في يومه الرابع والأربعين في المكتب البيضاوي، يقف الرئيس الأميركي الـ47، دونالد ترمب، أمام الكونغرس في أول خطاب رئاسي له في عهده الثاني، أمام المجلس التشريعي، منذ تسلُّمه الرئاسة في العشرين من يناير (كانون الثاني).
خمسة أعوام مرت على خطابه الأخير الذي طغى عليه المشهد الشهير لرئيسة مجلس النواب حينها، نانسي بيلوسي، وهي تمزق الخطاب في نهايته غاضبة من فحواه. اليوم يواجه ترمب كونغرس من نوع آخر بأغلبية جمهورية متعاونة نسبياً، وأقلية ديمقراطية معرقلة في مجلسيه، وبلاداً مختلفة غيَّر من هيكلية مؤسساتها، وزعزع أسس وكالاتها الفيدرالية، وعالَماً متحوّلاً تحدى فيه التحالفات التقليدية والبروتوكولات الرسمية. كلها أمور يتغنى بها الرئيس الأميركي الذي لا يوفر مناسبة إلا ويذكِّر بإنجازاته الكثيرة وأجندته الطموحة، ليأتي خطاب الكونغرس ويعطيه الفرصة الذهبية لعرض هذه الإنجازات، من دون منازع يسرق منه الأضواء على منصة اعتلاها الرؤساء منذ عام 1800 للحديث مع الأميركيين بشكل مباشر خلال عهدهم.
«إنجازات» من دون تشريعات

لكن ترمب حقق أكثرية هذه الإنجازات من دون مساعدة الكونغرس؛ بل بقرارات تنفيذية متلاحقة تضمن سرعة التطبيق، من دون ضمان الاستمرارية التي لن تتحقق من دون قرارات تشريعية. فمعظم هذه القرارات اصطدمت بحائط السلطة القضائية التي تنظر فيها، تقر بعضها أحياناً وتنقض بعضها الآخر أحياناً أخرى. إلا أن هذه العوائق لم توقف الرئيس الأميركي عن الاستمرار في استراتيجيته؛ خصوصاً فيما يتعلق بالتخفيف من النفقات الفيدرالية، ومواجهة البيروقراطية الحكومية في مهمة يترأسها حليفه إيلون ماسك عبر دائرة الكفاءة الحكومية (دوج).
فترمب يعلم جيداً أن الكونغرس الذي يقف أمامه عاجز عن إقرار خططه الطموحة، فبالإضافة إلى الأغلبية الضئيلة التي يتمتع بها الجمهوريون ما يتطلب تعاوناً ديمقراطياً لتمرير القوانين، يُعدُّ المسار التشريعي مساراً بطيئاً بتصميمه، فتحتَ قبة المجلس التشريعي تُسنُّ القوانين وتُكتب القرارات، وهو مسار يتطلب الدقة والتفاوض الحثيث للتوصل إلى تسويات، وهو أمر يفتقر له كل من ترمب وماسك الذي تمكن في بداية عهد الرئيس الثاني من إسقاط مشروع تمويل المرافق الفيدرالية بعدد من التغريدات.
وهذا ما يتخوف منه المشرعون هذه المرة الذين يسعون مجدداً إلى التوصل إلى تسوية تضمن تمويل المرافق الحكومية، الذي سينتهي في منتصف الشهر الجاري، وسيكون هذا هو التحدي الأول أمامهم في الكونغرس رقم 119 تحت عهد ترمب الجديد.
أجندة حافلة

ورغم أن ترمب اعتمد بالكامل حتى الساعة على القرارات التنفيذية لضمان سرعة التطبيق، فإنه لن يتمكن من تجنب المسار التشريعي بالكامل؛ خصوصاً إذا ما أراد تنفيذ خططه المالية وضمان استمراريتها على المدى الطويل. لهذا يدعو حلفاءه الجمهوريين لإقرار أجندته التشريعية الطموحة التي تتضمن تخفيضات ضريبية بقيمة 4 تريليونات دولار.
الهجرة هي كذلك من الملفات الأساسية التي بنى ترمب استراتيجيته الانتخابية عليها، ضامناً فوزه على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس. وسعى الرئيس الأميركي منذ وصوله إلى البيت الأبيض إلى تطبيق وعوده في هذا الملف، مضيقاً الخناق على الهجرة غير الشرعية، عبر ترحيل آلاف من المهاجرين غير الشرعيين، وإرسال بعضهم إلى معتقل غوانتانامو. ويشير حلفاؤه إلى أن تدفق المهاجرين عبر الحدود هو في أدنى مستوياته منذ أعوام، وهذا إنجاز يتغنى به.
لكن مقابل هذه الإنجازات، ثمة تخوف جمهوري حقيقي من تأثير قرارات ترمب -وآخرها فرض تعريفات جمركية على المكسيك وكندا- على الداخل الأميركي وارتفاع أسعار السلع، ما يتناقض مع وعوده الانتخابية بتخفيض الأسعار. ويخشى الجمهوريون من تأثير قرارات من هذا النوع على حظوظهم بالاحتفاظ بالأغلبية في الكونغرس، في الانتخابات النصفية التي ستجري بعد نحو عامين من الآن.
سياسة خارجية

التركيز على السياسة الداخلية لم يمنع ترمب من زعزعة أسس الأعراف الدولية، من طرحه فكرة «ريفييرا» غزة، وتهجير سكانها للأردن ومصر تحت طائلة وقف المساعدات للبلدين، مروراً بتجميد المساعدات الخارجية، وإغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتحدي الحلفاء الأوروبيين، وصولاً إلى مشهد أثار دهشة الأميركيين والعالم: مواجهة كلامية حادة في البيت الأبيض وقع ضحيتها الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي، ومعه المساعدات الأميركية لبلاده، وربما اتفاق المعادن الثمينة مع كييف «لتسديد ديونها».
ويتهم ترمب زيلينسكي بعدم تقدير المساعدة الأميركية، ورفض جهود التوصل إلى اتفاق سلام، في موقف يقول منتقدوه إنه تودد فاضح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن الرئيس الأميركي يؤكد أن مواقفه هذه متناغمة مع رغبة الأميركيين الذين سئموا من التدخل في حروب خارجية.
الرد الديمقراطي

مقابل هذه التحركات، يسعى الديمقراطيون لزعزعة الصف الجمهوري المتراص في تنفيذ وعود الرئيس، فكلَّفوا السيناتورة الديمقراطية إليسا سلوتكين بالرد الديمقراطي على خطاب ترمب، معولين على شعبية النائبة السابقة والعميلة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) والتي تمكنت من الفوز بمقعدها في ولاية ميشيغان رغم انتزاع ترمب الفوز في الولاية المذكورة.

ويحاول الحزب جاهداً اكتساب جزء بسيط من الأضواء الموجهة على ترمب وحزبه، في مهمة صعبة؛ خصوصاً أن المقعدين المخصصين لرئيسَي مجلسَي الشيوخ والنواب وراء ترمب خلال خطابه هما تحت السيطرة الجمهورية، ما سيحرم الديمقراطيين من لحظات ثمينة أمام الكاميرات الموجهة على ترمب، للإعراب عن احتجاجهم كما فعلت رئيسة المجلس السابقة نانسي بيلوسي في عام 2020.
استراتيجية أخرى يعتمد عليها الديمقراطيون، هي استضافة موظفين فيدراليين خسروا وظائفهم بسبب سياسات ترمب، لحضور الخطاب، في محاولة لتسليط الضوء على تأثير السياسات الجمهورية على الأميركيين.







