هاريس تشرع في تحديد ملامح سياساتها الداخلية والخارجية

ترمب يدفع بإعلانات لإظهار «ضعفها وفشلها» على الحدود

نائبة الرئيس كامالا هاريس تُحيّي مستقبِليها في ميريلاند (أ.ب)
نائبة الرئيس كامالا هاريس تُحيّي مستقبِليها في ميريلاند (أ.ب)
TT

هاريس تشرع في تحديد ملامح سياساتها الداخلية والخارجية

نائبة الرئيس كامالا هاريس تُحيّي مستقبِليها في ميريلاند (أ.ب)
نائبة الرئيس كامالا هاريس تُحيّي مستقبِليها في ميريلاند (أ.ب)

استعدت نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس لتحديد ملامح سياساتها الداخلية والخارجية، إذا فازت في الانتخابات بعد 97 يوماً، بعدما ضيَّقَت نطاق خياراتها لمنصب نائب الرئيس على بطاقتها، مع انسحاب اثنين من المرشحين البارزين، وحجزت حملتها 50 مليون دولار ترويجاً لسيرتها ومشروعها قبل المؤتمر العام للحزب الديمقراطي الشهر المقبل، في محاولة للرد على تشويه صورتها من حملة إعلانية لمنافسها الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترمب.

وتوجّهت هاريس، الثلاثاء، إلى جورجيا، وهي واحدة من 6 ولايات متأرجحة، تضم بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن وأريزونا ونيفادا، التي يُعتقَد على نطاق واسع أنها ستحسم السباق الانتخابي في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، آمِلة في المحافظة على الزخم القوي لترشيحها بعد انسحاب الرئيس جو بايدن من المنافسة قبل 10 أيام. وانضمت إليها في أتلانتا مغنية الراب ميغان ذي ستاليون، التي كتبت على حسابها في «إنستغرام» داعية الشباب والشابات إلى الانضمام إليها في المدينة.

الرجال البِيض

وقبل ذلك جمعت الحملة الديمقراطية 190 ألف شخص في لقاء افتراضي سُمّي «رجال بِيض من أجل هاريس»، بمشاركة من نجوم بارزين، مثل ممثل «حرب النجوم» مارك هاميل، والمغني جوش غروبان. وكذلك حضر الممثل جيف بريدجز، الذي أوضح وجوده في المكالمة من خلال الإشارة إلى دوره «الرجل» في الفيلم الكلاسيكي «ذا بيغ ليبوفسكي» (ليبوفسكي الكبير).

وشارك وزير النقل بيت بوتيجيج، وحاكم نورث كارولينا روي كوبر، وحاكم إلينوي جاي بي بريتزكر.

وقال منظّم المناسبة مؤسّس منظمة «ران فور سامثينغ»، روس موراليس روكيتو، إن ترمب فاز بأصوات أكثر من 60 في المائة من الرجال البِيض في الولايات المتحدة خلال انتخابات عامَي 2016 و2020.

وقال المدير المشارك في الحملة ميتش لاندريو إنه «إذا حضر الرجال البِيض فقط، وإذا وقفنا واحتسبنا، وإذا تحدثنا عما يعنيه حقاً أن تكون شريكاً رائعاً ورجلًا، وهو الحماية والمساعدة والرفع وعدم الضغط، فسنكون جميعاً أفضل».

وجمعت الحملة في هذا اللقاء نحو 4 ملايين دولار في غضون 3 ساعات، علماً بأنه الأحدث في سلسلة من الاجتماعات الافتراضية التي جذبت جمهوراً كبيراً، وأولها الاتصال الافتراضي لنساء من السود ليلة تنحّي بايدن.

ملايين على الإعلانات

ويركّز إعلان هاريس الجديد، وهو الأول لها، على أنها «شجاعة»، تتكئ على سجلّها بوصفها مدعية عامة، ووزيرة للعدل سابقاً في ولايتها كاليفورنيا، حيث «وضعت القتلة والمسيئين خلف القضبان، كانت كامالا هاريس تعرف دائماً مَن تمثّل».

وأعلنت حملة هاريس أن إعلاناتها ستُعرض أيضاً على التلفزيون خلال الألعاب الأولمبية في فرنسا، ضمن برامج أخرى، وستظهر في إصدارات عبر الإنترنت.

وتقول هاريس في الإعلان: «يريد دونالد ترمب إعادة بلدنا إلى الوراء، منح الإعفاءات الضريبية للمليارديرات والشركات الكبرى، وإنهاء قانون الرعاية الميسرة، لكننا لن نعود إلى الوراء».

وقالت مديرة الحملة الديمقراطية جين أومالي ديلون: «وقفت كامالا هاريس دائماً في وجه المتنمرين والمجرمين، والمصالح الخاصة، نيابةً عن الشعب الأميركي، وهزمتهم»، مضيفة أن «هذه الحملة الإعلامية المدفوعة، التي تبلغ قيمتها 50 مليون دولار، التي تدعمها حصيلة جمع التبرعات القياسية لدينا، وموجة من الحماس الشعبي، هي إحدى الطرق الحاسمة التي سنصل بها إلى الناخبين الذين سيقرّرون هذه الانتخابات، ونقدّم قضيتنا لهم».

في المقابل قدّم ترمب إعلاناً جديداً يهاجم هاريس بسبب سياسة التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين، بوصفها «مسؤولة عن ملايين من عمليات عبور الحدود، وربع مليون وفاة بسبب مادة الفنتانيل»، وحصل ذلك «في عهد هاريس (...) الفاشلة. الضعيفة، الليبرالية إلى حد خطير».

الرئيس السابق دونالد ترمب خلال حملة في مينيسوتا (رويترز)

وتنفق حملة ترمب أكثر من 12 مليون دولار في هذه الولايات على مدى الأسبوعين المقبلَين، وفقاً لبيانات مؤسسة «آد إنباكت» لتتبع وسائل الإعلام.

نائب الرئيس؟

في غضون ذلك ضيّقت هاريس خياراتها فيما يتعلق بمنصب نائب الرئيس على بطاقتها، مع خروج حاكمَي نورث كارولينا روي كوبر وميشيغان غريتشن ويتمر من هذا السباق، وبات عليها الآن أن تختار من مرشحين آخرين، أبرزهم حكام بنسلفانيا جوش شابيرو، وكنتاكي آندي بشير، ومينيسوتا تيم والز، والسيناتور مارك كيلي، ووزير النقل بيت بوتيجيج، ضمن لائحة قصيرة.

وبينما تزِن هاريس خياراتها، تأخذ في الاعتبار المميزات الأساسية لكل واحد منهم، فالسيناتور مارك كيلي على سبيل المثال، يمكنه أن يساعد في نيل أريزونا المتأرجحة، التي ساعدت في ترسيخ فوز بايدن قبل 4 سنوات، وللولاية 11 صوتاً في المجمع الانتخابي المؤلَّف من 538 ناخباً. ولدى كيلي، وهو رائد فضاء سابق وضابط متقاعد في البحرية، سيرة ذاتية يمكن أن تساعد هاريس في التواصل مع الناخبين العاديين؛ إذ إنه فاز بانتخابات عام 2020، ثم عام 2022، وجمع 89 مليون دولار في السباق الأخير.

ولكن ربما لا توجد ولاية متأرجحة أكثر أهمية من بنسلفانيا، وهذا ما يمنح شابيرو صدقية فورية في عملية البحث، علماً بأن شابيرو فاز عام 2022 «بأعلى حاصل أصوات في تاريخ» التصويت لحكام بنسلفانيا المتعاقبين، ولدى بنسلفانيا 19 صوتاً في المجمع الانتخابي.

حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو يتحدث خلال تجمّع انتخابي لنائبة الرئيس كامالا هاريس في الولاية (أ.ف.ب)

أما بالنسبة لحاكم مينيسوتا، فإن حسابات المجمع الانتخابي ليست في صالحه. ولكن الديمقراطيين يأخذون على محمل الجديد تأكيدات ترمب بأنه سيفوز بالولاية المعروفة بميلها إلى الديمقراطيين عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية. وبالإضافة إلى ذلك، برز اسم والز، وهو أميركي من الغرب الأوسط، أصبح نجماً غير متوقع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الليبرالية؛ لرفضه الواضح للتذكرة الجمهورية.

وهناك احتمال آخر يتعلق بشخص بوتيجيج بوصفه أحد أكثر أشخاص الاتصال فاعليةً في حزبه الديمقراطي، وقادراً على إثارة حماسة أتباع الحزب، والتعامل بسلاسة مع ظهوره على شبكة «فوكس نيوز» اليمينية.

كما حاول حاكم كنتاكي آندي بشير، إحداث ضجة في المقابلات الأخيرة، من خلال رسم المقارنات مع مرشح ترمب لمنصب نائب الرئيس جاي دي فانس، الذي ينحدر من أوهايو، وأمضى مواسم الصيف في كنتاكي، وفقًا لمذكراته «مرثية لفتاة ريفية».

وقال بشير إن فانس «يدّعي أنه من شرق كنتاكي، ويحاول تأليف كتاب عن ذلك للاستفادة من أُناسِنا، ثم يصِفُنا بأنّا كسالى».


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في تبادل رسائل مع صحيفة «نيويورك بوست»، إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران في الأيام المقبلة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورداً على سؤال للصحيفة بشأن احتمال عقد مفاوضات خلال «36 إلى 72 ساعة»، أي قبل حلول يوم الجمعة، قال ترمب: «هذا ممكن».

وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار، لإتاحة المجال للتوصل إلى اتفاق مع إيران، من دون أن يحدد مهلة جديدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، في وقت سابق، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، فاتحاً نافذة زمنية إضافية بانتظار تقديم طهران «مقترحاً موحداً» ينهي حالة الانسداد السياسي، في حين هاجم «الحرس الثوري» ثلاث سفن في مضيق هرمز.


إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في غرفة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض مساء 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.