60 يوماً من ولاية ترمب: عشرات القرارات التنفيذية لإعادة رسم صورة أميركا

مبدأ فصل السلطات على المحك بسبب تجاهل الكونغرس وأحكام القضاة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاملاً قراراً تنفيذياً في القاعة الشرقية للبيت الأبيض في واشنطن خلال 20 مارس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاملاً قراراً تنفيذياً في القاعة الشرقية للبيت الأبيض في واشنطن خلال 20 مارس (أ.ب)
TT

60 يوماً من ولاية ترمب: عشرات القرارات التنفيذية لإعادة رسم صورة أميركا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاملاً قراراً تنفيذياً في القاعة الشرقية للبيت الأبيض في واشنطن خلال 20 مارس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاملاً قراراً تنفيذياً في القاعة الشرقية للبيت الأبيض في واشنطن خلال 20 مارس (أ.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الأيام الـ60 الأولى من ولايته الثانية في البيت الأبيض زهاء 100 قرار تنفيذي، موحياً مرات، ومصرحاً مرات أخرى، بأن الشعب الأميركي منحه تفويضاً أقوى حتى من سلطة المحاكم والكونغرس لإعادة تشكيل الحكومة، ورسم صورة جديدة لها محلياً وخارجياً، فيما يعدّه كثيرون تهديداً لمبدأ الفصل بين السلطات.

بصرف النظر عن صحة ما يتسلّح به الرئيس ترمب لجهة تحقيقه فوزاً «لا سابق له» ضد خصومه الليبراليين خلال انتخابات عام 2024، التي حصل خلالها على 312 صوتاً في المجمع الانتخابي المؤلّف من 538 ناخباً، بالإضافة إلى أكثر من 77 مليون صوت شعبياً (بنسبة 49.8 في المائة من الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم)، فضلاً عن فوزه في كل الولايات السبع المتأرجحة، فإن معظم الاستطلاعات الحالية يُظهر الآن أن نسبة التأييد التي يحظى بها أعلى قليلاً مما كانت عليه خلال هذه المرحلة من ولايته الأولى بدءاً من عام 2017 في البيت الأبيض. وأظهر استطلاع أجرته شبكة «إن بي سي» الأميركية للتلفزيون وشمل ألف ناخب مسجل، أن 47 في المائة يؤيّدون ترمب مقابل 51 في المائة ممن يرفضونه، بهامش خطأ يصل إلى 3 في المائة.

«تقليص» الحكومة

وزارة التعليم الأميركية في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

وتدل هذه النسب على أن التأييد الشعبي للرئيس ترمب لم يتأثر كثيراً حتى الآن، على الرغم من اتساع نطاق رقعة حربه التجارية والمعارك القضائية التي يخوضها حول قراراته التنفيذية، التي لا تزال تهيمن على ولايته الثانية التي بدأت قبل شهرَيْن، فضلاً عن تركيزها أيضاً على «تقليص» الحكومة الفيدرالية وخفض الميزانية العامة للحكومة في واشنطن، من خلال إغلاق عدد من الوكالات الرئيسية، وآخرها وزارة التعليم، أو ضمها إلى كيانات أخرى مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، فضلاً عن تسريح عشرات الآلاف من الموظفين والعاملين الفيدراليين لتحجيم القوة الحكومية العاملة التي تتألّف من نحو 2.3 مليون شخص.

وعلى الرغم من ذلك، يعتقد عدد أكبر من الناخبين المسجلين (43 في المائة) أن الرئيس ترمب يحظى بالكثير من السلطة إذا ما قُورن بالمحكمة العليا الأميركية والسلطة القضائية، علماً بأن هذه النتائج تظهر في وقت تختبر فيه إدارة ترمب سلطة القضاء في دعاوى عدة تشمل عمليات الفصل الجماعي لموظفين فيدراليين، واستخدام قانون قديم حول ما يُسمّى «الأعداء الأجانب» لعام 1798 لترحيل المهاجرين في زمن الحرب.

إيلون ماسك عقب اجتماعه بأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في 5 مارس (أ.ب)

وأظهرت نتائج الاستطلاعات أن 51 في المائة من الناخبين لديهم وجهة نظر سلبية حيال الملياردير إيلون ماسك، الذي عيّنه الرئيس ترمب مستشاراً رفيعاً، يدير «دائرة الكفاءة الحكومية»، أو «دوغ» اختصاراً. في حين عبّرت نسبة 39 في المائة عن وجهة نظر إيجابية حياله.

وتتوافق هذه النتائج السلبية مع استطلاع «مورنينغ كونسالت» الذي قال فيه 50 في المائة إنهم لا يوافقون على السياسات التي يعتمدها ترمب، مقابل 48 في المائة ممن أكدوا أنهم يؤيدونها. بينما لحظ استطلاع أجرته كلية «إيمرسون كولدج» أن نسبة عدم الموافقة على قرارات ترمب زادت نقطتَيْن، في حين انخفضت نسبة التوافق معه نقطة واحدة.

التأييد الشعبي

ومع ذلك لا تزال نسبة الموافقة على قرارات ترمب، التي تبلغ 46 في المائة، أعلى بخمس نقاط من أعلى متوسط ​​بلغه طوال ولايته الأولى، وهي 41 في المائة، وفقاً لاستطلاعات «غالوب».

وإذا كانت حرب التعريفات الجمركية التي بدأها ترمب مع شركاء الولايات المتحدة التجاريين، بما في ذلك كندا والمكسيك وجهوده لتقليص القوى العاملة الفيدرالية بمساعدة ماسك، استهلكت حيزاً كبيراً من شهرَيْه الأولَيْن في رئاسته الثانية، شهدت هذه الفترة لحظات مثيرة؛ أبرزها انفجار الخلاف مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام الصحافيين وتحت عدساتهم في المكتب البيضاوي، مرسلاً إشارة لا لبس فيها إلى طريقة تعامله حتى مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة في العالم، إذا أظهروا أي تعارض مع رؤيته للأمور، سلماً أو حرباً، داخلياً أو خارجياً.

ولا تزال معركة ترمب الداخلية في بدايتها. غير أن الاعتراضات القضائية المتكررة على قراراته التنفيذية، دفعت الرئيس ترمب إلى المطالبة علناً بعزل قاضٍ فيدرالي أمر بوقف مساعي الإدارة لترحيل المهاجرين، وإطلاق حملة ضد قاضٍ آخر وجد أن إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية «ربما ينتهك الدستور» و«يجرّد الكونغرس من سلطته» التشريعية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس مجلس النواب مايك جونسون ورئيس الوزراء الآيرلندي مايكل مارتن على درج الكابيتول في 12 مارس (أ.ب)

وذهبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى بثّ مخاوف حيال محاولات ترمب «ترسيخ سيطرته» من بعض النواحي، «حتى على المجتمع والثقافة الأميركيين». ونقلت عن الأستاذ في جامعة «جورجتاون»، ستيفن فلاديك، أن البلاد لم تشهد رئيساً «يحاول بهذه الشمولية انتزاع وترسيخ هذا القدر الكبير من صلاحيات السلطات الأخرى، ناهيك بالقيام بذلك في الشهرَيْن الأولَيْن من رئاسته».

«سطوة» على الجمهوريين

انتقد خصوم ترمب «السطوة» التي فرضها على الكونغرس، الذي يسيطر الجمهوريون فيه على الغالبية في مجلسيه النواب والشيوخ. وسلّم المشرعون بعض عناصر سلطة الإنفاق لمسؤولي البيت الأبيض، الذي قرر خلال الأيام الـ60 الماضية إغلاق عدد من الوكالات التي أنشأها الكونغرس، في حين هدّد ترمب بمنع إعادة انتخاب أي جمهوري يجرؤ على تحدي أجندته السياسية، وأزال الكثير من الضوابط والتوازنات، مثل إقالة المفتشين العامين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي رئيس المحكمة العليا الأميركية جون روبرتس في الكونغرس خلال 4 مارس (أ.ف.ب)

وعيّن في وزارة العدل موالين له مستعدين لتنفيذ حملته الانتقامية. كما أجبر قادة الأعمال المشككين به على التعهد بتقديم الدعم لتطبيق شعارَيْه «أميركا أولاً» و«فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» من خلال إملاء ممارسات التوظيف.

ولم يكتفِ ترمب بجهوده لإعادة تشكيل المؤسسات والسياسات الحكومية، وإنما مدّ نفوذه إلى الفن والثقافة عبر تنصيب نفسه رئيساً لمركز «جون كينيدي» للفنون في واشنطن العاصمة.

غير أن الخشية الأعظم لدى عدد لا يُستهان به من المسؤولين والخبراء الأميركيين تكمن في محاولة الرئيس ترمب وإدارته إحباط عمل الجهاز القضائي، أو تجاهل أحكام القضاة، على غرار ما حصل مع قاضي المحكمة الفيدرالية الجزئية في واشنطن جيمس بواسبيرغ، الذي طالب ترمب شخصياً بعزله؛ لأنه سعى إلى وقف ترحيل مجموعة من المهاجرين الفنزويليين إلى السلفادور، من دون القيام بالإجراءات القانونية الواجبة.

ماذا يقول الدستور؟

يقول أنصار ترمب إنه يستخدم سلطته لتنفيذ أجندة وعد بها خلال حملته الانتخابية، طبقاً للمادة الثانية من الدستور، التي تُحدد صلاحيات الرئيس. ولكنْ هناك آخرون، وبينهم صحيفة «وول ستريت جورنال»، ذات الميول الجمهورية، التي توضح أن ترمب ركز في حملته الانتخابية على ترحيل أعضاء العصابات، «لكن من المقلق أن نرى مسؤولين أميركيين يبدون وكأنهم يحتقرون القانون باسم دعمه». ونشرت صحيفة «نيويورك بوست» مقالاً في صفحة الرأي عنوانه: «يا ترمب، لا تكترث للرغبة الخطيرة في مهاجمة سيادة القانون».

عنصر من الحرس الوطني المكسيكي خلال دورية على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة في 18 مارس (رويترز)

ويعتقد خبراء أن السلطة القضائية التي أُنشئت لتوفير الضوابط والتوازنات لكل من السلطتَيْن التنفيذية والتشريعية، نادراً ما واجهت مثل هذا التحدي العلني. ويشيرون بصورة خاصة إلى قول نائب الرئيس جي دي فانس الشهر الماضي، إنه «لا يُسمح للقضاة بالسيطرة على السلطة التنفيذية الشرعية»، وكذلك تصريح قيصر الحدود توم هومان عبر برنامج «فوكس آند فريندز» بأنه «لا يهمني رأي القضاة».

ويدافع المدير الحالي لمكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض راسل فوت، الذي أمضى سنوات في التحضير لرئاسة ترمب الثانية، عن نظرية «السلطة التنفيذية المُوحّدة»، التي تُفيد بأن كل السلطات التنفيذية تنبع من الرئيس وحده.

وكتب في «مشروع 2025» أن «التحدي الأكبر الذي يواجه أي رئيس محافظ هو الحاجة الوجودية لاستخدام الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية بشكل عدائي لإعادة السلطة -بما في ذلك السلطة التي تمتلكها حالياً- إلى الشعب الأميركي». وهذا ما يتطلّب «جرأة لثني أو كسر البيروقراطية لإرادة الرئيس».

غير أن منتقدي نهج ترمب يقولون إن نظرية «السلطة التنفيذية الموحدة» لا تعني أن كل ما يفعله الرئيس قانوني.


مقالات ذات صلة

أول اتصال بين ترمب وعون

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أول اتصال بين ترمب وعون

أعلنت رئاسة الجمهورية اللبنانية، اليوم الخميس، أن اتصالاً هاتفياً جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم دول العالم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، خدمة لمبدأ «أميركا أولاً».

علي بردى (واشنطن)
أميركا اللاتينية رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)

رئيس البرازيل منتقداً تهديدات ترمب: على القادة كسب الاحترام

وجّه رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي، اليوم، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب.

«الشرق الأوسط» (مدريد )
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية أندرياس ريتيغ (د.ب.أ)

الاتحاد الألماني يطالب ترمب بتهدئة الأوضاع السياسية لإنجاح كأس العالم 2026

أعرب أندرياس ريتيغ، المدير الإداري للاتحاد الألماني لكرة القدم، عن أمله في تهدئة الأوضاع السياسية قبل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
TT

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مذكرة رسمية إلى البعثات الدبلوماسية لبلاده عبر العالم من أجل حشد الدعم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، ما يعكس تحوّلاً عن الدور التقليدي للولايات المتحدة بوصفه مقدّماً رئيسياً للمساعدات الإنسانية ودعم الدول النامية.

وحسب البرقية التي أُرسلت، الأربعاء، إلى السفارات والقنصليات الأميركية، طلب روبيو من الدبلوماسيين التواصل مع الحكومات الأجنبية قبل موعد أقصاه الاثنين المقبل لحضها على تأييد المبادرة قبل طرحها رسمياً في الأمم المتحدة نهاية أبريل (نيسان) الحالي، فيما بدا أنه توجه من إدارة الرئيس دونالد ترمب لاستخدام المنظومة الأممية لتعزيز سياسة «أميركا أولاً»، وفتح آفاق جديدة أمام الشركات الأميركية.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)

وتُقدم برقية روبيو نقاطاً رئيسية لمساعدة الدبلوماسيين في عرض وجهة نظر الإدارة على نظرائهم، بدءاً من أن «أميركا، في عهد الرئيس ترمب، دخلت عصراً ذهبياً جديداً قائماً على اقتصاد مزدهر مدعوم بسياسات داعمة للأعمال: إلغاء القيود، وخفض الضرائب، وتحرير قطاع الطاقة». كما تتضمن البرقية نص الإعلان الكامل، الذي يؤكد أن «القطاع الخاص هو من بنى اقتصادات العالم الناجحة، وليس المساعدات الحكومية».

ركود المساعدات

تأتي هذه الخطوة ضمن مسعى أوسع لإعادة هيكلة نظام المساعدات العالمي، إذ تعمل إدارة ترمب على تقليص دور الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتقليل التمويل المخصص للبرامج المتعددة الأطراف، مبررة ذلك بوجود هدر واعتماد مفرط على المساعدات. واتخذت دول مانحة كبرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا خطوات مماثلة، ما أدى ليس فقط إلى تراجع ملحوظ في حجم المساعدات عالمياً، بل أيضاً إلى ما وصفه البعض بـ«ركود كبير في المساعدات». وتُشير الدراسات إلى أن هذا التراجع الواسع في التمويل قد يتسبب في وفاة 9.4 مليون شخص بحلول عام 2030.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال عودته إلى البيت الأبيض الأحد (أ.ب)

وواجهت إدارة ترمب معارضة في مساعيها للتفاوض مع الدول التي تتلقى تمويلاً أميركياً في مجال الصحة. وأدى نهجها القائم على مبدأ «أميركا أولاً» في هذا المجال إلى اتهامات لوزارة الخارجية بربط التمويل الحيوي للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية وعلاجه بقبول الحكومات الأجنبية صفقات تجارية جانبية تتعلق بالمعادن الحيوية والموارد الطبيعية الأخرى. ونفت وزارة الخارجية هذه الادعاءات.

وعلى الرغم من الانتقادات السابقة لنظام المساعدات، بسبب ما يمكن أن يوجده من تبعية، يرى منتقدون أن النهج الجديد ربما يفتح الباب أمام استغلال الدول الفقيرة من الشركات الخاصة.

أنصار ترمب من حركة «ماغا» في مؤتمر للمحافظين بتكساس يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية -طلب عدم نشر اسمه- إن هذا التوجه «يُعزز الابتعاد عن المساعدات، ويمنح الشركات فرصاً لتحقيق أرباح في أسواق جديدة».

في المقابل، يُشكك بعض الخبراء في فرص نجاح المبادرة داخل الأمم المتحدة، معتبرين أنها يمكن أن تُفسر بوصفها مسعى لتقويض دورها.

وكانت مؤسسة «ديفيكس» قد نشرت الثلاثاء، بعض جوانب إعلان «التجارة بدل المساعدات»، كاشفة عن تداول المقترح الأميركي في الأمم المتحدة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن الباحث لدى مجلس العلاقات الخارجية سام فيجرسكي أن المبادرة قد لا تلقى قبولاً في الأمم المتحدة، لا سيما مع سعي إدارة ترمب إلى تعزيز جهود أخرى، مثل مجلس السلام الذي أنشأه. وقال إن الإعلان المنشود «قد لا يحظى بقبول واسع؛ لأنه يُنظر إليه على أنه يضعف النظام الدولي القائم».

وفي دفاعها عن المبادرة، تؤكد إدارة ترمب أن القطاع الخاص هو المحرّك الحقيقي للنمو الاقتصادي، وأن التركيز يجب أن يكون على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل بدلاً من تكريس الاعتماد على المساعدات.


البنتاغون يوسّع قاعدة التصنيع لتعبئة مخزونات السلاح

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

البنتاغون يوسّع قاعدة التصنيع لتعبئة مخزونات السلاح

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لم يعُد الحديث في واشنطن عن توسيع الإنتاج العسكري مجرد لازمة بيروقراطية تتكرر كلما ارتفعت التهديدات الدولية، بل صار عنواناً مباشراً لقلق أميركي متزايد من اتساع الفجوة بين ما تستهلكه الحروب وما تستطيع المصانع الأميركية تعويضه بالسرعة المطلوبة.

فبعد سنوات من استنزاف المخزونات بفعل الحرب في أوكرانيا، جاءت الحرب مع إيران لتضيف ضغطاً فورياً على الذخائر وأنظمة الاعتراض والتجهيزات المرتبطة بها، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى توسيع دائرة البحث عن الشركاء، من كبار مقاولي الدفاع التقليديين إلى شركات السيارات والصناعات الثقيلة والطيران المدني.

صحيفة «وول ستريت جورنال» ذكرت أن في هذا التحول ما هو أبعد من مجرد تدبير صناعي، إنه إقرار بأن ميزان القوة في عالم أكثر اضطراباً لن يُقاس فقط بعدد القطع العسكرية الموجودة في الخدمة، بل أيضاً بسرعة القدرة على تعويضها وإدامتها في حال اندلاع حروب طويلة أو متزامنة. وأضافت أن الاتصالات الأخيرة مع «جنرال موتورز» و«فورد» و«جي إي أيروسبيس» و«أوشكوش» تندرج في هذا السياق تحديداً، إذ أراد البنتاغون اختبار ما إذا كانت هذه الشركات تستطيع أن تتحول، عند الحاجة، إلى شبكة دعم للقاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية.

استنزاف مزدوج

السبب المباشر لهذا الاندفاع هو أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه استنزافاً نظرياً، بل استهلاكاً فعلياً ومتراكماً على أكثر من جبهة.

فواشنطن سحبت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا مليارات الدولارات من الأسلحة من مخزوناتها، كما نقلت كميات كبيرة من الأنظمة والذخائر في سياقات قتالية أخرى، قبل أن تأتي الحرب مع إيران لتزيد الحاجة إلى تجديد سريع للمخزون، لا سيما في الصواريخ ووسائل الدفاع الجوي والتقنيات المضادة للمسيّرات. ولهذا لم تعد الإدارة تنظر إلى توسيع الإنتاج باعتباره ملفاً فنياً يخص شركات السلاح فقط، بل مسألة أمن قومي تتصل مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على خوض حرب ممتدة اليوم، أو الاستعداد لأزمة أكبر غداً، ربما في آسيا إذا تصاعد التوتر مع الصين.

رئيس الأركان الأميركي دان كين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل (رويترز)

هذا ما يفسر انتقال البنتاغون من مطالبة المتعهدين التقليديين برفع الوتيرة إلى طرق أبواب شركات مدنية كبرى تملك قوة عاملة واسعة وقدرات تصنيعية يمكن الاستفادة منها، ولو جزئياً، في سد الثغرات الأكثر إلحاحاً، بحسب «رويترز».

والمهم هنا أن الإدارة لا تتحدث فقط عن زيادة الكميات، بل عن إعادة توسيع القاعدة الصناعية نفسها. فبعد عقود من الاندماجات والتقليص، باتت الصناعات الدفاعية الأميركية شديدة التركّز في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى، وهو ما يقلص المرونة حين تقع أزمات متزامنة أو حين يتطلب الأمر زيادات سريعة في الإنتاج. لذلك فإن العودة إلى شركات خارج الحلقة الدفاعية الضيقة تعكس إدراكاً بأن «قاعدة الردع» في القرن الحادي والعشرين لا تبدأ من حاملات الطائرات وحدها، بل من المصانع، والموردين، والعقود، والقدرة على تعبئة الصناعة الوطنية بسرعة، بحسب وزارة الحرب الأميركية.

إنذار مبكر

لكن الاجتماع الأخير مع شركات السيارات لم يأتِ من فراغ، بل سبقه مسار تصاعدي من الضغوط السياسية والإدارية على الصناعات الدفاعية نفسها. ففي مطلع مارس (آذار)، التقى الرئيس دونالد ترمب رؤساء 7 من كبرى شركات الدفاع، وهي «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» و«بي إيه إي سيستمز» و«بوينغ» و«هانيويل أيروسبيس» و«إل 3 هاريس» و«نورثروب غرومان»، في اجتماع ركّز، وفق ما نقلته «رويترز»، على جداول الإنتاج وتسريع تعويض المخزونات المستنزفة.

وزير الحرب بيت هيغسيث عقب اختتام مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 16 أبريل (أ.ب)

وبعد ذلك بأسابيع، أعلن البنتاغون اتفاقات إطارية مع «بي إيه إي» و«لوكهيد» و«هانيويل» لزيادة إنتاج الذخائر ومكونات منظومات الدفاع، بينها مضاعفة إنتاج بعض المكونات الرئيسية لاعتراضات «ثاد» وتسريع تصنيع الصواريخ الدقيقة.

وفي موازاة هذا الضغط العملي، وجّه وزير الحرب بيت هيغسيث رسالة سياسية أكثر صراحة إلى كبار المتعاقدين، محذراً من أن من لا يقبلون تحمل قدر أكبر من المخاطر وتسريع الوتيرة قد يجدون أنفسهم خارج أولويات البنتاغون، في إطار خطة أوسع لتقليص البيروقراطية وجعل المنتجات التجارية والتعاقدات الأسرع جزءاً من القاعدة، لا الاستثناء.

هذه الخلفية مهمة لأنها توضح أن واشنطن لا تبحث فقط عن طاقات إضافية، بل تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والصناعة في زمن التهديدات الكبرى. فبدلاً من الاكتفاء بإعطاء العقود نفسها للشركات نفسها وفق الوتيرة نفسها، تسعى الإدارة إلى دفع المتعهدين التقليديين إلى الإسراع، وفي الوقت نفسه إدخال لاعبين جدد أو مساندين من خارج القطاع الدفاعي.

بهذا المعنى، فإن اجتماع السيارات ليس بديلاً عن الاجتماع السابق مع شركات السلاح، بل امتداد له: الأول ضغط على القلب الصناعي الدفاعي، والثاني توسيع للدائرة الاحتياطية التي يمكن استدعاؤها عندما يصبح الاستنزاف أكبر من قدرة المنظومة الحالية على الاحتمال.

«ترسانة الأربعينات»

صحيح أن استحضار نموذج الحرب العالمية الثانية، حين تحولت ديترويت في ولاية ميشيغان إلى «ترسانة الديمقراطية»، يغري الساسة والعسكريين، لكن الواقع الصناعي اليوم أكثر تعقيداً. فإنتاج الذخائر الدقيقة أو أنظمة التوجيه أو مكونات الدفاع الجوي لا يشبه تحويل مصنع سيارات إلى خط لإنتاج الشاحنات العسكرية في أربعينات القرن الماضي. هناك متطلبات أمنية وتنظيمية وسلاسل توريد متخصصة واختبارات واعتمادات تجعل التحول أبطأ وأعلى كلفة، وفق «وول ستريت جورنال».

أفراد من القوات الجوية الأميركية يقومون بأعمال صيانة على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في غرب إنجلترا (إ.ب.أ)

وأشارت الصحيفة إلى أن السؤال الحقيقي في محادثات البنتاغون مع الشركات المدنية، لم يكن عمّا إذا كانت هذه الشركات تستطيع أن تصبح جزءاً من صناعة دفاعية متكاملة؟ بل ما الأجزاء أو المكونات أو القدرات التي يمكن أن توفرها سريعاً لتخفيف الضغط عن المتعهدين الأساسيين؟ لهذا تبدو شركات مثل «أوشكوش» و«جي إم» أقرب إلى نموذج «الإسناد الصناعي» منه إلى الاستبدال الكامل، خصوصاً أن لبعضها حضوراً دفاعياً محدوداً أصلاً يمكن البناء عليه وتوسيعه.

هنا تكمن دلالة التحرك الأميركي: إنه لا يعني أن واشنطن دخلت بعد في تعبئة شاملة على طريقة أربعينات القرن الماضي، لكنه يعني أنها باتت تفكر بعقلية أقرب إلى «اقتصاد الحرب المرن»، أي بناء قدرة تعبئة تدريجية تسمح بتوسيع الإنتاج متى اقتضت الحاجة.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الاجتماعات أو قوة التصريحات، بل في قدرة الإدارة على إزالة العقبات التي لطالما أعاقت التوسع: بطء العقود، وتعقيد المناقصات، وضعف الحوافز للاستثمار طويل الأجل، وتردد الشركات المدنية في دخول قطاع شديد التنظيم ما لم ترَ طلباً ثابتاً ومضموناً بحسب «رويترز».

وإذا نجحت واشنطن في معالجة هذه العقد، فإنها لن تكون فقط قد ردّت على استنزاف أوكرانيا وإيران، بل ستكون أيضاً قد وضعت أساساً صناعياً أمتن لمواجهة عالم تعتبره أكثر خطورة وتقلباً من أي وقت مضى.


هيغسيث: الحصار الأميركي على موانئ إيران سيستمر «ما دام لزم الأمر»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث: الحصار الأميركي على موانئ إيران سيستمر «ما دام لزم الأمر»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، أنّ الولايات المتحدة ستواصل منع كل السفن من بلوغ الموانئ الإيرانية أو الخروج منها «طالما لزم الأمر»، وهدد إيران بضربات جديدة إذا لم تبرم اتفاقاً مع واشنطن.

وقال هيغسيث، في مؤتمر صحافي في البنتاغون: «إذا اختارت إيران بشكل سيئ، فستتعرض لحصار وستتساقط القنابل على البنية التحتية والطاقة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدأت القوات الأميركية حصار الموانئ الإيرانية في الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، الاثنين، بعد انتهاء جولة محادثات سلام في باكستان دون التوصل إلى اتفاق في اليوم السابق.

وأتت المباحثات في خضمّ هدنة لمدة أسبوعين من المقرر أن تستمر حتى منتصف الأسبوع المقبل.

وقال رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين، في المؤتمر الصحافي مع هيغسيث، إن الحصار «يشمل جميع السفن المتجهة من الموانئ الإيرانية وإليها، بغضّ النظر عن جنسيتها».

وأضاف كاين: «إذا لم تمتثلوا لهذا الحصار، فسنستخدم القوة»، متابعاً: «حتى الآن، اتخذت 13 سفينة الخيار الحكيم بالعودة» أدراجها.

من جهته، قال هيغسيث إن القوات الإيرانية تحاول استخراج معدات من تحت الردم بعد أكثر من خمسة أسابيع من الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وخاطب الوزير القادة الإيرانيين قائلاً: «نعلم ما الأصول العسكرية التي تنقلونها وإلى أين تنقلونها. وبينما أنتم تنقّبون... في المنشآت المدمّرة والمتضرّرة، فإننا نزداد قوة».

وتابع: «إنكم تقومون بالتنقيب لإخراج ما تبقى لديكم من منصات الإطلاق والصواريخ من دون القدرة على استبدالها، ليست لديكم صناعة دفاعية، ولا قدرة على تجديد قدراتكم الهجومية أو الدفاعية».

وأوضح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، أن واشنطن تستخدم وقف إطلاق النار لإعادة التسلح والتكيّف.

وقال كوبر: «نحن نعيد تسليح أنفسنا، ونعيد تجهيز معداتنا، ونقوم بتعديل تكتيكاتنا وتقنياتنا وإجراءاتنا. لا يوجد جيش في العالم يتكيّف مثلنا، وهذا بالضبط ما نقوم به الآن خلال فترة وقف إطلاق النار».