هل يتحرّك الديمقراطيون لترشيح بديل لبايدن؟

هاريس ونيوسوم وشابيرو بين أبرز الأسماء المطروحة

ملايين الأميركيين تابعوا المناظرة الرئاسية (أ.ف.ب)
ملايين الأميركيين تابعوا المناظرة الرئاسية (أ.ف.ب)
TT

هل يتحرّك الديمقراطيون لترشيح بديل لبايدن؟

ملايين الأميركيين تابعوا المناظرة الرئاسية (أ.ف.ب)
ملايين الأميركيين تابعوا المناظرة الرئاسية (أ.ف.ب)

أثار أداء الرئيس الديمقراطي جو بايدن، خلال المناظرة الرئاسية الأولى، ليل الخميس - الجمعة، ذُعر الديمقراطيين، وفاقم مخاوفهم من عمره المتقدّم وتراجع لياقته العقلية والجسدية. وتعثّر بايدن مراراً خلال المناظرة، وبدا متلعثماً ومرتبكاً، وتجمّد للحظات في إجابته حول قضايا جوهرية، مثل: تعاطي إدارته مع جائحة «كوفيد-19»، والضمان الاجتماعي، وخفض أسعار الأدوية.

في المقابل، ظهر ترمب بصورة أكثر تماسكاً، وفرض أسلوبه ونبرته، مضاعفاً المبالغات والأكاذيب، لا سيما بشأن الهجرة.

وكان الديمقراطيون يعوّلون على هذه المناظرة المبكّرة، لطمأنة قاعدتهم التقليدية حيال صحة بايدن، ومحاولة استقطاب الناخبين المترددين. كما كانوا يراهنون على ترويج بايدن لسجلّه، خصوصاً في قضايا حق الإجهاض، وتحسّن الاقتصاد، وخلق الوظائف.وفي أعقاب المناظرة، تبادل الديمقراطيون، الذين دافعوا عن الرئيس بايدن خلال الشهور الماضية، المكالمات الهاتفية والرسائل النصية حول أدائه «الكارثي»، على حد وصف بعضهم. فبدلاً من تبديد المخاوف بشأن عمره، وضع أداء بايدن هذه القضية في قلب السباق الانتخابي، وفتح نقاشات حول ما إذا كان يمكن إقناع الرئيس بالتنحي لصالح مرشح أصغر سناً. وبالفعل، انتشر وسم «استبدلوا بايدن» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب وسم «الخرف»، وتصاعدت معهما الدعوات إلى تنحيه.

ترمب يخرج منتصراً

خرج المرشح الجمهوري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، البالغ من العمر 78 عاماً، منتصراً من المناظرة، رغم تكراره كثيراً من التصريحات الكاذبة حول الهجرة وسجله في البيت الأبيض. ونجح ترمب في تقديم أداء هادئ، ولم ينسق إلى محاولات بايدن استثارته، والتزم استراتيجية توجيه هجمات حادة إلى خصمه في قضيتين أساسيتين: ضعف بايدن، وخطر الهجرة غير الشرعية.

أحد مؤيدي ترمب خلال حفل مشاهدة المناظرة الأولى للانتخابات الرئاسية في فلوريدا (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من تخبط ترمب أحياناً وترديده تصريحات كاذبة، فإن قدرته على إظهار اليقظة والطاقة غطّت على تصريحاته الغامضة، وتمكّن من البقاء في موقف هجومي، حتى في التعاطي مع نقاط ضعفه الأساسية، مثل قضية اعتداء أنصاره على مبنى الكابيتول.

وفي مقال بصحيفة «نيويورك تايمز»، قال الكاتب توماس فريدمان إن مشاهدة المناظرة جعلته «يبكي»، واصفاً النقاشات بين بايدن وترمب بأنها أكثر اللحظات حزناً في سياسات حملات الرئاسة الأميركية. وطالب فريدمان عائلة بايدن وفريقه السياسي بإقناعه بأن يعلن انسحابه من السباق، وأن يبدأ الديمقراطيون عملية البحث عن مرشحين آخرين، مُعترفاً بأن الأمر سيكون فوضوياً حينما يبدأ المؤتمر الديمقراطي في 19 أغسطس (آب) المقبل في شيكاغو.

ملايين الأميركيين تابعوا المناظرة الرئاسية (أ.ف.ب)

وقال فريدمان، الذي يُعدّ أحد المقربين من الرئيس بايدن منذ أن كان عضواً في مجلس الشيوخ، إن تنحي بايدن سيجعل الأميركيين يشيدون به، لأنه وضع مصلحة البلاد فوق مصلحته. وقال: «حان الوقت لكي يحافظ جو بايدن على كرامته، ويغادر المشهد».

وقال مارك بويل، أحد المتبرعين البارزين لبايدن والحزب الديمقراطي، إنه يتعيّن على الرئيس أن يفكر جدياً فيما إذا كان هو أفضل شخص ليكون مرشح الحزب الديمقراطي. وأضاف: «السؤال الآن هو: هل لدينا الوقت لترشيح شخص آخر؟».

وقال ديفيد أكسلرود، مسؤول حملة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لشبكة «سي إن إن»، إنه شعر بالصدمة من طريقة أداء بايدن وصوته وظهوره مشوشاً في إجاباته، وشدد على أنه لا بد من مناقشة ما إذا كان يتعيّن على بايدن الاستمرار في السباق.

سيناريو استبدال بايدن

تشترط قواعد الحزب الديمقراطي استبدال مرشح رئاسي بموافقته على التنحي. ويُذكّر الخبراء بسابقة تاريخية لاستبدال مرشّح رئاسي، حينما قرر الرئيس ليندون جونسون عدم السعي إلى إعادة ترشيح نفسه لولاية ثانية، بعد تصاعد الاحتجاجات على حرب فيتنام. إلا أن ذلك كان في وقت مبكّر نسبياً من الحملة، في شهر مارس (آذار) 1968.

ويشير ميثاق اللجنة الوطنية الديمقراطية إلى بعض الأحكام الاستثنائية في حال حدوث عجز للمرشح، أو اختياره التنحي طواعية. ولا توجد مؤشرات أن الحزب الديمقراطي يمكن أن يقدم على إعلان تغيير بايدن دون موافقته.

مناظرة بين المرشحين لانتخابات الرئاسة المقبلة في الولايات المتحدة الأميركية جو بايدن ودونالد ترمب فجر 28 يونيو 2024 (إ.ب.أ)

لذا سيكون السؤال: هل يتنحّى بايدن طواعية؟ وحتى حال استجابته، وإعلانه التنحي عن خوض السباق الرئاسي، فهناك تحديات أخرى تتعلّق بقرب موعد الاقتراع الرئاسي المزمع عقده في 5 نوفمبر (تشرين الثاني). وتطرح الفترة القصيرة المتبقية قبل موعد الانتخابات تحديات كبيرة حيال فتح باب المنافسة لمجموعة مرشحين، وجمع أصوات المندوبين لصالح المرشح الأوفر حظاً. وإلى جانب التحديات الزمنية، تتطلّب هذه العملية وقتاً طويلاً، كما تتطلّب تغييرات في عملية جمع التبرعات ودعوة المانحين إلى التبرع لمرشّح جديد.

ويرى بعض المراقبين الديمقراطيين أن الوقت تأخّر لمطالبة بايدن بالتنحي، إذ فاز بجميع مندوبي الولايات الخمسين التي أجرت انتخابات تمهيدية ديمقراطية لاختيار المرشح الرئاسي لانتخابات 2024. كما قدّمت اللجنة الوطنية الديمقراطية الدعم إلى الرئيس بايدن طوال فترة الانتخابات التمهيدية، وسيكون من الصعب تغيير مرشح الحزب الديمقراطي في هذا الوقت المتأخر من السباق مع بقاء خمسة أشهر فقط على الانتخابات، خصوصاً أنه لا إجماع حول من يمكنه أن يضطلع بدور «المنقذ» للحزب الديمقراطي.

من هم المرشحون؟

تردّدت أصوات داخل الأروقة الديمقراطية أن الخيار الطبيعي سيكون نائبة الرئيس كامالا هاريس، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع التأييد لها وافتقارها إلى التأثير اللازم للفوز في الانتخابات.

تراجعت مستويات تأييد نائبة الرئيس كامالا هاريس في استطلاعات الرأي (أ.ف.ب)

وأثارت فكرة البحث عن بديل موقفاً محرجاً للديمقراطيين، يمكن أن يُحدث انشقاقاً في صفوف الحزب. فبعد أن دعّم كثير من الديمقراطيين ترشيح بايدن، سيكون من الصعب أن يخرجوا علناً ويطالبوا بخروجه من السباق. وحتى لو فعل الديمقراطيون ذلك، فهناك تحديات عملية ولوجيستية ومالية ضخمة. ونظرياً، يتطلّب الأمر أن تدعو اللجنة الوطنية الديمقراطية إلى اجتماع لكل أعضائها (500 عضو)، والتصويت بأغلبية الحاضرين لاختيار مرشح جديد للرئاسة، ولمنصب نائب الرئيس، وهي عملية لن تكون سلسلة، وستكون مليئة بالمناورات، والمخاوف القانونية والدستورية.

حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم بين أبرز المرشحين لخوض السباق الرئاسي حال تنحي بايدن (رويترز)

وإلى جانب هاريس، اشتعلت بورصة الترشيحات لمن يمكن أن يكون البديل المحتمل لبايدن. وطُرح اسم غافين نيوسوم، حاكم ولاية كاليفورنيا، بديلاً محتملاً، فضلاً عن اسم غريتشن ويتمر حاكمة ولاية ميشيغان، وحاكم ولاية إلينوي جي بي بريتزكر، وحاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو، بالإضافة إلى عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو شيرود بارون.

وعلى الرغم من هذه الترجيحات، يبقى سيناريو استبدال بايدن مستبعداً في الوقت الحالي. فالمال السياسي يلعب دوراً مهما للغاية في الحملات الرئاسية، وقد أنفقت حملة الرئيس حتى الآن نحو 346 مليون دولار في جهود لمحاولة إعادة انتخاب بايدن. وسيكون على أي مرشح بديل بدء عملية حشد التأييد وجمع التبرعات من جديد. ويتخوّف الديمقراطيون من عدم وجود بديل قوي لبايدن يمكن أن يرقى إلى مستوى التحدي.


مقالات ذات صلة

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

الولايات المتحدة​ هانتر بايدن (رويترز)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
TT

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)

أعلن البيت الأبيض، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تجري مناقشات بشأن إجراء جولة مفاوضات ثانية مع إيران في باكستان، وأنها متفائلة بإمكان التوصل إلى اتفاق، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت لوسائل الإعلام: «هذه المناقشات تُجرى (...) ونحن نشعر بالارتياح حيال آفاق التوصل إلى اتفاق». وأضافت أن «من المرجح جداً» أن تُعقَد أي جولة أخرى من المحادثات في إسلام آباد.

ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، اليوم، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات لإنقاذ الهدنة الهشة قبل انتهاء صلاحيتها الأسبوع المقبل.

واستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوفد الباكستاني، برئاسة عاصم منير، حسب صور وزّعتها الخارجية الإيرانية.

وأشار التلفزيون الرسمي الإيراني إلى أن الوفد، الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي، يحمل رسالة جديدة من واشنطن إلى طهران، وسيناقش مسألة المفاوضات المستقبلية مع المسؤولين الإيرانيين.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن زيارة الوفد الباكستاني تهدف إلى «تضييق الفجوة» بين إيران والولايات المتحدة للحيلولة دون استئناف الحرب.

وهبطت طائرة عاصم منير في مطار وسط طهران، حيث استقبله عراقجي، وذلك بعدما هدّد مسؤول عسكري إيراني رفيع بوقف التجارة في المنطقة إذا لم ترفع القوات الأميركية حصارها البحري، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الأميركي تطويق الموانئ الإيرانية بالكامل، بما يعكس التوترات التي تلقي بظلالها على الجهود الدبلوماسية.

أتى ذلك بعد ساعات من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار الاتصالات الدبلوماسية، موضحاً أن المشاورات تجري عبر باكستان، وأن طهران «من المرجح» أن تستضيف في اليوم ذاته وفداً باكستانياً.

ونفى بقائي موافقة بلاده على تمديد وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن «جميع التكهنات في هذا الشأن غير قابلة للتأكيد».

وحذّر من أن الحصار البحري على إيران قد يشكل «مقدمة لانتهاك وقف إطلاق النار».


«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
TT

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

عندما وصفت الصين، يوم الاثنين، الحصار الأميركي للنفط الإيراني المغادر عبر مضيق هرمز بأنه «خطير وغير مسؤول»، شكّل ذلك لمحة سريعة عن التحدي الأخير الذي يواجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: كيف يمنع نزاع إيران من تقويض انفراجة آخذة في التشكّل مع الصين؟

ومن المتوقع أن يصل ترمب إلى بكين بعد أربعة أسابيع، في زيارة كان يُنظر إليها على أنها جهد مُعدّ بعناية ومنظّم بإحكام لإعادة صياغة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان الرئيس قد أرجأ الرحلة مرة بالفعل، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أنه لا يوجد نقاش لتأجيلها مجدداً، حتى لو واصلت الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الإيرانية. وكان نحو 90 في المائة من هذه الصادرات -أي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً- تتجه إلى الصين قبل بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

في البداية، التزمت الصين قدراً من الهدوء إزاء العمل العسكري، مدركةً أن الشحنات الموجودة بالفعل في البحر، إلى جانب مخزون كبير من الاحتياطيات الطارئة من النفط، قد تكفيها مؤقتاً. كما تجاهلت مطلب ترمب إرسال سفن حربية للحفاظ على فتح المضيق، واكتفت بدعوات تقليدية للطرفين لخفض التصعيد.

لكن مع بدء الحصار يوم الاثنين، ومع احتمال أن تُمنع سفن شحن ترفع العلم الصيني، وبعضها بطواقم صينية، من المرور بواسطة البحرية الأميركية، تغيّرت النبرة.

«شريعة الغاب»

وأدلى الزعيم الصيني شي جينبينغ بأول تعليق علني له على الحرب يوم الثلاثاء، قائلاً إن العالم لا يمكنه المخاطرة بالعودة إلى «شريعة الغاب». ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالاسم، لكنه أشار خلال اجتماع مع ولي عهد أبوظبي إلى أن «الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي يعني عدم استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا».

وكانت تلك إشارة واضحة إلى ترمب، الذي قال في يناير (كانون الثاني) لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، مضيفاً: «أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأوضح أنه سيكون الحَكَم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله.

من جانبها، اتخذت وزارة الخارجية الصينية، التي تؤدي دورها المعتاد في توجيه الرسائل بين واشنطن وبكين، موقفاً أكثر تشدداً، متهمةً الولايات المتحدة بفرض «حصار موجّه» من شأنه «زيادة المواجهة وتصعيد التوتر، في ظل وقف إطلاق نار هش أصلاً، وتعريض سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز لمزيد من الخطر».

تحفّظ على الانتقاد المباشر

في المقابل، تجنّب ترمب إلى حد كبير توجيه انتقادات حادة، حتى بعدما تبيّن الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى الإيرانيين لاستخدامها في النزاع. وهذه المعلومات غير حاسمة، ولا يوجد دليل على استخدام صواريخ صينية ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية.

وقال ترمب: «أشك في أنهم سيفعلون ذلك»، مضيفاً سريعاً: «إذا ضبطناهم يفعلون ذلك فستُفرض عليهم رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة»، في تهديد اعتاد توجيهه إلى أي دولة تتحدى إرادته. لكنه لم يتابع الموضوع، ربما إدراكاً منه أن أي تهديد بفرض رسوماً جديدة قد يعرقل آماله في إعلان اتفاق تجاري، وهو الهدف الأسهل تحقيقاً في مسار الدبلوماسية بين البلدين.

وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأميركي السابق في عهد الرئيس جو بايدن، ورئيس مجموعة «آسيا غروب» التي أسسها، إن «الرئيس ترمب خلق وضعاً باتت فيه اثنتان من كبرى أولوياته في تعارض مباشر». وأضاف: «الأولى هي مراقبة والتحكم في جميع الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين. والثانية هي رغبته في زيارة إيجابية إلى بكين».

محادثات صعبة

كان سفير ترمب لدى الصين، ديفيد بيرديو، في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، يناقش الزيارة المرتقبة. وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع النزاع مع إيران، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية كان البلدان سيعلنانها.

لكن لم يُحرز تقدم يُذكر في القضايا الأمنية الكبرى، حسب مسؤولين أميركيين، بما في ذلك كيفية التعامل مع مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارها ذلك مع الفلبين.

ومع تبقي شهر على وصول ترمب إلى بكين، لا يزال من غير الواضح كيف سيُدير الزعيمان نقاشاً حول الحصار -إذا استمر- أو حول استعراض القوة العسكرية الأميركية الذي بدأ بالقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، ثم تواصل مع هجوم ترمب على إيران.

لكن هناك مؤشرات قوية على أن الجيش الصيني يراقب من كثب كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لهذين الهجومين. ويبدو أن المسؤولين الصينيين قلقون من السرعة التي جرى بها «شلّ» القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب.

وقال راش دوشي، أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون ومستشار سابق للرئيس جو بايدن في شؤون الصين: «هناك كثير من التكهنات حول ما يمكن أن يعرقل الانفراجة بين الولايات المتحدة والصين ويقوّض القمة». وأضاف: «لم تكن قضايا مثل رقائق الذكاء الاصطناعي أو حتى المعادن النادرة هي العامل الحاسم... لكن قد تكون إيران».

وأشار إلى أن الحصار قد «يخلق ديناميكيات معقدة» في حال حدوث مواجهة بين البحرية الأميركية وسفن تجارية صينية، رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك. وأضاف أن التقارير عن احتمال دراسة الصين إرسال دعم عسكري فتاك إلى إيران تُؤخذ بجدية من مسؤولين كبار في الكونغرس وأجهزة الاستخبارات.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، تتوجه أنظار المشرعين إلى البيت الأبيض، حيث ينتظر الجميع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة. غير أن مفتاح فهم المواقف يكمن في خلفية المشهد، حيث يراقب الكونغرس عقارب الساعة. فالجمهوريون، الذين يدعمون حتى الآن صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية ضد إيران، يقرّون بقرب انتهاء مهلة الستين يوماً التي تتيح للإدارة التحرك عسكرياً قبل أن يتدخل الكونغرس ويقول كلمته. وقد ينضمّ الجمهوريون حينها إلى الجهود الديمقراطية المستمرة لتقييد هامش تحرّك ترمب في الحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مؤتمر صحافي بالكونغرس 14 أبريل 2026 (رويترز)

وهذا ما تحدث عنه السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال: «دخلنا في اليوم الـ45، والآن يجب أن نبدأ بالحديث عن إقرار تفويض استعمال القوة العسكرية في الكونغرس». وتابع: «نحتاج إلى مؤشر واضح حول الوجهة التي تريد الإدارة الذهاب إليها: هل ستصعّد أكثر أم تبدأ بوقف الأعمال العدائية؟».

وتطرقت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً حاسماً في ولايتها ماين للحفاظ على مقعدها، إلى مسألة تفويض الحرب، فقالت محذرة: «عند بلوغ عتبة الستين يوماً، أو في حال تم نشر قوات برية، تصبح موافقة الكونغرس ضرورية. حينها لن أصوّت لصالح إقرار هذا العمل العسكري».

مخاطر انتخابية

ويعلم ترمب جيداً المخاطر السياسية الناجمة عن استمرار الحرب، فهو يتحدث باستمرار مع القيادات الجمهورية التي تستعد لانتخابات نصفية حاسمة للحزب وللرئيس. ففوز الديمقراطيين فيها يعني عرقلة أجندة الجمهوريين، وتسليم الديمقراطيين مفتاح عزل ترمب. وفي هذا الإطار عقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مطلع هذا الأسبوع مع رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، ورئيس اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، لرسم الاستراتيجية الانتخابية.

بدأ الكونغرس العد العكسي لإنهاء حرب إيران (رويترز)

ولعلّ ما يؤرق القيادات الحزبية هو التأييد شبه الغائب للحرب في صفوف الناخبين الأميركيين الذين يشعرون بتداعياتها الاقتصادية مع استمرار الأسعار بالارتفاع. وهذا سيكون عاملاً أساسياً يحسم توجهاتهم لدى الإدلاء بأصواتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد شعر أعضاء الكونغرس بوطأة الحرب وتأثيرها على الأميركيين خلال إجازتهم الربيعية التي قضوها في ولاياتهم واستمعوا إلى آراء الناخبين. لهذه الأسباب، يبدو أن ترمب يسعى إلى كبح جماح الحرب قبل أن يفقد السيطرة على قاعدته الشعبية من جهة، وأن يفقد ثقة المستقلين الذين عادة ما يحسمون السباقات المتأرجحة في صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، سعى ترمب إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما قال في مقابلة سابقة إن أسعار الوقود قد تبقى على حالها أو ترتفع قليلاً بحلول انتخابات الكونغرس في نوفمبر. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، سُجّلت في البيت الأبيض وبُثّت الأربعاء، قال إنه أسيء اقتباسه، مؤكداً رضاه عن مستوى أسعار النفط الحالية عند نحو 92 دولاراً للبرميل. وأضاف: «ستنخفض بشكل كبير جداً فور انتهاء هذا الأمر»، في إشارة إلى الحرب، عادّاً أنها «قد تنتهي قريباً جداً». كما توقّع أن تتراجع أسعار البنزين، التي يبلغ متوسطها حالياً أكثر بقليل من 4 دولارات للغالون، إلى مستويات «أدنى بكثير» بحلول موعد الانتخابات، مؤكداً أن «أسعار الوقود ستنخفض بشكل هائل» فور تسوية النزاع.