زعماء العالم يتوافدون إلى نيويورك على وقع حربي غزة وأوكرانيا

غوتيريش يقرّ بخلل المؤسسات الأممية وسط دعوات أميركية لتوسيع مجلس الأمن

الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)
الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)
TT

زعماء العالم يتوافدون إلى نيويورك على وقع حربي غزة وأوكرانيا

الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)
الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)

توافد العشرات من زعماء العالم على نيويورك، استعداداً للمشاركة بدءاً من الثلاثاء في المناقشات العامة للدورة السنوية الـ79 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط تساؤلات متزايدة عن قدرة النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الصمود أو التكيّف أمام التداعيات الخطيرة للحربين في أوكرانيا وغزة، والنزاعات الداخلية الأخرى، بما فيها السودان وسوريا واليمن، فضلاً عن الأزمات والتحديات المتعلقة بتغير المناخ ومكافحة الفقر والجوع ومستقبل الذكاء الاصطناعي.

وتنعقد الدورة الحالية في ظلّ تشكيك عميق بجدوى المنظمة الدولية التي أُنشئت عام 1945 على أنقاض عصبة الأمم، بعدما فشلت الأخيرة في منع وقوع الحرب العالمية الثانية. فكانت عامذاك، ولعقود تلت، التعبير الأفضل عن التوازنات الدولية الجديدة، وتمكّنت من الصمود طوال حقبة الحرب الباردة وما تلاها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية. غير أنها تُواجه منذ أكثر من عقدين شللاً كبيراً بسبب تقادم مؤسساتها، بما في ذلك مجلس الأمن، أداتها الأقوى المكلفة بصون الأمن والسلم الدوليين، الذي عجز عن التعامل بفاعلية مع النزاعات في سوريا والسودان والحرب بين روسيا وأوكرانيا والحرب بين إسرائيل و«حماس» في غزة. وتُنذر الأخيرة بحرب أوسع نطاقاً يمكن أن تشمل الضفة الغربية ولبنان، وحتى إيران.

مجلس الأمن خلال اجتماع حول الحرب في غزة (أ.ف.ب)

«قمة المستقبل»

قد تكون «قمة المستقبل» الحدث الأبرز لدورة هذا العام في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي لا تزال المنتدى الدولي الأكبر. ويشارك فيها هذه السنة زهاء 130 من الملوك والأمراء ورؤساء الدول والحكومات، بالإضافة إلى آلاف المسؤولين والدبلوماسيين وصناع القرار، الذين توافدوا من كل أطراف الأرض، ليس فقط لعرض مظالم بلادهم وتطلعات شعوبهم أمام البلدان الأخرى والسعي إلى تسوية النزاعات الحالية؛ وأبرزها عربياً الحرب بين إسرائيل و«حماس»، والأزمات الدائرة في اليمن والسودان وسوريا وليبيا ولبنان، ودولياً الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والأزمات في بلاد الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء وميانمار، بل أيضاً من أجل إيجاد أرضية مشتركة لمستقبل مشترك يرسي دعائم الدبلوماسية لصدّ ما يسميه الدبلوماسيون الغربيون «تغوّل» الصين في منطقة جنوب شرق آسيا وتدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فضلاً عن مواجهة الأخطار الوجودية للإنسانية الناجمة عن تغيّر المناخ وحصول سباق جديد للتسلح النووي.

ويعترف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأن «التحديات الدولية تتحرك بسرعة أكبر من قدرتنا على حلها»، مشيراً إلى «انقسامات جيوسياسية خارجة عن السيطرة وصراعات جامحة، ليس أقلها في أوكرانيا وغزة والسودان وخارجها». وأكد أيضاً أن «المؤسسات والأطر العالمية اليوم غير كافية تماماً للتعامل مع هذه التحديات المعقدة وحتى الوجودية»، عازياً ذلك إلى أن «هذه المؤسسات وُلدت في عصر مضى لعالم مضى».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ب)

«العطب» الأممي

وهو بذلك كان يشير إلى الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية متعددة الأطراف التي أُنشئت قبل 8 عقود، ولم تعد قادرة اليوم على مواجهة تحديات العصر، بدءاً من التقدم الاقتصادي - وبالتالي الجيوسياسي - المذهل للعديد من البلدان النامية، مروراً بالعواقب الكارثية لتغير المناخ، وصولاً إلى الثورة التكنولوجية الثانية التي جلبت معها الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأخيراً الذكاء الاصطناعي.

وعلى رغم محاولات التكيّف التي بذلها دبلوماسيون طوال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين سعياً إلى إصلاح المؤسسات الدولية المعطوبة، لم تؤت هذه الجهود أُكلها، خصوصاً لجهة تعديل التركيبة التي تهيمن منذ 60 عاماً على مجلس الأمن، بسبب الخلافات العميقة على الامتياز الممنوح للدول الخمس دائمة العضوية: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، باستخدام حق النقض (الفيتو)، مما أدى عملياً إلى شلّ الوظيفة الرئيسية للمجلس المكلف بصون الأمن والسلم الدوليين، كلما كان الأمر متعلقاً بواحدة أو أكثر من هذه الدول، أو بمصالحها.

وتجلّى الفشل الناجم عن استخدام حق النقض في عجز المجتمع الدولي خصوصاً عن التعامل مع الحرب في سوريا، إذ استخدمت روسيا «الفيتو» مرات عديدة لتعطيل جهود مختلفة في هذا السياق. وكذلك، رفضت الولايات المتحدة تدخّل مجلس الأمن في حرب غزة، مستخدمة «الفيتو» أكثر من مرة. وبذلت الصين جهوداً لتعطيل قدرات المجلس فيما يتعلق خصوصاً بانتهاكات كوريا الشمالية للقرارات الدولية الخاصة ببرامجها النووية والصاروخية. وتجنّبت بريطانيا وفرنسا اللجوء إلى هذا الامتياز، وأظهرتا انفتاحاً إلى تقييد استخدام «الفيتو» لدى الدول الخمس الكبرى.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يغادر بعد اجتماع خاص قبل شهرين مع المشرعين الأميركيين في الكونغرس، واشنطن (رويترز)

عقدة «الفيتو»

لكن الولايات المتحدة، التي أظهرت منذ العام الماضي استعدادها لقبول إحداث تعديل جوهري في تركيبة مجلس الأمن عبر منح مقاعد دائمة لعدد من الدول الأفريقية، ودول أخرى مثل اليابان والهند وألمانيا، ترفض أي تنازلات في حصرية استخدام حق النقض بهذه الدول الخمس.

ويترقب المسؤولون الدوليون الكلمة التي سيلقيها الرئيس الأميركي جو بايدن في اليوم الأول من هذه المناقشات، لمعرفة مدى ما يمكن أن يذهب إليه من اقتراحات لتعديل تركيبة مجلس الأمن وتجاوز عقدة «الفيتو»، علماً بأن ولايته شارفت على نهايتها وسط ترقب أيضاً لما يمكن أن تؤدي إليه الانتخابات الأميركية، التي تشهد معركة طاحنة بين نهجين متناقضين تماماً لكل من المرشحة الديمقراطية نائبة الرئيس كامالا هاريس، والمرشح الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترمب، مما قد يعني إرساء مسار جديد لعلاقة الدولة العظمى ببقية دول العالم وقضاياه.

وقال مدير دائرة الأمم المتحدة لدى منظمة الأزمات الدولية، ريتشارد غاون، إن «الجميع سيضعون في أذهانهم شخصاً يُدعى دونالد ترمب»، مضيفاً أن «السؤال الأول الذي سيُطرح في العديد من المحادثات الخاصة حول الجمعية العامة سيكون: ماذا سيفعل ترمب بالمنظمة؟».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

ويأتي انعقاد هذا المنتدى الدولي الأوسع على الإطلاق، في ظل مخاوف متزايدة من اتساع نطاق حرب غزة إلى الضفة الغربية، وما يمكن أن يُشكّله ذلك من أخطار جسيمة على النظام الإقليمي، وإلى دول أخرى في الشرق الأوسط؛ مثل لبنان وربما سوريا بسبب الصدامات الأخيرة واسعة النطاق بين إسرائيل و«حزب الله»، وغيره من الميليشيات التي تدور في فلك إيران، منها أيضاً جماعة الحوثي في اليمن، على خلفية حرب غزة التي بدأت بعد هجوم «حماس» ضد إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أي بعد أيام فقط من ختام الدورة السابقة من الاجتماعات الرفيعة للأمم المتحدة عام 2023. وباتت هذه الحرب الآن على مسافة أسبوعين فقط من دخول عامها الثاني، وسط إخفاق جهود الوساطة التي تبذلها الولايات المتحدة ومصر وقطر من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف النار.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أ.ف.ب)

حضور وغياب

ومن المقرر أن يلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتّهم الأمم المتحدة منذ فترة طويلة بـ«معاداة إسرائيل»، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، كلمتيهما أمام الجمعية العامة. ويوجد على لائحة المتحدثين في اليوم الأول كل من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وكذلك سيلقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كلمة الأربعاء، هي الثالثة له على منبر الجمعية العامة منذ بدء الغزو الروسي لبلاده، علماً بأنه سيلقي كلمة في اجتماع لمجلس الأمن الثلاثاء.

في المقابل، يغيب هذه السنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكذلك الرئيس الصيني شي جينبينغ. وبينما ألقى بوتين كلمة عبر الإنترنت أمام الجمعية العامة عام 2020 أثناء جائحة «كوفيد - 19»، فإنه لم يتوجه إلى نيويورك منذ عام 2015. ومن المقرر أن يتحدث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمام الجمعية العامة في 28 سبتمبر (أيلول).

رئيس إدارة السلامة والأمن في الأمم المتحدة مايكل براون متحدثاً مع وسائل الإعلام في مركز عمليات الأمن داخل مقر الأمم المتحدة، نيويورك (أ.ب)

فيصل بن فرحان يترأس الوفد السعودي

سعودياً، وصل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى نيويورك، على رأس وفد المملكة المشارك في أعمال الجمعية العامة في دورتها الـ79. ويضم الوفد كلاً من السفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان بن عبد العزيز، ووزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ عادل الجبير، ووزير البيئة والمياه والزراعة عبد الرحمن الفضلي، ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله بن عامر السواحه، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل بن فاضل الإبراهيم، والمستشار بالديوان الملكي المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الدكتور عبد الله الربيعة، ووكيل وزارة الخارجية للشؤون الدولية المتعددة والمشرف العام على وكالة الوزارة لشؤون الدبلوماسية العامة الدكتور عبد الرحمن الرسي، ومندوب السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة عبد العزيز الواصل.

ومن المقرر أن يشارك وزير الخارجية وأعضاء الوفد في عدة اجتماعات رسمية، تتضمن تعزيز العمل الدولي المتعدد الأطراف، ومناقشة المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، والجهود المبذولة لإرساء دعائم الأمن والسلم الدوليين، والعمل المشترك لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالإضافة إلى عقد اللقاءات الثنائية مع ممثلي العديد من الدول، وعدد من مسؤولي المنظمات الدولية المشاركين في أعمال الجمعية.


مقالات ذات صلة

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

الولايات المتحدة​ أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم دول العالم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، خدمة لمبدأ «أميركا أولاً».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

 ‌قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن خبراء ​المنظمة الدولية نددوا، الأربعاء، بقصف إسرائيل للبنان مطلع هذا الشهر، واصفين إياه بـ«العدوان غير المشروع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
المشرق العربي أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

المفوض الأممي للاجئين يدعو المجتمع الدولي لتقديم «دعم عاجل» إلى لبنان

دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، الأربعاء، من بيروت المجتمع الدولي إلى توفير دعم «عاجل» للبنان الذي يواجه أزمة نزوح «غير مسبوقة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
TT

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مذكرة رسمية إلى البعثات الدبلوماسية لبلاده عبر العالم من أجل حشد الدعم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، ما يعكس تحوّلاً عن الدور التقليدي للولايات المتحدة بوصفه مقدّماً رئيسياً للمساعدات الإنسانية ودعم الدول النامية.

وحسب البرقية التي أُرسلت، الأربعاء، إلى السفارات والقنصليات الأميركية، طلب روبيو من الدبلوماسيين التواصل مع الحكومات الأجنبية قبل موعد أقصاه الاثنين المقبل لحضها على تأييد المبادرة قبل طرحها رسمياً في الأمم المتحدة نهاية أبريل (نيسان) الحالي، فيما بدا أنه توجه من إدارة الرئيس دونالد ترمب لاستخدام المنظومة الأممية لتعزيز سياسة «أميركا أولاً»، وفتح آفاق جديدة أمام الشركات الأميركية.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)

وتُقدم برقية روبيو نقاطاً رئيسية لمساعدة الدبلوماسيين في عرض وجهة نظر الإدارة على نظرائهم، بدءاً من أن «أميركا، في عهد الرئيس ترمب، دخلت عصراً ذهبياً جديداً قائماً على اقتصاد مزدهر مدعوم بسياسات داعمة للأعمال: إلغاء القيود، وخفض الضرائب، وتحرير قطاع الطاقة». كما تتضمن البرقية نص الإعلان الكامل، الذي يؤكد أن «القطاع الخاص هو من بنى اقتصادات العالم الناجحة، وليس المساعدات الحكومية».

ركود المساعدات

تأتي هذه الخطوة ضمن مسعى أوسع لإعادة هيكلة نظام المساعدات العالمي، إذ تعمل إدارة ترمب على تقليص دور الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتقليل التمويل المخصص للبرامج المتعددة الأطراف، مبررة ذلك بوجود هدر واعتماد مفرط على المساعدات. واتخذت دول مانحة كبرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا خطوات مماثلة، ما أدى ليس فقط إلى تراجع ملحوظ في حجم المساعدات عالمياً، بل أيضاً إلى ما وصفه البعض بـ«ركود كبير في المساعدات». وتُشير الدراسات إلى أن هذا التراجع الواسع في التمويل قد يتسبب في وفاة 9.4 مليون شخص بحلول عام 2030.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال عودته إلى البيت الأبيض الأحد (أ.ب)

وواجهت إدارة ترمب معارضة في مساعيها للتفاوض مع الدول التي تتلقى تمويلاً أميركياً في مجال الصحة. وأدى نهجها القائم على مبدأ «أميركا أولاً» في هذا المجال إلى اتهامات لوزارة الخارجية بربط التمويل الحيوي للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية وعلاجه بقبول الحكومات الأجنبية صفقات تجارية جانبية تتعلق بالمعادن الحيوية والموارد الطبيعية الأخرى. ونفت وزارة الخارجية هذه الادعاءات.

وعلى الرغم من الانتقادات السابقة لنظام المساعدات، بسبب ما يمكن أن يوجده من تبعية، يرى منتقدون أن النهج الجديد ربما يفتح الباب أمام استغلال الدول الفقيرة من الشركات الخاصة.

أنصار ترمب من حركة «ماغا» في مؤتمر للمحافظين بتكساس يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية -طلب عدم نشر اسمه- إن هذا التوجه «يُعزز الابتعاد عن المساعدات، ويمنح الشركات فرصاً لتحقيق أرباح في أسواق جديدة».

في المقابل، يُشكك بعض الخبراء في فرص نجاح المبادرة داخل الأمم المتحدة، معتبرين أنها يمكن أن تُفسر بوصفها مسعى لتقويض دورها.

وكانت مؤسسة «ديفيكس» قد نشرت الثلاثاء، بعض جوانب إعلان «التجارة بدل المساعدات»، كاشفة عن تداول المقترح الأميركي في الأمم المتحدة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن الباحث لدى مجلس العلاقات الخارجية سام فيجرسكي أن المبادرة قد لا تلقى قبولاً في الأمم المتحدة، لا سيما مع سعي إدارة ترمب إلى تعزيز جهود أخرى، مثل مجلس السلام الذي أنشأه. وقال إن الإعلان المنشود «قد لا يحظى بقبول واسع؛ لأنه يُنظر إليه على أنه يضعف النظام الدولي القائم».

وفي دفاعها عن المبادرة، تؤكد إدارة ترمب أن القطاع الخاص هو المحرّك الحقيقي للنمو الاقتصادي، وأن التركيز يجب أن يكون على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل بدلاً من تكريس الاعتماد على المساعدات.


البنتاغون يوسّع قاعدة التصنيع لتعبئة مخزونات السلاح

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

البنتاغون يوسّع قاعدة التصنيع لتعبئة مخزونات السلاح

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لم يعُد الحديث في واشنطن عن توسيع الإنتاج العسكري مجرد لازمة بيروقراطية تتكرر كلما ارتفعت التهديدات الدولية، بل صار عنواناً مباشراً لقلق أميركي متزايد من اتساع الفجوة بين ما تستهلكه الحروب وما تستطيع المصانع الأميركية تعويضه بالسرعة المطلوبة.

فبعد سنوات من استنزاف المخزونات بفعل الحرب في أوكرانيا، جاءت الحرب مع إيران لتضيف ضغطاً فورياً على الذخائر وأنظمة الاعتراض والتجهيزات المرتبطة بها، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى توسيع دائرة البحث عن الشركاء، من كبار مقاولي الدفاع التقليديين إلى شركات السيارات والصناعات الثقيلة والطيران المدني.

صحيفة «وول ستريت جورنال» ذكرت أن في هذا التحول ما هو أبعد من مجرد تدبير صناعي، إنه إقرار بأن ميزان القوة في عالم أكثر اضطراباً لن يُقاس فقط بعدد القطع العسكرية الموجودة في الخدمة، بل أيضاً بسرعة القدرة على تعويضها وإدامتها في حال اندلاع حروب طويلة أو متزامنة. وأضافت أن الاتصالات الأخيرة مع «جنرال موتورز» و«فورد» و«جي إي أيروسبيس» و«أوشكوش» تندرج في هذا السياق تحديداً، إذ أراد البنتاغون اختبار ما إذا كانت هذه الشركات تستطيع أن تتحول، عند الحاجة، إلى شبكة دعم للقاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية.

استنزاف مزدوج

السبب المباشر لهذا الاندفاع هو أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه استنزافاً نظرياً، بل استهلاكاً فعلياً ومتراكماً على أكثر من جبهة.

فواشنطن سحبت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا مليارات الدولارات من الأسلحة من مخزوناتها، كما نقلت كميات كبيرة من الأنظمة والذخائر في سياقات قتالية أخرى، قبل أن تأتي الحرب مع إيران لتزيد الحاجة إلى تجديد سريع للمخزون، لا سيما في الصواريخ ووسائل الدفاع الجوي والتقنيات المضادة للمسيّرات. ولهذا لم تعد الإدارة تنظر إلى توسيع الإنتاج باعتباره ملفاً فنياً يخص شركات السلاح فقط، بل مسألة أمن قومي تتصل مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على خوض حرب ممتدة اليوم، أو الاستعداد لأزمة أكبر غداً، ربما في آسيا إذا تصاعد التوتر مع الصين.

رئيس الأركان الأميركي دان كين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل (رويترز)

هذا ما يفسر انتقال البنتاغون من مطالبة المتعهدين التقليديين برفع الوتيرة إلى طرق أبواب شركات مدنية كبرى تملك قوة عاملة واسعة وقدرات تصنيعية يمكن الاستفادة منها، ولو جزئياً، في سد الثغرات الأكثر إلحاحاً، بحسب «رويترز».

والمهم هنا أن الإدارة لا تتحدث فقط عن زيادة الكميات، بل عن إعادة توسيع القاعدة الصناعية نفسها. فبعد عقود من الاندماجات والتقليص، باتت الصناعات الدفاعية الأميركية شديدة التركّز في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى، وهو ما يقلص المرونة حين تقع أزمات متزامنة أو حين يتطلب الأمر زيادات سريعة في الإنتاج. لذلك فإن العودة إلى شركات خارج الحلقة الدفاعية الضيقة تعكس إدراكاً بأن «قاعدة الردع» في القرن الحادي والعشرين لا تبدأ من حاملات الطائرات وحدها، بل من المصانع، والموردين، والعقود، والقدرة على تعبئة الصناعة الوطنية بسرعة، بحسب وزارة الحرب الأميركية.

إنذار مبكر

لكن الاجتماع الأخير مع شركات السيارات لم يأتِ من فراغ، بل سبقه مسار تصاعدي من الضغوط السياسية والإدارية على الصناعات الدفاعية نفسها. ففي مطلع مارس (آذار)، التقى الرئيس دونالد ترمب رؤساء 7 من كبرى شركات الدفاع، وهي «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» و«بي إيه إي سيستمز» و«بوينغ» و«هانيويل أيروسبيس» و«إل 3 هاريس» و«نورثروب غرومان»، في اجتماع ركّز، وفق ما نقلته «رويترز»، على جداول الإنتاج وتسريع تعويض المخزونات المستنزفة.

وزير الحرب بيت هيغسيث عقب اختتام مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 16 أبريل (أ.ب)

وبعد ذلك بأسابيع، أعلن البنتاغون اتفاقات إطارية مع «بي إيه إي» و«لوكهيد» و«هانيويل» لزيادة إنتاج الذخائر ومكونات منظومات الدفاع، بينها مضاعفة إنتاج بعض المكونات الرئيسية لاعتراضات «ثاد» وتسريع تصنيع الصواريخ الدقيقة.

وفي موازاة هذا الضغط العملي، وجّه وزير الحرب بيت هيغسيث رسالة سياسية أكثر صراحة إلى كبار المتعاقدين، محذراً من أن من لا يقبلون تحمل قدر أكبر من المخاطر وتسريع الوتيرة قد يجدون أنفسهم خارج أولويات البنتاغون، في إطار خطة أوسع لتقليص البيروقراطية وجعل المنتجات التجارية والتعاقدات الأسرع جزءاً من القاعدة، لا الاستثناء.

هذه الخلفية مهمة لأنها توضح أن واشنطن لا تبحث فقط عن طاقات إضافية، بل تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والصناعة في زمن التهديدات الكبرى. فبدلاً من الاكتفاء بإعطاء العقود نفسها للشركات نفسها وفق الوتيرة نفسها، تسعى الإدارة إلى دفع المتعهدين التقليديين إلى الإسراع، وفي الوقت نفسه إدخال لاعبين جدد أو مساندين من خارج القطاع الدفاعي.

بهذا المعنى، فإن اجتماع السيارات ليس بديلاً عن الاجتماع السابق مع شركات السلاح، بل امتداد له: الأول ضغط على القلب الصناعي الدفاعي، والثاني توسيع للدائرة الاحتياطية التي يمكن استدعاؤها عندما يصبح الاستنزاف أكبر من قدرة المنظومة الحالية على الاحتمال.

«ترسانة الأربعينات»

صحيح أن استحضار نموذج الحرب العالمية الثانية، حين تحولت ديترويت في ولاية ميشيغان إلى «ترسانة الديمقراطية»، يغري الساسة والعسكريين، لكن الواقع الصناعي اليوم أكثر تعقيداً. فإنتاج الذخائر الدقيقة أو أنظمة التوجيه أو مكونات الدفاع الجوي لا يشبه تحويل مصنع سيارات إلى خط لإنتاج الشاحنات العسكرية في أربعينات القرن الماضي. هناك متطلبات أمنية وتنظيمية وسلاسل توريد متخصصة واختبارات واعتمادات تجعل التحول أبطأ وأعلى كلفة، وفق «وول ستريت جورنال».

أفراد من القوات الجوية الأميركية يقومون بأعمال صيانة على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في غرب إنجلترا (إ.ب.أ)

وأشارت الصحيفة إلى أن السؤال الحقيقي في محادثات البنتاغون مع الشركات المدنية، لم يكن عمّا إذا كانت هذه الشركات تستطيع أن تصبح جزءاً من صناعة دفاعية متكاملة؟ بل ما الأجزاء أو المكونات أو القدرات التي يمكن أن توفرها سريعاً لتخفيف الضغط عن المتعهدين الأساسيين؟ لهذا تبدو شركات مثل «أوشكوش» و«جي إم» أقرب إلى نموذج «الإسناد الصناعي» منه إلى الاستبدال الكامل، خصوصاً أن لبعضها حضوراً دفاعياً محدوداً أصلاً يمكن البناء عليه وتوسيعه.

هنا تكمن دلالة التحرك الأميركي: إنه لا يعني أن واشنطن دخلت بعد في تعبئة شاملة على طريقة أربعينات القرن الماضي، لكنه يعني أنها باتت تفكر بعقلية أقرب إلى «اقتصاد الحرب المرن»، أي بناء قدرة تعبئة تدريجية تسمح بتوسيع الإنتاج متى اقتضت الحاجة.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الاجتماعات أو قوة التصريحات، بل في قدرة الإدارة على إزالة العقبات التي لطالما أعاقت التوسع: بطء العقود، وتعقيد المناقصات، وضعف الحوافز للاستثمار طويل الأجل، وتردد الشركات المدنية في دخول قطاع شديد التنظيم ما لم ترَ طلباً ثابتاً ومضموناً بحسب «رويترز».

وإذا نجحت واشنطن في معالجة هذه العقد، فإنها لن تكون فقط قد ردّت على استنزاف أوكرانيا وإيران، بل ستكون أيضاً قد وضعت أساساً صناعياً أمتن لمواجهة عالم تعتبره أكثر خطورة وتقلباً من أي وقت مضى.


هيغسيث: الحصار الأميركي على موانئ إيران سيستمر «ما دام لزم الأمر»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث: الحصار الأميركي على موانئ إيران سيستمر «ما دام لزم الأمر»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، أنّ الولايات المتحدة ستواصل منع كل السفن من بلوغ الموانئ الإيرانية أو الخروج منها «طالما لزم الأمر»، وهدد إيران بضربات جديدة إذا لم تبرم اتفاقاً مع واشنطن.

وقال هيغسيث، في مؤتمر صحافي في البنتاغون: «إذا اختارت إيران بشكل سيئ، فستتعرض لحصار وستتساقط القنابل على البنية التحتية والطاقة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدأت القوات الأميركية حصار الموانئ الإيرانية في الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، الاثنين، بعد انتهاء جولة محادثات سلام في باكستان دون التوصل إلى اتفاق في اليوم السابق.

وأتت المباحثات في خضمّ هدنة لمدة أسبوعين من المقرر أن تستمر حتى منتصف الأسبوع المقبل.

وقال رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين، في المؤتمر الصحافي مع هيغسيث، إن الحصار «يشمل جميع السفن المتجهة من الموانئ الإيرانية وإليها، بغضّ النظر عن جنسيتها».

وأضاف كاين: «إذا لم تمتثلوا لهذا الحصار، فسنستخدم القوة»، متابعاً: «حتى الآن، اتخذت 13 سفينة الخيار الحكيم بالعودة» أدراجها.

من جهته، قال هيغسيث إن القوات الإيرانية تحاول استخراج معدات من تحت الردم بعد أكثر من خمسة أسابيع من الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وخاطب الوزير القادة الإيرانيين قائلاً: «نعلم ما الأصول العسكرية التي تنقلونها وإلى أين تنقلونها. وبينما أنتم تنقّبون... في المنشآت المدمّرة والمتضرّرة، فإننا نزداد قوة».

وتابع: «إنكم تقومون بالتنقيب لإخراج ما تبقى لديكم من منصات الإطلاق والصواريخ من دون القدرة على استبدالها، ليست لديكم صناعة دفاعية، ولا قدرة على تجديد قدراتكم الهجومية أو الدفاعية».

وأوضح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، أن واشنطن تستخدم وقف إطلاق النار لإعادة التسلح والتكيّف.

وقال كوبر: «نحن نعيد تسليح أنفسنا، ونعيد تجهيز معداتنا، ونقوم بتعديل تكتيكاتنا وتقنياتنا وإجراءاتنا. لا يوجد جيش في العالم يتكيّف مثلنا، وهذا بالضبط ما نقوم به الآن خلال فترة وقف إطلاق النار».