بوتين نقل لترمب عبر ويتكوف محددات موقف موسكو ومخاوفها

لافروف يؤكد مسار «تعزيز الثقة» مع واشنطن... والكرملين لا يتوقع «اختراقات سريعة»

جانب من لقاء بوتين وويتكوف في سان بطرسبورغ، يوم 11 أبريل (أ.ب)
جانب من لقاء بوتين وويتكوف في سان بطرسبورغ، يوم 11 أبريل (أ.ب)
TT

بوتين نقل لترمب عبر ويتكوف محددات موقف موسكو ومخاوفها

جانب من لقاء بوتين وويتكوف في سان بطرسبورغ، يوم 11 أبريل (أ.ب)
جانب من لقاء بوتين وويتكوف في سان بطرسبورغ، يوم 11 أبريل (أ.ب)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجمعة، جولة محادثات مغلقة مع ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ركَّزت على ملفات العلاقة الثنائية وجهود دفع تسوية سياسية في أوكرانيا.

وعلى الرغم من تأكيد الكرملين أنه لا ينتظر «اختراقات سريعة» من المفاوضات المكوكية مع المبعوث الأميركي الذي يزور روسيا للمرة الثالثة في غضون شهرين، لكن الرئاسة الروسية كشفت أن اللقاء تضمن «نقل محددات وعناصر الموقف الروسي، ومخاوف موسكو إلى الرئيس الأميركي».

وعَدَّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أن الحرب في أوكرانيا «عبثية»، داعياً موسكو لأن «تتحرك» نحو إبرام تسوية، في موقف تزامن مع زيارة مبعوثه ويتكوف إلى روسيا. وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»، «على روسيا أن تتحرك»، مشيراً إلى أن الحرب التي اندلعت مطلع عام 2022 «عبثية» و«كان يجب ألا تقع».

جانب من لقاء بوتين وويتكوف في سان بطرسبورغ، يوم 11 أبريل (أ.ب)

وجرى اللقاء مع بوتين خلف أبواب مغلقة، ولم ينشر الطرفان بعده بيانات توضح مضمون النقاشات. وفي إشارة لافتة قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إن محادثات بوتين مع ويتكوف ربما تكون «استمرت ساعتين أو ثلاث ساعات، وفق حاجة الرئيس الروسي». وحذَّر من التسرع في إعطاء تقييم لمسار المحادثات مع واشنطن، على خلفية تسارع وتيرة زيارات المبعوث الأميركي، وقال إنه «لا ينبغي توقع أي اختراقات سريعة»، مضيفاً أن عملية تطبيع العلاقات تجري بشكل جيد.

وكشف بيسكوف أن اللقاء بين بوتين وويتكوف مثَّل «فرصة لروسيا لنقل عناصر موقفها ومخاوفها إلى الرئيس الأميركي».

وسُئل الناطق عن مغزى توقيت الزيارة مباشرة بعد جولة محادثات روسية أميركية في إسطنبول، فأكَّد عدم وجود رابط بين المسارين. في إشارة إلى أن حوارات إسطنبول «فنية، وتهدف إلى حلحلة مشكلات البعثات الدبلوماسية ومسائل استئناف الطيران المدني بين البلدين»، في حين أن زيارات ويتكوف تناقش الملفات السياسية الرئيسية في شؤون العلاقات الثنائية والتسوية الأوكرانية. وقال بيسكوف للصحافيين: «إنهما مساران مختلفان لعملية مشتركة واحدة».

وفي هذا الإطار كان لافتاً التلميح إلى أن زيارة ويتكوف هذه المرة قد تكون تطرقت لتحديد موعد للقاء مقبل بين بوتين وترمب، وهو أمر تحدَّث عنه الطرفان مرات كثيرة في السابق ولم يتم حتى الآن إعلان اتفاق بشأنه.

الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل دميترييف (وسط) خلال اجتماع اقتصادي حضره بوتين في 27 مارس 2025 (إ.ب.أ)

وكانت الولايات المتحدة وروسيا، قد أجرتا، الخميس، في إسطنبول الجولة الثانية من المحادثات بشأن استئناف العمليات الكاملة لبعثاتهما الدبلوماسية. وفي أعقاب المشاورات، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن الوفدين تبادلا مذكرات تؤكد الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن الالتزامات المتبادلة لتسهيل الخدمات المصرفية والمالية دون انقطاع للبعثات الدبلوماسية الروسية والأميركية، فضلاً عن تنفيذ إسهامات الاتحاد الروسي في ميزانيات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.

وقبل لقائه ببوتين، أجرى المبعوث الأميركي جولة محادثات في عاصمة الشمال الروسي سان بطرسبورغ مع الممثل الخاص للرئيس الروسي للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل دميترييف، وهو شخصية مقربة جدّاً من بوتين. كما قام بزيارة إلى كنيس يهودي في المدينة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في يناير الماضي (أ.ب)

وهذه الزيارة الثالثة للمبعوث الخاص ويتكوف إلى روسيا. وكانت زيارته الأخيرة لموسكو في 13 مارس (آذار) الماضي. والتقى المبعوث الخاص بعد ذلك بممثلين روس رفيعي المستوى، وفي المساء استقبله بوتين.

وحسبما أفاد بيسكوف، قدَّم ويتكوف للجانب الروسي معلومات إضافية بشأن أوكرانيا، وقام الرئيس الروسي من خلاله بنقل معلومات وإشارات إضافية إلى نظيره الأميركي.

وفي أوائل فبراير (شباط) زار ويتكوف روسيا للتفاوض على تبادل الأميركي مارك فوجل، المُدان بتهريب المخدرات وحيازتها، ثم شارك في مفاوضات روسية أميركية رفيعة المستوى في الرياض.

المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف في موسكو (أ.ب)

لافروف يُحذّر من نشاط معارضي التقارب

في غضون ذلك، حذَّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية رابطة الدول المستقلة في العاصمة الكازاخية، ألماتي، من صعوبات تعترض تطبيع العلاقات الروسية الأميركية، خصوصاً بسبب وجود معارضة قوية في واشنطن للتقارب مع موسكو.

وقال لافروف إنه «في الولايات المتحدة هناك كثير من الناس، سواء بين الديمقراطيين أو الجمهوريين، الذين لا يريدون استئناف الحوار بين موسكو وواشنطن». وأشار الوزير إلى أن الثقة بين الطرفين «قُوِّضت ودُمّرت على يد إدارة (الرئيس جو) بايدن».

وأضاف: «حتى الآن في الولايات المتحدة نفسها، سواء بين الديمقراطيين أو الجمهوريين، هناك عدد من الناس الذين لا يريدون أن يسود تركيز الرئيس (دونالد) ترمب وفريقه على تطبيع العلاقات (مع الاتحاد الروسي) واستئناف الحوار حول أي قضايا، على الرغم من الخلافات». ودعا الوزير إلى عدم المبالغة في التوقعات بشأن الاتصالات الجارية، لكنه استدرك أن «الأمر يستحق أن نسعى إلى تطبيع العلاقات».

وأوضح: «أعتقد أنه ينبغي لنا ألا نخدع أنفسنا، لكن السعي إلى التطبيع القائم على الاعتراف المتبادل واحترام المصالح الوطنية لكل دولة أمر واقعي وضروري تماماً».

ورأى أن عمليات تبادل الأسرى التي جرت بين موسكو وواشنطن تُساعد على تعزيز الثقة، لكن استعادتها بشكل نهائي سيستغرق وقتاً طويلاً.

وأفاد لافروف -خلال مؤتمر صحافي أعقب اجتماع وزراء الخارجية- بأن بلاده اقترحت على الولايات المتحدة رفع العقوبات المفروضة على شركة «إيروفلوت» الناقل الحكومي الأهم.

وقال ردّاً على سؤال حول ما إذا كانت استعادة الحركة الجوية ستستلزم رفع العقوبات المفروضة على شركة «إيروفلوت»: «قدمنا مثل هذا الاقتراح قبل الاجتماع في الرياض بنحو شهر. ووافق عليه الأميركيون. وحتى الآن، لم نشهد أي خطوات متبادلة». وحسب الوزير فإن «استئناف الحركة الجوية يجب أن يكون نتيجة رفع العقوبات عن شركة (إيروفلوت)».

«محادثات جدة» بين الوفدين الأميركي والروسي بقصر الدرعية في الرياض يوم 18 فبراير (رويترز)

وأشار لافروف إلى أن الخبراء الروس ذكَّروا بهذا الاقتراح خلال الجولة الثانية من المشاورات مع الولايات المتحدة في إسطنبول.

وفي شأن التسوية الأوكرانية شدَّد لافروف على موقف بلاده الرافض تقديم أي تنازلات ميدانية، وقال إن «عودة أوكرانيا إلى حدودها لعام 1991 أمر مستحيل، وإدارة الرئيس الأميركي تُدرك ذلك جيداً».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)

وأوضح أن «العودة إلى حدود عام 1991، كما يطالب (الرئيس فولوديمير) زيلينسكي، أمرٌ مستحيل، ولو لمجرد الحفاظ على من يعدّهم زيلينسكي (مخلوقات) يعيشون في هذه الأراضي. وقد وصفهم بهذا الشكل مراراً وتكراراً حتى قبل بدء العملية العسكرية الخاصة... حسناً، هل يمكن التفكير ولو افتراضياً في التخلي عن هؤلاء الأشخاص؟ مستحيل، أبداً. وإدارة ترمب تُدرك هذا أيضاً، إذ صرّحت علناً مراراً وتكراراً بأن على زيلينسكي أن يُعالج مسألة الأراضي».


مقالات ذات صلة

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.


ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

تشهد العاصمة الأميركية واشنطن، مساء السبت، حدثاً سياسياً – إعلامياً استثنائياً مع مشاركة الرئيس دونالد ترمب لأول مرة في حفل «عشاء مراسلي البيت الأبيض»، بعد سنوات من المقاطعة والانتقادات الحادة للمؤسسة الصحافية وسط تساؤلات وترقب حول ما سيقوله ترمب، وكيف ستكون ردة فعل الصحافيين، وهل سيستغل ترمب الحقل المخصص للاحتفال بالتعديل الأول للدستور وحرية الصحافة للشكوى من الأخبار المزيفة، أم سيوجه انتقاداته بأسلوب أخف وطأة.

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

غير أن هذه العودة لا تعني استعادة التقاليد القديمة، بقدر ما تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والإعلام، وفي وظيفة هذا الحدث الذي يعد تقليداً عريقاً يعود تاريخه إلى 100 عام منذ حضور الرئيس كالفن كوليدج عام 1924 له، والذي كان يُعرف تاريخياً بمزيج من السخرية السياسية والاحتفاء بحرية الصحافة.

كسر المقاطعة: من «الأخبار الكاذبة» إلى الحضور

الرئيس الأميركي باراك أوباما يمنح الممثل والمخرج روبرت ريدفورد وسام الحرية الرئاسي عام 2016 (أ.ف.ب)

وترى العديد من الشبكات الصحافية أن قرار ترمب المشاركة، هذا العام، يمثل انعطافة لافتة في موقفه من الحفل، الذي قاطعه طوال ولايته الأولى، مبرراً ذلك بما وصفه بـ«عداء غير مسبوق» من قبل الصحافة. وكتب مؤخراً أنه قاطع الحدث؛ لأن الإعلام كان «سيئاً للغاية» معه، ودأب على نشر «أخبار كاذبة بالكامل» عنه، لكنه أبدى هذه المرة تطلعاً إلى أن يكون الحفل مميزاً.

هذا التحول يقرؤه مراقبون في سياق أوسع: محاولة من ترمب لإعادة ضبط العلاقة مع النخبة الإعلامية دون التراجع عن خطابه النقدي؛ فالرئيس الذي خاض معارك قضائية وإعلامية مع مؤسسات كبرى، وفرض قيوداً على بعض وسائل الإعلام، يدرك في الوقت نفسه أهمية هذا الحدث بوصفه منصة رمزية تجمع صناع القرار والسياسيين ومشاهير هوليوود والصحافيين في فضاء واحد.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وقرينته ميشيل يحيِّيان دونالد ترمب وزوجته ميلانيا في حفل تنصيب الرئيس الجمهوري عام 2017 (رويترز)

عشاء بلا سخرية

التحول الأكثر دلالة، هذا العام، يتمثل في التخلي عن أحد أبرز تقاليد الحفل؛ حيث اعتاد منظمو الحفل الاستعانة بكوميدي يسخر من الرئيس وسياساته؛ فقد قررت جمعية مراسلي البيت الأبيض أن تستبدل بهذا الدور عرضاً يقدمه (قارئ أفكار) هو أوز بيرلمان، في خطوة فسّرتها تقارير أميركية بأنها محاولة لتجنب التصعيد مع الرئيس.

ورأى البعض هذا القرار بوصفه يعكس حساسية غير مسبوقة.

فالحفل، الذي اعتاد أن يكون مساحة للسخرية اللاذعة من السلطة، شهد في الماضي لحظات محرجة لرؤساء أميركيين، من سخرية ستيفن كولبير من جورج بوش الابن، إلى الجدل الذي أثارته ميشيل وولف عام 2018، لكن حالة ترمب تبدو مختلفة؛ إذ يخشى المنظمون أن تتحول السخرية إلى مواجهة سياسية مباشرة في ظل علاقة متوترة أصلاً. كما أثار غياب الكوميديا انتقادات داخل الوسط الصحافي، حيث رأى البعض أن التخلي عن هذا التقليد يفرغ الحفل من أحد أهم أدواره: التعبير عن التوتر الطبيعي بين الصحافة والسلطة بأسلوب ساخر.

صور ترمب والرئيسين السابقين باراك أوباما وجورج دبليو بوش أسفلها لوحات تحمل تعليقات عن كل رئيس (أ.ب)

ذاكرة 2011: السخرية التي لم تُنسَ

لا يمكن فصل هذا التحول عن تجربة عام 2011، عندما تعرض ترمب لسخرية مباشرة من الرئيس باراك أوباما والكوميدي سيث مايرز خلال الحفل، في لحظة بقيت راسخة في الذاكرة السياسية الأميركية. ورغم نفي ترمب لاحقاً تأثره بتلك الليلة، فإن العديد من المحللين يرون أنها شكّلت نقطة مفصلية في علاقته بالإعلام، وربما في مسيرته السياسية نفسها. واليوم، ومع عودة ترمب لأول مرة لحضور الحفل، يبدو أن المنظمين اختاروا تجنب تكرار هذا السيناريو؛ ما يعكس تغيراً في ميزان العلاقة بين الطرفين.

خلال ولايته الرئاسية قام باراك أوباما بأعمال تطوّعية لمساعدة المعوزين (أ.ف.ب)

جدل داخل الوسط الإعلامي

وقد أثارت عودة ترمب إلى الحفل انقساماً واضحاً داخل الأوساط الصحافية، فقد عبّرت منظمات إعلامية بارزة عن قلقها من «الاحتفاء» برئيس اتهمته بشن «أوسع هجوم منهجي على حرية الصحافة» في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. وقد اعترض أكثر من 250 صحافياً والعديد من مجموعات الدفاع عن حرية الإعلام في رسالة مفتوحة من أن حضور ترمب لهذا الحدث يمثل «تناقضاً صارخاً مع الغرض الأساسي الذي أُقيم من أجله.

وأشارت شبكة «سي بي إس» إلى سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الإدارة، من تقييد الوصول إلى بعض الفعاليات، إلى النزاعات القانونية مع مؤسسات إعلامية كبرى، وصولاً إلى خطاب سياسي يتضمن أوصافاً حادة للصحافيين. وفي رسالة مفتوحة، دعت إلى استغلال الحفل لتوجيه رسالة «دفاع قوي عن حرية الصحافة». وفي المقابل، يدافع منظمو الحفل عن قرارهم، مؤكدين أن الهدف الأساسي ليس السخرية من الرئيس، بل دعم الصحافة من خلال تمويل المنح الدراسية والجوائز المهنية، والاحتفاء بالتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يكفل حرية التعبير.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وقد أشارت ويجيا جيانغ رئيسة رابطة مراسلي البيت الأبيض - وهي كبيرة مراسلي شبكة «سي بي إس نيوز» - إلى أن هذا الحفل مخصص للاعتراف بالأهمية الجوهرية للتعديل الأول للدستور، وحضور الرئيس يعد تذكيراً حياً للمعنى الحقيقي للصحافة الحرة في هذا البلد.

ويتجاوز الجدل مسألة شكل الحفل إلى جوهره؛ فالبعض يرى أن الحدث، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مناسبة اجتماعية كبرى تجمع السياسيين والإعلاميين والمشاهير، يعكس تقارباً مقلقاً بين الصحافة والسلطة. بينما يرى آخرون أنه يوفر مساحة نادرة للحوار غير الرسمي بين الطرفين. وتبرز أهمية هذه المساحة في ظل إدارة تعتمد خطاباً تصادمياً مع الإعلام؛ ما يجعل أي فرصة للتواصل المباشر ذات دلالة سياسية.

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وعلى يمينه المذيع جيمي كيميل وعلى يساره الرئيس الأسبق باراك أوباما على مسرح الطاووس في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ماذا سيقول ترمب؟

يبقى أحد أبرز الأسئلة المطروحة هو طبيعة خطاب ترمب خلال الحفل. ففي حين اعتاد رؤساء سابقون، مثل بيل كلينتون وأوباما، استخدام هذه المناسبة للسخرية من أنفسهم وسياساتهم، يشكك مراقبون في أن يسلك ترمب المسار نفسه. ويتوقع بعض الخبراء أن يستغل المنصة لتأكيد مواقفه من الإعلام، وربما تقديم روايته الخاصة حول العلاقة المتوترة معه. وفي هذا السياق، تشير تحليلات إلى احتمال أن يركز على ما يعده «نجاحاً» في مواجهة الإعلام، في خطاب قد يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه فكاهياً.

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت (رويترز)

على الصعيد الأمني، تشهد واشنطن استعدادات مكثفة للحفل، مع إغلاق شوارع رئيسية منذ الصباح الباكر في محيط فندق هيلتون الذي يستضيف الحفل، وانتشار واسع لقوات الأمن، نظراً لحضور الرئيس وكبار المسؤولين، إضافة إلى احتمال تنظيم احتجاجات من قبل صحافيين أو ناشطين. ولا تمثل عودة ترمب إلى «عشاء مراسلي البيت الأبيض» مجرد مشاركة بروتوكولية، بل تعكس إعادة تعريف أوسع للعلاقة بين السلطة والإعلام في الولايات المتحدة؛ فالحفل، الذي كان يوماً منصة للسخرية المتبادلة، يتحول اليوم إلى مساحة أكثر حذراً، تحكمها حسابات سياسية معقدة.


ترمب وإيران... سياسة على إيقاع «تروث سوشيال»

يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)
يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)
TT

ترمب وإيران... سياسة على إيقاع «تروث سوشيال»

يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)
يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)

بين الترغيب والتهديد، بين التصعيد والتهدئة، بين الحرب والمفاوضات، يقود الرئيس الأميركي دونالد ترمب سياسته تجاه إيران على منصة «تروث سوشيال» بتقلبات أربكت حتى حلفاءه. فمن الحديث عن اتفاق وشيك إلى التلويح باستئناف الحرب وتدمير البلاد، ومن إعلان تحركات تفاوضية إلى نفيها بعد ساعات، تتزايد التساؤلات ما إذا كانت هذه التصريحات ناجمة عن استراتيجية ضغط مدروسة أم تصريحات تُصاغ على وقع اللحظة؟

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» خلفيات هذا المسار المتقلب وكيف تترجم هذه الرسائل المتناقضة على الأرض.

حرب أم مفاوضات؟

ترمب في البيت الأبيض 23 أبريل 2026 (رويترز)

أعلن ترمب مطلع هذا الأسبوع عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران. وترى جينيفر غافيتو، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي ونائبة مساعد وزير الخارجية سابقاً، أن الطرفين الأميركي والإيراني بدآ يدركان تدريجياً أنه لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، وأن المَخرج الوحيد هو المَخرج الدبلوماسي، لكن رغم ذلك يواصلان اتخاذ مواقف متطرفة من دون إبداء أي استعداد للتوصل إلى تسوية حقيقية.

أضافت غافيتو: «لذا؛ أعتقد أن هذا المأزق الذي نجد أنفسنا فيه، حيث لا يوجد صراع مفتوح، ولكن في الوقت نفسه يستمر الحصار وتواصل إيران تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. إنها حالة قد نجد أنفسنا فيها إلى أن تقرر إدارة ترمب ما إذا كانت تريد، من ناحية، تصعيد الصراع مرة أخرى أو بدلاً من ذلك محاولة إيجاد مخرج سيتطلب على الأرجح درجة ما من التسوية. ولا أعتقد أننا نعرف بعد إلى أي اتجاه يتجه الأمر».

من ناحيته، يرى لستر مانسون، مدير الموظفين السابق في لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ، أن حالة من الجمود ستسيطر على الوضع لفترة؛ لأن الأمر أشبه بلعبة «من يرمش أولاً»، على حد تعبيره. وتابع: «ترمب يحاول إيصال رسالة مفادها أنه مستعد للانتظار مهما طال الأمر، وأنه راضٍ بإغلاق مضيق هرمز. وهو مستعد لتحمل أي صعوبات اقتصادية أو سياسية قد يتعرض لها شخصياً فقد تراجعت شعبيته بالفعل بشكل ملحوظ في الكثير من استطلاعات الرأي الأخيرة بسبب هذه الحرب، وهو لا يمانع ذلك؛ إذ إنه يبحث عن فوز طويل الأمد هنا». وأشار مانسون إلى أنه إذا فهم الإيرانيون هذه الرسالة؛ فقد يدفعهم ذلك إلى طاولة المفاوضات. ويقربهم من التوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «إيران تريد إدارة ترمب لترى إلى متى هم مستعدون لتحمل إغلاق مضيق هرمز، وهذه هي اللعبة حالياً».

وزير الحرب بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون 16 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول أليكس فاتانكا، كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إن الجانب الإيراني مهتم حقاً بالتوصل إلى حل دبلوماسي إذا أمكنه التوصل إلى حل يلبي حداً أدنى من مطالبه الأساسية، رافضاً صحة تقييم إدارة ترمب عن وجود انقسام في إيران وفراغ في السلطة، عادَّاً أن النظام الإيراني، أو ما تبقى منه، قد توطد. وأضاف: «إنه (النظام) يريد إنهاء هذه الحرب، لكنه لن يمنح الولايات المتحدة دبلوماسياً ما لم تتمكن تحقيقه عسكرياً. الأمر يتعلق بفكرة من سيتراجع أولاً. عليهم أن يضعوا ذلك جانباً ويمضوا قدماً في جوهر ما يحتاجون إلى التفاوض عليه حقاً، وهو في الواقع الجزء الأصعب. عندها تبدأ المفاوضات الحقيقية ولن تستغرق أياماً ولا أسابيع، بل ربما أشهراً عدة». وأعرب فاتانكا عن أسفه بأن الجانبين يخوضان هذه المعركة في حرب كلامية، على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الملأ ما يعرقل مسار الحل.

حرب عبر «تروث سوشيال»

منشور لترمب يعلن فيه عن اتفاق وقف إطلاق نار مع إيران لأسبوعين 7 أبريل 2026 (رويترز)

يصدر ترمب غالبية مواقفه عبر «تروث سوشيال» بعيداً عن القنوات الدبلوماسية التقليدية برسائل متناقضة بعض الأحيان، وفي حين يقول مانسون إن ما يراه البعض تناقضاً قد يكون براعة ترمب في التلاعب بالناس في الشرق الأوسط والولايات المتحدة والأحزاب السياسية المختلفة، إلا أنه يرجح أن يكون هذا الأسلوب نوعاً من التعبير الفوري عن رد فعله تجاه الأحداث، وأنه يريد أن يعيش اللحظة عبر سرعة الاستجابة، وأن يكون الشخص الذي يدفع الأخبار إلى الأمام مهما كان الثمن.

يضيف مانسون: «إنه (ترمب) يفضّل أن يكون هو من يدفع بدلاً من أن يُدفع. ولذلك؛ فهو استفزازي للغاية. يقول أشياء تسيء إلى الناس. يقول أشياء تتجاوز الحدود العادية عن قصد لإثارة الفوضى وجعل الأشخاص يتخذون موقفاً مختلفاً. ثم يحاول الاستفادة من ذلك في المفاوضات أو في صفقات إبرام الاتفاقات. ومن الواضح أنه يحاول فعل ذلك هنا فيما يتعلق بإيران».

ورأى مانسون أن هذا الأسلوب هو نوع من الاستراتيجية التي تعتمد على التفاعل مع اللحظة في كل وقت، «قد تنجح أحياناً وتفشل أحياناً أخرى». لكن فاتانكا يؤكد أن نتيجة هذا الأسلوب هي «عكس النجاح» مع الإيرانيين، ويفسّر قائلاً: «إن الفوضى التي يخلقها في هذه الحالة لم تخلق فوضى في طهران. بل العكس هو الصحيح. فقد أعطت الإيرانيين انطباعاً بأن الرئيس الأميركي يشعر بإحباط شديد. ولا يعرف ماذا يفعل وأن الوقت في صالحهم».

وأشار إلى أن ما فعله الرئيس الأميركي هو الخلط بين مسألة الظهور بمظهر رائع وجيد وقوي أمام الرأي العام الأميركي، مع إغفال حقيقة أنه يحاول التوصل إلى اتفاق مع هذا النظام الإيراني؛ لأن خيار الحرب لم ينجح حقاً، مقوضاً هدفه الخاص وهو إحياء الدبلوماسية. وأضاف: «إن أكبر أداة في صندوق أدوات الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالنظام الإيراني، ليست سلاح الجو الأميركي مهما كان قوياً، بل المشاعر العامة الإيرانية الغاضبة من ذلك النظام. وماذا تفعل حيال هذا الشعور العام الإيراني عندما تقول إنك تريد القضاء عليهم جميعاً؟ لذا؛ أعتقد أن حملته على وسائل التواصل الاجتماعي قد جاءت بنتائج عكسية، وأضعفت موقفه».

يسعى ترمب لإرباك النظام الإيراني (إ.ب.أ)

وتوافق غافيتو مع هذا التقييم، عادَّة أن استراتيجية ترمب تأتي بنتائج عكسية، فتقول: «أخشى أن الرئيس ومؤيديه ينظرون إلى الأمر على أنه مفاوضات مستوحاة من كتاب (فن الصفقة)، لكننا لا نتعامل هنا مع صفقة تجارية أخرى. نحن لا نتعامل حتى مع عملية صنع قرار عقلانية بالطريقة التي نفهمها. أعتقد أن هناك عقلانية في عملية صنع القرار لدى النظام الإيراني هنا، لكنها ليست لإبرام صفقة».

وأشارت غافيتو إلى قلقها من أن ترمب «محاط بالكثير من الأشخاص الذين يسيئون فهم الدوافع التي تحرك النظام الإيراني»، مضيفة: «إلى أن يجمعوا الخبرة اللازمة لتقييم ذلك بشكل مناسب، أخشى أن تستمر هذه الأخطاء بطرق تعيدنا إلى حافة تصعيد خطير للغاية. ورغم أني أعتقد أن الرئيس يفضل عدم العودة إلى الصراع المفتوح، وأنه يرغب في التوصل إلى اتفاق، لكن هذه التصريحات الاستفزازية تبعدنا عن ذلك أكثر فأكثر».

إقالة وزير البحرية

وزير البحرية المُقال جون فيلان مع ترمب في فلوريدا 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وفي خضم هذه التجاذبات، أعلنت وزارة الحرب عن مغادرة وزير البحرية الأميركي جون فيلان لمنصبه مع تسريبات أشارت إلى إقالته، ويقول مانسون إنه رغم أن أسباب فصل فيلان غير مرتبطة بإيران، فإن إقالة وزير البحرية هو تحرك غير معتاد «عندما تكون البحرية تنفذ حصاراً ضد دولة معادية».

ويشير مانسون إلى أن التأثير العملي لهذه الإقالة لن يكون كبيراً، لكن خطوة من هذا النوع في خضم أزمة هو أمر مثير للجدل، ويضيف: «هذا رئيس يتبنى الفوضى عن قصد كآلية للحصول على ما يريد في أي موقف. لذا؛ قد يكون راضياً تماماً عن إرباكنا جميعاً بشأن دوافعه وراء هذا التغيير في الموظفين. وبينما نتساءل عن سبب قيامه بمثل هذا الأمر، هذه هي البيئة التي يشعر فيها بالراحة عند اتخاذ القرارات».

من ناحية أخرى، يشدد مانسون على ضرورة إعطاء ترمب فرصة للنجاح في ملف إيران، مشيراً إلى أن اتباع نهج مختلف في السياسات قد يؤتي ثماره؛ لأن المحاولات التقليدية فشلت في تحقيق أهدافها. ويذكر بأن الرئيس الأميركي حقق بالفعل الكثير من النتائج التي أعلن عنها من تدمير الجيش الإيراني، والبحرية، وأنظمة الصواريخ، وقدرتهم على صنع الصواريخ، والتدمير المستمر لبرنامج الأسلحة النووية الإيراني، ويختم قائلاً: «هذا، في نهاية المطاف، يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة».