رحلة في عقل ترمب (3) خيوط العنكبوت: من يهمس في أذن الرئيس؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث لوسائل الإعلام في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث لوسائل الإعلام في البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

رحلة في عقل ترمب (3) خيوط العنكبوت: من يهمس في أذن الرئيس؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث لوسائل الإعلام في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث لوسائل الإعلام في البيت الأبيض (د.ب.أ)

في دهاليز السياسة الأميركية، حيث تتشابك المصالح وتتقاطع الأجندات، يبرز دونالد ترمب ظاهرةً فريدةً. فالرجل الذي عاد إلى البيت الأبيض بعد أربع سنوات من الغياب بات محوراً لشبكة معقدة من دوائر التأثير، يتداخل فيها الشخصي مع السياسي، والمالي مع الإعلامي، والجماهيري مع الآيديولوجي. ترمب ليس رئيساً تقليدياً، بل مشروعاً سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، يجمع بين المال والسلطة والإعلام في توليفة تجذب حولها شبكة معقدة من خيوط النفوذ تجتمع كلها تحت شعار واحد: «اجعل أميركا عظيمة مجدداً».

في فترة ترمب الأولى، شهدت الإدارة تغييرات متكررة في المناصب الرئيسية بسبب خلافات جوهرية وصدام علني مع مسؤولين من التيار التقليدي. أما في الفترة الثانية، فنلاحظ توجهاً نحو تماسك أكبر، محوره الآيديولوجيا المشتركة، واختيار للشخصيات مبني على الولاءات أولاً.

خيوط دائرية يحيكها بصمت عنكبوت الحُكم في البيت الأبيض، تترجم إلى سياسات وقرارات يستشعر وقعَ تحركاتها العالمُ أجمع. وهنا يبرز التساؤل: ما الدوائر التي تعمل وراء الكواليس لتصوغ القرارات، ومن يملك الجرأة والنفوذ ليهمس في أذن الرئيس؟

الدائرة الأولى: العائلة... الحصن المنيع

في سابقة تختلف عن نهج الرؤساء السابقين، اختار ترمب منذ فترته الأولى دمج عائلته في صميم منظومة الحكم. وفي فترته الثانية، تستمر هذه الظاهرة وإن كانت بشكل مختلف. فبينما ابتعدت إيفانكا ترمب وزوجها جاريد كوشنر نسبياً عن الواجهة، برز دونالد ترمب جونيور مستشاراً غير رسمي في قضايا الطاقة والبيئة ولارا ترمب تولت منصباً قيادياً في اللجنة الوطنية الحزبية، لتعزز سيطرة العائلة على الحزب الجمهوري.

وحتى جاريد كوشنر، رغم عدم توليه منصباً رسمياً، يستمر في التأثير على قرارات السياسة الخارجية، خاصة في ملفات الشرق الأوسط، مستفيداً من شبكة علاقاته التي بناها خلال الفترة الأولى.

أما بارون ترمب، الابن الصامت الذي كبر بعيداً عن الأضواء، فقد فاجأ الجميع بمشاركته المؤثرة في الحملة الانتخابية، خاصة في استراتيجيات استهداف الجيل الجديد عبر «البودكاست». وكأن العائلة كلها تتحول تدريجياً إلى غرفة عمليات بديلة للبيت الأبيض.

الدائرة الثانية: مهندسو مشروع 2025... الآيديولوجيا في السلطة

في مفارقة سياسية لافتة، نجد أن ترمب الذي أنكر خلال حملته الانتخابية أي صلة «بمشروع 2025»، ووصفه بأنه «سخيف وبائس»، وهو مبادرة سياسية نشرتها مؤسسة «هيرتدج» تهدف لتغيير واسع النطاق في كل جوانب السلطة، إلا أنه عاد ليعين مؤلفي ومؤثري هذا المشروع في مناصب رئيسية في إدارته الجديدة.

على رأس هؤلاء، راسل فوت، رجل الإدارة والميزانية، لا يرى نفسه موظفاً حكومياً بل «ترجمان عقل الرئيس» وقد شارك في كتابة فصل في مشروع 2025 حول السلطة الرئاسية. وفي تصريحات مثيرة له قال: «لن ننقذ بلادنا دون بعض المواجهة». إلى جانبه يقف ستيفن ميلر مهندس سياسات الهجرة، صاحب الجملة القاطعة: «أميركا للأميركيين» وهي رؤية بدأت تُترجم إلى سياسات فعلية في قرارات ترمب. كل من فوت وميلر، كما هو واضح، يشتركان مع ترمب في نظرته الصدامية، وإثارة الجلبة، والمواجهة الصاخبة.

الدائرة الثالثة: رجال الأعمال... كفاءة أم مصالح؟

يُحيط دونالد ترمب بعدد من رجال الأعمال والدوائر الاقتصادية، منهم من مول برنامجه السياسي وآخرون لديهم معهم مصالح اقتصادية مشتركة. وفي خطوة جريئة وغير مسبوقة، عين ترمب الملياردير إيلون ماسك ورجل الأعمال فيفيك راماسوامي لقيادة «إدارة كفاءة الحكومة» الجديدة. قرار يعكس رغبة ترمب في إعادة كتابة قواعد اللعبة: الرئيس لا ينتظر موافقة الكونغرس، بل يتحرك كمن يقود شركة عملاقة. لكن هذا الطموح يصطدم بعواصف غضب من المؤسسات التقليدية، التي ترى في هذه التجربة تهديداً لـ«روح الدولة».

تمثل دوائر رجال الأعمال المؤثرة في ترمب مزيجاً من قطاعات الطاقة والمال والتكنولوجيا والعقارات. والنفوذ الذي يُمارسونه، إما عبر التمويل المباشر، أو التأثير غير المباشر من خلال الإعلام والتشريعات الاقتصادية.

الدائرة الرابعة: الموالون السياسيون... وتغيير الجلد

ترمب يجيد فن استقطاب الأضداد. من ماركو روبيو، الذي هاجمه بشراسة عام 2016، ليصبح اليوم وزير خارجيته، إلى بيت هيغسيث، مذيع «فوكس نيوز» الذي يدير البنتاغون كمنصة إعلامية لا كوزارة دفاع.

أما التعيين الأشد إثارة للجدل، فهو روبرت كينيدي جونيور وزيراً للصحة، في تحدٍ صارخ للمؤسسة الطبية الأميركية. ترمب لا يبحث عن خبراء، بل عن «محاربين»، حتى وإن كانوا خارج الصندوق... أو ضده.

الدائرة الخامسة: الإعلام... سلاح لا يصدأ

لم تعد وسائل الإعلام مرآة تعكس الحدث في عهد ترمب، بل شريكاً في صناعته. فوكس نيوز ونيوزماكس تجاوزتا حدود البث لتتحولا إلى غرف عمليات سياسية. الإعلام عند ترمب لا يراقب الدولة، بل يخدم سرديتها.

وجود إعلامية بارزة مثل تاكر كارلسون، وشون هانيتي تلعب دوراً كبيراً في حياة ترمب السياسية، وفي زمن ما بعد التلفاز، يتقدم البودكاست كمنصة سياسية بديلة. أصوات مثل جو روجان ولوجان بول لم تعد مجرد «مؤثرين»، بل أصبحوا «وسطاء رأي»، ينقلون ترمب إلى الجيل Z بطريقة لا يجيدها أي حزب تقليدي.

يتردد كثيراً أن ترمب علّق التعريفات الجمركية التي فرضها على العالم بعد أن شاهد لقاء لبعض رجال الأعمال على شاشة «فوكس نيوز»، وسط تغطية إعلامية صاخبة لردود الفعل السلبية في الأسواق المالية، مما اضطر ترمب إلى التحدث مع مستشاريه، بعد أن أعرب قادة الأعمال والاقتصاديون عن قلقهم من تأثير التعريفات الضار على التجارة والاقتصاد، وخلق ذلك سرداً يوحي بعدم اليقين الاقتصادي.

الدائرة السادسة: مستشارو الظل

وراء الكواليس، يتحرك رجال لا يظهرون في المؤتمرات الصحافية، لكن كلماتهم تُسمع في القرارات المفاجئة. يحيط ترمب نفسه بمجموعة من المستشارين في الظل، يعملون بصمت لصياغة أغلب قراراته الصادمة. ومن هؤلاء ستيفن ميران، وهو العقل الاقتصادي الأول للرئيس ويدعو لتأسيس نظام تجاري واقتصادي عالمي جديد. يأتي بعده كل من هوارد لوتنيك وجون بولسون، وهم من شخصيات وول ستريت، رجال المال والتجارة الذين يصيغون سياسات ترمب بلغة الأرقام والجمارك، لا الخطب. يضاف إليهم أيضاً بيتر نافارو الخبير الاقتصادي ومهندس السياسات الحمائية والتصعيد التجاري مع الصين.

دونالد ترمب، في ولايته الثانية، لم يعد يُخفي معالم مشروعه. إنه لا يحكم بأدوات الدولة بل يعيد تشكيلها. يتحرك كمن يعلن أن «أميركا القديمة» لم تعد موجودة، وأن الزمن هو زمن القائد - لا المؤسسة.

تحولات ترمب ليست إلا مرآة لأميركا، وتعبير عن تحولات عميقة داخل المجتمع الأميركي، حيث تتصارع النخب القديمة مع تحالفات جديدة تجمع بين المال والسياسة والدين. وتنتقل من الاعتماد على المؤسسات التقليدية إلى الولاءات الشخصية، ومن التوازن بين السلطات إلى تركيز السلطة في يد الرئيس.

في حقبة ترمب الثانية، لم تعد السياسة الأميركية تُصنع في دوائر الحكم المعلنة، بل في مطبخ المصالح المتشابكة... وترمب، بجرأته وشخصيته المتفردة، حوّل هذا المطبخ إلى مصنع كبير. لكن السؤال الذي يظل معلقاً كخيط عنكبوت في غرفة القرار: هل هذه الخيوط محكمة كفاية لتبني بيتاً جديداً، أم أنها ستقع عند أول هبة ريح من الدولة العميقة؟


مقالات ذات صلة

وزير الدفاع الألماني: جاهزون للمساعدة في ضمان «أي سلام» بين أميركا وإيران

أوروبا وزير الدفاع الألماني ​بوريس بيستوريوس (أ.ف.ب) p-circle

وزير الدفاع الألماني: جاهزون للمساعدة في ضمان «أي سلام» بين أميركا وإيران

 قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، اليوم الخميس، إن بلاده جاهزة للمساعدة في ضمان تنفيذ أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز) p-circle

ناشطون أميركيون يكثفون جهودهم لإبقاء الإيرانيين متصلين بالإنترنت عبر «ستارلينك»

يكثِّف ناشطون من كل أنحاء العالم، خصوصاً الولايات المتحدة، جهودهم لمساعدة الإيرانيين على البقاء على اتصال عبر خدمة «ستارلينك» للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جنود أوكرانيون يستعدون لإطلاق صواريخ «غراد» باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة تشاسيف يار الواقعة على خط المواجهة في دونيتسك بمنطقة دونباس في أوكرانيا - 15 يناير 2026 (رويترز)

أميركا تربط الضمانات الأمنية بتنازل أوكرانيا عن منطقة دونباس لصالح روسيا

قال الرئيس الأوكراني إن أميركا جعلت عرضها تقديم الضمانات الأمنية اللازمة لاتفاق سلام مشروطا بتنازل كييف عن منطقة دونباس في شرق البلاد بالكامل لروسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، بدعوى فريدة من نوعها تهدف لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار الخاصة بالأطفال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) والملياردير إيلون ماسك (رويترز)

ترمب يستبعد ماسك من مجلسه الاستشاري الجديد بمجال التكنولوجيا

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصيات ذات ثقل في مجال التكنولوجيا، من بينهم مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا جنسن هوانغ».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: المفاوضون الإيرانيون «يتوسلون» لإبرام اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: المفاوضون الإيرانيون «يتوسلون» لإبرام اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الخميس)، دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقال إنها «لم تفعل شيئاً مطلقاً» لدعم الولايات المتحدة في مواجهة ما وصفه بـ«الأمة المجنونة، التي أصبحت الآن منيعة عسكرياً في إيران»، كما أكد أن المفاوضين الإيرانيين يتوسلون لإبرام اتفاق.

وأكد ترمب، في تصريح نشره على «تروث سوشيال»، أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى أي مساعدة من «الناتو» في مواجهة هذه الأزمة، مشيراً إلى أن بلاده قادرة على إدارة الوضع بمفردها.

وأضاف في منشوره: «لكن لا تنسوا هذه اللحظة المهمة في التاريخ!».

وتأتي هذه التصريحات في سياق التوترات المستمرة مع إيران، حيث يعبر ترمب عن إحباطه من غياب دعم حلفائه الأوروبيين في مواجهة التحديات الإقليمية.

وفي تصريح آخر على «تروت سوشال»، وصف ترمب المفاوضين الإيرانيين بأنهم «مختلفون وغريبون للغاية»، مشيراً إلى أنهم «يتوسلون» لإبرام اتفاق، وهو ما اعتبره طبيعيّاً بعد أن تم «تدميرهم عسكرياً بالكامل» وبدون أي فرصة للعودة.

وأضاف ترمب أن إيران، رغم ذلك، تقول علناً أنها «تنظر فقط في مقترحاتنا»، واصفاً ذلك بأنه «خطأ فادح». وحذر قائلاً: «من الأفضل أن يأخذوا الأمور على محمل الجد قريباً، قبل فوات الأوان، لأنه بمجرد حدوث ذلك، لن يكون هناك أي عودة، ولن تكون النتيجة جميلة!».


السفارة الأميركية: جماعات موالية لإيران شنّت هجمات واسعة على مواطنينا بالعراق

جنود عراقيون يتفقدون موقع مركز رعاية صحية مُدمَّر في قاعدة الحبانية العسكرية التي استُهدفت بغارة جوية أسفرت عن مقتل 7 من أفراد الأمن وإصابة 13 آخرين غرب بغداد (أ.ف.ب)
جنود عراقيون يتفقدون موقع مركز رعاية صحية مُدمَّر في قاعدة الحبانية العسكرية التي استُهدفت بغارة جوية أسفرت عن مقتل 7 من أفراد الأمن وإصابة 13 آخرين غرب بغداد (أ.ف.ب)
TT

السفارة الأميركية: جماعات موالية لإيران شنّت هجمات واسعة على مواطنينا بالعراق

جنود عراقيون يتفقدون موقع مركز رعاية صحية مُدمَّر في قاعدة الحبانية العسكرية التي استُهدفت بغارة جوية أسفرت عن مقتل 7 من أفراد الأمن وإصابة 13 آخرين غرب بغداد (أ.ف.ب)
جنود عراقيون يتفقدون موقع مركز رعاية صحية مُدمَّر في قاعدة الحبانية العسكرية التي استُهدفت بغارة جوية أسفرت عن مقتل 7 من أفراد الأمن وإصابة 13 آخرين غرب بغداد (أ.ف.ب)

أعلنت السفارة الأميركية في العراق، اليوم (الخميس)، شنَّ جماعات مسلحة موالية لإيران هجمات واسعة على مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في جميع أنحاء البلاد.

وقالت السفارة الأميركية، في بيان: «قامت ميليشيات إرهابية موالية لإيران بشن هجمات واسعة على مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك إقليم كردستان العراق ».

وأضافت: «لا تزال بعثة الولايات المتحدة في العراق مفتوحةً رغم إصدار أمر بالمغادرة، وذلك لمساعدة المواطنين الأميركيين داخل العراق»، مطالبة بـ«عدم التوجه إلى السفارة في بغداد أو القنصلية العامة في أربيل؛ بسبب المخاطر المستمرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في الأجواء العراقية».

وحذَّرت السفارة من أنَّ هذه الجماعات تحاول اختطاف أميركيين، داعية المواطنين الأميركيين إلى مغادرة العراق فوراً لأن البقاء في العراق يعرِّضهم لمخاطر جسيمة.


ناشطون أميركيون يكثفون جهودهم لإبقاء الإيرانيين متصلين بالإنترنت عبر «ستارلينك»

إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز)
إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز)
TT

ناشطون أميركيون يكثفون جهودهم لإبقاء الإيرانيين متصلين بالإنترنت عبر «ستارلينك»

إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز)
إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز)

بعدما تسببت الحرب في إيران في انقطاع شبه كامل للإنترنت في البلاد، يكثِّف ناشطون من كل أنحاء العالم، خصوصاً الولايات المتحدة، جهودهم لمساعدة الإيرانيين على البقاء على اتصال عبر خدمة «ستارلينك» للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية.

ورغم حظرها، اكتسبت خدمة «ستارلينك» التابعة للملياردير إيلون ماسك زخماً في إيران بفضل شبكة من الناشطين الدوليين، وفق ما أفاد العديد من الأشخاص المشاركين في هذه الجهود «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدأت جهود الناشطين عام 2022، عندما اندلعت احتجاجات حاشدة في إيران عقب وفاة مهسا أميني خلال احتجازها لدى شرطة الأخلاق لعدم التزامها بقواعد اللبس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

300 جهاز

وقالت إميليا جيمس من منظمة «نت فريدوم بايونيرز» ومقرها الولايات المتحدة: «بحلول هذا العام، سلمنا أكثر من 300 جهاز إلى البلاد» لكنها رفضت تقديم تفاصيل إضافية حفاظاً على سرية العملية وحماية المستخدمين.

وأوضح أحمد أحمديان، المدير التنفيذي لـ«هوليستيك ريزيليانس»، أن منظمته اشترت أجهزة «ستارلينك» في الدول الأوروبية وغيرها من الدول، قبل نقلها إلى إيران عبر «دول مجاورة».

وشنَّت الحكومة الإيرانية حملة صارمة على أجهزة «ستارلينك» في عام 2025، ويواجه من يتم ضبطهم وهم يستخدمونها عقوبة السجن.

رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)

وقال أحمديان إن العقوبات قد يتم تشديدها إذا تبيَّن أن الجهاز أُرسل من منظمة أميركية.

وأشار إلى أن منظمته زودت «ما يصل إلى 200» هوائي لأفراد في إيران، وسهلت بيع «أكثر من خمسة آلاف جهاز ستارلينك» عبر ربط مواطنين عاديين ببائعي تجزئة خفيين.

ويُعد هذا النهج أقل خطورة على كل من الناشطين والمستخدمين.

ولهذه الأسباب، تستخدم منظمة «هوليستيك ريزيليانس» شبكات التهريب وتقدم نصائح أمنية وتعليمات استخدام عن بعد.

تكاليف باهظة

وأوضح أحمديان أنه من أجل الحصول على هوائي «ستارلينك» من السوق السوداء، كان على الإيرانيين سابقاً أن يدفعوا نحو «800 أو ألف دولار» في نهاية عام 2025، وهو مبلغ باهظ بالنسبة إلى كثيرين.

وتضاف إلى ذلك تكاليف الاستخدام.

يمكن هذه الأجهزة، نظرياً على الأقل، أن توفر الإنترنت لعائلة أو لمبنى سكني. لكن واقعياً، يبقى الاستخدام «محدوداً» لأن «التكاليف باهظة بالنسبة إلى معظم المستخدمين» وفق إميليا جيمس.

بالنسبة إلى الأشخاص الذين يستطيعون تحمل التكاليف، فإن الدفع ببطاقات «فيزا» و«ماستركارد» غير متاح في إيران، مما يجبر المستخدمين على إيجاد حلول بديلة.

ومنذ حملة القمع الدامية ضد المتظاهرين في يناير (كانون الثاني)، مُنح المشتركون الجدد استخداماً مجانياً لـ«ستارلينك». لكن تكلفة الأجهزة ارتفعت بشكل كبير لتصل إلى نحو 4 آلاف دولار، وفقاً لأحمديان.

والطلب عليها ليس العامل الوحيد الذي يؤدي إلى ارتفاع التكاليف.

وأوضح أحمديان أن العديد من الأجهزة أُدخلت إلى إيران عبر «الحدود الجنوبية وعبر الممرات المائية». وبالتالي، فإن إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب يؤدي إلى «خنق إمدادات» الأجهزة.

أكثر من 50 ألفاً

ورغم أن عدد الأجهزة داخل إيران غير معروف علناً، يقدّر أحمديان أن «هناك أكثر من 50 ألف جهاز ستارلينك في إيران، بالتأكيد».

من جهتها، تقدر جيمس أن هناك «عشرات الآلاف» من أجهزة «ستارلينك» في إيران التي يبلغ عدد سكانها 92 مليوناً.

ولم تستجب شركة ستارلينك لطلب «وكالة الصحافة الفرنسية» للحصول على تفاصيل.

وقالت جيمس إنها سمعت تقارير تفيد بأن السلطات الإيرانية تفتّش أسطح المنازل والشرفات بحثاً عن الهوائيات منذ بداية الحرب.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أوقفت السلطات الإيرانية رجلاً قُدّم على أنه رئيس شبكة تبيع خدمة الإنترنت عبر «ستارلينك».