«إعصار جديد» يضرب أروقة الحكومة الفيدرالية والسفارات الأميركية في العالم

إدارة ترمب تسرح آلاف الموظفين لتطهير الحكومة من البيروقراطية و«غير المخلصين»

المتظاهرون يتجمعون في مظاهرة نظمها الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة ضد ما يُسمى بعمليات التطهير التي تقودها وزارة كفاءة الحكومة (أ.ف.ب)
المتظاهرون يتجمعون في مظاهرة نظمها الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة ضد ما يُسمى بعمليات التطهير التي تقودها وزارة كفاءة الحكومة (أ.ف.ب)
TT

«إعصار جديد» يضرب أروقة الحكومة الفيدرالية والسفارات الأميركية في العالم

المتظاهرون يتجمعون في مظاهرة نظمها الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة ضد ما يُسمى بعمليات التطهير التي تقودها وزارة كفاءة الحكومة (أ.ف.ب)
المتظاهرون يتجمعون في مظاهرة نظمها الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة ضد ما يُسمى بعمليات التطهير التي تقودها وزارة كفاءة الحكومة (أ.ف.ب)

قامت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعمليات طرد وتسريح جماعي لآلاف العمال الفيدراليين، الخميس، في حملة لخفض الإنفاق الحكومي غير الضروري، وصفها المحللون بالإعصار والحملة الأكثر عدوانية لتقليص قوة العمل الفيدرالية وخفض الإنفاق في الحكومة الأميركية. وشملت الحملة تخفيض عدد الموظفين في السفارات الأميركية بجميع أنحاء العالم.

وتحركت إدارة ترمب لتسريح الموظفين في 7 وكلات على الأقل، بما في ذلك وزارة الإسكان والتنمية الحضرية، ووزارة التعليم، وخدمة الغابات في الولايات المتحدة، ووزارة شؤون المحاربين القدامى، ووزارة الطاقة، وإدارة الأعمال الصغيرة، ومكتب حماية المستهلك المالي. واستهدفت هذه القرارات إنهاء خدمة جميع الموظفين الجُدد الذين عملوا في الحكومة الفيدرالية لمدة عام أو عامين فقط، وما زالوا تحت فترة اختبار دون حماية الخدمة المدنية.

وتُشير البيانات الحكومية إلى أن هناك 280 ألف موظف حكومي تم تعيينهم قبل أقل من عامين، ولا يزال معظمهم في فترة اختبار، ما يجعل إنهاء خدمتهم أسهل. وقد جرت عمليات الفصل في مكالمة فيديو جماعية يوم الخميس، وتم منحهم 20 دقيقة لجمع متعلقاتهم ومغادرة أماكنهم.

وقال متحدث باسم مكتب إدارة الموظفين في بيان: «إن فترة الاختبار استمرار لعملية التقدم للوظائف، وليست استحقاقاً للتوظيف الدائم، وتتخذ الوكالات إجراءات مستقلة في ضوء تجميد التوظيف الأخير ودعماً للجهود الأوسع نطاقاً التي يبذلها الرئيس لإعادة هيكلة وتبسيط الحكومة الفيدرالية لخدمة الشعب الأميركي بشكل أفضل بأعلى مستوى ممكن».

السفارات الأميركية

وأرسلت الخارجية الأميركية، الجمعة، قوائم بالسفراء والدبلوماسيين والموظفين المحليين المطلوب إخطارهم بإنهاء خدمتهم؛ حيث أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يوجه وزير الخارجية، ماركو روبيو، بإصلاح البعثات الدبلوماسية لضمان التنفيذ الآمن لأجندة «أميركا أولاً» في السياسة الخارجية، الذي يُجبر موظفي الخارجية على الامتثال لأهداف السياسة الخارجية لإدارته، ومعاقبتهم بالفصل إذا لم يفعلوا ذلك، وهو ما يعني طرد وإقالة جميع من تعدّهم إدارة ترمب «غير مخلصين» للرئيس وسياساته.

وتُشير مصادر إلى أن الأوامر تقضي بخفض نسبة الموظفين المحليين بالسفارات بنسبة 10 بالمائة، سواء كانوا القائمين بالمهام الدائمة أو غير الدائمة أو المؤقتة من منطلق خفض النفقات، لكن التسريبات تشير أيضاً إلى أن إدارة ترمب تريد التخلص من أكثر من مائة من السفراء الأميركيين، إما بنقلهم وإما بإقالتهم؛ لأنهم لم يظهروا الولاء الشخصي للرئيس ترمب، ولم يحرصوا على تنفيذ كل ما يرغب فيه.

ويقول المحللون إنه إذا قامت الخارجية الأميركية بتنفيذ هذا الأمر إلى أقصى درجاته، فهو يُمهد الطريق لتقليص البصمة الدبلوماسية الأميركية بالخارج، التي تتزامن مع انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من بعض المنظمات الدولية.

شعار مكتب إدارة الموظفين (OPM) بعد فصل الموظفين المؤقتين بالمكتب في مكالمة جماعية وإعطائهم أقل من ساعة لمغادرة المبنى (رويترز)

ودافع مسؤول بالبيت الأبيض عن هذه التحركات، مشيراً إلى أن الحكومة الفيدرالية لديها ديون تبلغ 36 تريليون دولار، وعجز قدره 1.8 تريليون دولار، وهناك اتفاق بين البيت الأبيض والمشرعين من الحزبين في الكونغرس على الحاجة إلى إصلاح الحكومة الفيدرالية. لكن المنتقدين شككوا في القوة الغاشمة التي يملكها إيلون ماسك، الذي كلفه الرئيس ترمب برئاسة إدارة كفاءة الحكومة.

استقالات طوعية

وتأتي عمليات التسريح الجماعي للموظفين في فترة الاختبار في أعقاب قيام 77 ألف موظف فيدرالي بقبول «استقالة مؤجلة» طوعية، عرضها الرئيس مقابل تقديم رواتب حتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. لكن هذا الرقم لا يُمثل سوى 3 في المائة من هدف 10 في المائة، الذي كانت الحكومة تحاول تحقيقه لتقليص القوى العاملة الفيدرالية، ما يُشير إلى تحركات مستقبلية لمزيد من عمليات التسريح والفصل في إدارات فيدرالية أخرى. ولم يُحدد مسؤولو مكتب إدارة الموظفين بالضبط عدد الموظفين الحكوميين الذين سيتم فصلهم، لكن يتوقع المحللون أن يتم فصل أكثر من 200 ألف موظف فيدرالي على مستوى البلاد، ويبلغ عدد موظفي الحكومة الفيدرالية من المدنيين نحو 2.3 مليون موظف.

مظاهرات خارج مبنى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بعد صدور قرار بإغلاقها (رويترز)

وقد منح القاضي جورج أوتول حكماً قضائياً لإدارة ترمب للمُضي في خطتها لتقليص حجم القوى العاملة، ورفض عدة دعاوى قضائية تُشكك في الشرعية القانونية لبرنامج إدارة كفاءة الحكومة وتحركاتها. واحتفت إدارة ترمب بالحكم القضائي، وعدّته انتصاراً قوياً، خصوصاً في ظل مواجهتها عشرات الدعاوى القضائية التي تهدف إلى عرقلة جهودها في تفكيك وكالة التنمية الأميركية (USAID) ووقف المساعدات الخارجية. كما شملت الدعاوى محاولات لوقف قرار ترمب بشأن إلغاء حق المواطنة بالأبناء المولودين من مهاجرين غير مسجلين، إضافة إلى دعاوى لمنع فريق إيلون ماسك من الوصول إلى بيانات حكومية حسّاسة تتعلق بوزارة الخزانة الأميركية، فضلاً عن دعاوى قضائية أخرى رفعتها 14 ولاية أميركية تُشكك في دستورية السلطات الممنوحة لماسك.

وزارتا الصحة والبنتاغون

إيلون ماسك وسلطات غير مسبوقة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

وأشارت تقارير إلى أن الملياردير إيلون ماسك وجّه فريقه لبحث تسريح للموظفين في عدة وزارات ووكالات فيدرالية أخرى، ومراجعة هيكل القوى العاملة لوضع خطة للتخفيضات المحتملة لعدد الموظفين. وتدور تكهنات حول بدء وزير الصحة روبرت كنيدي جونيور -الذي تم تمرير تعيينه بالكونغرس يوم الخمس- خفض أعداد الموظفين في جميع الوكالات التابعة لوزارة الصحة الأميركية، بما في ذلك المعاهد الوطنية للصحة وإدارة الغذاء والدواء ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. وتُشير تسريبات أخرى إلى توجه فريق ماسك لمصلحة الضرائب الأميركية لإجراء تخفيضات مماثلة في النفقات وتسريح عدد من الموظفين.

مبنى دائرة الإيرادات الداخلية (IRS) وقد وصل أعضاء قسم كفاءة الحكومة (DOGE) التابع لإيلون ماسك إليه لبدء فحص عمليات الوكالة وتقليص عدد العاملين (أ.ف.ب)

ويتخوف الموظفون المدنيون في وزارة الدفاع الأميركية من تلقيهم أوامر بالتسريح. وعلى الرغم من أن البنتاغون يمتلك استثناءً لأسباب الأمن القومي يمنع وكالة كفاءة الحكومة التابعة لإيلون ماسك من تقليص عدد موظفيه، فإن التوتر بدأ يعم أروقة الوزارة نتيجة تدخلات ماسك ومحاولاته خفض أعداد الموظفين المدنيين.

انتقادات للفصل الجماعي

وانتقد الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة تحركات الفصل الجماعي التي نفذتها إدارة ترمب، حيث قال إيفرت كيلي، رئيس الاتحاد، في بيان: «إن عمليات الفصل هذه ليست بسبب ضعف الأداء. لا يوجد دليل على أن هؤلاء الموظفين كانوا أقل من موظفين حكوميين مخلصين، وإنما تتعلق بالسلطة، وتستهدف تدمير الحكومة الفيدرالية، وإسكات العاملين، وإجبار الوكالات على الخضوع لأجندة جذرية تفضل المحسوبية على الكفاءة». واتهم كيلي إدارة ترمب بإطلاق موجة فصل جماعي مدفوعة سياسياً، تستهدف الموظفين ليس بسبب أدائهم، بل لأنهم تم تعيينهم قبل تولي ترمب منصبه.


مقالات ذات صلة

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 19 يونيو 2026 (رويترز) p-circle

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، إن روسيا تتطلع إلى معرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب غيّر موقفه فعلاً تجاه حرب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان (إعلام حكومي)

الزيدي لاستكمال استحقاقات سياسية وأمنية قبل لقاء ترمب

يأمل رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، إنجاز استحقاقات سياسية وأمنية قبل لقاء الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في واشنطن بمنتصف يوليو (تموز) المقبل...

حمزة مصطفى (بغداد)
أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب) p-circle

الكرملين في انتظار تفرغ ويتكوف وكوشنر لاستئناف الاتصالات مع أميركا حول أوكرانيا

الكرملين في انتظار تفرغ ويتكوف وكوشنر لاستئناف الاتصالات مع أميركا حول أوكرانيا ولافروف يؤكد التزام روسيا بـ«روح أنكوراج» والتفاهمات التي توصلت لها بألاسكا

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس بإيران يوم 22 يونيو 2026 تنتظر دورها للمرور (رويترز)

أسعار النفط دون 75 دولاراً لأول مرة منذ اندلاع حرب إيران

تراجع «خام برنت» خلال تعاملات جلسة الأربعاء بأكثر من 3 في المائة، ليصل إلى أدنى مستوى له في 4 أشهر، مواصلاً هبوطه بفضل عودة حركة الملاحة بمضيق هرمز...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند، 23 يونيو (حزيران) 2026 (رويترز)

ترمب: إيران لا تسعى لفرض رسوم في مضيق هرمز

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن إيران أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تسعى إلى فرض أي رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)

الجيش الأميركي: مقتل قيادي في «داعش» بغارة شمال غربي سوريا

جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي: مقتل قيادي في «داعش» بغارة شمال غربي سوريا

جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، على منصة «إكس» الأربعاء، أن الجيش الأميركي نفّذ غارة جوية في شمال غربي سوريا، في 19 يونيو (حزيران)، أسفرت عن مقتل قيادي بارز في تنظيم «داعش».

ورأت «سنتكوم» أن «هذه الضربة الدقيقة التي أسفرت عن مقتل علي حسين العليوي جزء من الجهود الأميركية المتواصلة لعرقلة والقضاء على الإرهابيين الذين يسعون لمهاجمة الأميركيين في الخارج أو داخل الولايات المتحدة»، فيما تواصل قوات «سنتكوم» العمل جنباً إلى جنب مع الشركاء الإقليميين.

وقال الأدميرال الأميركي براد كوبر، قائد «سنتكوم»: «تلتزم (سنتكوم) وشركاؤنا باستئصال فلول (داعش) المتبقية لضمان هزيمته النهائية. وسنواصل الدفاع عن الوطن الأميركي، وأفراد قواتنا المسلحة، وحلفائنا وشركائنا في جميع أنحاء المنطقة».

وكانت حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قد انضمت العام الماضي إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم ‌«داعش».

وأعلن التنظيم، يوم السبت، مسؤوليته عن هجوم ⁠قرب ⁠مدينة منبج في حلب بشمال شرق سوريا.

وسيطر «داعش» على ما يقرب من ربع مساحة سوريا في ذروة قوته خلال الحرب الأهلية السورية قبل عقد، قبل أن يتم طرده من تلك الأراضي من قبل ​تحالف ​بقيادة الولايات المتحدة وخصوم آخرين.


غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية واتساع فجوة تمويل الجهود الرامية للتغلب على هذه المخاطر.

وأضاف غوتيريش لصناع سياسات وقادة تمويل خلال فعالية أسبوع العمل المناخي في لندن أنه في ظل تأثير حالات الجفاف والفيضانات وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة على مجتمعات في جميع أنحاء العالم، لم يحظَ التكيف مع هذه الظواهر بالتقدير الكافي، فضلاً عن أنه يشهد نقصاً مزمناً في التمويل.

وأضاف: «على وزراء المالية والبنوك المركزية ووزارات التخطيط وهيئات الاستثمار العام التعامل مع مخاطر المناخ باعتبارها ركيزة أساسية في السياسة الاقتصادية، من أجل حشد مزيد من الموارد المحلية»، ودعا الحكومات إلى إدراج مخاطر المناخ في جميع جوانب عملها، بدءاً من السياسة المالية وحتى سن التشريعات.

امرأة تستخدم مروحة في فناء متحف اللوفر في باريس حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية (أ.ب)

وأوضح غوتيريش أن سد هذه الفجوة يتطلب مجموعة واسعة من الإجراءات، منها فرض رسوم على صناعات تسبب تلوثاً بيئياً وهياكل تمويل مدمجة، بالإضافة إلى تقديم ضمانات لتشجيع الاستثمار الخاص.

وأشار إلى أن الحاجة إلى زيادة التمويل العام والتمويل القائم على المنح تشتد في الدول النامية، لأنها الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ، ولكنها الأقل قدرة على الاستعداد لها. وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن هذه الدول ستحتاج إلى ما بين 310 و365 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، بينما لم تتلق سوى نحو 26 مليار دولار في 2023.


هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
TT

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)

لم تعد صورة الخلاف بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قابلة للاختزال في أن واشنطن تنحاز إلى إيران على حساب إسرائيل، أو تمنح طهران حق تقرير مستقبل لبنان. فتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسمت معادلة أكثر تعقيداً: المسار اللبناني ـ الإسرائيلي منفصل رسمياً عن مذكرة التفاهم مع إيران، ومستقبل لبنان تقرره حكومته، لكن دعم طهران لـ«حزب الله» سيطرح في المحادثات الأميركية ـ الإيرانية. وبذلك تحاول واشنطن الجمع بين تقييد العمليات الإسرائيلية التي قد تفجر وقف النار، وتحميل إيران مسؤولية سلوك حلفائها، من دون تعهد واضح بمعاقبتها إذا استأنف الحزب هجماته. وهذا لا يلغي القلق الإسرائيلي، لكنه يغير طبيعته: الخشية ليست من تخلي أميركي عن إسرائيل، بل من إخضاع هامش عملها العسكري لأولويات ترمب الإقليمية والداخلية.

القلق حقيقي

أكد روبيو أن واشنطن ستتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية لأن لبنان «دولة ذات سيادة»، وأن مستقبل البلاد يعود إلى الشعب اللبناني من خلال حكومته. لكنه أضاف أن هناك «مسألة إيرانية تتعلق بلبنان»، تتمثل في دعم طهران لـ«حزب الله» ورعايتها له، وأنها ستبحث ضمن المحادثات مع الإيرانيين. وقال أيضاً إنه لا يمكن إنهاء الأعمال القتالية في المنطقة ما دامت جماعات مدعومة من إيران تطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بعيد وصوله إلى أبوظبي في جولته على دول المنطقة (أ.ب)

هذه العبارات لا تعني أن واشنطن أعلنت آلية رسمية لمحاسبة إيران، لكنها تنقل النقاش من عدّ لبنان بنداً تملكه طهران إلى عدّ سلوك «حزب الله» مسؤولية إيرانية تدخل في حساب الاتفاق الأوسع. وهي ترد جزئياً على المخاوف الإسرائيلية من أن تمنح خلية منع الاحتكاك الجديدة، التي تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان ووسطاء من دون إسرائيل، طهران اعترافاً بأنها صاحبة قرار في لبنان.

لكن الفصل السياسي بين المسارين لا يلغي ترابطهما العملي. فإيران تستطيع التأثير عبر «حزب الله»، بينما تستطيع واشنطن الضغط على إسرائيل لمنع عمليات تهدد الاتفاق. وقد انتقد ترمب قصف مبان سكنية في لبنان، وقال إن ملاحقة عنصر من الحزب لا تبرر هدم مبنى بالكامل، داعياً نتنياهو إلى التصرف «بمسؤولية أكبر». كما تواصل القيادة المركزية الأميركية دعم خفض التصعيد والفصل التكتيكي والتحقق من وقف الأعمال العدائية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ورئيس الوزراء القطري محمد بن جاسم آل ثاني في بورغنستوك بسويسرا (أ.ف.ب)

ويرى براين كاتوليس، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن التخوف الإسرائيلي «حقيقي»، لأن نتنياهو يواجه انتقادات داخلية بسبب الصورة الضعيفة التي ظهرت بها إسرائيل بعد الاتفاق، والخشية من استعادة «حزب الله» قدرته على تهديدها. ويضاعف اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، المقرر إجراؤها في موعد أقصاه أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، حساسية أي تنازل بشأن الانسحاب أو حرية عمل الجيش.

ويذهب ديفيد داود، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أبعد. وعدّ أن تغير موقف إدارة ترمب حقيقي، لأن الرئيس يريد الخروج من الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي، خشية أن تؤدي خسارة جمهورية في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى شل أجندته الداخلية. وبرأيه، ربطت إيران إنهاء الحرب الأميركية ـ الإيرانية بوقف الحرب في لبنان، لتتكرر دورة من المطالبة بكبح إسرائيل، ثم الضغط الأميركي عليها فتقليص عملياتها قبل تجدد التصعيد. غير أن تصريحات روبيو تعدل هذه القراءة ولا تنفيها: فهي ترفض أن يكون مستقبل لبنان جزءاً من صفقة مع طهران، لكنها تقر بأن نفوذ إيران على الحزب جزء من التفاوض معها.

خلاف على السياسة الخارجية

الانقسام في واشنطن لا يدور فقط حول أمن إسرائيل، بل حول معنى شعار «أميركا أولاً». ترمب ونائبه جي دي فانس يقدمان الاتفاق بوصفه مخرجاً من حرب غير شعبية، وإعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة. في المقابل، يرى الجناح الجمهوري المتشدد أن الإدارة تمنح إيران تخفيفاً للعقوبات ونفوذاً من دون قيود كافية على الصواريخ أو الحلفاء المسلحين.

وعدّ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام استبعاد إسرائيل من آلية منع الاحتكاك بأنه «خطأ كبير». ورأى رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر أن تقييد عمليات إسرائيل ضد «حزب الله» يبدد مكاسبها العسكرية، فيما وصف بيل كاسيدي الاتفاق بأنه أحد أسوأ أخطاء السياسة الخارجية منذ عقود. ورد ترمب على منتقديه الجمهوريين بوصفهم «حمقى»، مستشهداً بتراجع أسعار النفط وارتفاع الأسواق.

أما الديمقراطيون، فلا يقفون ببساطة في صف نتنياهو. اعتراضهم يركز على غياب تفويض الكونغرس، وغموض الاتفاق، وتكاليف الحرب، وضرورة إخضاع أي تفاهم يرفع العقوبات للمراجعة التشريعية. وهكذا يلتقي صقور جمهوريون يريدون حماية أوسع لإسرائيل مع ديمقراطيين وانعزاليين جمهوريين يريدون إنهاء الحرب واستعادة دور الكونغرس.

تضخيم الخطر لتحسين الشروط

مع ذلك، يحتفظ القلق الإسرائيلي ببعد تفاوضي واضح. فرفع التحذير من «تقوية إيران» يساعد نتنياهو على تعبئة حلفائه في الكونغرس، وانتزاع ضمانات أميركية، وتوسيع تعريف التهديد الذي يسمح لإسرائيل باستخدام القوة، وربط أي انسحاب بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح «حزب الله». كما يتيح له تحويل الغضب الداخلي إلى مواجهة مع واشنطن حول قيود مفروضة على أمن إسرائيل.

ويشير «أكسيوس» إلى أن الاستعانة العاجلة برون ديرمر، المقرب من فريق ترمب، إلى أن تل أبيب لا تتعامل مع التحول بوصفه نهائياً، بل تحاول تعديل قواعده من داخل العلاقة. ويقول مسؤولون أميركيون إن وجود واشنطن في خلية منع الاحتكاك يضمن نقل الهواجس الإسرائيلية بسبب التنسيق الوثيق بين الطرفين. وتنقل «رويترز» عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن نتنياهو لا يتوقع تحولاً فورياً مثل إبطاء شحنات السلاح، وأن بعض خطاب ترمب موجه إلى الناخب الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي.

خلاصة الصورة أن تصريحات روبيو لا تبدد القلق الإسرائيلي، لكنها تمنع اختزاله في رواية أن واشنطن سلمت لبنان لإيران. لذلك دخلت العلاقة مرحلة إعادة ضبط فعلية: إسرائيل تبقى حليفاً مركزياً، لكن حريتها العسكرية لم تعد شيكاً مفتوحاً، وإيران لم تحصل على حق تقرير مستقبل لبنان، لكنها ستواجه سياسياً وتفاوضياً مسؤولية أكبر عن أفعال «حزب الله».