خيانات الحلفاء تضع ترمب في مهب القضاء

شهادة ابنة الرئيس بقضية الاحتيال المالي تثير التساؤلات

ترمب في المحكمة التي تنظر بالدعوى ضد منظمته المالية بمنهاتن في 25 أكتوبر 2023 (رويترز)
ترمب في المحكمة التي تنظر بالدعوى ضد منظمته المالية بمنهاتن في 25 أكتوبر 2023 (رويترز)
TT

خيانات الحلفاء تضع ترمب في مهب القضاء

ترمب في المحكمة التي تنظر بالدعوى ضد منظمته المالية بمنهاتن في 25 أكتوبر 2023 (رويترز)
ترمب في المحكمة التي تنظر بالدعوى ضد منظمته المالية بمنهاتن في 25 أكتوبر 2023 (رويترز)

يوماً بعد يوم، تزداد المشاكل القضائية التي تواجه الرئيس السابق، دونالد ترمب، بعد تخلي كثير من أقرب أصدقائه وحلفائه ومساعديه عنه، ومع دعاوى قضائية رفعتها منظمة «مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاق» في ولاية كولورادو تطالب باستبعاد اسمه من ورقة الاقتراع بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بسبب دوره في تحريض أنصاره للهجوم على مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، ودعوى أخرى مشابهة في محكمة ولاية مينيسوتا لشطب اسم ترمب من ورقة الاقتراع بالولاية، اعتماداً على القسم الثالث من التعديل الرابع عشر في الدستور الأميركي، الذي ينص على عدم أهلية أي شخص لشغل منصب عام إذا شارك في تمرد أو عصيان. ومن المتوقع أن تتجه القضيتان في نهاية المطاف بالوصول إلى المحكمة الدستورية العليا.

وخلال الأسبوع الماضي، ازدادت الضربات الموجعة التي واجهها ترمب، ما بين تخلي حلفائه عنه، وعقد صفقات إقرار بالذنب وصفقات للحصول على حصانة قانونية، واتهامات الاحتيال والغرامات التي تهدد إمبراطوريته المالية، وما ستكشف عنه الأيام المقبلة من تعقيدات قانونية.

إيفانكا ترمب (أرشيفية - أ.ف.ب)

شهادة إيفانكا ترمب

ستجذب شهادة إيفانكا ترمب، في 8 و9 نوفمبر، بهذه المحاكمة في نيويورك، كثيراً من الأضواء، وسط سؤال عما إذا كانت إيفانكا، بصفتها نائبة الرئيس التنفيذي في إمبراطورية والدها، ستحاول النجاة بنفسها، وتشهد ضده أم لا. وقد لاحظت جويس فانس، الخبيرة القانونية، أن ترمب يبدو منزعجاً جداً بشأن شهادة إيفانكا.

وفي الشهور المقبلة سيواجه الرئيس السابق 7 قضايا كبرى، في 6 محاكم، بـ4 مدن أميركية. ويبدو أن الأمور تنتقل معه من سيئ إلى أسوأ.

ترمب بعد إلقاء كلمة في تجمع بمدينة سيوكس بولاية أيوا الأحد الماضي (رويترز)

وشكلت ديناميكية الولاء المتغيرة محور الأحداث الدرامية خلال الأسبوع الماضي. فقد جلس الرئيس السابق عابس الوجه في المحكمة بمدينة نيويورك، التي تنظر في اتهامات له ولأبنائه وكبار المسؤولين التنفيذيين بمنظمته، بالقيام بتضخيم قيمة العقارات للحصول على قروض ومزايا ضريبية. وبدا الغضب على وجه ترمب بينما كان محاميه وصديقه السابق، مايكل كوهين، يشهد ضده في مجموعة من الجرائم المالية والاحتيال وتضخيم الأصول المالية لمنظمة ترمب.

وكثيراً ما سبب حرص ترمب على جذب الكاميرات إليه، المشاكل في قاعات المحكمة. فقد تسببت انتقاداته للمدعين العامين والقضاة بدفع القاضي، آرثر إنغورون، في نيويورك، لإصدار حكم بتغريمه 10 آلاف دولار للمرة الثانية بعد انتهاكه أمر النشر الذي أصدره، وبسبب تصريحاته التي عدّها القاضي مسيئة ضد فريق وموظفي المحكمة. وحذر القاضي من أن ارتكاب انتهاكات أخرى سيؤدي إلى عقوبات أشد، وقد تحتمل عقوبة السجن. وقد غادر ترمب المحكمة يوم الخميس الماضي، غاضباً، بعد أن رفض القاضي طلب محامي الدفاع بإصدار حكم لصالحه.

القاضي آرثر إنغورون الذي يتهمه ترمب بالتحيز ضده في قاعة المحكمة بمنهاتن في 25 أكتوبر 2023 (رويترز)

وفي 4 تغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم الخميس، وصف ترمب القاضي إنغورون بأنه «مستبد ومضطرب» و«كاره لترمب» و«متحيز»، و«يجب أن يخجل من نفسه بسبب تعامله مع القضية». وصب ترمب جام غضبه على محاميه السابق، مايكل كوهين، والمدعية العامة في نيويورك، ليتيشا جيمس.

القفز من السفينة الغارقة

ربما تكون أكثر الضربات ألماً وخطراً للرئيس السابق، هي إقدام مارك ميدوز على إبرام صفقة مع المحامي الخاص، جاك سميث، في قضية التدخل بالانتخابات، والتي وافق بموجبها رئيس طاقم الموظفين بالبيت الأبيض في إدارة ترمب، على الشهادة ضد رئيسه السابق أمام هيئة محلفين كبرى مقابل الحصول على الحصانة.

المدعية العامة في نيويورك ليتيشا جيمس خارجة من قاعة المحكمة بنيويورك في 25 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وتسربت أنباء أن ميدوز أخبر المدعين العامين بأنه أبلغ ترمب بأن مزاعمه بشأن تزوير انتخابات عام 2020، لا أساس لها من الصحة.

ويعد مارك ميدوز لاعباً رئيسياً في محاولات ترمب للترويج لادعاء تزوير الانتخابات، وكان أقرب حلفائه إليه في الفترة التي سبقت الهجوم على الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021.

وبموجب الصفقة، يحصل ميدوز على حصانة قانونية، بمعنى أن ما سيقوله في شهادته أمام هيئة المحلفين لن يستخدم ضده في أي محاكمة أخرى، وهو ما يشمل المحاكمة في ولاية جورجيا أيضاً. ويمكن أن تكون الحصانة جزءاً من صفقة الإقرار بالذنب، وبالتالي تجنبه أحكاماً قاسية إذا قام ميدوز بالتعاون.

المحامي السابق لترمب مايكل كوهين يتحدث للإعلام خارج المحكمة بمنهاتن في 25 أكتوبر 2023 (رويترز)

ورأى المدعي العام الأميركي السابق، نيل كاتيال، أن صفقة ميدوز «من الممكن أن تدمر ترمب».

وقد أزعج هذا الرئيس ترمب، الذي لجأ إلى موقع «سوشيال تروث» ليهاجم ويهدد صديقه ومخزن أسراره، مارك ميدوز، ويتهمه بالكذب والتعاون مع وزارة العدل ضده. وأطلق ترمب سهام انتقاداته للمحقق الخاص جاك سميث، والقاضية تانيا تشوتكان التي أمرت بحظر النشر في القضية التي يواجه فيها ترمب اتهامات بتحريض مناصريه على اقتحام مبنى الكابيتول واتهامات بالتآمر لقلب نتيجة الانتخابات لعام 2020.

اختبار الولاء

الخيانة التي ضربت ترمب جاءت من أقرب الحلفاء والأصدقاء. فقد تخلى 4 من أقرب الحلفاء عنه في قضية الابتزاز ومحاولة قلب نتائج الانتخابات في ولاية جورجيا. ففي يوم الثلاثاء الماضي، أقرت جينا اليس، محامية ترمب السابقة، بالذنب أمام المحكمة، لتكون رابع شخص يعترف بالذنب، مقابل صفقة تتجنب بها أحكاماً قاسية قد تشمل السجن.

حشد لأنصار ترمب بالكابيتول في 6 يناير 2021 (أ.ب)

وقبلها بأيام، اعترف 3 من حلفاء ترمب، وهم: المحامي كنيث تشيسيبرو، والمحامية سيدني باول، ورجل الأعمال سكوت هول، بالذنب في القضية نفسها. وحصل المتهمون الأربعة على صفقات تشمل أحكاماً بالمراقبة لعدد من السنوات، ودفع غرامة مالية صغيرة، لكن سيكون عليهم الإدلاء بشهادتهم في جلسات المحاكمات المستقبلية.

وشكل هذا الإقرار الرابع بالذنب ضربة موجعة لترمب، وقلل من فرص الدفاع عنه، وزاد الأخطار القانونية عليه، كما أدى إلى ازدياد الضغوط على المتهمين الآخرين في القضية، لعقد صفقة إقرار بالذنب، والحصول على أحكام مخففة والنجاة من أحكام قاسية تشكل أحكاماً بالسجن. وأثارت هذه الإقرارات بالذنب أسئلة وجدلاً واسعاً حول من سيكون التالي في الانقلاب على ترمب، والقفز من قاربه الذي يوشك على الغرق في مواجهة كل هذه الأعاصير القانونية.

ويواجه 14 متهماً آخر خياراً صعباً، بين التمسك بالبراءة ومواجهة محاكمة طويلة ومعقدة ومكلفة مالية، أو القبول بصفقة إقرار بالذنب تدمر كل الادعاءات السابقة بالبراءة وتقتل سمعتهم، وتضع كل المسؤولية وكل الإدانة على عاتق رأس الهرم: الرئيس ترمب.

13 تهمة

يواجه الرئيس السابق، المرشح الجمهوري الأبرز، 13 تهمة أمام محكمة ولاية جورجيا، أبرزها تهم التآمر والابتزاز وإدارة مخطط إجرامي وارتكاب عدد من الجرائم لتقديم وثائق مزورة، سعياً لقلب نتيجة الانتخابات في الولاية.

ويُحاكم ترمب وبقية المتهمين بموجب قانون ريكو، وهو قانون أقر في ولاية جورجيا لمواجهة عصابات المخدرات والعصابات المنظمة، ويسمح بربط جرائم مختلفة ارتكبها المتهمون خارج نطاق الولاية لتحقيق أهداف إجرامية. ويتطلب هذا القانون من المدعين إثبات وجود شكل مؤسسي ونمط نشاط ابتزاز بشكل واضح.

ووجهت مقاطعة فولتون، في ولاية جورجيا، اتهامات إلى ترمب و18 شخصاً من حلفائه ومحاميه ومساعديه، بالانخراط في مشروع إجرامي لقلب نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولاية، التي جاءت لصالح جو بايدن. وهي القضية التي أثارت ضجة كبيرة في أغسطس (آب) الماضي، مع اضطرار ترمب إلى الذهاب لسجن المقاطعة، والتقاط صورة جنائية له. ودفع ترمب ببراءته في جميع التهم، ونفى ارتكاب أي مخالفات. ونفى حلفاء ترمب ومن أبرزهم المحامي الشهير رودي جولياني، عمدة مدينة نيويورك السابق، ومارك ميدوز كبير موظفي البيت الأبيض السابق، والمحامي جون إيستمان كل التهم.

ومن المرجح أن تكون صفقات الإقرار بالذنب للمتهمين الآخرين، مثل جولياني وميدوز وإيستمان ضارة جداً لتاريخهم الطويل في العمل السياسي والقانوني، والتصريحات المتكررة التي أصدروها حول الإصرار على تزوير الانتخابات.


مقالات ذات صلة

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

التحالف الحاكم في بغداد على حافة مهلة دستورية حاسمة

تتجه الأنظار إلى اجتماع «الإطار التنسيقي» المرتقب، الجمعة، والذي يصادف اليوم الأخير من المهلة الدستورية لتسمية مرشح رئاسة الوزراء في العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

من المتوقع أن يعلن مكتب الرئاسة أسماء ثلث مقاعد المجلس بعد المصادقة على نتائج انتخابات الحسكة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ شاشة هاتف أحد السكان المحليين وفيها تحديثات حول التصويت على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا تمنح الديمقراطيين أفضلية في حرب الدوائر الانتخابية

انتصر الديمقراطيون في استفتاء فيرجينيا على إعادة تقسيم دوائرها الانتخابية، مما يؤجج حرب ترسيم الدوائر مع الجمهوريين عبر الولايات قبل الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا المنفي وتيتيه خلال لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

استبق محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي بتوجيه رسالة وصفها بأنها «شديدة اللهجة».

خالد محمود (القاهرة)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد من جديد؛ ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال فعلياً بل نقل الاشتباك من الجو إلى البحر.

فبينما تواصل باكستان مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون موعد محدد حتى الآن، يزداد وضوحاً أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد تفصيل عسكري أو اقتصادي، بل أصبحت أداة التفاوض الأهم في يد إيران، وأداة الضغط الأوضح في يد الولايات المتحدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول داخلي إيراني بالغ الدلالة: صعود «الحرس الثوري» من شريك في القرار إلى مركز ثقله الفعلي، وفق ما يرى مراقبون.

المعطيات المتوافرة حتى الخميس 23 أبريل (نيسان) تشير إلى أن إسلام آباد لم تنجح بعد في تثبيت موعد للجولة الثانية، رغم استمرار الاتصالات الباكستانية مع الطرفين. ونقلت وكالة «رويترز» في وقت سابق عن الخارجية الباكستانية أنه لم تتحدد مواعيد بعد لجولة ثانية، ثم عادت قبل يومين لتنقل الموقف الإيراني نفسه تقريباً: لا تاريخ جديداً قبل الاتفاق على «إطار تفاهم».

كما رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بتمديد وقف النار بطلب من بلاده، فيما قال وزير الداخلية محسن نقوي، بعد لقائه القائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، إنه يأمل «تقدماً إيجابياً» من إيران.

العقدة الأساسية

طريق خالٍ يقود إلى «المنطقة الحمراء» التي تعقد فيها جولات التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن استمرار المسعى الباكستاني لا يعني أن المسار السياسي يتقدم فعلاً. فالعقدة الأساسية، وفق محللين، لم تعد فقط في تفاصيل الملف النووي أو الضمانات الأمنية، بل في ترتيب الأولويات بين الطرفين. واشنطن تريد إبقاء الحصار البحري قائماً حتى تتلقى عرضاً إيرانياً «موحداً»، بينما تعدّ طهران أن التفاوض تحت الحصار ليس تفاوضاً، بل إملاء.

هذا ما يجعل الوساطة الباكستانية حتى الآن أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى إنتاج اختراق نوعي. فإسلام آباد تحافظ على قناة التواصل، لكنها لا تملك وحدها كسر التناقض الرئيسي، وهو أن أميركا تريد استخدام الهدنة لتعظيم الضغط، وإيران تريد استخدام هرمز لتعظيم كلفة هذا الضغط.

التحول الأكثر أهمية داخل إيران، كما أظهر تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، هو أن القيادة الفعلية في ملفات الحرب والتفاوض والأمن انتقلت إلى جماعة متماسكة من قادة «الحرس الثوري» والدوائر المحيطة بهم، فيما يدير المرشد الجديد مجتبى خامنئي المشهد بصورة أقرب إلى «رئيس مجلس إدارة» لا إلى مرشد يتمتع بالهيمنة التي كان يملكها والده.

ويخلص تقرير الصحيفة، المستند إلى مقابلات واسعة مع مسؤولين وشخصيات إيرانية، إلى أن القادة العسكريين في إيران باتوا أصحاب الكلمة الأثقل في تقرير الاستراتيجية، وأنهم هم الذين دفعوا نحو تشديد المقاربة في البحر، كما أنهم هم الذين قبلوا تكتيكياً، بهدنة مؤقتة وبقنوات تفاوض خلفية حين رأوا أنها تخدم ميزان القوة.

ويقول محللون إن هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من التخبط الظاهر في الرسائل الإيرانية، إذ ليست المشكلة أن القرار مفقود، بل إن مركزه تبدّل. فبدلاً من هرمية دينية - سياسية صارمة، ثمة الآن قيادة أمنية - عسكرية جماعية ترى الحرب والتفاوض وإدارة الاقتصاد، حلقات في معركة بقاء واحدة.

لذلك لم يعد ممكناً فهم موقف طهران من المفاوضات بعيداً عن منطق «الحرس الثوري»، المتمثل في أن أي تسوية يجب أن تُبقي لإيران ورقة ردع فعلية، وأهم هذه الأوراق اليوم ليست الخطاب الآيديولوجي ولا حتى البرنامج النووي وحده، بل القدرة على شلّ الملاحة في مضيق هرمز، أو تنظيمها بشروط إيرانية.

هرمز منصة مساومة

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

المضيق اليوم ليس مغلقاً بالكامل بالمعنى التقني، لكنه معطّل تجارياً. ووصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية الوضع بأنه انتقال من الحرب الجوية إلى «مأزق خانق» في هرمز، مع بقاء وقف النار هشاً واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق من نحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية جداً، بينما تواصل إيران مهاجمة أو اعتراض السفن، بما يبقي حرية الملاحة اسماً بلا مضمون.

كما نقل عن بيانات ملاحية أن 187 سفينة فقط عبرت منذ بدء الإغلاق، أي بمعدل 4 سفن يومياً، مقارنة بأكثر من 130 عادةً. وهذا ما يجعل طهران تشعر بالنجاح وربما الانتصار في هذه الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى إغلاق محكم كي تنتج الأثر نفسه، ويكفي أن تجعل المرور ممكناً على نحو استثنائي، أو أن يخضع للخوف والانتظار والمخاطرة، ما يعني أن المضيق يتحول إلى أداة ضغط عالمية.

ولهذا أيضاً يحمل حديث مسؤول إيراني عن تلقي «أول إيرادات» من رسوم عبور المضيق دلالة سياسية أكثر منها مالية.

وتريد إيران تثبيت فكرة أن هرمز بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها، وأن ثمن إعادة تدفق التجارة يمر عبر صفقة سياسية لا عبر مجرد ترتيبات أمنية.

إطلاق النار على الزوارق

قوارب وسفن تبحر في مضيق هرمز بالقرب من سلطنة عُمان (رويترز)

في المقابل، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع ترسخ الانطباع بأن إيران، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما زالت تمسك بالمضيق. لذلك صعّد خطابه حين قال إنه أمر البحرية الأميركية بـ«إطلاق النار» على أي زورق يزرع ألغاماً في هرمز.

وأضاف أنه أمر بزيادة جهود كسح الألغام إلى ثلاثة أضعاف، بحسب تغريدة له على منصته «تروث سوشيال».

هذا الخطاب لا يستهدف طهران فقط، بل أيضاً الرأي العام الأميركي وخصومه الإعلاميين، في ظل تقارير شككت في سرعة استعادة القوات الأميركية السيطرة البحرية الكاملة، وكذلك قدرات إيران العسكرية التي ما تزال تمتلكها.

ومن هنا جاءت حساسية تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الذي قال إن البنتاغون أبلغ الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق نحو ستة أشهر. وأحدثت هذه الرواية صدمة سياسية لأنها تناقض سردية الحسم السريع. لكن متحدثاً باسم البنتاغون نفى لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عدة، أن يكون تقييم الأشهر الستة حكماً نهائياً أو «ممكناً» بالصيغة التي عُرض بها، وهاجم ما سماه «انتقائية» التسريبات من الإحاطة السرية، ما تسبب لاحقاً في سحب الصحيفة لتقريرها.

عملياً، لا يحسم هذا السجال السؤال العسكري بقدر ما يكشف السؤال السياسي: إذا كانت واشنطن واثقة تماماً من قدرتها على تأمين المضيق سريعاً، فلماذا لا تزال الشركات والسفن تتصرف كما لو أن الخطر قائم؟

معادلة الحصار

المأزق الحالي يمكن اختصاره بمعادلة واحدة، وهي أن أميركا تحاصر الموانئ الإيرانية لتخنق الاقتصاد وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات؛ وإيران تخنق هرمز لتُظهر أن حصارها ليس مجانياً على العالم.

وحذرت «وول ستريت جورنال» من أن استمرار هذا الوضع يرفع أخطار تباطؤ اقتصادي عالمي حاد، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن إيران، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة، ما زالت تحتفظ بقدرة كافية لردع الملاحة التجارية وإبقاء المضيق رهينة مساومة.

وفي الوقت نفسه، أشار قائد القيادة الأميركية المركزية «سنتكوم»، براد كوبر، إلى وجود مروحيات «أباتشي» في محيط المضيق غرضها «إظهار الوجود والردع» وحماية تدفق التجارة، وهو اعتراف ضمني بأن الردع لم يتحول بعد إلى سيطرة مريحة ومكتملة.

لهذا، لا يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات، إن عُقدت في إسلام آباد، ستكون مجرد استئناف روتيني، بل ستكون اختباراً لما إذا كان الطرفان مستعدين فعلاً لتعديل هذه المعادلة.

فطهران، في ظل صعود «الحرس الثوري» ستدخل أي تفاوض وهي أكثر ميلاً إلى ربط كل تنازل برفع ملموس للحصار. وواشنطن في ظل حاجة ترمب إلى إظهار القوة وعدم التراجع، ستسعى إلى تثبيت أن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل فرصة أخيرة لها.


الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

في ظل الجدل المتصاعد بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في كثير من الولايات الأميركية، أمر قاضٍ في فيرجينيا بمنع المصادقة على نتائج استفتاء لترسيم جديد يصب في مصلحة الديمقراطيين بالولاية، ونقل الجمهوريون المعركة إلى فلوريدا، في محاولة لإعادة التوازن مع خصومهم قبل أشهر من الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأدى فوز الديمقراطيين في استفتاء فيرجينيا إلى منحهم أفضلية في خريطة يمكن أن تمنح حزبهم 4 مقاعد إضافية في الانتخابات النصفية التي تجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكان الجمهوريون حصلوا على مكاسب بعد سلسلة إجراءات بدأوها العام الماضي في تكساس، بطلب من الرئيس دونالد ترمب. ومنذ ذلك الحين، تحول «التلاعب» بالدوائر الانتخابية، وهي ممارسة راسخة في البلاد كل 10 سنين، حرباً بين الحزبين الرئيسيين.

حاكم فلوريدا رون دي سانتيس خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

وبعدما أعاد الجمهوريون رسم خريطة الدوائر الانتخابية في تكساس لإضافة 5 مقاعد جمهورية محتملة، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا بإعادة رسم خريطة ولايتهم لإضافة 5 مقاعد ديمقراطية محتملة. كما أعادت 3 ولايات أخرى؛ هي ميسوري ونورث كارولاينا وأوهايو، رسم خرائطها لإضافة مقاعد جمهورية محتملة.

والآن، احتفل الديمقراطيون بنتيجة فيرجينيا، التي منحتهم خريطة جديدة لمجلس النواب بمقعد واحد مضمون للجمهوريين. ويتألف وفد الولاية في الكونغرس من 11 عضواً، هم حالياً 6 ديمقراطيين و5 جمهوريين. وعلى الصعيد الوطني، تعادل الديمقراطيون بشكل شبه تقريبي مع الجمهوريين في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية.

اللجوء إلى القضاء

في المقابل، أمل الجمهوريون أن تُبطل المحكمة العليا في فيرجينيا نتيجة الاستفتاء. وقبل الوصول إلى تلك النقطة، أعلن الرئيس ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» أن الاستفتاء «مزور». وكتب: «فلنرَ ما إذا كانت المحاكم ستُصلح هذه المهزلة التي تُسمى: العدالة».

وأصدر القاضي في محكمة مقاطعة تازويل جاك هيرلي قراراً بمنع مسؤولي الولاية من المصادقة على نتيجة الاستفتاء واستخدام الخرائط الجديدة. وكتب أن المحكمة «تُعلن أن كل الأصوات المؤيدة أو المعارضة للتعديل الدستوري المقترح في الانتخابات الخاصة المقررة في 21 أبريل (نيسان) 2026، باطلة».

وعلى الأثر، قال وزير عدل الولاية؛ الديمقراطي جاي جونز، إن مكتبه «سيقدم استئنافاً فورياً» ضد الحكم. وكتب في بيان: «أدلى ناخبو فيرجينيا بأصواتهم، وينبغي ألا يمتلك قاضٍ ناشطٌ حقَّ النقض على تصويت الشعب».

وإذا ما تأكدت نتيجة الاستفتاء، فإنه يبدو أن أمام الجمهوريين فرصاً متضائلة لتوجيه ضربة قوية أخرى في معارك التلاعب بالدوائر الانتخابية. إحدى هذه الفرص، في فلوريدا، تنطوي على مخاطر جسيمة.

فرغم أن حاكم فلوريدا، الجمهوري رون دي سانتيس، أشار إلى نقص مُتصوَّر في تعداد السكان بوصف ذلك مبرراً لرسم خرائط جديدة، فإن أي إعادة تقسيم للدوائر في الولاية ستواجه على الأرجح طعوناً قضائية. كما أن الدوائر الجديدة ذات الميول الجمهورية قد تشتت الناخبين الجمهوريين بشكل كبير؛ مما يُعرض بعض شاغلي المناصب لخطر أكبر بفقدان مقاعدهم.

وأصابت نتائج الاستفتاء الجمهوريين بالإحباط، فتحركوا سريعاً لإعادة رسم الخريطة الانتخابية في فلوريدا، حيث يسيطرون على منصب الحاكم ويتمتعون بأكثرية ساحقة في المجلس التشريعي. لكنّ ثمة شكوكاً متصاعدة داخل الحزب بشأن استراتيجيته الأوسع. وقال المستشار الجمهوري ستيوارت فيرديري: «أنفق الطرفان مئات الملايين من الدولارات للعودة إلى نقطة البداية، وعموماً، انتهى الأمر بخسارة الجمهوريين».

تحذير من المخاطر

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال حملة انتخابية في فيرجينيا (رويترز)

وأفاد خبير الاستطلاعات جون كوفيلون؛ الذي عمل مع مرشحين جمهوريين، بأن «ما يُريد الجمهوريون في فلوريدا فعله محفوفٌ بالمخاطر». وأضاف أن المناخ السياسي الحالي يُشكّل مخاطر خاصة أمام أي تلاعب عدواني بالدوائر الانتخابية يهدف إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

ودعا دي سانتيس المشرعين في الولاية إلى جلسة استثنائية لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية. ولكن قبل أقل من أسبوع من بدء الجلسة، التي أُجّلت، لم يكشف بعدُ عن خريطة جديدة ليعرضها المشرعون. وأبدى مشرعو فلوريدا اهتماماً ضئيلاً بإعادة تقسيم الدوائر، ولا يُتوقع منهم اقتراح خرائط خاصة بهم.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري السابق عن جنوب فلوريدا، كارلوس كوربيلو، إن «كل مبادرات إعادة تقسيم الدوائر هذه ضارة»، محذراً بأن حزبه يُخاطر بإضعاف فرص الجمهوريين في بعض الدوائر، وتقويض الثقة بالديمقراطية الأميركية.

ومع أن فلوريدا قد تستحوذ على معظم الاهتمام على المدى القصير، فإن قضية أمام المحكمة العليا الأميركية قد يكون لها تأثير أكبر بكثير على إعادة تقسيم الدوائر.

فإذا ألغت المحكمة هذا البند تماماً، كما بدا أنها على وشك فعله خلال المرافعات الشفوية، فيمكن أن تحاول ولايات كثيرة إعادة رسم خرائطها بسرعة. وقد يعطي قرار المحكمة العليا دي سانتيس مبرراً آخر لرسم خرائط جديدة في فلوريدا.

ومع ذلك، فإنه لا يزال من غير الواضح متى ستُصدر المحكمة حكمها في هذه الدورة، التي تنتهي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو (تموز) المقبلين، علماً بأن صدور حكم متأخر، بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية في عشرات الولايات، سيصعب على كثير من الولايات رسم خرائط جديدة قبل الانتخابات النصفية.

وعلق الناطق الأسبق باسم البيت الأبيض (في عهد الرئيس جورج دبليو بوش)، آري فليشر: «إذا كنت ستخوض معركة، فعلى الأقل انتصر فيها». وأضاف أن «الطرف الآخر سيرد دائماً. كل هذا كان متوقعاً ويمكن تجنبه. ما كان ينبغي لنا أن نبدأ هذه المعركة».


أميركا تُصنف بعض منتجات الماريغوانا على أنها مُخدر أقل خطورة

تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)
تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)
TT

أميركا تُصنف بعض منتجات الماريغوانا على أنها مُخدر أقل خطورة

تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)
تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)

قال تود بلانش، القائم بأعمال وزير العدل الأميركي، ​اليوم الخميس، إن الوزارة تعيد تصنيف الماريغوانا المعتمَدة من إدارة الغذاء والدواء والمرخصة من قِبل الولايات، على أنها ‌مُخدر أقل خطورة.

ولا ‌يضفي ​هذا ‌الإعلان شرعية ​على استخدام الماريغوانا في أنحاء الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفي منشور على منصة «إكس»، كتب بلانش أن وزارة العدل «تعيد وبأثر فوري تصنيف الماريغوانا المعتمدة من ‌إدارة ‌الغذاء والدواء، ​والماريغوانا المرخصة من ‌قِبل الولايات، من (مخدرات) ‌الجدول الأول إلى الجدول الثالث».

وقالت الوزارة، في بيان، إنها بدأت أيضاً ‌جلسة استماع عاجلة للنظر في إعادة تصنيف الماريغوانا على نطاق أوسع.

ويمثل قرار إعادة تصنيف الماريغوانا أحد أهم التغييرات في السياسة الاتحادية المتبَعة مع الماريغوانا منذ عقود، بما سيُزيل الحواجز أمام البحث في الاستخدام ​المحتمل ​لها.