هل تُكلف حرب غزة بايدن مقعد الرئاسة؟

تراجُع في دعم العرب والمسلمين الأميركيين له

بايدن مع نتنياهو خلال زيارته إسرائيل في 18 أكتوبر 2023 (رويترز)
بايدن مع نتنياهو خلال زيارته إسرائيل في 18 أكتوبر 2023 (رويترز)
TT

هل تُكلف حرب غزة بايدن مقعد الرئاسة؟

بايدن مع نتنياهو خلال زيارته إسرائيل في 18 أكتوبر 2023 (رويترز)
بايدن مع نتنياهو خلال زيارته إسرائيل في 18 أكتوبر 2023 (رويترز)

مع قرب دخول حرب غزة أسبوعها الرابع، بدأ الشارع الأميركي في الانقسام بين داعم لسياسة الرئيس الأميركي جو بايدن تجاه إسرائيل ومعارض له.

وشهدت الأيام الأخيرة موجة من الاحتجاجات والاعتراضات تمثلت في مظاهرات داعية لوقف إطلاق النار في غزة، واحتجاجات خطية على سياسة أميركا وصلت إلى حد استقالة مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية بسبب ما وصفه بـ«سياسة الدعم الأعمى» لإسرائيل. ومقابل هذه التحركات، تحذيرات من وزارة الأمن القومي من تنامي التهديدات المحدقة بالعرب والمسلمين واليهود في الولايات المتحدة جراء ما يجري في المنطقة.

بالتزامن، تمكّن مجلس النواب أخيراً من حل أزمته وانتخاب رئيس له بعد أكثر من عشرين يوماً من الفراغ التشريعي الذي حال دون إقرار المساعدات الطارئة التي طلبتها إدارة بايدن لإسرائيل.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، مدى تأثير مواقف العرب الأميركيين الرافضين لبايدن في الانتخابات على حظوظه في الفوز بولاية ثانية، والخيارات أمام هؤلاء الناخبين، بالإضافة إلى المواقف السياسية الأميركية في هذا الملف.

دعم ثابت لإسرائيل

تحتل إسرائيل المرتبة الأولى على لائحة المساعدات الأميركية، إذ بلغت 3.3 مليار دولار في عام 2022. وقد طلبت إدارة بايدن من الكونغرس 14.3 مليار دولار مساعدات طارئة لإسرائيل، لم يتمكن المجلس التشريعي من تمريرها بعد بسبب غياب رئيس مجلس النواب. لكن ذلك تغير مع انتخاب مايك جونسون رئيساً للمجلس. ويقول غيث العمري، كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن جونسون «معروف بدعمه الشديد لإسرائيل»، مشيراً إلى أن «أول قرار اتخذه هو إصدار قرار بدعم إسرائيل وافق عليه أغلبية مجلس النواب». ويضيف العمري أن «هناك دعما شبه مطلق لإسرائيل في مجلس النواب، سواء في الحزب الجمهوري أو الديمقراطي».

لكن محمد غولا، المدير التنفيذي لمنظّمة «إيمغايج يو إس إيه» المعنية بتنسيق الجهود الانتخابية للناخبين الأميركيين المسلمين، يشير إلى تغيير في المشهد السياسي منذ عام 2015 أدّى إلى انتخاب أعضاء في الكونغرس «استمروا بالدعم التقليدي لسياسة إسرائيل لكنهم بدأوا بالحديث عن حقوق الفلسطينيين، بالإضافة إلى الحاجة لوقف إطلاق للنار وهو الأمر الأهم هنا». ويقول غولا: «رغم أن هناك عددا محدودا من أعضاء الكونغرس الذين يطالبون بوقف إطلاق للنار، فإننا سنستمر بجهودنا للحرص على أن كل من يدعم إسرائيل يقرّ في الوقت نفسه بأهمية حياة الفلسطينيين».

أعضاء الكونغرس يقفون دقيقة صمت دعماً لإسرائيل في 12 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وبينما يشهد مجلس النواب تزايدا في تمثيل العرب والمسلمين الأميركيين، تعد سالي هاول مديرة مركز الدراسات العربية الأميركية في جامعة ميشيغان أن «مجلس الشيوخ بعيد كل البعد عن هذا التمثيل». فليس هناك أي مسلم أميركي أو عربي أميركي في المجلس المؤلف من 100 عضو. رغم ذلك، تقول هاول إن «بعض أعضاء مجلس الشيوخ يقومون بتعديل دعمهم لإسرائيل، فهم من جهة يقدمون الدعم الثابت التقليدي لادعاءات إسرائيل بحقها للدفاع عن نفسها، لكنهم في الوقت نفسه يقرون بمعاناة الفلسطينيين والأزمة الإنسانية في غزة. ونحن لم نكن نسمع بمواقف مشابهة منذ 15 عاماً، إذن هناك نوع من الانفتاح البسيط في مجلس الشيوخ».

وتتحدث هاول عن الاختلاف البسيط في مواقف مجلسي الشيوخ والنواب بسبب اختلاف التمثيل، فتفسر قائلة: «في مجلس النواب، هناك نحو 16 عضواً يطالبون بوقف لإطلاق النار، وهذا أمر جديد بالكامل. فهناك هذا الائتلاف من الديمقراطيين التقدميين اليساريين في مجلس النواب الذين يدعم بعضهم البعض في مجموعة واسعة من القضايا، وفلسطين هي إحدى تلك القضايا الرئيسية بالنسبة لهم. هذا أمر مهم جداً، رغم عدم تمتع هؤلاء الأعضاء بسلطة واسعة».

الإعلام الأميركي والإسلاموفوبيا

تظهر استطلاعات الرأي دعماً أميركياً واسعاً لإسرائيل وصل إلى 51 في المائة من المتعاطفين مع إسرائيل مقابل في 28 المائة من المتعاطفين مع الفلسطينيين، بحسب أرقام لشبكة «سي بي إس» بالتعاون مع «يو غوف». وتحدث العمري عن الدور الذي تلعبه التغطية الإعلامية الأميركية، مشيراً إلى أنه لطالما كانت «منحازة بشكل أكبر إلى إسرائيل».

أما غولا، فيعد أن هذا الواقع يزيد من أهمية عمل منظمات مثل «إيمغايج يو إس إيه» في نشر التوعية وتسليط الضوء على القضايا التي تهم الناخبين المسلمين والعرب الأميركيين، مضيفاً: «عندما ننظر إلى ويسكونسن، هناك أكثر من 50 ألف ناخب من المسلمين والأميركيين العرب سوف يقررون من سيكون الرئيس القادم للبلاد، أمّا ميشيغان فتضم أحد أكبر المجتمعات المسلمة في البلاد، وفيها أكثر من 200 ألف ناخب مسجل. والأمر نفسه في بنسلفانيا وغيرها من الولايات... هذا مهم بغض النظر عما تعكسه وسائل الإعلام».

الطفل الفلسطيني الأميركي وديع الفيومي قُتل في جريمة كراهية في ولاية إلينوي (أ.ب)

وتتحدث هاول عن تنامي مشاعر الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة، مشيرة إلى جريمة قتل الطفل الفلسطيني وديع الفيومي على يد أميركي في ولاية إلينوي. وتتحدث هاول، التي تقطن في ديربورن ميشيغان، عن وجود شعور بالخوف «يسيطر على المجتمع المسلم»، مضيفة: «أسمع الناس في ديربورن يتحدثون عن عدم رغبتهم في مغادرتها حالياً لأنهم يشعرون بالخوف».

حرب غزة والانتخابات الأميركية

ومع تزايد معارضة العرب والمسلمين الأميركيين لسياسة بايدن الداعمة لإسرائيل، توعد البعض منهم بعدم التصويت له أو لصالح مسؤولين آخرين بسبب هذه المواقف. وتعطي هاول مثالاً عن ذلك مشيرة إلى تصريحات رئيس بلدية ديربورن، الذي قال إنه «لن يتم نسيان مواقف» المسؤولين الفيدراليين الذين لا يطالبون بوقف إطلاق النار والعدالة للفلسطينيين، مضيفة أن «الأميركيين العرب والأميركيين المسلمين في ميشيغان يصرون على أن يتحدث مسؤولوهم نيابة عنهم بطريقة لم نشهدها في الماضي».

مظاهرات خارج مبنى الكونغرس بواشنطن تدعو لوقف إطلاق النار في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب)

ويشير العمري إلى نقطة «مشجعة جداً»، قائلاً إنه «عندما أذهب مثلا إلى وزارة الخارجية وإلى وزارة الدفاع، أرى أسماء عربية. قبل 20 عاماً عندما كنت أذهب إلى هذه الوزارات لم أكن أرى هذه الأسماء. فمجرد انخراط العرب الأميركيين في العملية السياسية سواء على المستوى المحلي أو في الحكومة على المستوى الفيدرالي، فهذا يعطي صوتا للجانب العربي». لكن العمري يشير في الوقت نفسه إلى أن «معظم الدعم للفلسطينيين يأتي من الجانب التقدمي، أي يسار الحزب الديمقراطي. هذا يخلق صوتا مهما جدا داخل الحزب الديمقراطي، لكن من جانب آخر قد يكون من الخطير جداً أن نُعَدّ بوصفنا جالية محسوبين فقط على تيار واحد من الخريطة السياسية... هذا سيف ذو حدين».

تظاهرة داعمة للفلسطينيين بولاية شيكاغو في 11 أكتوبر 2023 (أ.ب)

ويعد غولا الجالية العربية والمسلمة مجتمعا محافظا اجتماعيا: «لكن بسبب العملية السياسية والبيئة السياسية حالياً، يحدث أننا نصب في خانة الحزب الديمقراطي أكثر لأن هذا واقع اليوم». إلا أن غولا حذّر من انقلاب الوضع الحالي، مشيراً إلى وجود شعور «بالخيانة في صفوف هذه الجالية اليوم» من موقف الإدارة الديمقراطية الداعم لإسرائيل. ويتحدث غولا عن استطلاع للرأي قامت به منظمته، أظهرت نتائجه أنه إذا تم عقد الانتخابات الرئاسية 2024 اليوم، فسيصوّت 5.2 في المائة من الأميركيين المسلمين المسجلين لصالح بايدن، و15 في المائة لصالح دونالد ترمب فيما سيصوّت 53 في المائة لصالح طرف ثالث، ويمتنع الباقي عن التصويت. ويضيف غولا أن «إدارة بايدن لديها مسؤولية التصرّف والمطالبة بوقف إطلاق النار وإنهاء سفك دماء الشعب الفلسطيني».

ازدواجية في المعايير؟

ومع تزايد الاتهامات للولايات المتحدة بـ«ازدواجية المعايير» في تعاطيها مع حرب غزة، مقارنة بتعاطيها مع حرب أوكرانيا، يذكر العمري أن «الحديث عن حقوق الإنسان من جهة ومن ثم تطبيق ممارسات مختلفة من جهة أخرى ليست مشكلة الديمقراطيين فقط». مضيفاً أن «إدارة جورج بوش الابن كانت أكثر الإدارات التي تعاملت معها والتي تحدثت عن حقوق الإنسان... ولكن عندما تتعارض المصالح مع القيم، المصالح دائما هي التي تغلب». ويضيف العمري: «الكلام الإنشائي أو الآمال ليس عاملاً لدى اتخاذ قرار عسكري أو قرار سياسي يتعلق بالسياسات الخارجية».

بايدن مع زيلينسكي بالبيت الأبيض في 22 سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

لكن هاولي تقول إن هذا التفسير لن يحول دون شعور الجالية العربية والمسلمة بـ«الخيانة» بسبب مواقف الإدارة، مضيفة: «إنهم يشعرون بأن المؤسسة السياسية قد تخلّت عنهم، خاصة المسؤولين الذين انتخبوهم لتمثيلهم... ولا أدري ما الذي سيتطلّبه الأمر لإصلاح هذا الصدع الذي تزايد في ميشيغان على الأقل بين المسلمين والحزب الديمقراطي».


مقالات ذات صلة

انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

الولايات المتحدة​ طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

بدأت بوادر الحلحلة تظهر في أزمة تمويل وزارة الأمن القومي، فبعد أن انعكست آثارها على المطارات الأميركية يبدو أن ترمب غيّر من موقفه الرافض للتسوية مع الديمقراطيين

رنا أبتر (واشنطن)
الاقتصاد مصفاة أولميكا التابعة لشركة النفط الحكومية «بيميكس» في دوس بوكاس بالمكسيك (رويترز) p-circle 02:48

لغز الـ15 دقيقة... هل تسربت «مفاجأة ترمب» لمتداولي النفط قبل إعلانها؟

شهدت سوق النفط «تداولات مشبوهة» بقيمة تقارب 580 مليون دولار قبيل هبوط الأسعار بسبب حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول الهدنة مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مسافرون ينتظرون في مطار أتلانتا في 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أزمة في المطارات الأميركية مع غياب التمويل

أدى الإغلاق الجزئي إلى طوابير طويلة في مطارات أميركا، بسبب غياب عدد من موظفي الأمن هناك، إثر تخلف الحكومة عن تسديد رواتبهم، بينما أعلن ترمب عن نشر عناصر «آيس».

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري استقالة جدلية وتباين استخباراتي يشعلان الجدل حول حرب إيران في واشنطن

تتفاقم حدّة الضغوط الداخلية التي تواجهها إدارة الرئيس دونالد ترمب، وسط تزايد احتمالات التصعيد الميداني مع إيران، ونشر قوات إضافية إلى المنطقة.

رنا أبتر (واشنطن)
خاص يستعد الكونغرس لمعركة شرسة بشأن تمويل حرب إيران (أ.ف.ب)

خاص حرب إيران تُفجّر معركة تمويل حاسمة في الكونغرس

تستعرض «الشرق الأوسط» آراء مسؤولين سابقين في الكونغرس لقراءة المشهد السياسي الأميركي في المرحلة المقبلة، وتقييم نتائج المعركة المالية المرتقبة بشأن حرب إيران...

رنا أبتر (واشنطن)

«البنتاغون» يرضخ للقضاء «شكلاً» ويواصل التضييق على الصحافة

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يرضخ للقضاء «شكلاً» ويواصل التضييق على الصحافة

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تستغرق وزارة الحرب الأميركية وقتاً طويلاً لتحويل هزيمتها القضائية إلى معركة جديدة مع الصحافة. فبعد أيام فقط من حكم فيدرالي اعتبر سياسة «البنتاغون» الإعلامية الأخيرة مخالفة للدستور، أعلنت الوزارة إغلاق «ممر المراسلين» داخل المبنى الخماسي ونقل الصحافيين إلى «ملحق» خارجي داخل حرم البنتاغون، مع فرض مرافقة إلزامية لهم عند دخول المبنى خارج الإحاطات والمؤتمرات الرسمية. والنتيجة أن الوزارة امتثلت للحكم شكلاً، لكنها بدت وكأنها تعيد إنتاج القيود نفسها عملياً، بما يفتح مواجهة جديدة حول حدود الأمن، وحق الجمهور في المعرفة، ومستقبل التغطية المستقلة لشؤون الجيش الأميركي في لحظة حروب وتوترات خارجية.

حكم قضائي لم ينهِ النزاع

تعود الأزمة إلى السياسة التي فرضها البنتاغون في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، حين طلب من الصحافيين التوقيع على تعهد يتيح للوزارة سحب الاعتماد من أي مراسل يطلب معلومات «غير مخول الإفصاح عنها»، حتى لو لم تكن مصنفة سرية. مؤسسات إعلامية كبرى، بينها «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«سي إن إن» و«فوكس نيوز» و«أسوشييتد برس» رفضت التوقيع، معتبرة أن هذا الشرط لا ينظم العمل الصحافي، بل يفرغه من مضمونه؛ لأن السعي إلى المعلومات من خارج البيانات الرسمية هو جوهر المهنة. وقد قاد ذلك إلى دعوى رفعتها «نيويورك تايمز»، انتهت يوم 20 مارس (آذار) بحكم القاضي الفيدرالي، بول فريدمان، الذي رأى أن السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس من الدستور؛ لأنها فضفاضة وتفتح الباب أمام التمييز ضد صحافيين «غير مرغوب فيهم» على أساس توجهاتهم أو أسلوب تغطيتهم.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)

ولم يكتفِ القاضي بإبطال السياسة، بل أمر بإعادة اعتماد صحافيي «نيويورك تايمز»، مشدداً على أن الحاجة إلى صحافة مستقلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما تكون الولايات المتحدة منخرطة في عمليات عسكرية خارجية. وهذه النقطة تحديداً تفسر لماذا لم يُنظر إلى القضية بوصفها خلافاً إدارياً داخلياً، بل باعتبارها اختباراً دستورياً لما إذا كانت مؤسسة بحجم البنتاغون تستطيع أن تحصر تدفق المعلومات في القنوات التي تسيطر عليها هي وحدها.

امتثال شكلي وتقييد عملي

ما أعلنه المتحدث باسم «البنتاغون»، شون بارنيل، بعد الحكم أوحى منذ اللحظة الأولى بهذا المنطق المزدوج: الوزارة «ستمتثل» لكنها «لا توافق» وستستأنف. ومن هنا جاء القرار بإغلاق المساحة التقليدية التي عمل منها المراسلون لعقود داخل المبنى، واستبدالها بملحق خارجي «عندما يصبح جاهزاً»، من دون تحديد موعد واضح. كذلك فرضت الوزارة قاعدة جديدة تقضي بوجوب مرافقة الصحافيين من موظفين مخولين عند دخولهم المبنى خارج الإحاطات والمقابلات المبرمجة. وتقول الوزارة إن الدافع أمني، وإنها لا تستطيع إدارة متطلبات الحماية داخل البنتاغون مع وجود صحافة عاملة فيه على النحو السابق.

لكن الاعتراض الرئيسي على هذه الصيغة أن المشكلة ليست في «مكان الجلوس» بحد ذاته، بل في فقدان الوصول اليومي الطبيعي إلى المؤسسة العسكرية. فالصحافي الذي يُنقل إلى ملحق خارجي، ولا يدخل المبنى إلا بمرافقة ومواعيد محددة، يصبح أقرب إلى زائر رسمي منه إلى مراسل مقيم يراقب ويختبر الروايات ويطوّر مصادره. وبذلك ينتقل البنتاغون من محاولة تقييد الصحافة بنص مكتوب إلى إعادة هندسة بيئة العمل نفسها بحيث تصبح التغطية أكثر اعتماداً على الشؤون العامة وأقل قدرة على إنتاج معلومات مستقلة. لهذا يرى منتقدو القرار أن الوزارة لم تتراجع فعلاً، بل أعادت صياغة هدفها بطريقة أقل صداماً مع الحكم وأكثر تضييقاً في التطبيق.

صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

معركة على الشفافية

ردود الفعل كانت سريعة وحادة. رابطة صحافة البنتاغون قالت إن القرار الجديد يشكل انتهاكاً «لنص وروح» حكم المحكمة، خصوصاً أن القاضي تحدث صراحة عن أهمية استعادة الوصول الإعلامي في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أزمات عسكرية متشابكة. أما «نيويورك تايمز» فاعتبرت أن السياسة الجديدة لا تمتثل لأمر المحكمة، وأنها تواصل فرض قيود غير دستورية على الصحافة، متعهدة العودة إلى القضاء. كما دفع عدد من الصحافيين العسكريين المتخصصين بأن ذريعة الأمن مبالغ فيها؛ لأن المراسلين كانوا يخضعون أصلاً لفحوص خلفية وإجراءات اعتماد، ولأن المحكمة لم تمنع البنتاغون من استبعاد أي شخص يشكل خطراً أمنياً حقيقياً، بل رفضت فقط اعتبار السعي إلى المعلومات سلوكاً مشبوهاً.

والأهم أن تداعيات هذه الخطوة تتجاوز نزاعاً مهنياً بين وزارة وصحافيين. فالمسألة تمس صورة الإدارة الأميركية في تعاملها مع الإعلام المستقل، وتمس أيضاً قدرة الرأي العام على معرفة ما يجري داخل المؤسسة، التي تدير الحروب والانتشار العسكري والإنفاق الدفاعي الهائل. ولهذا ينظر كثيرون إلى «الملحق» الخارجي لا كمجرد تعديل لوجيستي، بل كترجمة سياسية لفكرة أوسع: إبقاء الصحافة موجودة بما يكفي لتفادي الاتهام بالإقصاء الكامل، لكن بعيداً بما يكفي لإضعاف دورها الرقابي.


«العليا» الأميركية تنظر في طلب ترمب رفض لجوء المهاجرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

«العليا» الأميركية تنظر في طلب ترمب رفض لجوء المهاجرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

باشرت المحكمة العليا الأميركية، الثلاثاء، النظر في قضية تمس جوهر سياسة الهجرة في عهد الرئيس دونالد ترمب، وما إذا كانت الحكومة الفيدرالية تملك صلاحية إغلاق أبواب اللجوء في وجه المقبلين إلى الحدود إذا ارتأت أن طاقتها الاستيعابية بلغت حدها.

وتدور القضية حول ما يُعرف بسياسة «التقنين»، التي تخول مسؤولي الهجرة أن توقف طالبي اللجوء على الحدود، ورفض معالجة طلباتهم إلى أجل غير مسمى، متى رأوا أن المعابر الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك لا تتحمل مزيداً من الأعباء. وتسعى إدارة ترمب إلى إحياء هذه السياسة التي ألغاها سلفه الرئيس السابق جو بايدن عام 2021، فيما قضت محكمة استئناف فيدرالية بأنها تتعارض مع القانون الفيدرالي.

جدل قديم

ولم تنشأ هذه السياسة مع ترمب، لأن مسؤولي الهجرة بدأوا في تطبيق مبدأ رفض طالبي اللجوء على الحدود منذ عام 2016 في عهد باراك أوباما، في خضم موجة هجرة واسعة. غير أن السياسة اكتسبت طابعاً رسمياً عام 2018 خلال الولاية الأولى لترمب، حين مُنح مسؤولو الحدود صلاحية صريحة لتعليق معالجة طلبات اللجوء كلما قدّروا عدم قدرتهم على استيعاب المزيد.

وتتمحور القضية القانونية حول تساؤل دقيق في ظاهره، لكنه بالغ الأثر: هل يعد طالب اللجوء الموقوف على الجانب المكسيكي من الحدود «وصل» بالفعل إلى الأراضي الأميركية؟ إذ ينص القانون الفيدرالي على أن كل مهاجر «يصل إلى الولايات المتحدة» يحق له التقدم بطلب لجوء ويجب تفتيشه من مسؤولي الهجرة.

أرشيفية لمبنى المحكمة العليا الأميركية (أ.ف.ب)

وأجابت محكمة الاستئناف الفيدرالية التاسعة في سان فرانسيسكو على هذا التساؤل عام 2024 بالإيجاب، مؤكدة أن القانون يُلزم تفتيش جميع طالبي اللجوء الواصلين إلى المعابر الحدودية المخصصة، حتى لو لم يعبروا الحدود بعد. في المقابل، تتمسك إدارة ترمب بأن عبارة «الوصول إلى» تعني «الدخول الفعلي إلى مكان محدد، لا مجرد الاقتراب منه»، وأن «الأجنبي الموقوف في المكسيك لا يعد واصلاً إلى الولايات المتحدة».

وتأتي هذه القضية في سياق سلسلة من المعارك القضائية التي تخوضها إدارة ترمب في ملف الهجرة، وأيّدت المحكمة العليا مواقف الإدارة في عدد منها، إذ أجازت ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة غير بلدانهم الأصلية، وأقرّت إلغاء الوضع القانوني المؤقت لمئات الآلاف من المهاجرين الفنزويليين.

وتنتظر المحكمة خلال الأسابيع المقبلة في قضايا أخرى لا تقل حساسية، أبرزها النظر في مدى دستورية توجيه ترمب بتقييد حق المواطنة بالولادة، فضلاً عن مسعى الإدارة إلى سحب الحماية القانونية المؤقتة من أكثر من 350 ألف هايتي ونحو 6100 سوري يقيمون على الأراضي الأميركية. ويتوقع صدور الحكم في هذه القضية بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

ترحيل إلى كوستاريكا

في غضون ذلك، أعلنت الرئاسة الكوستاريكية في بيان توقيع اتفاقية مبدئية مع إدارة الرئيس ترمب، بما يسمح لكوستاريكا باستقبال المهاجرين الذين تُرحّلهم الولايات المتحدة من دول أخرى. وأوضحت أن كوستاريكا مخوّلة باتخاذ القرار النهائي بشأن قبول المهاجرين، مع توقع نقل ما يصل إلى 25 شخصاً أسبوعياً إلى البلاد. وأكدت أن واشنطن «ستقدم الدعم المالي اللازم»، بينما ستوفر المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، الغذاء والسكن.

ومن جهة أخرى، عثرت السلطات المكسيكية الاثنين على 229 مهاجراً في شاحنة كانت تعبر ولاية فيراكروز بشرق البلاد، في أول حالة من نوعها منذ أشهر، مما ينذر بارتفاع محتمل في الهجرة منذ تولي الرئيس ترمب منصبه.

عمال أميركيون يبنون جداراً حدودياً بين مدينتي إل باسو وسيوداد خواريز في جزء من مشروع تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وصرح نائب وزير خارجية ولاية فيراكروز، خوسيه مانويل بوزوس، بأنهم عثروا على المهاجرين محشورين في شاحنة أُبلغ عن سرقتها، بعدما بدأوا بالاستغاثة من ساحة حجز تابعة للشرطة. وأضاف أن معظم المهاجرين من أميركا الوسطى، وأن 17 منهم قاصرون، وأن عدداً منهم يعانون من الجفاف.

على مر السنين، استخدم مهربو المهاجرين كل أنواع المركبات لنقل الأجانب عبر المكسيك، وغالباً ما تكون هذه المركبات مكتظة، وفي ظروف سيئة، ومعرضة لخطر الموت، على غرار حادث مميت بجنوب المكسيك عام 2021، أو عندما قضى 53 مهاجراً بعد تركهم داخل شاحنة في سان أنطونيو بتكساس عام 2022.


انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)
طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)
طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بدأت بوادر الحلحلة تظهر تدريجياً في أزمة تمويل وزارة الأمن القومي. فبعد أن انعكست آثار الإغلاق الجزئي الذي بدأ منتصف شهر فبراير (شباط) بوضوح في المطارات الأميركية؛ حيث اكتظت الصالات بالمسافرين في ساعات انتظار طويلة، يبدو أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، غيَّر من موقفه الرافض لأي تسوية مع الديمقراطيين. فبعد اجتماع مع القادة الجمهوريين في البيت الأبيض، خرج هؤلاء بنوع من التفاؤل الحذر، مشيرين إلى أن ترمب بدا منفتحاً على تسوية تضمن إقرار التمويل باستثناء عمليات «آيس» المرتبطة بالمهاجرين، شرط إقرارها في مشروع منفصل يشمل أيضاً بنوداً من مشروع «انقذوا أميركا» المتعلق بإصلاحات انتخابية في وقت لاحق.

وأعرب السيناتور الجمهوري جايمس لانكفورد، عن تفاؤله قائلاً: «لن نغادر واشنطن حتى نضمن تمويل وزارة الأمن القومي»، وذلك في إشارة إلى مغادرة المُشرِّعين لقضاء عطلة الربيع الأسبوع المقبل. من ناحيتهم رحَّب الديمقراطيون بهذه الحلحلة؛ حيث قال السيناتور بيتر ويلش: «هذا تحرك مهم جداً. فخلافنا هو على ممارسات (آيس) وليس على تمويل عناصر أمن المطار أو خفر السواحل أو وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية».

ليونة في المواقف

عناصر «آيس» في مطار لاغوارديا بنيويورك يوم 23 مارس 2026 (إ.ف.ب)

وفي حال تبلورت هذه الخطة، سيُعدُّ هذا تغييراً جذرياً في مواقف ترمب بعد إصراره على عدم التفاوض أو الموافقة على أي اتفاق قبل إقرار المشروع الانتخابي. ومما لا شك فيه أن الازدحام الشديد في المطارات بسبب غياب عدد كبير من موظفي الأمن الذين لم يتقاضوا رواتبهم، إضافة إلى التحذيرات بوجود ثغرات أمنية داخلية في ظلِّ حرب إيران، أدت إلى حلحلة في المواقف. فقد تخطَّت ساعات الانتظار في بعض المطارات الـ4 ساعات، ورغم أن ترمب قرَّر إرسال عناصر «آيس» لمساعدة عناصر أمن المطار فإنهم لن يتمكَّنوا من إحداث فارق كبير؛ بسبب غياب تدريبهم على بروتوكولات تفتيش المسافرين؛ ما جعل وجودهم في المطارات حضورياً فحسب من دون تأثير يذكر.

وزير الأمن القومي الجديد ماركوين مولين بمجلس الشيوخ في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

يأتي هذا في حين صادق مجلس الشيوخ، في وقت متأخر من مساء الاثنين، على وزير الأمن القومي الجديد ماركوين مولين، الذي يستعد لتسلم منصبه في ظروف مشبعة بالتحديات بعد أن أقال ترمب وزيرة الأمن القومي السابقة كريستي نوم على خلفية تعاطيها مع ملف «آيس». وصوَّت 54 سيناتوراً لصالح مولين مقابل 45 من المعارضين في أرقام مثيرة للجدل، خصوصاً أنه شغل منصب سيناتور وهو أمر عادة ما يستقطب دعم زملائه في المجلس. وتدل هذه الأرقام على عمق الانقسامات السياسية التي تخيِّم على واشنطن، وتصعِّب من التوصُّل إلى تسويات.