافياً هو السياق الأوسع الذي وقع فيه. فمينيابوليس كانت واحدة من المدن التي استهدفتها إدارة ترمب بحملة مكثفة لتطبيق قوانين الهجرة، شملت نشر مئات العناصر الإضافيين وتنفيذ اعتقالات واسعة، في مدينة يقودها ديمقراطيون وتضم جالية مهاجرة كبيرة، وخصوصاً من أصول صومالية. هذه الحملات، التي تقول الإدارة إنها ضرورية لـ«استعادة النظام»، ينظر إليها خصومها على أنها محاولات متعمدة لاستفزاز المدن الزرقاء وتغذية خطاب «القانون والنظام» قبيل الاستحقاق الانتخابي.

رواية الإدارة

منذ الساعات الأولى، سارع الرئيس ترمب ووزارة الأمن الداخلي إلى تبني رواية واضحة: الضابط أطلق النار دفاعاً عن النفس. ترمب قال إن المرأة «كانت تعوق عمل عناصر إنفاذ القانون وتعتدي عليهم»، عادّاً أن ما جرى نتيجة «تحريض اليسار الراديكالي» ضد الشرطة وعناصر الهجرة. وأضاف أن عناصر «أيس» يتعرضون يومياً للتهديد والاعتداء في أثناء أداء واجبهم.

اشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)

وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم دعمت هذه الرواية، مؤكدة أن المرأة حاولت دهس أحد العناصر بسيارتها، وأن الضابط «استخدم تدريبه لإنقاذ حياته وحياة زملائه». وذهبت أبعد من ذلك حين وصفت الحادث بأنه «عمل إرهابي محلّي»، متهمة متظاهرين ونشطاء باستخدام السيارات بشكل متزايد لإعاقة عمليات الهجرة.

نائب الرئيس جيه دي فانس أعلن بدوره أن الإدارة تقف بالكامل خلف عناصر «أيس»، واصفاً مقتل المرأة بأنه «مأساة من صنعها». أما عدد من المشرعين الجمهوريين، فشدّدوا على ضرورة حماية عناصر إنفاذ القانون، محذرين من أن أي تشكيك في تصرفاتهم سيشجع على مزيد من العنف ضدهم.

دور «اليسار الراديكالي»

في الكونغرس، سارع قادة جمهوريون إلى الدفاع عن الإدارة. رئيس مجلس النواب مايك جونسون قال إن «المعطيات الأولية تشير إلى أن السيارة استُخدمت كسلاح»، مؤكداً أن عناصر الأمن يضطرون أحياناً لاتخاذ قرارات في أجزاء من الثانية. سيناتور ألاباما تومي توبيرفيل حمّل «اليسار الراديكالي» مسؤولية الحادث، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي داعياً عناصر الهجرة إلى «إطلاق النار دفاعاً عن أنفسهم إذا تعرضوا لهجوم».

ويأتي هذا الموقف مُنسجماً مع الخطاب الانتخابي الذي يعتمده ترمب وحلفاؤه، والقائم على شعار «القانون والنظام»، وتقديم الهجرة غير الشرعية بعدّها تهديداً مباشراً للأمن القومي، يتطلب قبضة حديدية، حتى لو أثارت الجدل.

استخدام «متهور» للقوة

في المقابل، جاءت ردود الفعل الديمقراطية غاضبة وحادّة. رئيس بلدية مينيابوليس، جاكوب فراي، وصف ما جرى بأنه «استخدام متهور للسلطة أدّى إلى مقتل شخص»، مطالباً إدارة الهجرة بـ«مغادرة المدينة فوراً». وذكّر فراي بأنه حذّر قبل أسابيع من أن التصعيد الفيدرالي قد يؤدي إلى سقوط قتلى، مؤكّداً: «قلت إن أحداً سيُقتل إذا استمرت هذه العمليات... وهذا ما حدث».

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ف.ب)

حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز حمّل إدارة ترمب مسؤولية مباشرة عن الحادث، عادّاً أنها «تحكم بعقلية برامج تلفزيون الواقع»، وأن الاستعراض الأمني «خلق مناخاً من الخوف والفوضى». كما أعلن أنه وضع الحرس الوطني في حال تأهّب تحسباً لأي اضطرابات إضافية. السيناتورة الديمقراطية تينا سميث دعت إلى «تحقيق كامل وغير متحيز»، واتّهمت الإدارة بـ«التلاعب بالوقائع» لتبرير استخدام القوة المميتة. النائبة إلهان عمر رأت في الحادث دليلاً على «سياسات متهورة ومميتة»، مؤكدة أن الضحية لم تكن هدفاً لعملية الترحيل.

زاد من تعقيد المشهد انتشار مقاطع فيديو صوّرها شهود عيان، وأظهرت إطلاق النار بينما كانت السيارة تحاول الابتعاد، دون أن تُظهر بوضوح لحظة تعرّض أي عنصر لمحاولة دهس. هذا التناقض المزعوم بين الصور والرواية الرسمية غذّى شكوكاً واسعة لدى الرأي العام، ودفع معارضين إلى اتهام الإدارة بـ«استباق نتائج التحقيق» وفرض تفسير سياسي للحادث.

وأشار خبراء قانونيون إلى أن مثل هذه القضايا غالباً ما تتحول إلى اختبار لمصداقية المؤسسات، خصوصاً حين يتدخل رأس السلطة التنفيذية في توصيف الوقائع قبل انتهاء التحقيقات.

الهجرة في قلب المعركة الانتخابية

وبدا أن مقتل رينيه نيكول غود قد يتحول إلى قضية تعبئة للطرفين. فقد جاء في لحظة مفصلية، حيث تراهن إدارة ترمب على تشديد سياسات الهجرة لحشد قاعدتها الانتخابية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. في المقابل، يسعى الديمقراطيون إلى تحويل الحادث إلى رمز لخطورة عسكرة الهجرة، وإلى التحذير من أن سياسات ترمب لا تؤدي فقط إلى الانقسام، بل إلى سقوط ضحايا أبرياء، حتى من المواطنين الأميركيين.

صورة للسيارة التي تعرّضت لإطلاق نار أردى مواطنة أميركية قتيلة في في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 7 يناير (رويترز)

التحقيقات التي يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالي وسلطات ولاية مينيسوتا ستحدد المسؤوليات القانونية، لكن آثار الحادث السياسية بدأت بالفعل. فمهما كانت نتائج التحقيق، يبدو أن مقتل امرأة في مينيابوليس سيبقى جزءاً من السجال الوطني حول الهجرة والسلطة واستخدام القوة.

وفي بلد يعيش انقساماً حاداً، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما حدث فقط، بل كيف سيُستخدم ما حدث في معركة سياسية ستحدد ملامح الكونغرس المقبل، وربما اتجاه الولايات المتحدة في واحدة من أكثر قضاياها حساسية.