الانتخابات الأميركية: هل حان وقت إصلاح نظام الحزبين؟

المرشح الديمقراطي للرئاسة في مواجهة بايدن دعا إلى إنهاء «الاحتكار» خلال العقد المقبل

أعرب أكثر من 50 % من الأميركيين عن استيائهم من نظام الحزبين (أ.ف.ب)
أعرب أكثر من 50 % من الأميركيين عن استيائهم من نظام الحزبين (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات الأميركية: هل حان وقت إصلاح نظام الحزبين؟

أعرب أكثر من 50 % من الأميركيين عن استيائهم من نظام الحزبين (أ.ف.ب)
أعرب أكثر من 50 % من الأميركيين عن استيائهم من نظام الحزبين (أ.ف.ب)

هذا الأسبوع، تمكن كل من المرشح الديمقراطي الرئيس الأميركي جو بايدن، ومنافسه الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترمب، من تأمين العدد الكافي لانتزاع الترشيح الرسمي من حزبيهما، وذلك بعد فوزهما في انتخابات جورجيا وميسيسيبي وواشنطن التمهيدية.

لكنّ هذا الفوز يعكس واقعاً سياسياً أميركياً مثيراً للجدل: واقع نظام الحزبين من دون منازع. فرغم أن هذا النظام يعكس لسان الحال في الولايات المتحدة منذ أكثر من 150 عاماً، فإنه أصبح اليوم موقع تساؤل، خصوصاً في ظلّ الخيارين الوحيدين أمام الناخب الأميركي: جو بايدن ودونالد ترمب، أولهما في الواحد والثمانين من العمر وثانيهما في السابعة والسبعين.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أسباب استياء الناخب الأميركي من نظام الحزبين، والخيارات المطروحة أمام الناخبين، بالإضافة إلى حظوظ مرشحي الأحزاب الثالثة، أو المستقلين، بالفوز.

المرشح الديمقراطي للرئاسة جايسون بالمر (أ.ب)

جايسون بالمر... «مرشح الظل»

يستضيف «تقرير واشنطن» هذا الأسبوع جايسون بالمر، المرشح الديمقراطي للرئاسة والفائز في تجمع إقليم ساموا مقابل بايدن في الخسارة الأولى والوحيدة التي تكبّدتها حملة الرئيس الأميركي. ويقول بالمر مازحاً إنه هو أيضاً فوجئ بفوزه: «ظننت أنني سأفوز بمندوب أو اثنين، لكني لم أعتقد أنني سأفوز في الانتخابات هناك!». ويشرح بالمر سبب ترشحه عن الحزب الديمقراطي بدلاً من حزب ثالث أو مستقل، فيقول: «أترشح ضد بايدن لأنه في هذه اللحظة، ومن أجل الترشح لمنصب الرئاسة والفوز، يجب أن تكون في أحد الحزبين الرئيسيين. وأنا عضو في الحزب الديمقراطي معظم حياتي، وأعتقد أن الحزب الديمقراطي يملك أفضل السياسات، وأتفق مع بايدن على نحو 90 في المائة من الأمور، لكن في الوقت نفسه، أعتقد أنه حان الوقت لتسليم الشعلة للجيل القادم».

وفي وقت ينحصر فيه السباق فعلياً بين ترمب وبايدن رغم وجود مرشحين آخرين، يلوم كريس ليمين، مدير مكتب مجلة «ذي ناشيون» في واشنطن، «الاحتكار الثنائي للحزبين». ويقول إنهما «يتحكمان بالرسائل وحشد المرشحين، والوصول إلى بطاقات الاقتراع في الولايات كافة التي تنعقد فيها الانتخابات التمهيدية». ويضيف ليمين أن هذا الاحتكار يتمثل في الضغوط التي يمارسها المسؤولون في كل حزب للمحافظة على الوضع الراهن، وتهميش المرشحين من الحزب الثالث أو المعارضين، مشيراً إلى «وجود نوع من التعطيل المؤسساتي في كل من الحزبين الرئيسيين».

وبمواجهة هذا الواقع، تدلّ استطلاعات الرأي على أن رُبع الأميركيين فقط راضون عن نظام الحزبين. لكن رغم هذه الأرقام، غالباً ما يُتهم مرشحو الحزب الثالث أو المستقلون بـ«تخريب» حظوظ المرشحين الأساسيين في الفوز، وهو ما تصفه رئيسة الحزب الليبرتاري، أنجيلا مكاردل، بـ«المثير للسخرية». وتقول: «لا أحد يَدين بصوت لأيٍّ من الحزبين الرئيسيين، فكل فرد يمكنه الانتخاب كما يختار، ويمكنني أن أقلب المعادلة بسهولة وأقول: إن نظام الحزبين هو الذي يضر بنا، وبفرصتنا الكبيرة وحقوق مرشحنا ليصبح رئيساً للولايات المتحدة».

فوز بايدن وترمب بأصوات المندوبين لانتزاع ترشيح حزبيهما (أ.ب)

ويوافق بالمر على ضرورة أن يكون للأحزاب الثالثة صوت أعلى في الانتخابات الأميركية، داعياً إلى انتخابات تمهيدية مفتوحة والتصويت حسب خيار الأفضلية. ويتعهد بالعمل على إحداث تغيير من هذا النوع، موضحاً: «صحيح أن احتكار الحزبين يترجَم أحياناً بأننا لا نحظى بأفضل الخيارات في انتخاباتنا، وأعتقد أنه من الأفضل لنا أن ننتقل إلى نسخة أفضل من الديمقراطية خلال العقد المقبل، وهذا أمر ألتزمه».

ويتحدث بالمر عن الدور الذي يلعبه في الانتخابات الرئاسية، فهو لم يسحب ترشيحه بعد، رغم أنه يعترف باستحالة فوزه بترشيح الحزب، ويرى أن وجوده في السباق يحفّز بايدن على المشاركة أكثر في الحملات الانتخابية. وأعطى مثالاً على ذلك في ولاية أريزونا، التي تُجري انتخاباتها التمهيدية في 19 من الشهر الجاري، قائلاً: «سوف يزور (بايدن) أريزونا... وأعتقد أن ذلك يعود جزئياً إلى أن المشاركين في استطلاعات الرأي قالوا إن جايسون بالمر يقوم بعمل أفضل في أريزونا، ويجب أن تذهب إلى هناك». وأضاف أن «أحد الأسباب الرئيسية لترشحي هو دفع بايدن للمشاركة في الحملة الانتخابية. إن لم يقم بايدن بالمشاركة بقوة في الحملة الانتخابية، سيفوز دونالد ترمب من دون أي عقبة في نوفمبر (تشرين الثاني)، وأنا لست راضياً عن ذلك. سأبقى في الحملة محاولاً دفعه ليقدّم لنا أفضل نسخة منه».

متظاهر يقف أمام البيت الأبيض احتجاجاً على حرب غزة (إ.ب.أ)

حرب غزة

يرى ليمين أن التحديات أمام بايدن لا تقتصر على مشاركته في الحملات الانتخابية، بل تتعداها لتشمل «انقسامات حادة في صفوف الحزب الديمقراطي حول الحرب في غزة». ويفسر أن «انحياز بايدن يكلّفه دعماً أساسياً بين مجموعات متعددة، خصوصاً الناخبين الشباب، كما رأينا في ميشيغان التي تضم مجموعة كبيرة من الأميركيين من أصل عربي، والتي كانت (قد شملت خلال) الانتخابات التمهيدية عدداً من غير الملتزمين. وبرأيي إن كان هناك سبب يدفع بايدن للتوجه إلى أريزونا، فهو وجود قلق كبير بأن ميشيغان التي تعد ولاية متأرجحة رئيسية لن تكون ولاية ديمقراطية في الانتخابات العامة. فهذه كلها إشارات تحذير». ويحذّر ليمين من أنّ غضب الناخبين من الحرب في غزة سيدفع بمرشحين من طرف ثالث إلى التقدم وانتزاع أصوات من بايدن.

ويعقّب بالمر على موضوع غزة، مسلّطاً الضوء على موقفه الداعي إلى ضرورة تغيير السياسات الأميركية ووقف إطلاق النار. ويأمل بالمر أن يؤدي وجوده في السباق إلى إحداث تغيير في سياسات الإدارة الأميركية في هذا الإطار، على غرار ما حصل في الانتخابات الماضية، إذ بقي السيناتور بيرني ساندرز في السباق حتى عندما كان من الواضح أن جو بايدن سيكون المرشح الرسمي. وقال: «ساندرز بقي لأنه اتخذ مواقف آمن بها، وعدَّها مهمة جداً لتغيير قاعدة الحزب الديمقراطي. وأنا لديَّ مواقف مماثلة أيضاً».

أعلنت مجموعة «نو لايبلز» نيتها طرح بطاقة انتخابية رئاسية (أ.ب)

«نو لايبلز» فرصة ضائعة

تسعى مجموعة «نو لايبلز»، التي تعرّف عن نفسها بأنها مجموعة وسطية، إلى تقديم خيارات أخرى للناخب الأميركي عبر بطاقة انتخابية في عدد من الولايات لمنافسة بايدن وترمب، لكنها لم تكشف عن اسم أي مرشحين بعد. ويتحدث بالمر عن أسباب رفض وجوه بارزة إدراج اسمها على «بطاقة الوحدة» التي تدفع بها «نو لايبلز»، فيقول: «رغم عدم رضا أغلبية الأميركيين عن الخيارين الحاليين، فإنهم يعتقدون أن وجود خيار ثالث سيؤثر في أصوات بايدن ويؤدي إلى وصول ترمب إلى الرئاسة، ما سيشكّل خطراً حقيقياً على أميركا الديمقراطية».

وتتحدّث مكاردل عن وجود خيارات أخرى أمام الناخب الأميركي غير المرشحَين الأساسيين جو بايدن ودونالد ترمب، وبعيداً عن مجموعة «نو لايبلز»، وتوجِّه انتقادات لاذعة إلى الحزبين. تقول: «أنا شخصياً لا أفهم التركيز على الديمقراطية من الحزب الديمقراطي حين يحاولون طرد معارضتهم من الاقتراع وزجهم في السجن. وبالطّبع لدينا تحفظات على إدارة ترمب. ويبدو الأمر أن الأشخاص الذين يعارضون الأحزاب الثالثة ويعارضون دونالد ترمب في الوقت نفسه يريدون الحفاظ على الوضع الراهن. لأنه لو كان لدينا نظام ديمقراطي، لكانوا أفسحوا المجال أمام مزيد من الآراء. ما نحتاج إليه فعلاً هو حق الوصول إلى لوائح الاقتراع لكي يتم تمثيل مختلف وجهات النظر، ولكي يتغير الوضع الراهن في هذه البلاد عمّا هو عليه منذ عقود عديدة».

يواجه مرشحو الحزب الثالث تحديات في إدراجهم على لوائح الاقتراع (أ.ب)

نظام «غير عادل»

وتعرض مكاردل نقطة مهمة هنا، متعلقة بعدم قدرة بعض المرشحين على إدراج اسمهم على لوائح الاقتراع، وذلك بسبب قوانين عدة تختلف في كل ولاية، مؤكدةً أن «نظام الحزبين يعمل ضد الأحزاب الأخرى» وتعطي أمثلة على ذلك في ولايتي نيويورك وإلينوي فتقول: «لا شك أن الوصول إلى لائحة الاقتراع في ولاية نيويورك هو التحدي الأبرز الذي نواجهه، فهو يتطلّب 45 ألف توقيع في غضون 6 أسابيع، إذاً هذا تحدٍّ كبير خصوصاً أنه يكلّف 350 ألف دولار، كما أن هناك أيضاً ولاية إلينوي التي تعد صعبة أيضاً، أعتقد أننا نحتاج إلى 35 ألف توقيع هناك».

ويشير ليمين إلى أن نظام الحزبين هذا «لم يصمّم ليكون عادلاً، فالحزبان الرئيسيان لديهما مصالح خاصة في تخفيف جاذبية مرشحي الأحزاب المتمردة أو الثالثة، ولهذا يتحكمون في الوصول إلى لوائح الاقتراع على مستوى الولاية، وهذه العقبة الرئيسية التي يواجهها مرشحو الحزب الثالث، أي أن يتم ضمهم إلى لوائح الاقتراع لكي يقدموا خياراً مختلفاً للناخبين». ويضيف ليمان: «إنها حلقة مفرغة لأن الحزبين لا يسمحان لهم بالانضمام إلى السباق، إذاً ليس هناك أي طريقة فعالة لمناشدة الناخبين الذين يشعرون بالإحباط من رسائل الحزبين».

لكنّ بالمر يحذّر من تداعيات وجود مرشح عن حزب ثالث في سباق يصفه بالمصيري هذا العام مشدداً على أهمية أن يتم انتخاب بايدن «كي لا يعود ترمب إلى البيت الأبيض» إلا أنه يؤكد في الوقت نفسه ضرورة أن يتم منح صوت للأحزاب الثالثة «التي تم إهمالها لفترة طويلة» بعد هذه الانتخابات المصيرية، على حد تعبيره.

جو بايدن في حدث انتخابي في ويسكنسن 13 مارس 2024 (أ.ف.ب)

بايدن و«قضية الوصاية»

إلا أن مكاردل عارضت هذه المقاربة بشدة، مشيرةً إلى جهود حزبها «رفع قضية وصاية على جو بايدن»، وتفسر قائلةً: «لقد أصبحت علامات الخرف تظهر عليه بوضوح ويقوم بعمل مريع لإدارة أموال البلاد. ولنكن عادلين، نحن هددنا ميتش مكونيل (زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ) بالأمر نفسه». وتضيف مكاردل: «أعتقد أن الشعب قد سئم من هيمنة الشيخوخة، فجو بايدن يُظهر علامات الضياع، يمد يده ليصافح المجهول، يتعثر بكلماته بطريقة محرجة جداً وأعتقد أن الشعب قد تعب من هذه الأمور، وبالطبع، دونالد ترمب لديه شوائب وهو متقدم في السن أيضاً، وأود أن أرى انتخاب رئيس أصغر سناً في الولايات المتحدة».

وبوجه هذه التصريحات، أعلن بالمر نيته تأسيس تنظيم جديد الأسبوع المقبل باسم «توغيثير»، «يدعم المرشحين من مختلف الأحزاب الذي يؤمنون بالحلول المنطقية، ولا يريدون المجانين على أيٍّ من الطرفين أن يتحكموا بسياساتنا». على حد تعبيره، مضيفاً أن إدارة بايدن يجب أن تعمل أكثر لتحفيز الشباب، فقال: «المرحلة المقبلة هي مرحلة التنفيذ. يجب أن تضم حملة بايدن فريقاً من الشباب، ويجب أن يحث أشخاصاً مثلي على الحديث إلى الشباب لتحفيز حماستهم».


مقالات ذات صلة

صراع ترمب وبايدن على أصوات الأميركيين السود

الولايات المتحدة​ أعلنت حملة ترمب عن تأسيس تحالف «الأميركيون السود من أجل ترمب» في حدث انتخابي في ديترويت (رويترز)

صراع ترمب وبايدن على أصوات الأميركيين السود

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، مدى نجاح هذه الجهود الجمهورية في تغيير المعادلة التقليدية والقضايا التي تهم الأميركيين السود.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس السابق دونالد ترمب والرئيس جو بايدن وحرب جمع التبرعات للحملات الانتخابية في سباق رئاسي يزداد اشتعالاً (أ.ف.ب)

ترمب يتفوق على بايدن في جمع التبرعات لحملته

تدفقت التبرعات للحملة الانتخابية للرئيس السابق دونالد ترمب، خصوصا بعد إدانته في قضية أموال الصمت بنيويورك، وتمكنت حملته من جمع 141 مليون دولار خلال مايو (أيار).

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة تظهر الرئيس الأميركي الحالي الديمقراطي جو بايدن والمرشح الرئاسي الجمهوري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (رويترز)

بايدن وترمب يستعدان لمناظرة ستكشف مدى كفاءتهما الذهنية

يقيم الرئيس الأميركي جو بايدن مع مساعديه في كامب ديفيد منذ أيام استعدادا لمناظرة منافسه على منصب الرئاسة دونالد ترمب في حدث ستكون له أهمية بالغة لكل منهما.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة لبايدن وترمب (رويترز)

العد التنازلي لأول مناظرة رئاسية أميركية

بدأ العد التنازلي للمناظرة الرئاسية الأولى التي ستجرى في السابع والعشرين من الشهر الحالي، بين الرئيس جو بايدن ومنافسه دونالد ترمب.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

مسؤولون أميركيون: «فيديو نتنياهو» يضر بالجهود المبذولة لتجنب الحرب مع «حزب الله»

قال مسؤولون أميركيون إن فيديو نتنياهو الذي يزعم فيه أن الولايات المتحدة تحجب المساعدات العسكرية عن بلاده، يضر بالجهود المبذولة لتجنب الحرب مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صراع ترمب وبايدن على أصوات الأميركيين السود

أعلنت حملة ترمب عن تأسيس تحالف «الأميركيون السود من أجل ترمب» في حدث انتخابي في ديترويت (رويترز)
أعلنت حملة ترمب عن تأسيس تحالف «الأميركيون السود من أجل ترمب» في حدث انتخابي في ديترويت (رويترز)
TT

صراع ترمب وبايدن على أصوات الأميركيين السود

أعلنت حملة ترمب عن تأسيس تحالف «الأميركيون السود من أجل ترمب» في حدث انتخابي في ديترويت (رويترز)
أعلنت حملة ترمب عن تأسيس تحالف «الأميركيون السود من أجل ترمب» في حدث انتخابي في ديترويت (رويترز)

لطالما كان الناخبون السود من المناصرين الأولياء للحزب الديمقراطي، على غرار أغلبية الأقليات في الولايات المتحدة. لكن هذا الولاء بدأ بالتراجع شيئاً فشيئاً مع تزايد دعم الرجال في هذه الفئة الانتخابية الأساسية للجمهوريين. أمر دفع بالرئيس السابق دونالد ترمب إلى تكثيف جهوده هذا العام، لاستقطاب المزيد من الدعم في محاولة لكسب أصوات مهمة لضمان فوزه في ولاية ثانية، وصلت إلى حد إعلان حملته عن تأسيس مجموعة «الأميركيون السود من أجل دونالد ترمب».

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، مدى نجاح هذه الجهود الجمهورية في تغيير المعادلة التقليدية والقضايا التي تهم الأميركيين السود، وما إذا كانت محاولة استقطابهم على أساس عرقهم منطقية أم أنها تدل على غياب للوعي الاجتماعي لدى القائمين على الحملات الانتخابية.

مناصر لترمب من تحالف «الأميركيون السود من أجل ترمب» يقف خارج الحدث الانتخابي بولاية ميشيغان 15 يونيو 2024 (رويترز)

«تحالف الأميركيين السود من أجل ترمب»

يعتبر مليك عبدول، عضو «تحالف الأميركيين السود من أجل دونالد ترمب»، أن جهود ترمب لاستقطاب الناخبين السود هذا العام مختلفة عن انتخابات الـ2020 و2016 حين قامت حملة دونالد ترمب بإحاطة نفسها بفريق من المؤثرين؛ «بغية الحصول على صورة رائعة للإعلام فقط» وأضاف عبدول: «هذه المرة، تعتمد حملته على نهج مركّز من خلال إقامة حوارات بنّاءة... إنه جزء من استراتيجية كبرى لإدارة ترمب هذه المرة للتواصل مع الناخبين السود».

وتوافق شايين دانييلز، مراسلة موقع «ذي هيل» للشؤون العرقية، على تقييم عبدول، مشيرة إلى أن الديمقراطيين يواجهون التحديات نفسها في التواصل مع الأميركيين السود، وأضافت: «ما نراه حالياً هو محاولة جاهدة من الطرفين لتلبية احتياجات الأميركيين السود ومن هذه المحاولات، رأينا نائبة الرئيس كامالا هاريس تقوم بجولة في حرم (جامعات السود التاريخية)... الآن نسمع عن الرئيس السابق في حفل عشاء مع طلاب تلك الجامعات. إذن، هما يحاولان جاهدين ويركزان بحق على فئتين ديموغرافيتين في هذه المنطقة: الناخبون الشباب والرجال السود».

هاريس تشارك بحدث انتخابي في ذكرى انتهاء العبودية (جونتينث) 18 يونيو 2024 (أ.ب)

من ناحيته، ينتقد روبرت باتيللو، المرشح الديمقراطي السابق لمنصب قاضٍ في مقاطعة والتن في ولاية جورجيا والمحامي في مجال حقوق الإنسان، أداء الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، خاصة مع الرجال السود الذين صوّت 8 في المائة منهم لصالح ترمب في انتخابات العام 2020، فيقول: «يجب أن ندرك أن الحزبين يقومان بما في وسعهما لاستقطاب الناخبين الرجال السود من دون القيام بأي شيء فعلياً لمساعدتهم». ويفسر باتيللو قائلاً: «كل مجموعة أخرى عندما تجتمع بالرئيس أو بالمرشح تقدم لائحة مطالب وهو يقول بدوره: هذا ما سأفعله تشريعياً لمساعدتكم. إن اجتمعا مع أباطرة النفط، سيقومون بخفض الضرائب والحد من الضوابط، إن اجتمعا مع الجالية اليهودية، سيساعدان بتوفير الدعم لإسرائيل، إذا اجتمعا مع الأميركيين العرب، يتحدثان عما يمكنهم القيام به لمساعدة الفلسطينيين ووقف إطلاق النار. لكنهما يريدان الاجتماع بالسود من دون توفير أي حلول لمشاكلهم التشريعية؛ ولهذا نرى كل تلك الجهود من الطرفين للقاء السود، ولكن ليس لتقديم أي لائحة أعمال أو حل مشاكل؛ ولهذا السبب، ينسحب الرجال السود من النظام السياسي لأنهم ليسوا مهتمين بالتصويت إلى أي من المرشحين».

مناصرون لترمب خلال حدث انتخابي في ويسكنسن 18 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

قضايا شائكة

وفي حين يوافق عبدول على ضرورة تلبية احتياجات الأميركيين السود، إلا أنه يشير في الوقت نفسه إلى غياب اتفاق واضح بشأن طبيعة هذه القضايا، مشيراً إلى أن أجندة السود لا تختلف كثيراً عن أجندة الأميركيين بشكل عام، الذين يقلقون من الاقتصاد والهجرة ومعدل الجريمة. ويشدد عبدول على ضرورة تحديد هذه الأجندة بشكل أوضح قائلاً: «عادةً، عندما نتحدّث عن الناخبين السود، يتمحور الموضوع حول إصلاح العدالة الجنائية وإصلاح السجون. وهذه الأمور مهمّة لهذا اقترحت أن يستمر فريق ترمب بجهوده في إصلاح العدالة الجنائية على غرار ما فعل في ولايته الأولى».

يتحدث عبدول هنا عن قانون «الخطوة الأولى» لإصلاح العدالة الجنائية الذي أقرّ في عهد ترمب والذي يسمح بالإفراج المبكر عن الأشخاص الذين سجنوا لفترة معينة بسبب ارتكاب جرائم غير عنيفة، وهنا يعتبر باتيللو أن السؤال الأساسي المطروح هو «من هو المرشح الذي يمكن أن يدعم الأجندة التشريعية التي ستساعد الأميركيين السود»، خاصة في نقطتين أساسيتين : الأولى هي ما تسمى حملة «جورج فلويد» وهو الأميركي من أصول أفريقية الذي قضى على يد الشرطة، والتي تسعى للحد من إطلاق النار من قِبل الشرطة على الأميركيين السود، والأخرى هي التطوير الرأسمالي والاقتصادي، أي وضع خطة لتطوير مشروعات السود الصغيرة لتصبح من المشروعات التجارية الكبيرة التي يملكها السود.

وتعدد دانييلز القضايا التي تهم الناخبين السود الذي يشكلون نحو 13 في المائة من نسبة السكان في الولايات المتحدة، مشددة على أهمية الاقتصاد بالنسبة لهم بالدرجة الأولى، لكنها تشير إلى قضايا أخرى مهمة، كالتعليم والرعاية الصحية وإنهاء التمييز ومكافحة العنصرية في البلاد.

بايدن ونائبته في حدث انتخابي لكسب دعم الناخبين السود بـبنسلفانيا 29 مايو 2024 (أ.ف.ب)

تحديات بارزة

وتعتبر دانييلز أن إدارة بايدن لديها مشكلة فعلية في التواصل مع الأميركيين بشكل عام، مشيرة إلى أنه وعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حصلت في عهد بايدن خاصة من خلال التعيينات الرئاسية، فإن الناخبين السود الشباب والرجال السود لا يمكنهم الإشارة إلى أي إنجاز محدد بسبب غياب التواصل الواضح معهم. وهذا ما يوافق عليه باتيللو، الذي وجّه انتقادات لاذعة لإدارة بايدن بسبب عدم قدرتها على شرح إنجازاتها بشكل واضح، قائلاً: «عيّن الرئيس بايدن 58 قاضياً فيدرالياً أميركياً من أصول أفريقية، هو أول رئيس يعيّن قاضية سوداء في المحكمة العليا، ونائبة رئيس وممثلة في الأمم المتحدة وممثلة في الاحتياطي الفيدرالي وناطقة رسمية للبيت الأبيض، بالإضافة إلى وزير دفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة من الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية».

ويعتبر باتيللو أن ترمب قام بعمل أفضل بكثير في تسويق إنجازاته، رغم تواضعها قائلاً: «لقد نجح دونالد باستقطاب مجموعة من المشاهير الذين استطاعوا نقل رسالته إلى مجتمعات السود. ونجح بالتعاون مع مؤثرين من وسائل التواصل الاجتماعي... إنها استراتيجية تسويقية أظهرت أن الحزب الديمقراطي قد أصبح الحزب العجوز والخانق والذي يخلو من الحماس مقارنةً بالحزب الجمهوري».