تعليق بايدن «المسيء» يلقي بظلاله على حملة هاريس

ترمب قارنه بتعليقات كلينتون... وهاريس تعوّل على تصويت النساء المبكّر

TT

تعليق بايدن «المسيء» يلقي بظلاله على حملة هاريس

بايدن يتحدث في حدث استثماري - 29 أكتوبر (أ.ب)
بايدن يتحدث في حدث استثماري - 29 أكتوبر (أ.ب)

لم تمض دقائق على نشر مقطع الفيديو الذي وصف فيه الرئيس الأميركي، جو بايدن، مؤيدي الرئيس السابق، دونالد ترمب، بأنهم «قمامة»، حتى شَنّ الجمهوريون، خصوصاً المحافظين منهم، هجوماً على المرشّحة الديمقراطية، كامالا هاريس، وحزبها. واستغلّت حملة المرشّح الجمهوري ترمب التصريحات للتذكير بتصريحات هيلاري كلينتون عام 2016، عندما وصفت مؤيديه بأنهم «بائسون».

وأدلى بايدن بتصريحاته المسيئة لأنصار ترمب، في مقابلة عبر دائرة «زووم»، مع مجموعة من الناخبين اللاتينيين. وقال: «قبل أيام قليلة، وصف أحد المتحدثين بتجمع (ترمب) في بورتوريكو بأنها جزيرة عائمة من القمامة»، مضيفاً: «القمامة الوحيدة التي أراها تطفو هي مؤيدوه، شيطنته للاتينيين أمر غير مقبول، وغير أميركي».

وسارع البيت الأبيض، ليلة الثلاثاء، إلى «تصحيح» تصريح بايدن، قبل أن يعود بايدن نفسه لينشر توضيحاً على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه: «في وقت سابق من اليوم، أشرت إلى الخطاب البغيض حول بورتوريكو الذي ألقاه مؤيد ترمب في تجمع ماديسون سكوير غاردن باعتباره قمامة - وهي الكلمة الوحيدة التي يمكنني التفكير فيها لوصف (هذا الخطاب)». وأضاف بايدن: «شيطنته للاتينيين أمر غير مقبول. هذا كل ما قصدت قوله إن التعليقات في ذلك التجمع لا تعكس مَن نحن كأمة».

زلّة بايدن

استنكر المحافظون تصريحات بايدن على الفور، واعتبروها «توصيفاً حقيراً» لمؤيدي ترمب. وقال السيناتور جيه دي فانس، مرشح ترمب لمنصب نائب الرئيس، والسيناتور ماركو روبيو من فلوريدا، إن استخدام بايدن كلمة «مؤيدين»، يعد إدانة لشريحة واسعة من الناخبين.

أما ترمب، فلم يتردّد في ربط تصريحات بايدن بحملة هاريس. وقال، خلال تجمع انتخابي في مدينة ألينتاون ببنسلفانيا التي تضم واحدة من أكبر التجمعات السكانية البورتوريكية في الولاية: «هذا أمر فظيع. تذكروا هيلاري و(تصريحها) عن البائسين». وأضاف عن بايدن: «أنا مقتنع أنه يحبني أكثر مما يحب كامالا».

وحاولت حملة ترمب استخدام تعليقات بايدن لجذب هذه الشريحة السكانية. وأرسل ترمب رسالة بريد إلكتروني لجمع التبرعات بعنوان: «أنت لستَ قمامة! أنا أحبك! أنت أفضل ما يمكن أن تقدمه أمتنا». وفي منشور على منصة «إكس»، في وقت مبكر من يوم الأربعاء، واصل ترمب الهجوم على تعليق بايدن، قائلاً: «لا يمكنك قيادة أميركا إذا كنتَ لا تحب الشعب الأميركي».

وغالباً ما يقوم ترمب بشيطنة الديمقراطيين، مستخدماً مصطلحات «العدو الداخلي» و«الشيوعيين» و«الماركسيين» و«الحشرات». كما هاجم منتقديه وهدد بعضهم بالملاحقة القضائية إذا أصبح رئيساً مرة أخرى.

قلق ديمقراطي

بدا الديمقراطيون غير مرتاحين لتصريح بايدن؛ حيث تحدّث حاكم ولاية بنسلفانيا، جوش شابيرو، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، عن رفضه إهانة «أهل بنسلفانيا الطيبين أو أي أميركيين، حتى لو اختاروا دعم مرشح لم أدعمه».

في المقابل، استمرّت حملة هاريس ومؤيدوها في استخدام تصريحات أنصار ترمب المسيئة تجاه بورتوريكو، لمحاولة تنفير الصوت اللاتيني من المرشّح الجمهوري.

وأثارت إهانة بورتوريكو ردود فعل عنيفة في بعض الولايات الحاسمة، التي يقطنها ما يقارب مليون بورتوريكي، مما يجعلهم فئة سكانية رئيسية لكسبها في الانتخابات. وأيدت صحيفة «إل نويفو ديا»، أكبر صحيفة في بورتوريكو، كامالا هاريس، الثلاثاء. وكتبت محررة الصحيفة ماريا لويزا فيري رانجيل: «قلوبنا جميعاً (...) ترتجف من الغضب والألم. البورتوريكيون شعب نبيل ومسالم، يحبون جزيرتهم بشدة».

فجوة من 10 نقاط

هاريس وزوجها في فعالية انتخابية بواشنطن العاصمة - 29 أكتوبر (أ.ف.ب)

ومع اقتراب موعد الاقتراع المباشر، أظهرت مؤشرات التصويت المُبكّر أن النساء يصوتن بأعداد كبيرة تجاوزت أصوات الرجال بكثير، وهو ما عدّه الديمقراطيون مفتاح الفوز لهاريس. وبحسب تحليل لبيانات التصويت المبكر، أجرته مجلة «بوليتيكو»، وبيانات من مشروع الانتخابات الأميركية بجامعة فلوريدا، في ولايات ميشيغان وبنسلفانيا ونورث كارولينا وجورجيا المتأرجحة، هناك فجوة بين الجنسين بمقدار 10 نقاط. وتشكّل النساء نحو 55 في المائة من التصويت المبكّر في هذه الولايات، فيما يمثّل الرجال نحو 45 في المائة. في حين لا تتوفر بيانات مماثلة عن مشاركة الجنسين في أريزونا وويسكونسن ونيفادا.

ورغم ذلك، بدا أن الآثار المُترتّبة على ذلك غير واضحة؛ حيث إنه من بين الجمهوريين المسجلين، تصوت النساء في وقت مبكر أكثر من الرجال أيضاً. لكن الإقبال العالي من الإناث يُعدّ مشجعاً للديمقراطيين الذين توقعوا أن تؤدي الزيادة في الإقبال الجمهوري إلى مزيد من التكافؤ بين الجنسين، بين الناخبين الأوائل.

ومع أنه يكاد يكون مستحيلاً معرفة لمن تصوت النساء، بما في ذلك ما إذا كان الديمقراطيون يكسبون أصوات النساء الجمهوريات غير المنتميات أو المعتدلات المحبطات من ترمب، فإن الفجوة بين الجنسين كانت واحدة من السمات المميزة لحملة 2024. وترى حملة هاريس أن عدم وجود زيادة في عدد الناخبين الذكور يعد علامة مشجعة.

رهان هاريس على الضواحي

يأتي تفاؤل الديمقراطيين بشأن المشاركة النسائية، في الوقت الذي تركز فيه هاريس على النساء المعتدلات في الضواحي، خصوصاً البيض دون تعليم عالٍ. وتسعى الحملة إلى إقناع الناخبات بالتوجّه إلى صناديق الاقتراع، بالحماس ذاته الذي أظهرته في انتخابات التجديد النصفي عام 2022، حين ألغت المحكمة العليا الحق الفيدرالي في الإجهاض.

وما زاد من تفاؤل الديمقراطيين أن حملة هاريس حافظت على ثبات تأييد الناخبين في الضواحي، الذين صوّتوا ضد ترمب، منذ عام 2016. وقد يكون هذا هو الجزء الأكثر أهمية في حساباتها الانتخابية. ومقابل تحقيق ترمب تقدّماً بين الرجال السود واللاتينيين، تظهر استطلاعات الرأي في الأسبوع الأخير من حملة الانتخابات أن الضواحي لا تزال قادرة على منح هاريس الفوز. ووجد أحدث استطلاع للرأي أجرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، المحسوبة على الجمهوريين، أن هاريس تتقدم بين الناخبين في الضواحي بـ7 نقاط مئوية. وأظهر استطلاع آخر لـ«رويترز - إيبسوس»، تقدمها بـ6 نقاط.

تعويض خسارة الرجال السود واللاتينيين

ترمب مخاطباً أنصاره في حدث انتخابي ببنسلفانيا - 29 أكتوبر (إ.ب.أ)

وإذا صمدت أيّ من هذه الأرقام؛ فمن المحتمل أن تكون كافية لتعويض تآكل الدعم لهاريس بين الرجال السود واللاتينيين والشباب. وقالت عضوة مجلس الشيوخ في ولاية نورث كارولينا، الديمقراطية ليزا غرافشتاين، التي شاركت بنفسها في حملة هاريس في الضواحي الشرقية: «الضواحي - هذه هي الصفقة بأكملها. هناك توجد أصوات لهاريس».

وتعتقد حملة هاريس أن الضواحي، خصوصاً تلك المحيطة بفيلادلفيا وديترويت وأتلانتا؛ حيث تنمو وتتنوع تيارات متقاطعة لإعادة إنتاج تنظيم سياسي واضح ضد ترمب، يتحرك فيها الناخبون المتعلمون في الكليات من كلا الجنسين بقوة نحو الديمقراطيين. بينما يكتسب الجمهوريون أرضية مع الناخبين ذوي «الياقات الزرقاء» العاملين في المدن الصغيرة.

وعزّز الديمقراطيون قوتهم في مجتمعات الضواحي منذ الانتصارات التي حققوها عامي 2018 و2020، وفي هذا العام، مدفوعين بالناخبين المتعلمين في الكليات والنساء اللواتي رفضن أعمال الشغب التي جرت في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، بعد اقتحام مبنى «الكابيتول»، والغضب من إلغاء حق الإجهاض. وهو ما بدا واضحاً من تركيز الديمقراطيين في الأسابيع الأخيرة من الحملة على النشاطات الانتخابية التي أجرتها هاريس في سلسلة من قاعات البلديات في بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، مع الجمهوريين المعارضين لترمب، مثل النائبة السابقة ليز تشيني، والتجمعات التي تركز على حقوق الإجهاض.


مقالات ذات صلة

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب) p-circle

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)

ترمب سيلتقي موفدي لبنان وإسرائيل خلال محادثات في البيت الأبيض

سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب موفدي إسرائيل ولبنان خلال جولة ثانية من المحادثات بينهما الخميس في البيت الأبيض، بحسب ما قال مسؤول أميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جنود تابعين لـ«البحرية الأميركية» p-circle

ترمب يرفع سقف المواجهة في «هرمز»... والهدنة مهددة بالانهيار

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أخطر تهديداته المباشرة منذ تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، بعدما أمر بـ«إطلاق النار وقتل» أي قارب يزرع ألغاماً في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن – واشنطن - طهران)

ترمب سيلتقي موفدي لبنان وإسرائيل خلال محادثات في البيت الأبيض

سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
TT

ترمب سيلتقي موفدي لبنان وإسرائيل خلال محادثات في البيت الأبيض

سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)

سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب موفدي إسرائيل ولبنان خلال جولة ثانية من المحادثات بينهما، الخميس، في البيت الأبيض، بحسب ما قال مسؤول أميركي.

وأضاف المسؤول، طالباً عدم كشف اسمه، أن «المحادثات على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان ستُعقد الآن في البيت الأبيض»، مشيراً إلى أن «الرئيس ترمب سيستقبل ممثلي البلدين لدى وصولهما»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».


حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد من جديد؛ ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال فعلياً بل نقل الاشتباك من الجو إلى البحر.

فبينما تواصل باكستان مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون موعد محدد حتى الآن، يزداد وضوحاً أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد تفصيل عسكري أو اقتصادي، بل أصبحت أداة التفاوض الأهم في يد إيران، وأداة الضغط الأوضح في يد الولايات المتحدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول داخلي إيراني بالغ الدلالة: صعود «الحرس الثوري» من شريك في القرار إلى مركز ثقله الفعلي، وفق ما يرى مراقبون.

المعطيات المتوافرة حتى الخميس 23 أبريل (نيسان) تشير إلى أن إسلام آباد لم تنجح بعد في تثبيت موعد للجولة الثانية، رغم استمرار الاتصالات الباكستانية مع الطرفين. ونقلت وكالة «رويترز» في وقت سابق عن الخارجية الباكستانية أنه لم تتحدد مواعيد بعد لجولة ثانية، ثم عادت قبل يومين لتنقل الموقف الإيراني نفسه تقريباً: لا تاريخ جديداً قبل الاتفاق على «إطار تفاهم».

كما رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بتمديد وقف النار بطلب من بلاده، فيما قال وزير الداخلية محسن نقوي، بعد لقائه القائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، إنه يأمل «تقدماً إيجابياً» من إيران.

العقدة الأساسية

طريق خالٍ يقود إلى «المنطقة الحمراء» التي تعقد فيها جولات التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن استمرار المسعى الباكستاني لا يعني أن المسار السياسي يتقدم فعلاً. فالعقدة الأساسية، وفق محللين، لم تعد فقط في تفاصيل الملف النووي أو الضمانات الأمنية، بل في ترتيب الأولويات بين الطرفين. واشنطن تريد إبقاء الحصار البحري قائماً حتى تتلقى عرضاً إيرانياً «موحداً»، بينما تعدّ طهران أن التفاوض تحت الحصار ليس تفاوضاً، بل إملاء.

هذا ما يجعل الوساطة الباكستانية حتى الآن أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى إنتاج اختراق نوعي. فإسلام آباد تحافظ على قناة التواصل، لكنها لا تملك وحدها كسر التناقض الرئيسي، وهو أن أميركا تريد استخدام الهدنة لتعظيم الضغط، وإيران تريد استخدام هرمز لتعظيم كلفة هذا الضغط.

التحول الأكثر أهمية داخل إيران، كما أظهر تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، هو أن القيادة الفعلية في ملفات الحرب والتفاوض والأمن انتقلت إلى جماعة متماسكة من قادة «الحرس الثوري» والدوائر المحيطة بهم، فيما يدير المرشد الجديد مجتبى خامنئي المشهد بصورة أقرب إلى «رئيس مجلس إدارة» لا إلى مرشد يتمتع بالهيمنة التي كان يملكها والده.

ويخلص تقرير الصحيفة، المستند إلى مقابلات واسعة مع مسؤولين وشخصيات إيرانية، إلى أن القادة العسكريين في إيران باتوا أصحاب الكلمة الأثقل في تقرير الاستراتيجية، وأنهم هم الذين دفعوا نحو تشديد المقاربة في البحر، كما أنهم هم الذين قبلوا تكتيكياً، بهدنة مؤقتة وبقنوات تفاوض خلفية حين رأوا أنها تخدم ميزان القوة.

ويقول محللون إن هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من التخبط الظاهر في الرسائل الإيرانية، إذ ليست المشكلة أن القرار مفقود، بل إن مركزه تبدّل. فبدلاً من هرمية دينية - سياسية صارمة، ثمة الآن قيادة أمنية - عسكرية جماعية ترى الحرب والتفاوض وإدارة الاقتصاد، حلقات في معركة بقاء واحدة.

لذلك لم يعد ممكناً فهم موقف طهران من المفاوضات بعيداً عن منطق «الحرس الثوري»، المتمثل في أن أي تسوية يجب أن تُبقي لإيران ورقة ردع فعلية، وأهم هذه الأوراق اليوم ليست الخطاب الآيديولوجي ولا حتى البرنامج النووي وحده، بل القدرة على شلّ الملاحة في مضيق هرمز، أو تنظيمها بشروط إيرانية.

هرمز منصة مساومة

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

المضيق اليوم ليس مغلقاً بالكامل بالمعنى التقني، لكنه معطّل تجارياً. ووصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية الوضع بأنه انتقال من الحرب الجوية إلى «مأزق خانق» في هرمز، مع بقاء وقف النار هشاً واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق من نحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية جداً، بينما تواصل إيران مهاجمة أو اعتراض السفن، بما يبقي حرية الملاحة اسماً بلا مضمون.

كما نقل عن بيانات ملاحية أن 187 سفينة فقط عبرت منذ بدء الإغلاق، أي بمعدل 4 سفن يومياً، مقارنة بأكثر من 130 عادةً. وهذا ما يجعل طهران تشعر بالنجاح وربما الانتصار في هذه الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى إغلاق محكم كي تنتج الأثر نفسه، ويكفي أن تجعل المرور ممكناً على نحو استثنائي، أو أن يخضع للخوف والانتظار والمخاطرة، ما يعني أن المضيق يتحول إلى أداة ضغط عالمية.

ولهذا أيضاً يحمل حديث مسؤول إيراني عن تلقي «أول إيرادات» من رسوم عبور المضيق دلالة سياسية أكثر منها مالية.

وتريد إيران تثبيت فكرة أن هرمز بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها، وأن ثمن إعادة تدفق التجارة يمر عبر صفقة سياسية لا عبر مجرد ترتيبات أمنية.

إطلاق النار على الزوارق

قوارب وسفن تبحر في مضيق هرمز بالقرب من سلطنة عُمان (رويترز)

في المقابل، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع ترسخ الانطباع بأن إيران، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما زالت تمسك بالمضيق. لذلك صعّد خطابه حين قال إنه أمر البحرية الأميركية بـ«إطلاق النار» على أي زورق يزرع ألغاماً في هرمز.

وأضاف أنه أمر بزيادة جهود كسح الألغام إلى ثلاثة أضعاف، بحسب تغريدة له على منصته «تروث سوشيال».

هذا الخطاب لا يستهدف طهران فقط، بل أيضاً الرأي العام الأميركي وخصومه الإعلاميين، في ظل تقارير شككت في سرعة استعادة القوات الأميركية السيطرة البحرية الكاملة، وكذلك قدرات إيران العسكرية التي ما تزال تمتلكها.

ومن هنا جاءت حساسية تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الذي قال إن البنتاغون أبلغ الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق نحو ستة أشهر. وأحدثت هذه الرواية صدمة سياسية لأنها تناقض سردية الحسم السريع. لكن متحدثاً باسم البنتاغون نفى لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عدة، أن يكون تقييم الأشهر الستة حكماً نهائياً أو «ممكناً» بالصيغة التي عُرض بها، وهاجم ما سماه «انتقائية» التسريبات من الإحاطة السرية، ما تسبب لاحقاً في سحب الصحيفة لتقريرها.

عملياً، لا يحسم هذا السجال السؤال العسكري بقدر ما يكشف السؤال السياسي: إذا كانت واشنطن واثقة تماماً من قدرتها على تأمين المضيق سريعاً، فلماذا لا تزال الشركات والسفن تتصرف كما لو أن الخطر قائم؟

معادلة الحصار

المأزق الحالي يمكن اختصاره بمعادلة واحدة، وهي أن أميركا تحاصر الموانئ الإيرانية لتخنق الاقتصاد وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات؛ وإيران تخنق هرمز لتُظهر أن حصارها ليس مجانياً على العالم.

وحذرت «وول ستريت جورنال» من أن استمرار هذا الوضع يرفع أخطار تباطؤ اقتصادي عالمي حاد، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن إيران، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة، ما زالت تحتفظ بقدرة كافية لردع الملاحة التجارية وإبقاء المضيق رهينة مساومة.

وفي الوقت نفسه، أشار قائد القيادة الأميركية المركزية «سنتكوم»، براد كوبر، إلى وجود مروحيات «أباتشي» في محيط المضيق غرضها «إظهار الوجود والردع» وحماية تدفق التجارة، وهو اعتراف ضمني بأن الردع لم يتحول بعد إلى سيطرة مريحة ومكتملة.

لهذا، لا يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات، إن عُقدت في إسلام آباد، ستكون مجرد استئناف روتيني، بل ستكون اختباراً لما إذا كان الطرفان مستعدين فعلاً لتعديل هذه المعادلة.

فطهران، في ظل صعود «الحرس الثوري» ستدخل أي تفاوض وهي أكثر ميلاً إلى ربط كل تنازل برفع ملموس للحصار. وواشنطن في ظل حاجة ترمب إلى إظهار القوة وعدم التراجع، ستسعى إلى تثبيت أن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل فرصة أخيرة لها.


الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

في ظل الجدل المتصاعد بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في كثير من الولايات الأميركية، أمر قاضٍ في فيرجينيا بمنع المصادقة على نتائج استفتاء لترسيم جديد يصب في مصلحة الديمقراطيين بالولاية، ونقل الجمهوريون المعركة إلى فلوريدا، في محاولة لإعادة التوازن مع خصومهم قبل أشهر من الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأدى فوز الديمقراطيين في استفتاء فيرجينيا إلى منحهم أفضلية في خريطة يمكن أن تمنح حزبهم 4 مقاعد إضافية في الانتخابات النصفية التي تجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكان الجمهوريون حصلوا على مكاسب بعد سلسلة إجراءات بدأوها العام الماضي في تكساس، بطلب من الرئيس دونالد ترمب. ومنذ ذلك الحين، تحول «التلاعب» بالدوائر الانتخابية، وهي ممارسة راسخة في البلاد كل 10 سنين، حرباً بين الحزبين الرئيسيين.

حاكم فلوريدا رون دي سانتيس خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

وبعدما أعاد الجمهوريون رسم خريطة الدوائر الانتخابية في تكساس لإضافة 5 مقاعد جمهورية محتملة، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا بإعادة رسم خريطة ولايتهم لإضافة 5 مقاعد ديمقراطية محتملة. كما أعادت 3 ولايات أخرى؛ هي ميسوري ونورث كارولاينا وأوهايو، رسم خرائطها لإضافة مقاعد جمهورية محتملة.

والآن، احتفل الديمقراطيون بنتيجة فيرجينيا، التي منحتهم خريطة جديدة لمجلس النواب بمقعد واحد مضمون للجمهوريين. ويتألف وفد الولاية في الكونغرس من 11 عضواً، هم حالياً 6 ديمقراطيين و5 جمهوريين. وعلى الصعيد الوطني، تعادل الديمقراطيون بشكل شبه تقريبي مع الجمهوريين في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية.

اللجوء إلى القضاء

في المقابل، أمل الجمهوريون أن تُبطل المحكمة العليا في فيرجينيا نتيجة الاستفتاء. وقبل الوصول إلى تلك النقطة، أعلن الرئيس ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» أن الاستفتاء «مزور». وكتب: «فلنرَ ما إذا كانت المحاكم ستُصلح هذه المهزلة التي تُسمى: العدالة».

وأصدر القاضي في محكمة مقاطعة تازويل جاك هيرلي قراراً بمنع مسؤولي الولاية من المصادقة على نتيجة الاستفتاء واستخدام الخرائط الجديدة. وكتب أن المحكمة «تُعلن أن كل الأصوات المؤيدة أو المعارضة للتعديل الدستوري المقترح في الانتخابات الخاصة المقررة في 21 أبريل (نيسان) 2026، باطلة».

وعلى الأثر، قال وزير عدل الولاية؛ الديمقراطي جاي جونز، إن مكتبه «سيقدم استئنافاً فورياً» ضد الحكم. وكتب في بيان: «أدلى ناخبو فيرجينيا بأصواتهم، وينبغي ألا يمتلك قاضٍ ناشطٌ حقَّ النقض على تصويت الشعب».

وإذا ما تأكدت نتيجة الاستفتاء، فإنه يبدو أن أمام الجمهوريين فرصاً متضائلة لتوجيه ضربة قوية أخرى في معارك التلاعب بالدوائر الانتخابية. إحدى هذه الفرص، في فلوريدا، تنطوي على مخاطر جسيمة.

فرغم أن حاكم فلوريدا، الجمهوري رون دي سانتيس، أشار إلى نقص مُتصوَّر في تعداد السكان بوصف ذلك مبرراً لرسم خرائط جديدة، فإن أي إعادة تقسيم للدوائر في الولاية ستواجه على الأرجح طعوناً قضائية. كما أن الدوائر الجديدة ذات الميول الجمهورية قد تشتت الناخبين الجمهوريين بشكل كبير؛ مما يُعرض بعض شاغلي المناصب لخطر أكبر بفقدان مقاعدهم.

وأصابت نتائج الاستفتاء الجمهوريين بالإحباط، فتحركوا سريعاً لإعادة رسم الخريطة الانتخابية في فلوريدا، حيث يسيطرون على منصب الحاكم ويتمتعون بأكثرية ساحقة في المجلس التشريعي. لكنّ ثمة شكوكاً متصاعدة داخل الحزب بشأن استراتيجيته الأوسع. وقال المستشار الجمهوري ستيوارت فيرديري: «أنفق الطرفان مئات الملايين من الدولارات للعودة إلى نقطة البداية، وعموماً، انتهى الأمر بخسارة الجمهوريين».

تحذير من المخاطر

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال حملة انتخابية في فيرجينيا (رويترز)

وأفاد خبير الاستطلاعات جون كوفيلون؛ الذي عمل مع مرشحين جمهوريين، بأن «ما يُريد الجمهوريون في فلوريدا فعله محفوفٌ بالمخاطر». وأضاف أن المناخ السياسي الحالي يُشكّل مخاطر خاصة أمام أي تلاعب عدواني بالدوائر الانتخابية يهدف إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

ودعا دي سانتيس المشرعين في الولاية إلى جلسة استثنائية لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية. ولكن قبل أقل من أسبوع من بدء الجلسة، التي أُجّلت، لم يكشف بعدُ عن خريطة جديدة ليعرضها المشرعون. وأبدى مشرعو فلوريدا اهتماماً ضئيلاً بإعادة تقسيم الدوائر، ولا يُتوقع منهم اقتراح خرائط خاصة بهم.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري السابق عن جنوب فلوريدا، كارلوس كوربيلو، إن «كل مبادرات إعادة تقسيم الدوائر هذه ضارة»، محذراً بأن حزبه يُخاطر بإضعاف فرص الجمهوريين في بعض الدوائر، وتقويض الثقة بالديمقراطية الأميركية.

ومع أن فلوريدا قد تستحوذ على معظم الاهتمام على المدى القصير، فإن قضية أمام المحكمة العليا الأميركية قد يكون لها تأثير أكبر بكثير على إعادة تقسيم الدوائر.

فإذا ألغت المحكمة هذا البند تماماً، كما بدا أنها على وشك فعله خلال المرافعات الشفوية، فيمكن أن تحاول ولايات كثيرة إعادة رسم خرائطها بسرعة. وقد يعطي قرار المحكمة العليا دي سانتيس مبرراً آخر لرسم خرائط جديدة في فلوريدا.

ومع ذلك، فإنه لا يزال من غير الواضح متى ستُصدر المحكمة حكمها في هذه الدورة، التي تنتهي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو (تموز) المقبلين، علماً بأن صدور حكم متأخر، بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية في عشرات الولايات، سيصعب على كثير من الولايات رسم خرائط جديدة قبل الانتخابات النصفية.

وعلق الناطق الأسبق باسم البيت الأبيض (في عهد الرئيس جورج دبليو بوش)، آري فليشر: «إذا كنت ستخوض معركة، فعلى الأقل انتصر فيها». وأضاف أن «الطرف الآخر سيرد دائماً. كل هذا كان متوقعاً ويمكن تجنبه. ما كان ينبغي لنا أن نبدأ هذه المعركة».