بايدن وترمب يدعوان الأميركيين إلى الوحدة بعد محاولة الاغتيال

منفِّذ الاعتداء «تحرك بمفرده»... وتداعيات سياسية للحادثة على الحملة الانتخابية

الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث من البيت الأبيض فيما تنظر نائبة الرئيس كامالا هاريس مساء الأحد غداة المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس السابق دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث من البيت الأبيض فيما تنظر نائبة الرئيس كامالا هاريس مساء الأحد غداة المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس السابق دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

بايدن وترمب يدعوان الأميركيين إلى الوحدة بعد محاولة الاغتيال

الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث من البيت الأبيض فيما تنظر نائبة الرئيس كامالا هاريس مساء الأحد غداة المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس السابق دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث من البيت الأبيض فيما تنظر نائبة الرئيس كامالا هاريس مساء الأحد غداة المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس السابق دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا جو بايدن ودونالد ترمب الأميركيين إلى الوحدة بعد نجاة الرئيس الجمهوري السابق من محاولة اغتيال خلال تجمّع انتخابي في بنسلفانيا يوم السبت، قال مكتب التحقيقات الفيدرالي إنه يعدّها «عملاً إرهابياً داخلياً محتملاً».

وقال الرئيس الديمقراطي الذي ألقى كلمة مقتضبة من البيت الأبيض، يوم الأحد: «يجب علينا أن نتّحد بصفتنا أمّة لإظهار ما نحن عليه»، مشيراً إلى أنه أجرى «محادثة قصيرة لكن جيّدة» مع ترمب. وأوضح بايدن: «ليست لدينا أي معلومات حتى الآن عن دوافع منفّذ الهجوم. نعرف من هو. أدعو الجميع إلى عدم إطلاق افتراضات بشأن دوافعه أو انتماءاته». وأضاف أنه طلب إجراء «تحقيق مستقل» في الظروف المحيطة بمحاولة اغتيال ترمب.

«خفض التوتر»

ودعا بايدن، الأحد، إلى «خفض التوتر» بعد محاولة اغتيال خصمه الجمهوري، معتبراً أن الانتخابات الأميركية ستشكل «فترة اختبار». وقال بايدن في خطاب من المكتب البيضوي في البيت الأبيض متوجهاً إلى الأميركيين: «أريد أن أتحدث إليكم الليلة حول الحاجة إلى خفض التوتر في حياتنا السياسية»، مشدداً على أن السياسة يجب ألا تكون «ساحة للقتل». وتابع قائلاً: «إننا جميعا نواجه فترة اختبار مع اقتراب موعد الانتخابات. وكلما زادت المخاطر، ازدادت المشاعر حماسة. بغضّ النظر عن مدى قوة قناعاتنا، يجب ألا نسمح أبداً بأن تنحدر إلى العنف (...) لقد حان الوقت للتهدئة».

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب محاطاً بعملاء الخدمة السرية بعد إطلاق النار عليه خلال تجمع انتخابي في بنسلفانيا السبت (رويترز)

«كان يُفترض أن أكون ميتاً»

من جهته، قال ترمب في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» بعد نجاته من محاولة الاغتيال: «لم يكن من المفترض أن أكون هنا، كان يُفترض أن أكون ميتاً». وأشارت الصحيفة إلى أن ترمب روى «تجربة سريالية» وهو يضع ضمادة بيضاء تغطي أذنه اليمنى. وتابع ترمب أنه لو لم يُمِل رأسه قليلاً إلى اليمين لقراءة رسم بياني حول المهاجرين غير النظاميين في أثناء إلقاء خطابه في التجمع الانتخابي، لكان مات. وقال: «بفضل حسن الحظ أو بفضل الله، كثر يقولون إنني ما زلت هنا بفضل الله»، مشيداً بعناصر جهاز الخدمة السرية لقتلهم مطلق النار. وأضاف: «أردوه برصاصة واحدة بين عينيه. قاموا بعمل رائع. إنه أمر سريالي بالنسبة إلينا جميعاً».

سيارة شرطة تغلق يوم الاثنين المكان الذي تعرض فيه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإطلاق نار في بنسلفانيا (رويترز)

«تحرَّك بمفرده»

بدوره، أفاد مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، الأحد، بأنّ مُطلق النار تحرّك بمفرده، موضحاً أن المحقّقين لم يُحدّدوا حتى الآن «توجهاً آيديولوجياً» لديه. وقال ريفن روجيك، عنصر الشرطة الفيدرالية في بنسلفانيا: «تفيد المعلومات التي لدينا بأنّ مطلق النار تحرّك بمفرده»، مشيراً إلى أن السلاح الذي استُخدم هو بندقية نصف آلية طراز «إيه آر 556» تم شراؤها بشكل قانوني. وقال روبرت ولز، مساعد مدير قسم مكافحة الإرهاب في «إف بي آي»: «نحن نحقّق في (الواقعة) بوصفها محاولة اغتيال، لكننا نحقق فيها أيضاً على أنها عمل إرهابي داخلي محتمَل».

ووقعت الحادثة فيما كان الرئيس السابق يُلقي خطاباً أمام حشد من مؤيّديه في تجمّع انتخابي في ولاية بنسلفانيا، السبت، مما من شأنه أن يزيد حدّة التوتر السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسيّة في نوفمبر (تشرين الثاني). وسارع عناصر جهاز الخدمة السرّية إلى اصطحاب ترمب (78 عاماً) إلى خارج موقع التجمّع، بينما كان الدم يسيل على وجهه. وفي أثناء إخراجه، رفع المرشح الجمهوري قبضته أمام الحشد في إشارة تحدٍّ، وقال لاحقاً: «أصِبتُ برصاصة اخترقت الجزء العلوي من أذني اليمنى».

وقُتل أحد الأشخاص الموجودين في الموقع، بينما أصيب اثنان من الحاضرين بجروح بالغة، فيما قُتل المشتبه به. وأشار حاكم ولاية بنسلفانيا إلى أن القتيل هو إطفائي سابق اسمه كوري كومبراتور ويبلغ 50 عاماً.

من جهتها، وصفت ميلانيا ترمب مُنفّذ محاولة اغتيال زوجها بـ«الوحش»، وكتبت على «إكس»: «حاول وحش رأى أنّ زوجي آلة سياسية غير إنسانية، أن يُطفئ شغف دونالد، ضحكته وإبداعه».

وأعرب بايدن الذي يُتوقّع أن يواجه ترمب في الانتخابات الرئاسية، عن شعوره بالارتياح لنجاة المرشّح الجمهوري. وقال: «لا مكان لهذا النوع من العنف في أميركا».

كذلك، أفاد البيت الأبيض بأنّ بايدن تحدث لاحقاً مع ترمب، في أول اتصال بينهما منذ المناظرة التلفزيونية التي جمعتهما في 27 يونيو (حزيران) وقدّم فيها الرئيس أداءً كارثياً. وقطع بايدن إجازة عطلة نهاية الأسبوع في ولاية ديلاوير ليعود إلى واشنطن، وأطلعه المسؤولون الأمنيون على المستجدات.

صورة لتوماس ماثيو كروكس لدى تخرجه في ثانوية بمدينة بيثيل (بنسلفانيا) عام 2022 (أ.ب)

وحدّد «إف بي آي» في وقت سابق هوية مطلق النار على أنه «توماس ماثيو كروكس (20 عاماً) من بيثيل في بنسلفانيا». والأحد، أفادت وسائل إعلام أميركية بأن المسلّح الذي أطلق النار كان يحمل متفجّرات في سيّارته. وأوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» وشبكة «سي إن إن» أنه عُثر على مواد متفجرة في سيارة تعود إلى مطلق النار كانت متوقفة قرب مكان انعقاد التجمّع الانتخابي في بنسلفانيا.

رفع قبضته

ما إنْ بدأ المرشح الجمهوري خطابه متطرّقاً إلى قضية المهاجرين غير الشرعيين ومتهماً بايدن بالسماح لهم بدخول البلاد بشكل جماعي، حتى سُمع دوي إطلاق نار فانحنى على الأرض وهرع إليه عناصر الخدمة السرّية.

وشوهد الرئيس السابق يضع يده على أذنه فيما الدم يسيل على خدّه. وانحنى وراء المنصّة فيما اندفع عناصر جهاز الخدمة السرّية نحوه وأحاطوا به قبل إجلائه إلى سيّارة مجاورة. وسُمع ترمب يقول على المذياع: «دعوني أستعد حذائي»، بينما كان رجال الأمن يساعدونه على الوقوف. واستدار نحو الحشد ورفع قبضته مراراً ونطق بكلمات لم تُفهم فوراً، في صورة ستدخل التاريخ حتماً. وسارع عناصر الأمن إلى مرافقة ترمب إلى سيّارة رباعيّة الدفع فيما رفع الرئيس السابق قبضته مجدداً.

ولاحقاً، شوهد وهو يخرج من طائرته بلا مساعدة، حسب مقطع مصوّر نشرته نائبة مدير الاتصالات في فريقه، ولم تظهر فيه أذنه المصابة.

وقال جهاز الخدمة السرية في بيان إن المشتبه به «أطلق النار مرات عدة باتجاه المنصة من موقع مرتفع خارج التجمّع» قبل أن يُحيّده عناصر الجهاز. وبعدما أفاد شهود عيان بأنهم رأوا المسلّح قبل إطلاق النار وأبلغوا السلطات بالأمر، قالت شرطة باتلر إنها «استجابت لعدد من التقارير بشأن نشاط مشبوه»، دون تقديم تفاصيل إضافية.

وأظهر مقطع فيديو نشره موقع «تي إم زي» الأميركي، السبت، رجلاً مسلّحاً يُشتبه بأنه مطلق النار كان متمركزاً على سطح مبنى مصوّباً بندقية، ثم صرخات تعلو فيما تسود بلبلة الحشد.

وأفاد الموقع بأنّ «الشاب شعره بُنّي طويل، ويبدو أنّه يرتدي قميصاً رمادياً وسروالاً كاكياً، وكما ترون، هو يحاول بعناية تحديد الهدف من بعيد قبل سحب الزناد». وأفادت وسائل إعلام بأنّه مسجَّل على أنه ناخب جمهوري.

وشدّد جهاز الخدمة السرّية الأميركي يوم الأحد، على أنّ الوكالة «مستعدة تماماً» لضمان الأمن في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي يعقد في ميلووكي الاثنين، وأنها لم تغيّر بروتوكولاتها حتى بعد محاولة اغتيال ترمب.

وقالت المسؤولة في جهاز الخدمة السرية أودري غيبسن – سيتشينو: «نحن مستعدون تماماً ولدينا خطة أمنية شاملة»، معربةً عن ثقتها بأن الحدث سيحظى بـ«أعلى مستويات الأمن».

تداعيات سياسية

وأثارت محاولة الاغتيال صدمة في العالم، إذ عبّر قادة عديد من الدول عن الغضب والصدمة. وكانت للهجوم تداعيات سياسية، إذ سارع عدد من الجمهوريين إلى إطلاق الاتهامات، فيما انتشرت نظريات المؤامرة اليمينية على وسائل التواصل الاجتماعي. وألقى السيناتور جي دي فانس، أحد المرشحين المحتملين على البطاقة الانتخابية لترمب كنائب للرئيس، اللوم على «خطاب» بايدن.

من جهته، قال رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، الأحد، إنه يرى أوجه تشابه كبيرة بين محاولة الاغتيال التي تعرّض لها ترمب والهجوم الذي تعرض له في مايو (أيار). بدوره، كتب نائب الرئيس السابق مايك بنس الأحد، على «إكس»: «لا يوجد في أميركا مكان للعنف السياسي». وأضاف أن أعمال العنف المماثلة «تجب إدانتها عالمياً».

وأصدرت السعودية بياناً أدانت فيه محاولة الاغتيال وأعربت عن «تضامنها التام مع الولايات المتحدة الأميركية والرئيس السابق وأسرته»، مؤكدةً رفضها كل «أشكال العنف».

وقد تكون لمحاولة الاغتيال هذه تبعات كبرى على الحملة الانتخابية.


مقالات ذات صلة

سيناتور جمهوري يطالب بالتحقيق في تمويل روسي لاحتفالات زفاف نجل ترمب

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب جونيور وبيتّينا أندرسون يحضران حفلاً أقامه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 أكتوبر 2025 (رويترز)

سيناتور جمهوري يطالب بالتحقيق في تمويل روسي لاحتفالات زفاف نجل ترمب

طالب سيناتور جمهوري بتحقيق في تمويل رجل أعمال روسي احتفالات زفاف نجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط مخاوف بشأن تأثير أجنبي محتمل على عائلته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب متوسطاً ابنته إيفانكا وابنه دونالد جونيور خلال اتجاههم إلى طائرة الرئاسة 4 يناير 2021 (أ.ف.ب)

ترمب يطالب قاضياً برفض طلب «بي بي سي» الحصول على إفادات من أفراد أسرته

حث الرئيس الأميركي دونالد ترمب قاضياً اتحادياً على رفض طلب «بي بي سي» مساعدة المحكمة في الحصول على إفادات ووثائق من ثلاثة من أفراد أسرته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ينظر إلى الحشد خلال حفل افتتاح مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو (أ.ب) p-circle

تسجيلات تكشف اعتراف بايدن بالاحتفاظ بوثائق سرية في منزله

كشفت تسجيلات صوتية خاصة للرئيس الأميركي السابق جو بايدن، سُجلت خلال جلسات إعداد سيرته الذاتية، أنه تحدث صراحة عن احتفاظه بوثائق حكومية سرية داخل منزله.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

منذ تولى نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الأولى قبل 30 سنة، شهدت علاقات تل أبيب وواشنطن منعطفات مختلفة، لكنها لم تعرف متطاوِلاً مثله، ثم جاء ترمب ورسَّخ طريقته.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن مع زوجته جيل (إ.ب.أ) p-circle

زوجة بايدن تكشف تطورات مرضه: السرطان انتشر وسيلازمه مدى الحياة

كشفت السيدة الأميركية الأولى السابقة جيل بايدن تفاصيل جديدة بشأن الحالة الصحية لزوجها جو بايدن، مؤكدة أنه يعاني من سرطان البروستاتا في المرحلة الرابعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ممداني: نتانياهو لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة «الجنائية الدولية»

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
TT

ممداني: نتانياهو لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة «الجنائية الدولية»

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)

ردّ رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني على الانتقادات اللاذعة التي وجهها إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في الأمم المتحدة، الخميس، مؤكدا أن «أي كذبة» لن تغير شيئا في مذكرة اعتقاله الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

وقال ممداني في بيان «كما فعل مرارا، استغل رئيس الوزراء نتانياهو خطابه لتكرار أكاذيب لا أساس لها من الصحة تهدف إلى تجميل صورة الإبادة الجماعية التي يرتكبها بحق الفلسطينيين. مع ذلك، لا يمكن لأي كذبة أن تغير حقيقة أنه لا يزال مطلوبا بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».


رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
TT

رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)

أقالت رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز، الخميس، وزير خارجيتها مانويل توفار لحضوره اجتماعاً أمنياً إقليمياً برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عُقد في نيويورك، من دون إبلاغها بذلك.

دونالد ترمب

وقالت فرنانديز إنه كان ينبغي أن تشارك هي في اجتماع دول «درع الأميركتين» المناهض لكارتلات المخدرات، وإن إخفاق توفار في التشاور معها تسبب في «ضرر استراتيجي كبير».


عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)

استمع أعضاء مجلس الأمن لتحذيرات الرؤساء التنفيذيين لعمالقة الذكاء الاصطناعي؛ «أوبن إيه آي» سام ألتمان، و«أنثروبيك» داريو أموداي، و«هاغينغ فايس» كليمان دولانغ، من تطور بوتيرة يمكن أن تتجاوز قريباً قدرة الدول والشركات والمؤسسات على تنظيمها أو إدارة أخطارها الوجودية المحتملة على البشر.

عُقدت هذه الجلسة غير المألوفة على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بدعوة من فرنسا التي تتولى رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي، وبعد أيام من استنتاج لجنة علمية تابعة للأمم المتحدة أن الحادثة التي وقعت في الصيف، حين اخترقت برامج الذكاء الاصطناعي قيد التقييم في «أوبن إيه آي» أنظمة «هاغينغ فايس» نفسها، لا تقدم أي ضمانات بأن البشر قادرون على إبقاء هذه البرامج تحت السيطرة بشكل موثوق.

وأكّد ألتمان أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول جذري في العلوم والطب والتعليم والاقتصادات، لكنه استدرك محذّراً من أن الأنظمة المستقلة بشكل متزايد يمكن أن تتحرك بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والمؤسسات على فهمها أو السيطرة عليها. وقال إنه «ينبغي تصميم الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، لا لمجرد زيادة سرعة الآلات».

وإذ لم يتجاهل الأخطار، أضاف ألتمان أن «أي شيء بهذه القوة يثير الرهبة»، مشدداً على أن «هذه اللحظة تستدعي حذراً شديداً».

«دولة العباقرة»

حدّد ألتمان نمطين رئيسيين للفشل؛ الأول هو فقدان السيطرة تماماً على مستقبل الذكاء الاصطناعي. وثانياً، هناك تركز السلطة حيث «لا ينبغي لأي فرد أو شركة أو دولة أن تتمكن من استخدام أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لفرض رؤيتها للعالم على الآخرين»، كاشفاً أن «أوبن إيه آي» أبطأت التطوير من جانب واحد سابقاً بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

ودعا إلى وضع معايير «تُصاغ من خلال عمليات ديمقراطية ومن حكومات مسؤولة أمام شعوبها» تشمل القدرات، وتقييم المخاطر، والضمانات، والإبلاغ عن الحوادث.

الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان يقدم إحاطة لمجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي (الأمم المتحدة)

ثم قدّم أموداي إحاطة عرَضَ فيها وتيرة التقدم بعبارات صادمة، قائلاً: «قبل أربع سنوات، كان (برنامج الذكاء الاصطناعي) بالكاد يستطيع كتابة سطر واحد من التعليمات البرمجية أو حل مسألة رياضية بسيطة في المرحلة الثانوية. أما اليوم، فهو يكتب معظم التعليمات البرمجية في «أنثروبيك» ويحل مسائل رياضية عالمية شهيرة لم تُحلّ من قبل».

وأضاف أن هذا المسار «لا يحتاج إلا إلى الاستمرار لفترة وجيزة، سنة أو سنتين، وربما أقل» للوصول إلى ما سماه «دولة من العباقرة في مراكز البيانات».

«خطر على البشرية»

كان أموداي صريحاً بالقدر نفسه في شأن الأخطار، فحدَّد فئتين؛ الأولى تتعلّق بسوء الاستخدام، «على سبيل المثال، إساءة استخدام الإرهابيين البيولوجيين لـ(برامج الذكاء الاصطناعي) لصنع أسلحة بيولوجية». أما الفئة الثانية فتتعلق بفقدان السيطرة، مشيراً إلى مسائل «بالغة الخطورة لدرجة أنني أعتقد أنها مسائل مهمة لهذا المجلس، وليس فقط لوزارات الاقتصاد أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات».

وزاد: «أعتقد أنه إذا أُديرت بشكل سيئ، فقد يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً على البشرية جمعاء».

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي متحدثاً عبر الشاشة مع أعضاء مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة)

كذلك، قال أموداي إن شركته «ستبطئ وتيرة العمل بالقدر اللازم... لكن بغض النظر عما نفعله، فإن إدارة هذه المخاطر، في نهاية المطاف، أكبر من أي شركة بمفردها، ولها نطاق صناعي وعالمي».

الدفاع قبل الهجوم

بدوره، عرَضَ دولانغ دراسة حالة واقعية، إذ كشفت شركته، في يوليو (تموز) الماضي، عن هجوم إلكتروني شنّه عليها وكيل ذكاء اصطناعي مستقل. واستخلص ثلاثة دروس؛ أولاً، هناك حاجة لمزيد من الشفافية على مستوى الصناعة. وجادل ثانياً بأن الخطر الأساسي لا يكمن في قدرات هذه التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في توزيعها غير المتكافئ. وقال إن «الخطر الأكبر ليس الذكاء الاصطناعي القوي، بل في عدم تكافئه بين المهاجمين والمدافعين، والشركات الكبرى وبقية العالم، والدول القوية وبقية دول العالم».

وأشار ثالثاً إلى حادثة أخرى أظهرت كيف يمكن لتغطية الذكاء الاصطناعي أن تثير مخاوف الجمهور بلا داعٍ «من خلال تأطيرها بصورة بشرية واستخدامها صوراً خيالية علمية».

وخلال المداولات بين أعضاء المجلس، شبّه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي ترأس الاجتماع، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بكل من الحاسوب الخيالي في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» وبداية العصر الذري. وقال: «كما كانت الحال مع الذرة آنذاك، يجب على المجتمع الدولي، الآن، تنظيم الذكاء الاصطناعي لتحقيق أقصى استفادة من إمكاناته وتجنب أسوأ العواقب».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يترأس اجتماع مجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي (الأمم المتحدة)

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند: «يخبرنا قادة التكنولوجيا بوضوح تام أنه لا يمكن ترك منع الكوارث من الوقوع في العالم لهم وحدهم. لا يمكننا تجاهلهم لأنهم على حق».

غير أن مستشار البيت الأبيض للشؤون العلمية، مايكل كراتسيوس، رأى أن «المخاوف بشأن التحكم في الذكاء الاصطناعي ليست مُبرراً لوقف تطويره أو تقييده بهيكل حوكمة عالمي جديد». وأضاف: «نريدكم، أنتم حلفاؤنا وشركاؤنا، أن تشاركوا في فوائد هذه التكنولوجيا».

وفي ظل المنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، حذّر المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو كونغ من «التكتل في تحالفات ضيقة في قطاع التكنولوجيا، وإجبار الدول الأخرى على الانحياز لأحد الطرفين»، مما يُمكّن قوى عظمى لم يُسمِّها مما سماه «الهيمنة الرقمية».

اختراق نظام حكومي

تزامنت الجلسة مع كشف الحكومة الأسترالية عن نجاح وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «أوبن إيه آي» في الوصول بصورة غير مصرَّح بها إلى نظام حكومي في يوليو (تموز) الماضي، في واقعةٍ وصفتها الحكومة بأنها الأولى المعروفة التي يتمكَّن فيها وكيل للذكاء الاصطناعي من اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات الحكومية في البلاد.

ووصل الوكيل في 18 يوليو إلى بوابة «خدمة تقارير إحصاءات ميديكير» التابعة لوزارة الصحة، وهي منصة متاحة للعامة تستضيف بيانات مجمعة عن الإنفاق الصحي وإعانات الأدوية، وتُستخدم على نطاق واسع من جانب الباحثين والأكاديميين. وأكدت الحكومة أن المعلومات الشخصية لم تكن من بين البيانات التي جرى الوصول إليها.

وقالت شركة «أوبن إيه آي» إنها راجعت أنشطة شملت عدداً من الإدارات الحكومية الأسترالية، واكتشفت أن نماذجها «اتخذت إجراءات لم تكن مقصودة». وأبلغت الشركة الحكومة الأسترالية بالحادثة في 10 سبتمبر (أيلول)، وفق رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، الذي انتقد تأخرها في الكشف عن الاختراق. وأُغلقت البوابة بعد الحادثة، ونُقلت البيانات إلى أنظمة أكثر أماناً، وفق وزيرة الخدمات الحكومية كاتي غالاغر.