ترمب يطلق أوسع حملة لـ«توسيع» أميركا... وتغيير أنظمتها

انسحاب من اتفاقيات دولية ونشر الجيش على الحدود ووقف الجنسية بالولادة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء التوقيع على قرارات تنفيذية في مكتبه بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء التوقيع على قرارات تنفيذية في مكتبه بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

ترمب يطلق أوسع حملة لـ«توسيع» أميركا... وتغيير أنظمتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء التوقيع على قرارات تنفيذية في مكتبه بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء التوقيع على قرارات تنفيذية في مكتبه بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوسع سلسلة من الإجراءات مستنداً إلى ما يعده تفويضاً شعبياً ومقدساً لحماية الولايات المتحدة، ولاعتماد سياسة توسعية وجعلها القوة العظمى من دون منازع على مر السنوات، ولعكس بعض السياسات الرئيسة لسلفه الرئيس السابق جو بايدن فيما يتعلق بالهجرة، والطاقة، والعلاقات الدولية.

وبعد أن انتهى حفل تنصيب الرئيس الأميركي السابع والأربعين والاحتفالات المرافقة لما سماه «يوم التحرير»، أمضى ترمب ساعاته الأولى في البيت الأبيض وهو يوقّع على عشرات القرارات التنفيذية، قائلاً إن انتخابه «تفويض كامل» من الشعب الأميركي، فضلاً عن أن محاولة اغتياله في 13 يوليو (تموز) الماضي حين لامست رصاصة أعلى أذنه، حملت رسالة مفادها: «أنقذني الله لجعل أميركا عظيمة مرة أخرى». وانضمت إليه في المكتب كبيرة الموظفين سوزي وايلز، ونائبها دان سكافينو، والمحاميان بيتر نافارو وبوريس إبشتاين.

أثر عميق

وبحلول ليل الاثنين، وقّع ترمب على عشرات القرارات التنفيذية التي يتوقع أن يكون لها تأثيرات عميقة على الأنظمة المرعية في البلاد، ومنها قرارات لنقض عشرات من السياسات غير المحددة التي اعتمدها بايدن، وتجميد عدد من التشريعات الفيدرالية وعمليات التوظيف، وإعادة العاملين الفيدراليين إلى العمل بدوام كامل شخصياً.

وأعلن ترمب العفو عن نحو 1500 من أنصاره المتهمين باقتحام الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، وخفّف الأحكام عن 14 آخرين، واصفاً بعضهم بأنهم «رهائن». وعلى الفور، باشر المسؤولون عن السجون الفيدرالية عملية إطلاق البعض، وبينهم زعيم جماعة «براود بويز» السابق إنريكي تاريو. وكان متوقعاً أيضاً أن يطلب ترمب من وزارة العدل رفض نحو 300 قضية لم تصل إلى المحاكمة حتى الآن.

ووجه ترمب في أحد قراراته التنفيذية وزارة العدل ولجنة الأوراق المالية والبورصة ولجنة التجارة الفيدرالية لفحص تصرفات الإدارة السابقة؛ بحثاً عن قرارات إنفاذ وتمويل ذات دوافع سياسية. ودعا إلى مراجعة أنشطة التجسس. وفي قرار منفصل، ألغى التصاريح الأمنية لأكثر من 50 مسؤولاً سابقاً من الاستخبارات؛ لأنهم حذروا من عمليات التضليل الروسية المحتملة في انتخابات 2020.

ستيوارت رودس مؤسس جماعة «أوث كيبيرز» بعد إطلاق سراحه ليل الاثنين بعدما أمضى السنوات الثلاث الماضية في السجن (أ.ف.ب)

وتشمل الإجراءات المبكرة الأخرى التي اتخذها الرئيس ترمب نشر الجيش على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وطالب بعقد جلسات استماع لطلبات لجوء المهاجرين في المكسيك، وتعليق إعادة توطين اللاجئين لمدة أربعة أشهر على الأقل. وقال: «سنوقف كل عمليات الدخول غير القانونية، وسنبدأ بطرد ملايين الأجانب المجرمين إلى المكان الذي أتوا منه»، مضيفاً أنه «سيرسل قوات إلى الحدود الجنوبية لصد الغزو الكارثي لبلادنا».

ووجه قراراً تنفيذياً آخر للوكالات الفيدرالية من أجل ابتكار طرق لخفض الأسعار من خلال توسيع الإسكان، وخفض تكاليف الرعاية الصحية، وخفض اللوائح البيئية، وإعادة «العمال المحبطين» إلى قوة العمل.

مهاجرة كوبية مع عائلتها يسيرون مع مهاجرين آخرين بعد إغلاق طلب اللجوء الخاص بهم لدى إدارة الجمارك وحماية الحدود يوم تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرب السياج الحدودي في مكسيكالي بالمكسيك (رويترز)

قرارات كثيرة

واعترفت الإدارة الجديدة رسمياً بالجنسين: الذكور والإناث، على أن يتم تحديد ذلك على أساس الخلايا التناسلية للحمل. وستحصل الوكالات الحكومية على وثائق تعكس جنس الأشخاص عند الحمل، والتوقف عن استخدام الهوية الجنسية أو الضمائر المفضلة.

وأصدر ترمب قرارات أخرى أعلن فيها حال الطوارئ الوطنية على الحدود الجنوبية، واصفاً العصابات الغريبة بأنها «إرهاب عالمي»، وإنهاء منح الجنسية بصورة تلقائية للمولودين في الولايات المتحدة لمهاجرين غير شرعيين، فيما يعده كثيرون تجاهلاً للحق بالمواطنة بالولادة، استناداً إلى التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي. ويتوقع أن يواجه هذا القرار تحديات فورية في المحاكم، بما فيها المحكمة العليا الأميركية.

ويهدف قرار تنفيذي آخر إلى القضاء على برامج التنوع الحكومية من خلال مراجعة المنح والعقود، وعقد اجتماعات منتظمة لمراقبة القضية، بما في ذلك أمثلة رسمية للبيت الأبيض تم تسميتها مثل زائرين من ذوي الإعاقات الذهنية داخل إدارة الطيران الفيدرالية، واعتماد وزارة الزراعة على البيئة القضائية، والتدريب على التنوع في وزارة الخزانة.

وكذلك قرر ترمب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، ويرى الخبراء أنه قد يترك دفاعات العالم ضعيفة ضد أي حدث جديد قادر على تفشي الأوبئة. وأعلن إنشاء «دائرة الكفاءة الحكومية» التي يديرها الملياردير إيلون ماسك، وينفذها طاقم مكون من 20 شخصاً.

العلاقات الدولية

وكذلك وقّع ترمب على قرار بالانسحاب من «معاهدة باريس للمناخ»، لتنضم الولايات المتحدة إلى كل من إيران وليبيا واليمن بصفتها الدول الوحيدة غير الطرف في الاتفاق العالمي الذي يُعنى بلجم الاحتباس الحراري والظواهر المناخية المتطرفة على الأرض.

وقرر إطلاق عمليات التعدين على نطاق واسع واستخراج النفط والغاز والمعادن في ألاسكا، وتسهيل عملية فصل الموظفين الحكوميين، وإلغاء معايير الكفاءة التي وضعتها إدارة بايدن لصناعة السيارات والقطاع الاستهلاكي - على الرغم من اعتراض الشركات المصنعة المحلية التي طُلب منها الالتزام.

وكان ترمب أعلن أن الولايات المتحدة «ستستعيد» قناة بنما التي بنتها الولايات المتحدة قبل نقل السيطرة عليها إلى السلطات البنمية عام 1999 بموجب اتفاق عام 1977، الذي وصفه ترمب بأنه «هدية جنونية»، مضيفاً أن «هدف اتفاقنا وروحية معاهدتنا انتهكا بالكامل»، وأن «ضرائب طائلة تفرض على السفن الأميركية (...) وخصوصاً تستغل الصين قناة بنما، ونحن لم نعطها للصين». أما بالنسبة لغرينلاند التي أعلن عزمه على «استعادتها»، فأعرب عن «ثقته بأن الدنمارك ستتقبل فكرة» التنازل عن هذه المنطقة، وأن الولايات المتحدة «بحاجة (إليها) من أجل الأمن الدولي».

وأعاد ترمب إدراج كوبا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعدما رفعها بايدن عنها قبل أيام في إطار اتفاق لإطلاق سجناء.


مقالات ذات صلة

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

شؤون إقليمية صورة مركبة لترمب وميلوني وجهاً لوجه (أ.ف.ب)

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

كان يفترض أن تكون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني جسر أوروبا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن هذا الجسر ربما يكون بصدد الاحتراق الآن.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجواب رئيس الوزراء في مجلس العموم في لندن 15 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

ستارمر: لن «أرضخ» لضغوط ترمب للانضمام إلى حرب إيران

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنّه لن «يرضخ» للضغوط للانضمام للحرب على إيران، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلغاء اتفاقية تجارية مع بريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية «يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

أميركا تُحكم حصار الموانئ الإيرانية بحاملة طائرات ثالثة

في ما بدا أنه سباق مع الوساطات لإجراء جولة ثانية من المحادثات الأميركية - الإيرانية، أعلن الجيش الأميركي اكتمال الحصار المفروض على إيران عند مضيق هرمز.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف فوق وحدة مدفعية تطلق النار باتجاه جنوب لبنان من شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (أ.ب)

مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يجتمع لبحث إمكانية وقف النار في لبنان

يعقد مجلس ‌الوزراء الإسرائيلي ‌الأمني ​المصغر ‌بقيادة ⁠رئيس ​الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعاً، الأربعاء، لمناقشة إمكانية التوصل ‌إلى وقف لإطلاق النار في ⁠لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
TT

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)

أعلن البيت الأبيض، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تجري مناقشات بشأن إجراء جولة مفاوضات ثانية مع إيران في باكستان، وأنها متفائلة بإمكان التوصل إلى اتفاق، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت لوسائل الإعلام: «هذه المناقشات تُجرى (...) ونحن نشعر بالارتياح حيال آفاق التوصل إلى اتفاق». وأضافت أن «من المرجح جداً» أن تُعقَد أي جولة أخرى من المحادثات في إسلام آباد.

ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، اليوم، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات لإنقاذ الهدنة الهشة قبل انتهاء صلاحيتها الأسبوع المقبل.

واستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوفد الباكستاني، برئاسة عاصم منير، حسب صور وزّعتها الخارجية الإيرانية.

وأشار التلفزيون الرسمي الإيراني إلى أن الوفد، الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي، يحمل رسالة جديدة من واشنطن إلى طهران، وسيناقش مسألة المفاوضات المستقبلية مع المسؤولين الإيرانيين.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن زيارة الوفد الباكستاني تهدف إلى «تضييق الفجوة» بين إيران والولايات المتحدة للحيلولة دون استئناف الحرب.

وهبطت طائرة عاصم منير في مطار وسط طهران، حيث استقبله عراقجي، وذلك بعدما هدّد مسؤول عسكري إيراني رفيع بوقف التجارة في المنطقة إذا لم ترفع القوات الأميركية حصارها البحري، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الأميركي تطويق الموانئ الإيرانية بالكامل، بما يعكس التوترات التي تلقي بظلالها على الجهود الدبلوماسية.

أتى ذلك بعد ساعات من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار الاتصالات الدبلوماسية، موضحاً أن المشاورات تجري عبر باكستان، وأن طهران «من المرجح» أن تستضيف في اليوم ذاته وفداً باكستانياً.

ونفى بقائي موافقة بلاده على تمديد وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن «جميع التكهنات في هذا الشأن غير قابلة للتأكيد».

وحذّر من أن الحصار البحري على إيران قد يشكل «مقدمة لانتهاك وقف إطلاق النار».


«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
TT

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

عندما وصفت الصين، يوم الاثنين، الحصار الأميركي للنفط الإيراني المغادر عبر مضيق هرمز بأنه «خطير وغير مسؤول»، شكّل ذلك لمحة سريعة عن التحدي الأخير الذي يواجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: كيف يمنع نزاع إيران من تقويض انفراجة آخذة في التشكّل مع الصين؟

ومن المتوقع أن يصل ترمب إلى بكين بعد أربعة أسابيع، في زيارة كان يُنظر إليها على أنها جهد مُعدّ بعناية ومنظّم بإحكام لإعادة صياغة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان الرئيس قد أرجأ الرحلة مرة بالفعل، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أنه لا يوجد نقاش لتأجيلها مجدداً، حتى لو واصلت الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الإيرانية. وكان نحو 90 في المائة من هذه الصادرات -أي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً- تتجه إلى الصين قبل بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

في البداية، التزمت الصين قدراً من الهدوء إزاء العمل العسكري، مدركةً أن الشحنات الموجودة بالفعل في البحر، إلى جانب مخزون كبير من الاحتياطيات الطارئة من النفط، قد تكفيها مؤقتاً. كما تجاهلت مطلب ترمب إرسال سفن حربية للحفاظ على فتح المضيق، واكتفت بدعوات تقليدية للطرفين لخفض التصعيد.

لكن مع بدء الحصار يوم الاثنين، ومع احتمال أن تُمنع سفن شحن ترفع العلم الصيني، وبعضها بطواقم صينية، من المرور بواسطة البحرية الأميركية، تغيّرت النبرة.

«شريعة الغاب»

وأدلى الزعيم الصيني شي جينبينغ بأول تعليق علني له على الحرب يوم الثلاثاء، قائلاً إن العالم لا يمكنه المخاطرة بالعودة إلى «شريعة الغاب». ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالاسم، لكنه أشار خلال اجتماع مع ولي عهد أبوظبي إلى أن «الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي يعني عدم استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا».

وكانت تلك إشارة واضحة إلى ترمب، الذي قال في يناير (كانون الثاني) لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، مضيفاً: «أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأوضح أنه سيكون الحَكَم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله.

من جانبها، اتخذت وزارة الخارجية الصينية، التي تؤدي دورها المعتاد في توجيه الرسائل بين واشنطن وبكين، موقفاً أكثر تشدداً، متهمةً الولايات المتحدة بفرض «حصار موجّه» من شأنه «زيادة المواجهة وتصعيد التوتر، في ظل وقف إطلاق نار هش أصلاً، وتعريض سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز لمزيد من الخطر».

تحفّظ على الانتقاد المباشر

في المقابل، تجنّب ترمب إلى حد كبير توجيه انتقادات حادة، حتى بعدما تبيّن الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى الإيرانيين لاستخدامها في النزاع. وهذه المعلومات غير حاسمة، ولا يوجد دليل على استخدام صواريخ صينية ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية.

وقال ترمب: «أشك في أنهم سيفعلون ذلك»، مضيفاً سريعاً: «إذا ضبطناهم يفعلون ذلك فستُفرض عليهم رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة»، في تهديد اعتاد توجيهه إلى أي دولة تتحدى إرادته. لكنه لم يتابع الموضوع، ربما إدراكاً منه أن أي تهديد بفرض رسوماً جديدة قد يعرقل آماله في إعلان اتفاق تجاري، وهو الهدف الأسهل تحقيقاً في مسار الدبلوماسية بين البلدين.

وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأميركي السابق في عهد الرئيس جو بايدن، ورئيس مجموعة «آسيا غروب» التي أسسها، إن «الرئيس ترمب خلق وضعاً باتت فيه اثنتان من كبرى أولوياته في تعارض مباشر». وأضاف: «الأولى هي مراقبة والتحكم في جميع الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين. والثانية هي رغبته في زيارة إيجابية إلى بكين».

محادثات صعبة

كان سفير ترمب لدى الصين، ديفيد بيرديو، في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، يناقش الزيارة المرتقبة. وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع النزاع مع إيران، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية كان البلدان سيعلنانها.

لكن لم يُحرز تقدم يُذكر في القضايا الأمنية الكبرى، حسب مسؤولين أميركيين، بما في ذلك كيفية التعامل مع مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارها ذلك مع الفلبين.

ومع تبقي شهر على وصول ترمب إلى بكين، لا يزال من غير الواضح كيف سيُدير الزعيمان نقاشاً حول الحصار -إذا استمر- أو حول استعراض القوة العسكرية الأميركية الذي بدأ بالقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، ثم تواصل مع هجوم ترمب على إيران.

لكن هناك مؤشرات قوية على أن الجيش الصيني يراقب من كثب كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لهذين الهجومين. ويبدو أن المسؤولين الصينيين قلقون من السرعة التي جرى بها «شلّ» القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب.

وقال راش دوشي، أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون ومستشار سابق للرئيس جو بايدن في شؤون الصين: «هناك كثير من التكهنات حول ما يمكن أن يعرقل الانفراجة بين الولايات المتحدة والصين ويقوّض القمة». وأضاف: «لم تكن قضايا مثل رقائق الذكاء الاصطناعي أو حتى المعادن النادرة هي العامل الحاسم... لكن قد تكون إيران».

وأشار إلى أن الحصار قد «يخلق ديناميكيات معقدة» في حال حدوث مواجهة بين البحرية الأميركية وسفن تجارية صينية، رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك. وأضاف أن التقارير عن احتمال دراسة الصين إرسال دعم عسكري فتاك إلى إيران تُؤخذ بجدية من مسؤولين كبار في الكونغرس وأجهزة الاستخبارات.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، تتوجه أنظار المشرعين إلى البيت الأبيض، حيث ينتظر الجميع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة. غير أن مفتاح فهم المواقف يكمن في خلفية المشهد، حيث يراقب الكونغرس عقارب الساعة. فالجمهوريون، الذين يدعمون حتى الآن صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية ضد إيران، يقرّون بقرب انتهاء مهلة الستين يوماً التي تتيح للإدارة التحرك عسكرياً قبل أن يتدخل الكونغرس ويقول كلمته. وقد ينضمّ الجمهوريون حينها إلى الجهود الديمقراطية المستمرة لتقييد هامش تحرّك ترمب في الحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مؤتمر صحافي بالكونغرس 14 أبريل 2026 (رويترز)

وهذا ما تحدث عنه السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال: «دخلنا في اليوم الـ45، والآن يجب أن نبدأ بالحديث عن إقرار تفويض استعمال القوة العسكرية في الكونغرس». وتابع: «نحتاج إلى مؤشر واضح حول الوجهة التي تريد الإدارة الذهاب إليها: هل ستصعّد أكثر أم تبدأ بوقف الأعمال العدائية؟».

وتطرقت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً حاسماً في ولايتها ماين للحفاظ على مقعدها، إلى مسألة تفويض الحرب، فقالت محذرة: «عند بلوغ عتبة الستين يوماً، أو في حال تم نشر قوات برية، تصبح موافقة الكونغرس ضرورية. حينها لن أصوّت لصالح إقرار هذا العمل العسكري».

مخاطر انتخابية

ويعلم ترمب جيداً المخاطر السياسية الناجمة عن استمرار الحرب، فهو يتحدث باستمرار مع القيادات الجمهورية التي تستعد لانتخابات نصفية حاسمة للحزب وللرئيس. ففوز الديمقراطيين فيها يعني عرقلة أجندة الجمهوريين، وتسليم الديمقراطيين مفتاح عزل ترمب. وفي هذا الإطار عقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مطلع هذا الأسبوع مع رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، ورئيس اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، لرسم الاستراتيجية الانتخابية.

بدأ الكونغرس العد العكسي لإنهاء حرب إيران (رويترز)

ولعلّ ما يؤرق القيادات الحزبية هو التأييد شبه الغائب للحرب في صفوف الناخبين الأميركيين الذين يشعرون بتداعياتها الاقتصادية مع استمرار الأسعار بالارتفاع. وهذا سيكون عاملاً أساسياً يحسم توجهاتهم لدى الإدلاء بأصواتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد شعر أعضاء الكونغرس بوطأة الحرب وتأثيرها على الأميركيين خلال إجازتهم الربيعية التي قضوها في ولاياتهم واستمعوا إلى آراء الناخبين. لهذه الأسباب، يبدو أن ترمب يسعى إلى كبح جماح الحرب قبل أن يفقد السيطرة على قاعدته الشعبية من جهة، وأن يفقد ثقة المستقلين الذين عادة ما يحسمون السباقات المتأرجحة في صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، سعى ترمب إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما قال في مقابلة سابقة إن أسعار الوقود قد تبقى على حالها أو ترتفع قليلاً بحلول انتخابات الكونغرس في نوفمبر. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، سُجّلت في البيت الأبيض وبُثّت الأربعاء، قال إنه أسيء اقتباسه، مؤكداً رضاه عن مستوى أسعار النفط الحالية عند نحو 92 دولاراً للبرميل. وأضاف: «ستنخفض بشكل كبير جداً فور انتهاء هذا الأمر»، في إشارة إلى الحرب، عادّاً أنها «قد تنتهي قريباً جداً». كما توقّع أن تتراجع أسعار البنزين، التي يبلغ متوسطها حالياً أكثر بقليل من 4 دولارات للغالون، إلى مستويات «أدنى بكثير» بحلول موعد الانتخابات، مؤكداً أن «أسعار الوقود ستنخفض بشكل هائل» فور تسوية النزاع.