تسبب بيان عام غير عادي وغامض، يوم الأربعاء، من قبل عضو بارز في الكونغرس الأميركي، حضّ المشرعين على مراجعة المعلومات السرية حول ما سماه «التهديد الخطير للأمن القومي»، بموجة من التكهنات المحمومة عما قد يكون عليه هذا الخطر. وخلال ساعات تناقلت وسائل الإعلام الأميركية، ردود الفعل على البيان الذي أصدره النائب الجمهوري، مايكل تيرنر، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، كاشفة أن الخطر مصدره تطوير روسيا قدرات عسكرية في الفضاء، يمكن أن تشكل تهديداً للولايات المتحدة.
وقال مسؤولون أميركيون، إن أعضاء الكونغرس ومسؤولين في إدارة الرئيس جو بايدن، يخشون من تطوير روسيا قدرات لاستخدامها في الفضاء، عن طريق الإضرار بالأقمار الاصطناعية المهمة للاستخبارات أو الاتصالات باستخدام سلاح نووي.

وعلى الرغم من أن مسؤولي الأمن القومي يحذرون من أن تطوير روسيا لهذه القدرات، لا يشكل خطراً وشيكاً على الولايات المتحدة، فإن تسليط الضوء على خطط موسكو، من قبل تيرنر، يمكن أن يكون له تأثير على حض مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، للموافقة على تقديم مساعدة عسكرية إضافية لأوكرانيا.
ويذكر أنه في بداية الحرب الدائرة في أوكرانيا، خصوصاً في أسابيعها الأولى قبل عامين، لعبت أنظمة الفضاء دوراً كبيراً في مساعدة كييف على صدّ الهجوم الروسي عليها، وهو ما دفع روسيا على الأرجح إلى الإسراع في تطوير تكتيكاتها الفضائية الجديدة.
وأظهرت حرب أوكرانيا التأثير العسكري لشبكة «ستارلينك» التي يملكها الملياردير إيلون ماسك، وغيرها من شبكات الاتصالات والاستخبارات الفضائية. ويبدو أن روسيا تعمل على إنتاج أسلحة تهدف إلى تعطيل مثل هذه الأنظمة باستخدام تقنيات حرب الفضاء الجديدة. وسمحت «ستارلينك» وأنظمة الفضاء الأخرى لأوكرانيا بإنشاء نظام إلكتروني لإدارة المعارك في الوقت الفوري.

وحذرت روسيا منذ أكثر من عام من أنها قد تتخذ إجراءات ضد مقدمي خدمة الأقمار الاصطناعية التجارية. وعدت تلك الأقمار، بأنها كانت «اتجاهاً خطيراً للغاية يتجاوز الاستخدام غير الضار لتقنيات الفضاء الخارجي». وأكدت أن هذه «البنية التحتية شبه المدنية قد تصبح هدفاً مشروعاً للانتقام»، على خلفية الحرب في أوكرانيا.
ولم يقدم المسؤولون الأميركيون تفاصيل عن القدرة الروسية الجديدة، لكن ربما يخطط الروس لاستخدام أسلحة الطاقة الموجهة أو النبضات الكهرومغناطيسية في الفضاء، مما قد يؤدي إلى تعطيل الشبكات التجارية والعسكرية. وفي عام 2021، اختبرت روسيا سلاحاً مضاداً للأقمار الاصطناعية، دمر مركبة مدارية في الفضاء، مما أدى إلى حطام كبير يسبح في الفضاء يمكن أن يهدد سلامة شبكات الأقمار الفضائية المنتشرة، بما فيها محطة الفضاء الدولية التي لا تزال روسيا تشارك فيها حتى الآن.
وفيما أعرب كثير من المسؤولين عن قلقهم بعد اطلاعهم على معلومات استخباراتية سرية يوم الأربعاء، وحذروا من «عواقب مشؤومة»، وصف أحد أعضاء الكونغرس تلك المعلومات بأنها «تغيير محتمل لقواعد اللعبة الجيواستراتيجية»، مطالبين إدارة بايدن، باتخاذ إجراءات مضادة قريباً.

ورغم أن بيان تيرنر لم يحدد في بيانه طبيعة التهديد والدولة المعنية، غير أنه أرسل رسالة منفصلة إلى أعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، قال فيها إن اللجنة «حددت مسألة عاجلة فيما يتعلق بالقدرة العسكرية الأجنبية المزعزعة للاستقرار التي ينبغي أن يعرفها جميع صناع القرار في الكونغرس». وقال المشرعون إن اللجنة بأكملها صوتت يوم الثلاثاء على إتاحة المعلومات الاستخبارية لجميع أعضاء مجلس النواب لمراجعتها شخصياً في غرفة آمنة في مبنى الكابيتول.
وتم الحصول على المعلومات باستخدام السلطات الممنوحة لمجتمع الاستخبارات بموجب المادة 702 من قانون المراقبة الإلكترونية الرئيسي.
وحذر النائب جيم هايمز، كبير الديمقراطيين في اللجنة، من أن المعلومات التي أبرزها تيرنر لا تتعلق بمسألة «الذعر الآن». وقال هايمز: «إنها قضية خطيرة تتعلق بالأمن القومي على المدى المتوسط إلى الطويل، والتي يحتاج الكونغرس والإدارة إلى التركيز عليها». «ولكن لا حاجة لشراء الذهب»، في إشارة إلى عدم حصول ذعر بين المواطنين.
من ناحيته، حثّ رئيس مجلس النواب مايك جونسون على توخي الحذر، قائلا: «أريد أن أؤكد للشعب الأميركي أنه ليست هناك حاجة للقلق، سنعمل معاً لمعالجة هذا الأمر، كما نفعل مع كل الأمور الحساسة التي يتم تصنيفها على أنها سرية».

وفيما أعلن البيت الأبيض، أن الرئيس بايدن كان على علم مسبق بتلك التهديدات، ووجه مستشار الأمن القومي جيك سوليفان لتقديم إحاطة لكبار المشرعين الأسبوع الماضي، أعرب كبار المسؤولين عن انزعاجهم من تحذيرات تيرنر، التي جاءت قبل يوم واحد من الاجتماع المقرر (الخميس)، لكبار المشرعين في مجلسي الشيوخ والنواب في «عصابة الثمانية»، مع سوليفان.
وقال المسؤولون إن مسؤولي الكونغرس، عادة ما يكونون مطلعين على بعض المعلومات الاستخباراتية الأكثر حساسية. وأكد هؤلاء أن المشرعين في المجلسين، كانت لديهم معلومات استخباراتية أولية تتعلق بالقدرات الأجنبية، منذ أسابيع وكانوا يستعدون لمعرفة كيفية رد الإدارة.
وقال أحد المسؤولين إن «كشف تيرنر عن هذه المعلومات، قد يجعل الرد أكثر صعوبة إذا كشف معلومات حول كيفية الحصول على المعلومات الاستخبارية في المقام الأول».

وقال سوليفان للصحافيين في البيت الأبيض الأربعاء: «في الواقع، من غير المعتاد إلى حد كبير أن يفعل مستشار الأمن القومي ذلك». وتساءل عن سبب اختيار تيرنر إعلان الأمر، مع الأخذ في الاعتبار أنه يعتزم لقاء أعضاء الكونغرس يوم الخميس، إلى جانب مسؤولي المخابرات والدفاع.
وقال إن هذا الاجتماع «كان مدرجاً في جدول الأعمال، يوم الخميس، لذلك أنا مندهش بعض الشيء من أن عضو الكونغرس تيرنر خرج علناً قبل الاجتماع طالباً الاجتماع به جنباً إلى جنب مع مسؤولي الاستخبارات والدفاع غداً».
غير أن سوليفان رفض الرد عما إذا كان الاجتماع مخصصاً لمناقشة «التهديد الخطير للأمن القومي» نفسه، الذي أشار إليه تيرنر، وقال: «لست في وضع يسمح لي بقول أي شيء آخر من على هذه المنصة في هذا الوقت».
