تخوف أوروبي من ولاية ترمب الجديدة

الأوروبيون قلقون على وحدتهم ومن أحادية القرار الأميركي ومن التخلي عن أوكرانيا والضغوط على حلف الأطلسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس عجَّلا في التشاور للتباحث في مرحلة ما بعد انتخاب ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس عجَّلا في التشاور للتباحث في مرحلة ما بعد انتخاب ترمب (د.ب.أ)
TT

تخوف أوروبي من ولاية ترمب الجديدة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس عجَّلا في التشاور للتباحث في مرحلة ما بعد انتخاب ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس عجَّلا في التشاور للتباحث في مرحلة ما بعد انتخاب ترمب (د.ب.أ)

إذا كانت ثمة حاجة إلى تظهير القلق الأوروبي من عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، فتكفي الإشارة إلى الاتصال الهاتفي صباح الأربعاء، الذي جرى بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولف شولتس بعد وقت قصير من إعلان ترمب فوزه في المنافسة الرئاسية؛ من أجل تنسيق المواقف بين ما كان يُعدّ «القاطرة الأوروبية» وللنظر في كيفية التعامل مع المعطى الأميركي الجديد.

وليس سراً أن غالبية الدول الأوروبية كانت تراهن على فوز المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس. ومن هنا يمكن فهم الخيبة الأوروبية الكبرى وحاجة الأوروبيين إلى التحضير لأربع سنوات إضافية من التعايش مع ترمب في حين ذكريات ولايته الأولى (2016 - 2020) ما زالت ماثلة أمام أعينهم. وسارع إيمانويل ماكرون، بعد محادثته مع أولاف شولتس، إلى كتابة تغريدة على منصة «إكس» جاء فيها: «لقد تحدثت للتو مع المستشار (الألماني) وسنعمل معاً، في هذا السياق الجديد، من أجل أوروبا أكثر اتحاداً وقوة وسيادة وذلك من خلال التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية ومن أجل الدفاع عن مصالحنا وقيمنا». ومن الجانب الألماني، قال شولتس في بيان بثه التلفزيون، الأربعاء، إن بلاده ستظل شريكاً موثوقاً به عبر المحيط الأطلسي للإدارة الجديدة بقيادة ترمب. بيد أن بيت القصيد جاء في قوله إن «الكثير من الأمور ستكون بالتأكيد مختلفة تحت حكومة يقودها دونالد ترمب... لقد أوضح دونالد ترمب ذلك دائماً علناً. رسائلنا واضحة، وأولها هي أن ألمانيا ستظل شريكاً موثوقاً به عبر (ضفتي) الأطلسي». وتابع أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي أن يقف معاً ويتصرف بطريقة موحدة. بصفتي مستشاراً للدولة الألمانية، أبذل جهوداً لتحقيق ذلك». وسبق بيان شولتس دعوة مصدر حكومي لم تكشف عن هويته، الاتحاد الأوروبي إلى «تحمل المزيد من المسؤولية» على الصعيد الأمني.

كان لافتاً أن القادة الأوروبيين، مثل الكثيرين غيرهم، لم ينتظروا حصول ترمب على العدد الكافي من كبار الناخبين لتهنئته بالفوز. إلا أن موجة التهاني التي انصبَّت على ترمب، رغم صياغتها بلغة دبلوماسية، تضمنت، تلميحاً، الكثير من الرسائل التي تكشف عن مخاوف الأوروبيين. فرئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال المنتهية ولايته، أشار إلى «التعاون البنَّاء» مع الإدارة الأميركية القادمة. وإذ ذكّر بـ«التحالف الدائم» الذي يربط الطرفين، لم يفته التشديد على أن «الاتحاد الأوروبي سيستمر في مساره بما يتماشى مع الأجندة الاستراتيجية باعتباره شريكاً قوياً وسيادياً وتنافسياً، مع الدفاع عن النظام المتعدد الأطراف القائم على القواعد». والشيء نفسه يصحّ على رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التي دعت إلى «العمل معاً على إقامة شراكة عبر الأطلسي تستمر في تحقيق الأهداف المرجوة لمواطنينا. ملايين الوظائف والمليارات من التجارة والاستثمار على جانبي الأطلسي تعتمد على ديناميكية واستقرار علاقتنا الاقتصادية».

اللعب على حبل الانقسامات الأوروبية

وثمة مجموعة من الثوابت التي يهجس بها الأوروبيون والتي يمكن استشفافها من خلال التغريدات المتلاحقة، وأولها، قطعاً، الخوف الذي يعتمل الاتحاد الأوروبي من أن يعمد ترمب إلى اللعب على حبل الانقسامات الأوروبية من أجل تهميش الاتحاد. من هنا، تأكيد ماكرون على الحاجة إلى العمل من أجل أوروبا «أكثر اتحاداً وقوة وسيادة» وإصرار شولتس على ضرورة أن يتصرف الاتحاد «بطريقة موحدة». وليس سراً أن للرئيس الأميركي القادم «حلفاء» بين القادة الأوروبيين ومنهم رئيسا وزراء المجر وسلوفاكيا (فيكتور أوربان وروبيرت فيكو) والرجل القوي في التحالف الحكومي الهولندي غيرت فيلدرز. ومن بين المعجبين به رئيسة وزراء إيطاليا جيورجيا ميلوني ورئيس الحزب الديمقراطي في السويد جيمي أكسون. وبشكل عام، يُعدّ اليمين المتطرف الأوروبي (في فرنسا، ألمانيا، النمسا، إسبانيا وغيرها) من الداعمين لترمب القادر على الاتكاء على هذا التيار لزرع الانقسام في الصفوف الأوروبية. وغرَّدت ميلوني، من جهتها، قائلة: «نتمتع (مع الولايات المتحدة) برابطة استراتيجية، وأنا على يقين من أننا سنعززها الآن بشكل أكبر». ولم يستبعد مصدر أوروبي في باريس أن يعمد قادة أوروبيون إلى «الإسراع في الهرولة» إلى واشنطن لتقديم الطاعة لترمب والتأكيد على «العلاقة الخاصة» بين بلادهم والشريك الأميركي ليحظوا بعطف سيد البيت الأبيض الجديد.

الرئيس الجديد للمجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في بروكسل يوم 30 أكتوبر (إ.ب.أ)

المظلة الأميركية

خلال ولايته السابقة، لم يتردد ترمب في تهديد الأوروبيين بحجب المظلة الأميركية عنهم إذا لم يسارعوا إلى تسديد ما يجب عليهم من مساهمات مالية إلى المنظمة الأطلسية، لا، بل إنه لم يتردد في تأكيد أنه سيترك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يفعل ما يشاء بالمتخلفين. ولدرء تهديد كهذا، سارع مارك روته، أمين عام حلف «ناتو»، إلى التأكيد على أن نحو ثلثي الحلفاء الـ32 في الأطلسي سوف يحققون هدف الإنفاق الدفاعي الرئيسي للمنظمة هذا العام (2 في المائة من الناتج الداخلي الخام). وفي إطار الاتحاد، كان صوت الرئيس ماكرون الأقوى في الدعوة إلى ما سماه «الاستقلالية الاستراتيجية» ودعوة الأوروبيين إلى تحمُّل مسؤولياتهم وبناء قوتهم العسكرية من أجل الدفاع عن «مصالحهم وقيمهم». وثمة توجه في فرنسا ودول أوروبية أخرى إلى اعتبار أن رئاسة ترمب وما تحمله من مخاطر، من شأنها إقناع المترددين، وخصوصاً ألمانيا بزيادة المخصصات الدفاعية من أجل قيام أوروبا «أكثر اتحاداً وقوة وسيادة». والحال أن دعوة ماكرون، على الأرجح، كما يقول مصدر سياسي فرنسي، «لن تنال الاستجابة المرجوة»، خصوصاً من دول شرق أوروبا التي تستشعر التهديد الروسي أكثر من غيرها، ولا ترى أن لا بديل عن المظلة الأميركية - الأطلسية.

ترمب ورفضه التعددية

وهناك من يعتقد أن الاتحاد الأوروبي يتخوف من «انعزالية» ترمب ومن نزوعه، إفرادياً، إلى اتخاذ القرارات التي يرى فيها مصلحة بلاده من غير الالتفات إلى مصالح شركائه الأوروبيين واحتقاره التعددية نهجاً لإيجاد حلول للمشاكل عبر العالم. وعلى ضوء هذا الاعتبار، يتعين فهم رسالة شارل ميشال الذي حثّ الاتحاد على التمسك بـ«النظام متعدد الأطراف القائم على القواعد»؛ ما يعني، بكلام آخر، أن ترمب لا يلتزم بهذه القواعد. وكان لافتاً أيضاً في هذا المجال تركيز فون دير لاين، المعروفة بأطلسيتها، على أهمية «استقرار العلاقات الاقتصادية» بين القارة القديمة والولايات المتحدة. ويعكس ذلك بوضوح الخوف الأوروبي من «الحمائية» الأميركية التي لها عنوانان: إغلاق السوق الأميركية بوجه المنافسة الأوروبية وفرض رسوم باهظة على المنتجات الأوروبية. وثمة تخوف أوروبي من قيام حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين وأن تجرّ القارة القديمة جراً إلى الوقوف إلى الجانب الأميركي؛ ما سينعكس سلباً على علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع بكين.

صورة مركَبة للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب مع الرئيسين الروسي والصيني فلاديمير بوتين وشي جينبينغ (إ.ب.أ)

أوكرانيا: قفز إلى المجهول

اعتاد الأوروبيون أن تكون واشنطن في مقدمة الداعمين لأوكرانيا مالياً وعسكرياً وسياسياً. والحال أن فوز ترمب يدخل الحرب الأوكرانية - الروسية في معادلة جديدة. ووفق مصادر أوروبية في باريس، فإن التخوف الأكبر أن يقلب ترمب سياسة بلاده رأساً على عقب، وأن يوقف دعم أوكرانيا وأن يضغط عليها للقبول بحل سريع وعلى حساب استعادة أراضيها المحتلة. ورغم امتناع القادة الأوروبيين، الأربعاء، عن الإشارة مباشرة إلى الحرب الأوكرانية، فإن قلقهم عكسه الاجتماع الطارئ مساءً في باريس بين وزيري الدفاع الفرنسي والألماني للبحث في تداعيات الانتخابات الأميركية، وما يتعلق بالدعم المستقبلي لأوكرانيا، وكذلك مناقشة سياسة الدفاع الأوروبية المستقبلية.

بريطانيا والعلاقة الخاصة مع أميركا

وفي لندن، هنّأ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر دونالد ترمب بـ«نصره التاريخي» في الانتخابات. وقال ستارمر: «كوننا أقرب الحلفاء، نحن نقف جنباً إلى جنب دفاعاً عن قيمنا المشتركة المتمثلة في الحرية والديمقراطية. ومن النمو والأمن إلى الابتكار والتكنولوجيا، أعلم أن العلاقة الخاصة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة ستستمر في الازدهار على جانبي المحيط الأطلسي لسنوات مقبلة». والتقى رئيس الحكومة البريطانية الذي وصل إلى السلطة في يوليو (تموز) الماضي، ترمب في نيويورك نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، بحضور وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي الذي هنأ أيضاً الجمهوري، الأربعاء، بفوزه. وقال لامي على منصة «إكس»: «ليس لدى المملكة المتحدة صديق أفضل من الولايات المتحدة، وتمت الإشادة بالعلاقة الخاصة على جانبي المحيط الأطلسي منذ أكثر من 80 عاماً. ونتطلع إلى العمل معك ومع جي دي فانس (الفائز بمنصب نائب دونالد ترمب) في السنوات المقبلة».


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
TT

وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)

توفِّي روبرت مولر المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي أشرف على تحقيق في شبهة تدخُّل روسي في حملة دونالد ترمب الانتخابية الأولى، بينما لم يخف الرئيس الأميركي «سعادته» بهذا النبأ، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» وفاة مولر عن 81 عاماً نقلاً عن بيان للعائلة، من دون تحديد سببها، بينما سارع ترمب للتعليق على ذلك في منشور على «تروث سوشيال» كتب فيه «روبرت مولر توفّي للتوّ. جيّد. يسعدني أنه توفّي. لم يعد في وسعه أن يؤذي أبرياء!».

وتولَّى مولر إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي لمدّة 12 عاماً، وتسلّم مهامه قبيل اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأنشأ وحدة مكافحة الإرهاب في المكتب. وبعد مغادرته منصبه، كلّفته وزارة العدل بالتحقيق بين 2017 و2019 في شبهات تدخّل روسي في حملة ترمب.

وكانت ⁠صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت ‌العام الماضي ‌أن مولر يعاني من ​مرض باركنسون.

وعبرت ‌شركة ويلمر هيل للمحاماة، التي ‌عمل فيها مولر محامياً حتى تقاعده عام 2021، عن حزنها لرحيله. وقالت الشركة في بيان لها اليوم السبت «كان بوب ‌قائداً استثنائياً وموظفاً حكومياً متميزاً، وشخصاً يتمتع بأعلى درجات ⁠النزاهة».

وتقاعد ⁠مولر في 2013 بعد 12 عاما من توليه منصب مدير مكتب التحقيقات الاتحادي، لكن أحد كبار المسؤولين في وزارة العدل استدعاه للعودة إلى الخدمة العامة بعد أربع سنوات بصفته مستشارا خاصا لتولي التحقيق في تدخل روسيا في الانتخابات بعد أن ​أقال ترمب رئيس ​مكتب التحقيقات الاتحادي آنذاك جيمس كومي.


من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تُغيّر حربُ إيران، حتى الآن، الاستراتيجيةَ الدفاعية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها وضعتها تحت اختبار قاسٍ. فعلى المستوى النظري، ما زال ترتيب الأولويات المعلن قائماً: حماية «الوطن» ونصف الكرة الغربي وفق مقاربة «ملحق ترمب» لـ«عقيدة مونرو»، ثم ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، مع تخفيف التورط الطويل والمكلف في الشرق الأوسط.

لكن على المستوى العملي، بدا أن واشنطن اضطرت إلى سحب أصول قتالية، ومنظومات دفاعية، وقوة بحرية - برمائية متقدمة، من المسرح الآسيوي؛ لإسناد الحرب ضدّ إيران. هنا يكمن جوهر الإرباك؛ إذ لم تعد المسألة سجالاً فكرياً بشأن ما إذا كانت آسيا هي الأولوية، بل أصبحت سؤالاً عملياً أكبر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على استراتيجية ردع الصين إذا كانت كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط تفرض على الولايات المتحدة الاقتراض من قواتها الجاهزة في آسيا؟ هذا ما يقلق طوكيو وتايبيه وسيول، ويمنح بكين مادة دعائية ثمينة لتكرار أن «أميركا قوية؛ لكنها ليست دائماً الشريك الذي يمكن التعويل عليه عندما تتزاحم الجبهات».

«أولوية آسيا» لم تعد محصنة

الوثائق الرسمية لا تزال واضحة... فـ«استراتيجية الأمن القومي لعام 2025» تتحدث صراحة عن «ملحق ترمب لعقيدة مونرو» لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، فيما تؤكد «استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026» أن الرهان الرئيسي هو «السلام عبر القوة» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء بحيث يكون الدعم الأميركي «حاسماً لكنه محدود» على المسارح الأخرى.

جنود من مشاة البحرية الأميركية يترجلون من طائرة «أوسبري» خلال تدريب في أوكيناوا باليابان يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

نظرياً، هذا يعني أن الشرق الأوسط ليس ساحة استنزاف دائمة في سياسة ترمب الخارجية، بل هو مسرح يُفترض أن يُدار بضربات حاسمة وتكلفة سياسية وعسكرية أقل من الحروب الطويلة. غير أن حرب إيران كشفت عن حدود هذا الترتيب؛ فالرئيس ترمب يكرر أنه لا يريد «حرباً برية» جديدة، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الولايات المتحدة ستفعل «ما يلزم». فيما أعلنت «رويترز» أن واشنطن تدفع آلافاً إضافيين من المارينز والبحارة إلى الشرق الأوسط، لينضمّوا إلى أكثر من 50 ألف عسكري موجودين أصلاً في المنطقة. هذا التناقض بين خطاب تقليص الانخراط، ووقائع التوسع العملياتي، هو ما يضعف صدقية «الأولوية الآسيوية» في نظر الحلفاء.

ما الذي نُقل من آسيا؟

الحديث لم يقتصر على إمكان نقل بطاريات «باتريوت» من كوريا الجنوبية، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية في شبه الجزيرة الكورية، بل شمل أيضاً قوة بحرية - برمائية متقدمة من اليابان. فقد أكدت تقارير عسكرية أن السفينة الهجومية البرمائية «تريبولي» اتجهت إلى الشرق الأوسط مع عناصر من «الوحدة الـ31» الاستكشافية البحرية، وهي قوة متمركزة في أوكيناوا اليابانية وتُعدّ من أهم أدوات الاستجابة السريعة الأميركية في غرب المحيط الهادئ. كما أظهرت بيانات التتبع عبور مجموعة «تريبولي» المؤلفة من 3 سفن ونحو 2200 من المارينز، مضيق ملقا بجنوب شرقي آسيا في طريقها إلى المنطقة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن هذه القوة صُممت أصلاً لسيناريوهات الجزر والنزاعات الساحلية في آسيا، أي لبيئة قريبة مباشرة من أي أزمة محتملة حول تايوان أو البحار المحيطة باليابان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس الماضي (رويترز)

قلق الحلفاء الآسيويين هنا ليس مبالغاً فيه؛ لأنه لا يتعلق بمجرد سفينة نقل، أو تدوير روتيني للقوات، بل بإعادة توجيه أداة ردع كاملة من مسرح حساس إلى آخر... فـ«تريبولي» ليست مجرد منصة برمائية، بل سفينة هجومية يمكن تشغيلها أيضاً على أنها «حاملة خفيفة»، وقد اختبرت سابقاً مفهوم نشر أعداد كبيرة من مقاتلات «إف35 بي» على متنها. وحين تُسحب هذه القدرة من آسيا، فإن الرسالة لا تُقاس فقط بعدد الجنود، بل بنوعية القوة التي غادرت.

وإلى جانب القوة البرمائية المتقدمة التي تحركت من اليابان، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن واشنطن دفعت أيضاً بتعزيزات برمائية إضافية من كاليفورنيا، تمثلت في مجموعة «بوكسر» البرمائية و«وحدة المارينز الـ11» وقوامها 2500 جندي، بما يدل على أن الحرب لم تعد تقتصر على إعادة توزيع الأصول في آسيا، بل باتت تستدعي قوات إضافية من البر الأميركي نفسه.

نقص الذخائر والجاهزية

هذا هو بالتحديد ما بدأ يلفت نظر مراكز البحث والخبراء. وفق معهد «بروكينغز»، فإن اليابان لن تجد كثيراً من الطمأنينة ما دامت واشنطن تعيد توجيه موارد عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط؛ من السفن إلى منظومات الدفاع الجوي والمارينز في أوكيناوا، عادّةً أن الاضطراب الحالي يصدر من واشنطن نفسها بقدر ما يفرضه الخصوم.

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي الاتجاه نفسه، حذّرت دراسة حديثة من «مكتب المحاسبة» الحكومي الأميركي بأن الجاهزية العسكرية الأميركية تدهورت على مدى العقدين الماضيين؛ بسبب صعوبة الموازنة بين الطلب العملياتي والتحديث والاستدامة.

من جهتها، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أن حرب إيران أدت إلى «تآكل ردع أميركا الصين»؛ لأن الموارد التي تُستهلك في الشرق الأوسط تصبح غير متاحة للمحيط الهادئ؛ من صواريخ الدفاع الجوي، إلى المدمرات وناقلات التزود بالوقود، حتى وسائط الاستطلاع. وتكتسب هذه الحجة وزناً أكبر لأنها لا تنطلق من رفض مبدئي للعمل العسكري، بل من سؤال الجاهزية: كيف يمكن ردع خصم بحجم الصين إذا كانت الصيانة والتدريب والمخزون البعيد المدى كلها تُستنزف في مسارح أخرى؟

ويضاف إلى ذلك بُعد آخر أعلى حساسية، هو استنزاف الذخائر بعيدة المدى. فقد أوردت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن تايوان تراقب بقلق الاستهلاك الأميركي الكثيف لصواريخ «JASSM-ER» و«توماهوك» في حرب إيران، خشية أن يُضعف ذلك الجاهزية الأميركية في أي مواجهة مستقبلية مع الصين.

بكين و«موعد 2027»

في قلب هذا المشهد يبرز عام 2027 بوصفه التاريخ الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بتقديرات بشأن تسارع الجاهزية الصينية حيال تايوان. صحيح أن التقديرات الاستخبارية الأميركية الأحدث قالت إن بكين لا تخطط حالياً لضمّ تايوان في ذلك العام، لكن وزير الدفاع التايواني، ويلينغتون كو، شدّد قبل أيام على أن التهديد الصيني «ضاغط وخطير جداً»، وأن الردع الفعّال هو وحده ما يمكن أن يجعل أي هجوم يبدو عالي التكلفة ومنخفض فرص النجاح. هذا يعني أن المسألة لم تعد تاريخاً جامداً، بل معادلة ردع متغيرة: كلما بدت الولايات المتحدة أعلى عرضة للتشتيت، بدت بكين أكبر ميلاً إلى اختبار حدود هذا الردع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

ومن هنا أيضاً يمكن فهم قلق الحلفاء وتأجيل زيارة ترمب الصين. فقد كان مقرراً أن يناقش ترمب والرئيس الصيني، شي جينبينغ، ملفات: تايوان، والرسوم، والرقائق، والمعادن النادرة... في نهاية هذا الشهر، لكن الحرب على إيران قلبت جدول الأولويات، وأُرجئت الزيارة أسابيع عدة.

بالنسبة إلى اليابان، التي تعتمد بشدة على نفط الخليج وتخشى الصين في آن معاً، تبدو المعادلة أشد تعقيداً: فهي لا تريد إضعاف التحالف مع واشنطن، لكنها لا تريد أيضاً أن يتحول الصراع مع إيران إلى ثقب أسود يبتلع التركيز الأميركي.

الخلاصة أن حرب إيران لم تُلغِ «أولوية الصين» في استراتيجية ترمب، لكنها كشفت عن أنها أولوية قابلة للتغيير وليست محصنة. فحين تُنقل بطاريات دفاع من كوريا الجنوبية، وتتحرك «تريبولي» مع المارينز المرتبطين بأوكيناوا إلى الشرق الأوسط، ويحذر الخبراء من أثر ذلك على الجاهزية والردع، يصبح السؤال أقل تعلقاً بما تقوله واشنطن عن أولوياتها، وأكبر ارتباطاً بما تستطيع فعلاً الحفاظ عليه عندما تتعدد الجبهات. وهذا بالضبط ما تراقبه بكين اليوم، وما يخشاه حلفاء أميركا في آسيا.


ترمب يهدد بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
TT

ترمب يهدد بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)

منح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، القيادة العملياتية للجيش، في بيان نقلته وكالة أنباء فارس «إذا تعرّضت البنية التحتية للنفط والطاقة الإيرانية لهجوم من العدو، فسيتم استهداف كل البنى التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه التابعة للولايات المتحدة والنظام في المنطقة»، من دون أن يحدد أي «نظام» يقصد.