قضية الطالب الفلسطيني «محمود خليل» تثير بلبلة في الداخل الأميركي

هل تستطيع إدارة ترمب ترحيل حاملي «البطاقة الخضراء»؟

مظاهرات في شوارع نيويورك أمس الاثنين تدعو للإفراج عن الطالب الفلسطيني محمود خليل (أ.ف.ب)
مظاهرات في شوارع نيويورك أمس الاثنين تدعو للإفراج عن الطالب الفلسطيني محمود خليل (أ.ف.ب)
TT

قضية الطالب الفلسطيني «محمود خليل» تثير بلبلة في الداخل الأميركي

مظاهرات في شوارع نيويورك أمس الاثنين تدعو للإفراج عن الطالب الفلسطيني محمود خليل (أ.ف.ب)
مظاهرات في شوارع نيويورك أمس الاثنين تدعو للإفراج عن الطالب الفلسطيني محمود خليل (أ.ف.ب)

أثارت قضية الفلسطيني محمود خليل، الطالب في جامعة كولومبيا الأميركية، ردود فعل شاجبة في الولايات المتحدة، بعد اعتقاله في وقت متأخر، مساء السبت، من بهو مبنى سكن الطلاب الجامعي، على خلفية مشاركته في احتجاجات على حرب غزة.

ورغم أن خليل يحمل «البطاقة الخضراء»، فإن هذا لم يمنع عناصر الوكالة الفيدرالية للهجرة والجمارك من إلقاء القبض عليه بسبب «دعمه حماس» على حدّ تعبير البيت الأبيض، الذي نشر بياناً مقتضباً بعد احتجاز الطالب، حمل عنوان «شالوم محمود».

ويصف البيان خليل، البالغ من العمر 30 عاماً، بأنه «طالب أجنبي راديكالي داعم لـ(حماس)»، ويتوعد بمزيد من الاعتقالات والترحيلات لمؤيدي الحركة في الولايات المتحدة.

تصريحات «صادمة»

لكن خليل ليس «أجنبياً» بكل ما للكلمة من معنى، فبالإضافة إلى حمله «البطاقة الخضراء»، فهو متزوج من أميركية، وهي حالياً حامل في شهرها الثامن، ما أثار حيرة كثيرين حيال قانونية خطوة من هذا النوع وشرعيتها.

وفيما خيّم الغموض في بداية الاحتجاز على الخطوات المقبلة التي تنوي الإدارة اتباعها مع خليل، أتى تصريح أدلى به وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ليزيح قدراً من هذا الغموض، ويولّد موجة مختلفة من التساؤلات، إذ قال: «سوف نلغي تأشيرات الدخول والبطاقات الخضراء لداعمي (حماس) في أميركا حتى يتسنى ترحيلهم».

ثم جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتصبّ زيتاً على نار الانتقادات، فقد توعد بمزيد من الاحتجازات وعمليات الترحيل، قائلاً: «نعلم أن هناك مزيداً من الطلاب في جامعة كولومبيا وغيرها من الجامعات شاركوا في أنشطة داعمة للإرهاب ومعادية للسامية ومعادية للولايات المتحدة، وإدارة ترمب لن تتساهل مع الموضوع».

وتابع في لهجة حاسمة: «كثيرون من هؤلاء ليسوا طلاباً، بل محرضين مأجورين. وسنجدهم ونحتجزهم ونُرحّل هؤلاء المتعاطفين مع الإرهاب من بلادنا، ولن يعودوا إليها مرة أخرى».

لافتة تشير إلى حرية التعبير خلال مظاهرة داعية للإفراج عن الطالب محمود خليل في نيويورك أمس الاثنين (أ.ف.ب)

وكان التصريح صادماً؛ فالتهديد بإلغاء البطاقة الخضراء والترحيل للتعبير عن الرأي خطوة جديدة من نوعها في الولايات المتحدة، وتطرح تساؤلات قانونية وإجرائية متعددة، ومن هنا أتى قرار قاضٍ في محكمة في نيويورك بوقف عملية ترحيل خليل إلى أن تجتمع الأطراف المعنية في المحكمة يوم الأربعاء للنظر في القضية.

كما تقدم فريق الدفاع الخاص بخليل بطلب لإعادته إلى نيويورك، بعد أن قررت السلطات المختصة إرساله إلى مركز احتجاز في ولاية لويزيانا، حيث النظام القضائي محافظ مقارنة بنظام نيويورك الليبرالي.

وقالت إيمي غرير، محامية الطالب الفلسطيني: «اللعبة التي تقوم بها وكالة الهجرة والجمارك بنقل محمود إلى لويزيانا هي تكتيك غير صحيح، ولكنه مألوف، يهدف إلى إحباط اختصاص المحكمة الفيدرالية في نيويورك، وعزله بعيداً عن محاميه وبيته ومجتمعه المحلي الداعم له».

مظاهرات وانتقادات

وبالفعل، شهدت شوارع نيويورك مظاهرات يوم الاثنين تدعو للإفراج عن خليل، كما صعّد المشرعون الديمقراطيون من لهجتهم الرافضة لقرارات من هذا النوع المنتهكة - بحسب قولهم - لحقّ التعبير عن الرأي، وهو التعديل الأول من الدستور الأميركي.

وقال كبير الديمقراطيين في اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ، ديك دربن، إن اعتقال طالب جامعي لأنه استعمل حقّه في التعبير عن رأيه هو «أمر نتوقعه من روسيا، وليس أميركا»، وعدّ أن معاقبة خليل من خلال إلغاء وضعه القانوني في الولايات المتحدة أمر خطير، واصفاً الخطوة بأنها «استبدادية».

واستعمل الديمقراطيون «استراتيجية التخويف» في هذا الإطار، فقالت النائبة عن ولاية كاليفورنيا سارة جاكوبس: «إذا استهدفوا حقوق محمود خليل المتعلقة بالتعديل الأول، فبوسعهم استهداف حقوقكم أيضاً. هدف التعديل الأول هو حماية التعبير عن الرأي حتى إذا كان هذا الرأي غير شعبي أو لم يعجبك فحواه».

لكن من الواضح أن الإدارة الأميركية درست هذه الخطوة جيداً قبل اتخاذها، وجاء تبريرها عبر بيان لوزارة الأمن القومي، قالت فيه إن السلطات الأميركية احتجزت خليل تطبيقاً لقرارات ترمب التنفيذية المتعلقة بمنع معاداة السامية.

وأضاف البيان: «خليل قاد أنشطة تتماشى مع حركة (حماس)، وهي تنظيم إرهابي». وختم البيان بالقول إن وكالة الهجرة ووزارة الخارجية «ملتزمتان بتطبيق قرارات الرئيس ترمب وحماية الأمن القومي الأميركي».

وزيرة الأمن القومي كريستي نوم تتحدث أمس الاثنين عن احتجاز الطالب الفلسطيني محمود خليل (إ.ب.أ)

إلا أن هذا التصريح لم ينجح في تهدئة الانتقادات، فوصف النائب الديمقراطي عن ولاية نيويورك، جيرولد نادلر، ما جرى بأنه «انتهاك مروع لقانون الهجرة». وأضاف النائب اليهودي البارز: «هذا التصرف لن يجعل الطلاب اليهود أكثر أماناً في الحرم الجامعي، بل سيغذي الحرب السياسية التي تشنّها إدارة ترامب على التعليم والخطاب الفارغ حول التمييز ضد الأقليات».

وهاجم نادلر الإدارة الأميركية قائلاً: «إذا كانت إدارة ترمب جادة في القضاء على معاداة السامية في أميركا، فعليها البدء بنفسها»، في إشارة إلى انتقادات طالت إيلون ماسك، حليف ترمب، الذي اتهمه البعض باستعمال إشارات نازية معادية للسامية.

تحديات قانونية

وفي وجه التحديات القانونية في قضية جديدة من نوعها بالولايات المتحدة، تستند الإدارة الأميركية إلى بند في قانون الهجرة والجنسية أقرّه الكونغرس عام 1952، يعطي وزير الخارجية صلاحيات واسعة لترحيل الأجانب.

وجاء في البند المذكور أن «أي أجنبي يرى وزير الخارجية أن وجوده أو أنشطته في الولايات المتحدة قد تسفر عن عواقب خطيرة على السياسة الخارجية الأميركية هو عرضة للترحيل».

مركز احتجاز الطالب محمود خليل في لويزيانا بعد نقله من نيويورك (رويترز)

وتقول إيمي بلشر، مديرة اتحاد الحقوق المدنية في نيويورك، إن هذه المرة الأولى في التاريخ الأميركي التي يجري فيها توظيف هذا البند في القانون، مشيرةً إلى أنه بند «غامض» إلى حد كبير ويطرح أسئلة حول توجيه القانون للنيل من الأشخاص الذين تعارضهم الإدارة.

لكن السؤال الأساسي هو: «هل ينطبق هذا على حاملي البطاقة الخضراء المحميين عبر الدستور؟». وهذا ما يسعى المحامون إلى العثور على جواب واضح له.

وفي غياب هذا الجواب حتى الآن، وسعة الصلاحيات التي تتمتع بها الإدارة الأميركية في قرارات من هذا النوع، يبدو أن الطريق سيكون طويلاً أمام تحديات قانونية من هذا النوع، في ظل التخوف والترقب الذي بات يسيطر على الطلاب الذين شاركوا في حرم جامعاتهم في احتجاجات مناهضة للحرب في غزة.

ويحبس هؤلاء الطلاب أنفاسهم بانتظار حسم مصيرهم ومستقبلهم في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

أجلى رجال الخدمة السرية الرئيس الاميركي دونالد ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت بينما سُمع دوي قوي لطلقات نارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

ترمب: إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب مع إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات مع إيران بوساطة باكستانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

يعكس الجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي نفوذ ماركو روبيو لدى الرئيس ترمب، ويُوفّر له سبيلاً للتأثير على سياسات البيت الأبيض.

مايكل كراولي (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
TT

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)

أجلى رجال الخدمة السرية الرئيس الاميركي دونالد ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت بينما سُمع دوي قوي لطلقات نارية، وفق ما أفاد شهود عيان بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

لحظة إجلاء الرئيس الأميركي عقب إطلاق النار (رويترز)

واندفع الضيوف الذين كانوا يحضرون حفل العشاء للاحتماء تحت الطاولات بعد سماع أصوات الطلقات، في حين تمركز رجال الأمن شاهرين مسدساتهم حول المنصة حيث كان ترمب يجلس قبل أن يتم إخراجه من المكان.

أفراد الخدمة السرية خلال استجابتهم لسماع دوي طلقات نارية (أ.ب)

وطوّقت الشرطة فندق هيلتون واشنطن الذي كان يستضيف الحفل وحلقت مروحيات في أجوائه. وأفاد تقرير صحافي مشترك نقلاً عن جهاز الخدمة السرية أن مطلق النار قيد الاحتجاز.

وأعلن ترمب بعد إجلائه، أنه تم إلقاء القبض على مطلق النار، وأنه أوصى بأن يتم «استكمال الحفل»، مشيراً إلى أن جهات إنفاذ القانون ستبت في الأمر.


مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي ضابط شرطة وأصيب آخر بجروح حرجة بعد إطلاق نار في مستشفى بمدينة شيكاغو الأميركية يوم السبت، وفقا لمسؤولين.

وقال لاري سنيلينج، مدير شرطة شيكاغو، إنه تم احتجاز المشتبه به، الذي لم يجر الكشف عن هويته.

وقال سنيلينج في مؤتمر صحافي بعد الظهر: «نقل الضباط فردا إلى مستشفى سويديش للملاحظة، وفي ذلك الوقت تعرض اثنان من ضباطنا لإطلاق نار. أحدهما أصيب بجروح حرجة وأعلنت وفاته، والضابط الثاني يقاتل الآن من أجل حياته في المستشفى».

ووقع إطلاق النار في مستشفى «إنديفور هيلث سويديش» في شيكاغو، وقال المستشفى إن مجمعه وضع تحت الإغلاق، وإن المرضى والموظفين في المنشأة الصحية في أمان.

وذكر سنيلينج أن هناك تحقيقا جاريا، ولم يتمكن من تقديم تفاصيل. لكن المستشفى ذكر في منشور على «فيسبوك» أن فردا كان محتجزا لدى السلطات الأمنية أحضر إلى قسم الطوارئ لتلقي العلاج وتم «تفتيشه عند الوصول» بجهاز الكشف اليدوي، وفقا للبروتوكولات. وقال المستشفى إنه كان برفقة قوات إنفاذ القانون في جميع الأوقات.

وأضاف المستشفى أن الرجل أطلق النار لاحقا على ضباط إنفاذ القانون وخرج من مبنى المستشفى، وتم القبض عليه في وقت لاحق.


غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».