«غوانتانامو» يستعد لموجة مهاجرين سيطلقها ترمب

لاستيعاب 30 ألف شخص بمدينة خيام ينشئها الجيش الأميركي

القاعدة الصغيرة في جنوب شرقي كوبا على وشك الخضوع لأشد تغيير جذري منذ أن افتتح «البنتاغون» سجنه الحربي هناك بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 (نيويورك تايمز)
القاعدة الصغيرة في جنوب شرقي كوبا على وشك الخضوع لأشد تغيير جذري منذ أن افتتح «البنتاغون» سجنه الحربي هناك بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 (نيويورك تايمز)
TT

«غوانتانامو» يستعد لموجة مهاجرين سيطلقها ترمب

القاعدة الصغيرة في جنوب شرقي كوبا على وشك الخضوع لأشد تغيير جذري منذ أن افتتح «البنتاغون» سجنه الحربي هناك بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 (نيويورك تايمز)
القاعدة الصغيرة في جنوب شرقي كوبا على وشك الخضوع لأشد تغيير جذري منذ أن افتتح «البنتاغون» سجنه الحربي هناك بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 (نيويورك تايمز)

وصل نحو 300 جندي إلى خليج غوانتانامو؛ بهدف توفير الأمن، والشروع في تشييد مدينة خيام جديدة للمهاجرين، تماشياً مع أمر الرئيس ترمب بإعداد القاعدة البحرية لاستقبال ما يصل إلى 30 ألفاً من المهاجرين المرحَّلين.

تظهر صورة حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» خياماً للجيش تم تركيبها مؤخراً بالقرب من مركز عمليات المهاجرين على الجانب المطل على خليج غوانتانامو... أمر الرئيس ترمب بتوسيع هذا الموقع لاستيعاب ما يصل إلى 30 ألف مهاجر

وستتطلب العملية زيادةً في عدد الموظفين والبضائع الموجَّهة إلى القاعدة المعزولة، التي تقع خلف حقل ألغام كوبي، وتعتمد بالكامل على مهام الإمداد الجوي والبحري من الولايات المتحدة، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الاثنين.

كل شيء من منصات المياه المعبأة والأطعمة المجمَّدة، إلى اللوازم المدرسية، والمركبات الحكومية، يأتي مرتين في الشهر على متن زورق. كما تأتي الفواكه والخضراوات الطازجة للمقيمين داخل القاعدة، البالغ عددهم قرابة 4200 نسمة، على متن طائرة مجهَّزة مرة كل أسبوع.

وتشير تقديرات إلى أن تنفيذ أوامر ترمب، قد يؤدي إلى زيادة أعداد المقيمين هناك 10 أضعاف، بالنظر إلى أعداد الموظفين المطلوبين لإدارة المعسكر، الذي يقع في زاوية غير مأهولة من القاعدة، بعيداً عن السجن، وكذلك المفوضية والمدرسة والمناطق ذات الطراز الحضري المخصصة لأفراد الخدمة وعائلاتهم.

واستجابة لأمر ترمب، نصبت القوات الأميركية بالفعل 50 خيمة خضراء للجيش داخل سياج من الأسلاك الشائكة، بجوار مبنى مصمم على طراز الثكنات، أُطلق عليه «مركز عمليات المهاجرين».

مساحة مشتركة للمحتجزين في مركز الاحتجاز رقم 6 في خليج غوانتانامو عام 2019 (نيويورك تايمز)

ووصلت الموجة الأولى من الجنود، وتألفت من قرابة 50 من مشاة البحرية، ليلة السبت، من «معسكر لوجون» في نورث كارولاينا. ووصل 50 جندياً آخرين، الأحد.

من جهته، رفض الجيش التعليق على قدرته الحالية على استقبال المهاجرين. ورفضت القيادة الجنوبية، التي تشرف على القوات المخصصة للسجن وخطة الهجرة، كشف اسم المسؤول عن العملية، أو التعليق على خطة تعود إلى عام 2017، حصلت صحيفة «نيويورك تايمز» على نسخة منها، لاحتجاز 11 ألف مهاجر هناك. وقال وزير الدفاع بيت هيغسيث، إن المرحَّلين الخطرين قد يجري وضعهم داخل مرافق احتجاز تضم حالياً 15 سجيناً على صلة بالحرب على الإرهاب، بينهم 5 رجال متهمين بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر (أيلول).

وقد جرى احتجاز السجناء الـ15 في مبنيين للسجن، يضمان نحو 275 زنزانة. ومن المفترض أن يتطلب احتجاز المهاجرين في ذلك الموقع نقل هؤلاء السجناء الـ15 إلى أحد المبنيين.

إلا أنه لم يصدر قرار بعد بشأن ما إذا كان سيتم إيواء بعض المهاجرين داخل السجن الذي يعود إلى زمن الحرب، حسبما قال مسؤول بوزارة الدفاع، السبت. وبشكل منفصل، قال مصدران مطلعان على عمليات الاحتجاز، إن عملية الدمج حدثت بالفعل نهاية هذا الأسبوع. وتحدَّث الجميع بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، لأنهم يناقشون ترتيبات أمنية حساسة تتعلق بالسجن، والتي تُفرَض عليها السرية أحياناً.

وفي تصريحات أطلقها الأسبوع الماضي، ذكر هيغسيث كذلك، أنه يمكن إيواء قرابة 6 آلاف من المرحَّلين «داخل ملعب الغولف»، الذي يقع بالقرب من مطعم «ماكدونالدز» داخل القاعدة والحانة الآيرلندية ومساكن العائلات.

في كل الأحوال، فإن تنفيذ الأوامر يتطلب مشروعاً ضخماً، حسبما قال الجنرال المتقاعد مايكل آر. ليهنيرت، وهو جندي مشاة بحرية افتتح السجن عام 2002.

كما أدار الجنرال ليهنيرت، الذي كانت خبرته بوصفه جندي مشاة بحرية في الهندسة، ترتيبات الأمن لوصول المهاجرين إلى غوانتانامو في التسعينات، عندما عاش عشرات الآلاف من الكوبيين والهايتيين في مدن خيام حول القاعدة.

وقال إنه في ذروتها في مايو (أيار) 1995، احتجزت المخيمات 25 ألف مهاجر، معظمهم من الكوبيين.

وكانت القاعدة مكتظة للغاية، لدرجة أنه جرى وضع معسكر خيام لفترة وجيزة في ملعب الغولف. وجرى تنفيذ العملية على عجل، وكانت بها مراحيض محمولة. ومع زيادة الأعداد، أغلقت القوات البحرية المدرسة وأجلت عائلات أفراد الخدمة إلى البر الرئيسي لمدة 7 أشهر.

وتنتج القاعدة مياهها الخاصة لكل شيء، باستثناء أغراض الشرب. وبالتأكيد، ستحتاج إلى صنع مزيد، الآن.

الآن، أصبحت للموقعَين الرئيسيَّين اللذين جرى استخدامهما في ذلك الوقت - جرف شاسع يطل على المحيط ومطار مهجور - أغراض جديدة. أحدهما منطقة عسكرية مغلقة، مع مباني السجن والموظفين، والآخر به محكمة تُسمى «معسكر العدالة».

ودعا أمر ترمب إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، لاستيعاب 30 ألف شخص. والمركز حالياً عبارة ثكنة سابقة تضم 120 سريراً، كانت في السنوات الأخيرة تؤوي كوبيين، وأحياناً عائلات، الذين ضبطهم أفراد خفر السواحل الأميركيون في البحر، وهم يحاولون الوصول إلى فلوريدا. وجرى إيواؤهم هناك، حتى وافقت دولة ثالثة على استقبالهم.

وتكشف خطة عام 2017، التي تنعكس على مخطط الاستعدادات للمنطقة المحيطة بمركز عمليات المهاجرين، عن 6 معسكرات خيام مخصصة لأكثر من 11 ألف مهاجر، ومكان قريب لإيواء 3640 من «القوات الزرقاء»، (مصطلح عسكري للقوات الصديقة للجيش الأميركي). ويمكن أن يستوعب أكبر معسكر أكثر من 3 آلاف مهاجر.

وبحلول عام 2017، كان المقاولون قد بنوا بالفعل حمامات صيفية بدائية، ومراحيض داخل مبانٍ من الطوب الخرساني في الموقع.

في تسعينات القرن العشرين، قال الجنرال ليهنيرت إن كل معسكر من الخيام كان يضم 1500 مهاجر، وكان يحرسه 200 جندي، إما جنود أو مشاة البحرية. وكان ذلك فقط للأمن الأساسي. كما ضمت العملية، المعروفة باسم «سي سيغنال»، قوات طبية ولوجيستية وقوات دعم أخرى، بجانب «قوة رد فعل سريع» منفصلة، تحسباً لوقوع اضطرابات.

صورة حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» للاجئين كوبيين في مخيم مؤقت في خليج غوانتانامو عام 1994 (أ.ب)

وتكشف صورة حصلت عليها «نيويورك تايمز» خياماً للجيش جرى تركيبها حديثاً، بالقرب من «مركز عمليات المهاجرين». وقد أصدر ترمب أوامره بتوسيع هذا الموقع، لاستيعاب ما يصل إلى 30 ألف مهاجر.

يذكر أن غوانتانامو مكان باهظ التكلفة للعيش والعمل. عام 2019، قدر قائد عمليات الاحتجاز أن تكلفة نشر كل حارس لمدة 9 أشهر في المنشأة تزيد على 100 ألف دولار. ويجري توفير السكن، والملابس، والطعام، والرعاية الصحية، والترفيه، والنقل لهذه القوات.

ويتضمن أولئك الذين يعيشون في غوانتانامو اليوم، بالإضافة إلى البحارة وأسرهم، معلمي المدارس، والعمال الضيوف من الفلبينيين والجامايكيين، وقوة حراسة السجن المكونة، في أغلبها، من جنود يخدمون في جولات مدتها 9 أشهر.

مدخل معسكر «دلتا» في محيط قاعدة غوانتانامو (نيويورك تايمز)

اليوم، يضم السجن طاقماً من 800 متعاقد عسكري ومدني.

وخضع 111 شرطياً عسكرياً إضافياً من الحرس الوطني في نيويورك، للتدريب لمدة 3 أسابيع في فورت بليس بولاية تكساس، قبل التوجه إلى مهمة أمنية لمدة 9 أشهر في خليج غوانتانامو.

وأخذ الوضع داخل غوانتانامو يتغير بسرعة كبيرة، لدرجة أن الجيش قال عندما غادرت، الوحدة الشهر الماضي، إنه سيوفر الأمن لمنشأة الاحتجاز. إلا أن «البنتاغون» أعلن في بيان، الخميس، أن الوحدة ستتولى تأمين «مركز عمليات المهاجرين».


مقالات ذات صلة

مع العدّ التنازلي لمهلة ترمب... هل تتغلب الحرب أم الدبلوماسية؟

تحليل إخباري نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد يصور ترمب مع خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

مع العدّ التنازلي لمهلة ترمب... هل تتغلب الحرب أم الدبلوماسية؟

يترقب العالم ما إذا كان انتهاء المهلة سيتبعه تصعيد عسكري أوسع، أم أن المهلة كانت نوعاً من الضغط يهدف إلى فرض معادلة تفاوضية جديدة على طهران.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية تستعد طائرات مقاتِلة تابعة للبحرية الأميركية لطلعات قتالية خلال عملية في إيران الأربعاء (سنتكوم)

تحطم طائرتين أميركيتين يفتح مرحلة جديدة من الحرب

تحطمت طائرة مقاتِلة أميركية فوق الأراضي الإيرانية، الجمعة، في أول واقعة معلَنة من هذا النوع منذ بدء الحرب في 28 فبراير

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
الولايات المتحدة​ وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)

هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز... والقوات البرية ليست مستبعدة

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الثلاثاء، إن الأيام المقبلة من الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستكون «حاسمة».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)

مواجهة قضائية بين «نيويورك تايمز» والبنتاغون بشأن اعتمادات الصحافيين لدى الوزارة

تواجهت صحيفة «نيويورك تايمز» ووزارة الحرب الأميركية الاثنين أمام قاضٍ فيدرالي بشأن الشروط الجديدة التي فرضتها الوزارة على الإعلاميين المعتمدين لديها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ قوة من «المارينز» الأميركية (أ.ب) p-circle

تقرير: البنتاغون يستعد لعملية برية تمتد لأسابيع في إيران

نقلت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن البنتاغون يستعد لعمليات برية في إيران تمتد لأسابيع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بيل غيتس سيمثل أمام لجنة في الكونغرس في قضية إبستين

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
TT

بيل غيتس سيمثل أمام لجنة في الكونغرس في قضية إبستين

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)

سيدلي الملياردير بيل غيتس بشهادته في العاشر من يونيو (حزيران) أمام لجنة في الكونغرس تُحقق في قضية المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين وشريكته غيلاين ماكسويل، حسبما أفاد مصدر مطّلع وكالة الصحافة الفرنسية الثلاثاء.

ويرد اسم بيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، ضمن أسماء شخصيات ذُكرت في وثائق نشرتها وزارة العدل الأميركية، وكشفت عن علاقات صداقة وثيقة وتعاملات مالية غير مشروعة وصور خاصة مع إبستين.

وأوضح المصدر أن غيتس سيخضع لـ«مقابلة مُسجّلة»، ما يُشير إلى أن شهادته ستُكون في القاعة المغلقة نفهسا التي عُقدت فيها جلسات استجواب الرئيس الأسبق بيل كلينتون ووزيرة الخارجية السابقة عضو مجلس الشيوخ هيلاري كلينتون.

وقال متحدث باسم بيل غيتس في رسالة إلكترونية إن غيتس «يرحب بفرصة المثول أمام اللجنة». وأضاف أن غيتس «لم يشهد أو يُشارك في أي من سلوكيات إبستين غير القانونية، لكنه يتطلع إلى الإجابة على جميع أسئلة اللجنة لدعم عملها المهم».

أقرّ غيتس بارتكابه «خطأ فادحا» في علاقته بإبستين، وصرح لموظفي مؤسسته الخيرية في فبراير (شباط) بأنه أقام علاقات مع امرأتين روسيتين، لكنه نفى أي تورط له في جرائم المتمول المُدان. وفي مسودة بريد إلكتروني ضمن الوثائق التي نشرتها وزارة العدل، يقول إبستين أن غيتس كان على علاقة خارج إطار الزواج، وكتب أن علاقته بغيتس راوحت بين «مساعدة بيل في الحصول على مخدرات للتخفيف من عواقب ممارسة الجنس مع فتيات روسيات، وتسهيل لقاءاته غير المشروعة مع نساء متزوجات».

واعترف غيتس البالغ 70 عاما، في لقاء عام، بعلاقتين خارج إطار الزواج. وقال «أقمت علاقتين، إحداها مع لاعبة بريدج روسية التقيتها في فعاليات لعبة البريدج، والأخرى مع عالمة فيزياء نووية روسية تعرفت عليها من خلال أنشطة تجارية».

لكنه نفى أي تورط له مع ضحايا إبستين الذي توفي في زنزانته بسجن نيويورك عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهمة الاتجار بالجنس بقاصرات.

وقال غيتس في اللقاء العام «لم أفعل شيئا غير قانوني، ولم أرَ شيئا غير قانوني». وأوضح قطب التكنولوجيا أن علاقته بإبستين بدأت عام 2011، بعد ثلاث سنوات من إقرار الأخير بالذنب في قضية استدراج قاصر لممارسة الدعارة.

وأضاف أنه كان على علم بحظر سفر مفروض على إبستين لمدة 18 شهرا، لكنه لم يتحقق من خلفيته. وقال إن زوجته آنذاك ميليندا، عبرت عن مخاوفها بشأن إبستين عام 2013 لكنه استمر في علاقته به لعام آخر على الأقل.


غوتيريش يبدي «قلقه البالغ» حيال تصريحات ترمب الأخيرة عن إيران

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
TT

غوتيريش يبدي «قلقه البالغ» حيال تصريحات ترمب الأخيرة عن إيران

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الثلاثاء، عن قلقه إزاء تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أن «حضارة بكاملها» سيتم القضاء عليها في إيران إذا لم تستجِب البلاد لإنذار نهائي بقبول مطالب الولايات المتحدة المتعلقة بالحرب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك في تصريح لصحافيين: «إن الأمين العام قلق للغاية إزاء التصريحات التي سمعناها أمس ومجدداً هذا الصباح، وهي تصريحات توحي بأن شعباً بكامله أو حضارة بكاملها قد تُحَمّل عواقب قرارات سياسية وعسكرية».

وتسارعت وتيرة الضربات داخل إيران مع تركيز واضح على الجسور وشبكات السكك الحديدية، بالتوازي مع انقضاء مهلة حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز.

وطالت غارات إسرائيلية جسراً للسكك الحديدية في كاشان، ومحطة قطار في مشهد، وجسراً على طريق سريع قرب تبريز، مما أدى إلى تعطيل محاور نقل رئيسية داخل البلاد.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف ثمانية جسور في أنحاء إيران. ولم يُفصح الجيش عن أسماء الجسور، لكن وفقاً لرسم بياني مرفق بالإعلان، يبدو أنها تتركز في شمال غربي إيران.

وفي وقت مبكر من الثلاثاء، أصدر ترمب أحد أكثر تهديداته صراحةً خلال الحرب. وهدد بمحو الحضارة الإيرانية بأكملها إذا لم تستجِب طهران لمطالبه بحلول الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.


مهلة ترمب لإيران... حافة هاوية أم جولة حرب أقسى؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... حافة هاوية أم جولة حرب أقسى؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دخلت الحرب مع إيران، بعد المؤتمر الصحافي للرئيس الأميركي دونالد ترمب الاثنين، مرحلة أكثر التباساً وخطورة في آن واحد: تهديدات قصوى تكاد تلامس منطق «الحرب الشاملة» ضد البنية التحتية الإيرانية، تقابلها إشارات إلى أن باب التفاوض لم يُغلق نهائياً، بل ربما يُترك موارباً حتى اللحظة الأخيرة إذا ظهرت صيغة تحفظ لواشنطن مكسباً سياسياً وعسكرياً، وتمنح طهران مخرجاً من دون استسلام معلن.

وبين هذين المسارين، يبدو أن الإدارة الأميركية نفسها لم تحسم بعد: هل تريد استخدام التهديد الأقصى لفرض تسوية، أم أنها تتهيأ فعلاً لجولة أشد إيلاماً من الحرب؟ وتستند هذه التساؤلات إلى ما أعلنه ترمب نفسه، وما أوردته تقارير صحافية أميركية، فضلاً عن حديثين خاصين لـ«الشرق الأوسط» مع خبيرين في شؤون المنطقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمره الصحافي الاثنين في البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يرفع السقف

أهم ما كشفه مؤتمر ترمب ليس فقط مستوى التهديد، بل التناقض المقصود في الخطاب. فقد قال إنه «لا يستطيع الجزم» ما إذا كانت الحرب تتجه إلى الانحسار أم إلى التصعيد، وربط الأمر بما ستفعله إيران قبل مهلة يوم الثلاثاء. وفي الوقت ذاته، رسم مشهداً تدميرياً هائلاً، متحدثاً عن القدرة على شلّ الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية خلال ساعات، بل وذهب أبعد حين قال إن «البلاد كلها يمكن القضاء عليها في ليلة واحدة».

هذا الجمع بين أقصى التهديد وأدنى اليقين السياسي ليس عرضياً. فهو يعكس أسلوب ترمب التفاوضي القائم على دفع الخصم إلى حافة الهاوية، ثم ترك مساحة لمراجعة اللحظة الأخيرة. موقع «أكسيوس» كان واضحاً في هذا السياق، إذ أشار إلى أن ترمب يواجه قراراً مصيرياً: تنفيذ تهديده بتدمير البنية التحتية الإيرانية ابتداءً من الثامنة مساءً، أو تمديد المهلة مرة أخرى إذا بدت ملامح اتفاق ممكنة. كما نقل عن مسؤولين أن الرئيس وحده يتخذ القرار، وأن وسطاء من باكستان ومصر وتركيا يعملون لإعادة «الوقت إلى الساعة» إذا لاحت فرصة.

دخان كثيف يتصاعد بعد ضربة جوية على طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

هل المفاوضات حقيقية؟

الحديث عن مفاوضات مباشرة، كما ورد في التسريبات التي نشرتها الصحف الأميركية، لا يعني بالضرورة أن اختراقاً وشيكاً قد حصل. الأرجح أن ما يجري هو تفاوض تحت النار، هدفه الأساسي اختبار حدود الطرف الآخر، لا الوصول السريع إلى تسوية. فـ«بوليتيكو» كشفت أن نائب الرئيس جي دي فانس «في حالة تأهب» للدخول على الخط إذا تقدمت المحادثات الخلفية إلى مستوى لقاء مباشر مع الإيرانيين، على أن يقود المسار حالياً ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، قال مايكل روبين الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز» إن ما يجري لا ينبغي قراءته بوصفه مساراً تفاوضياً مستقراً، بل بوصفه لعبة حافة هاوية يتقنها الطرفان. وأضاف: «القيادة الإيرانية والرئيس ترمب يتبنيان سياسة (حافة الهاوية)».

ومع ذلك، توقع روبين «انطلاقات كاذبة عدة». وقال إن «تمديد المهل في اللحظة الأخيرة لا يوحي فقط بأن الدبلوماسية ممكنة، بل يحمل قيمة استخباراتية، لأن البنتاغون يستطيع أن يرى ما الذي يفعله الإيرانيون كلما اقتربت المهل. وتكرار هذه الانطلاقات الكاذبة يبدد جاهزية إيران».

أما برايان كاتوليس الباحث في «معهد الشرق الأوسط» فكان أكثر تشاؤماً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إذ رأى أنه «لم تكن هناك مفاوضات جادة أو حقيقية في أي وقت مع إيران. كل هذا مسرح سياسي يسبق مزيداً من الحرب والدمار، ثم ينتهي بادعاء كاذب بالنصر من الطرفين».

بهذا المعنى، فإن الحديث عن «مفاجأة في اللحظة الأخيرة لا يمكن استبعاده، لكنه أيضاً لا ينبغي أن يُفهم على أنه انعطافة نحو السلام، بقدر ما قد يكون مجرد تأجيل لجولة أخرى من التصعيد»، وفق كاتوليس.

جنود أميركيون يحضرون القاذفة «ب 52» في قاعدة فيرفورد ببريطانيا تمهيداً لمشاركتها بعمليات القصف على إيران الثلاثاء (رويترز)

لماذا لا تستجيب طهران؟

لماذا تواصل إيران الرفض، رغم أن الحرب أظهرت محدودية فاعلية الرهان على «المجتمع الدولي» أو على دعم الحلفاء؟ يتحدث روبين، لـ«الشرق الأوسط»، عن سببين يفسران السلوك الإيراني. الأول آيديولوجي، إذ إن الغرب، برأيه، لم يعد يفهم أثر العقيدة في صناعة القرار لدى بعض دوائر الحكم في إيران. أما الثاني فهو أن طهران تعتقد أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الصبر الاستراتيجي. ويقول روبين: «إيران لا تحتاج إلى أن تنتصر في ساحة المعركة؛ بل إلى الصمود حتى تشعر الولايات المتحدة بالملل وتغادر».

هذا التفسير يتقاطع مع تقدير كاتوليس بأن النظام الإيراني لا يراهن على انتصار عسكري مباشر، بل على رفع تكلفة الحرب على الإقليم والعالم. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال إن «النظام الإيراني قدّم عبر قنوات مختلفة عروضاً مضادة، لكن يبدو أن الطرفين ما زالا بعيدين جداً عن بعضهما. والاستراتيجية الأساسية للنظام هي إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر والخسائر الاقتصادية بالشرق الأوسط الأوسع وبالعالم».

ومن هنا يصبح مضيق هرمز جوهر المعركة، وليس تفصيلاً فيها. فترمب جعل إعادة فتحه شرطاً رئيسياً لأي تهدئة، فيما أظهرت تقارير «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» أنه عاد وطرح أفكاراً مرتبكة، من القبول الضمني بصيغ مختلفة إلى الحديث حتى عن «تحصيل رسوم» أميركية على المرور في المضيق.

هذا التخبط لا يعكس فقط صعوبة فرض الشروط الأميركية، بل يكشف أيضاً أن واشنطن تبحث عن صيغة تعيد حرية الملاحة من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة.

دمار واسع جراء ضربة جوية على جامعة الشريف للتكنولوجيا في طهران (أ.ف.ب)

سلاح ضغط أم فخ سياسي؟

إذا فشلت المفاوضات، فإن السؤال التالي هو: هل يؤدي قصف محطات الطاقة والجسور إلى تغيير قواعد اللعبة؟ هنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يوحي به خطاب ترمب. فقد نقلت «وول ستريت جورنال» عن خبير الطاقة أومود شوكري أن الضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية ستصيب المدنيين على نطاق واسع، لكنها لن تشلّ بالضرورة القدرات العسكرية، لأن الشبكة الإيرانية موزعة جغرافياً، ومتعددة المصادر، ومترابطة على نحو يمنحها قدراً من المرونة.

ووفق التقرير، فإن أكبر 15 إلى 20 محطة لا تنتج سوى نسبة محدودة من الكهرباء، كما أن كثيراً من المواقع العسكرية يملك مولدات احتياطية أو بدائل إمداد.

هذا يعني أن قصف الطاقة قد يوجع المجتمع الإيراني أكثر مما يحسم المعركة عسكرياً. لذلك تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تبحث عن مخرج قانوني وسياسي لهذا الخيار.

«بوليتيكو» كشفت أن البنتاغون وسّع لائحة الأهداف لتشمل مواقع «مزدوجة الاستخدام» توفر الوقود والطاقة للمدنيين والعسكريين معاً، بما يمنح البيت الأبيض حجة لتفادي اتهامات ارتكاب جرائم حرب.

لكن التقرير نفسه أشار إلى جدل داخلي حول مدى مشروعية هذا المنطق، وإلى أن تقليص دوائر المراجعة القانونية داخل البنتاغون قد يقلل من الضوابط السابقة.

سياسياً، هذا المسار ينطوي على مخاطرة مزدوجة: فهو قد لا يكسر قدرة النظام على القتال، وقد يدفع في الوقت نفسه قطاعات من الإيرانيين إلى الالتفاف حول الدولة تحت وطأة العقاب الجماعي. وحتى افتتاحية «وول ستريت جورنال»، المؤيدة عادة لسياسات الضغط، حذرت من أن الضربات غير التمييزية على البنية الأساسية قد تكون «خاطئة وغير حكيمة»، وأن المعيار الأهم لأي تصعيد يجب أن يكون: هل يساعد فعلاً في تهيئة عملية إعادة فتح هرمز أم يضاعف معاناة الإيرانيين من دون مكسب عسكري واضح؟

«الناتو» الصامت

ورغم انتقادات ترمب المتكررة لحلفاء الأطلسي، فإن صورة العزلة الأميركية ليست دقيقة بالكامل. فحسب تقرير «وول ستريت جورنال»، هناك دعم أوروبي «صامت» لكنه عملي، يشمل قواعد، وحقوق عبور، وإسناداً لوجيستياً وعملياتياً من بريطانيا وألمانيا والبرتغال وإيطاليا وفرنسا بدرجات مختلفة، فيما بقيت إسبانيا الاستثناء الأوضح. أهمية هذا المعطى أنه يبيّن أن الحرب، وإن افتقدت الغطاء السياسي الأوروبي العلني، لا تُدار من دون بنية الدعم الغربية الممتدة من القارة الأوروبية إلى المتوسط.

وهنا تحديداً يظهر تناقض آخر في خطاب البيت الأبيض: ترمب يهاجم «الناتو» سياسياً، لكنه يستفيد عملياً من ممرات القوة التي يوفرها الحلفاء. وهذا يفسر لماذا تبقى واشنطن حريصة، رغم التصعيد اللفظي، على عدم تحويل الخلاف مع أوروبا إلى قطيعة تشغيلية، خصوصاً في حرب تعتمد بهذا القدر على القواعد والتموين والانتشار الجوي.

الخلاصة أن الحرب تقف عند تقاطع بالغ الحساسية. لا مؤشرات حاسمة إلى أن المسار الدبلوماسي وصل إلى اختراق، لكن لا مؤشرات أيضاً إلى أن قرار «محو الحضارة» قد اتُّخذ نهائياً. الأرجح أن ترمب يستخدم أقصى درجات التهديد لانتزاع تنازل إيراني في ملف هرمز وشروط التهدئة، من دون أن يكون واثقاً من أن تنفيذ تهديده سيمنحه النتيجة التي يريدها.

إذا حصلت «مفاجأة» في اللحظة الأخيرة، فستكون على الأرجح في شكل تمديد جديد، أو تفاهم جزئي، أو صيغة مؤقتة توقف الانفجار الأكبر ولا تنهي الحرب فعلاً. أما إذا لم تحصل فإن الضربات المقبلة قد تكون أوسع وأكثر إيذاءً، لكن ليس بالضرورة أكثر حسماً.