هل تضع الولايات المتحدة سقفاً عمرياً لمرشحي الرئاسة؟

هفوات بايدن المتكررة وتدهور صحة ماكونيل أعادا الجدل حول عمر السياسيين

الهفوات المتكررة لبايدن سلّطت الضوء على كبر سنه (أ.ف.ب)
الهفوات المتكررة لبايدن سلّطت الضوء على كبر سنه (أ.ف.ب)
TT

هل تضع الولايات المتحدة سقفاً عمرياً لمرشحي الرئاسة؟

الهفوات المتكررة لبايدن سلّطت الضوء على كبر سنه (أ.ف.ب)
الهفوات المتكررة لبايدن سلّطت الضوء على كبر سنه (أ.ف.ب)

تتكرر هفوات السياسيين الأميركيين في الآونة الأخيرة، ما أعاد للواجهة الجدل حول السن والسياسة في الولايات المتحدة. يعاني جو بايدن، الرئيس الأكبر سناً في التاريخ الأميركي، من هفوات متتالية سلطت الضوء على صحته، إلى جانب زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل الذي بدوره عانى من وعكات أثارت أسئلة حول أدائه.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، احتمالات فرض سقف عمري للترشح لمناصب حكومية، والجدل المحيط بالصحة الجسدية والذهنية للمسؤولين.

استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع الدعم لبايدن بسبب كبر سنه (أ.ف.ب)

استطلاعات الرأي و«السقف العمري»

تقول ليندا فيلدمان، مديرة مكتب واشنطن في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»، إن هفوات المسؤولين الأميركيين المتكررة وزلاتهم «مثيرة للقلق»، مشيرة إلى استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت أن 77 في المائة من الأميركيين يدعمون تحديد سقف عمري للرئاسة. وتضيف فيلدمان: «في هذه الاستطلاعات يقول أكثر من 70 في المائة من الأميركيين إن بايدن لا يجب أن يترشّح مجدداً... كما أن حوادث (شلل) ميتش ماكونيل عززت هذا الشعور لأنه أعاد تسليط الضوء على عمر بايدن ما أثار إحباطاً كبيراً لدى الديمقراطيين».

من ناحيته، يشكك كريس إدلسون أستاذ الدراسات الحكومية بالجامعة الأميركية، في احتمال فرض سقف عمري على الترشح، مشيراً إلى أن خطوة من هذا النوع تحتاج إلى تعديل الدستور. ويعد إدلسون أن العمر لا يجب أن يكون محور الجدل، بل الصحة الذهنية والجسدية، مضيفاً: «دونالد ترمب في الـ77 من العمر. لا أعتقد أن سن الشخص يجب أن يكون العامل غير المؤهّل بحد ذاته... لكن إذا كنا سنتحدّث عن التقدّم في السن، أعتقد أنه يجب أن نشمل دونالد ترمب».

ويوافق وليام كول الصحافي ومؤلّف كتاب «ذي بيغ هاندرد» مع هذه المقاربة، فيقول: «هناك مخاطر في تعميم معاناة شخص واحد مع تقدّم العمر على جميع السياسيين الكبار في السن، لكني أعتقد أن موضوع تحديد سقف عمري للخدمة فكرة جيدة».

فاينتساين خلال جلسة استماع أمام اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ في 6 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

وفيما يدعو البعض؛ كالمرشحة الجمهورية للرئاسة نيكي هايلي، إلى ضرورة خضوع المرشحين لفحص «كفاءة ذهنية»، خصوصاً مع بروز مشاكل صحية جدية لدى وجوه بارزة في الكونغرس كرئيسة اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ دايان فاينتساين البالغة من العمر 90 عاماً، تعارض فيلدمان هذه المقاربة. وتفسّر: «نحن في نظام ديمقراطي ويجدر بالناخبين أن يقرروا أموراً من هذا النوع، لكنّ هناك جانباً سلبياً لهذا الأمر، حيث قد يرى الناخب اسماً يعرفه على ورقة الاقتراع ويصوت له».

وتتحدث فيلدمان عن مثال فاينتساين، عادّة أنه في النظام القائم حالياً، القرار يعود إليها في الاستقالة: «يتوقع الجميع أن تتقاعد بعد هذه الدورة. لكن لا يمكن لأحد أن يجبرها على الاستقالة أو على الخضوع لفحص الكفاءة الذهنية».

ماكونيل يتحدث للصحافيين بمبنى الكابيتول في 12 سبتمبر 2023 (رويترز)

المال والسلطة

يشير كول إلى أن الكونغرس الحالي «هو الأكبر سناً على الإطلاق»، إذ إن معدل العمر في مجلس الشيوخ 65 عاماً، الأمر الذي لا يعكس متوسّط عمر الأميركيين الذي يقدَّر بـ38 عاماً. ويفسّر كول لماذا يسعى المسؤولون إلى تجنب التقاعد قدر المستطاع، فيقول: «على غرار الكثيرين، إنهم يحاولون الاحتفاظ بوظائفهم. ولهذا، فهم لا يريدون تحديد فترة حكمهم. ماكونيل المثال الأبرز لهذه المشكلة... فهو يشغل منصب سيناتور منذ 1985، وهذه مشكلة، لأن هذا يعني أنه لا يتم تمثيل الأميركيين الشباب بشكل فعال فيما نسميه الديمقراطية التمثيلية».

ويعد إدلسون أن «السلطة والمال» سببان أساسيان في قرار السياسيين عدم التقاعد، ويقول إن «سلطة شغل المنصب قوية جداً، ومن الصعب أن يتنحى المسؤولون بعد أن يتم انتخابهم. كما أن هناك ترابط المال بالسياسة، وهو أمر يجب أخذه بعين الاعتبار». ويشير إدلسون إلى تغيير بارز في الدستور الأميركي أدى إلى تحديد مدة حكم الرئيس الأميركي بولايتين فقط، فقال: «الدستور الأصلي لم يحدد المدة التي يمكن أن يخدم فيها الرئيس. يجب أن يعاد انتخابه كل 4 أعوام لكن يمكنه أن يبقى في المنصب لمدى الحياة. إلى أن حقق جورج واشنطن سابقة دستورية عندما غادر منصبه بعد دورتين، وتم اتباع هذه السابقة حتى الرئيس فرنكلين روزفلت الذي تم انتخابه 4 مرات، وبعد روزفلت تم تعديل الدستور لتحديد بأنه لا يمكن الرئيس أن يشغل منصبه لأكثر من مرتين».

ترمب خلال دوري الغولف بنيوجرسي في 13 أغسطس 2023 (أ.ب)

تأثير الإعلام والاستراتيجية الجمهورية

تحذّر فيلدمان من دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في عكس صورة سلبية قد لا تحاكي الواقع عن بعض السياسيين بشكل عام، وبايدن بشكل خاص. وتقول إن «وسائل الإعلام، خصوصاً تلك المحافظة، ستقوم بتسليط الضوء فعلاً على لحظات الهفوات حين يبدو بايدن كأنه يخسر تسلسل أفكاره أو عندما ينسى مثلاً أين يعيش أحفاده». وتابعت: «لذا أعتقد أنه يجب ألا نقع فريسة الإعلام الاجتماعي ووسائل الإعلام عموماً التي تركز على اللحظات السيئة، وتتجاهل كل الأوقات التي أثبت فيها هؤلاء السياسيون المتقدمون في السن أنهم في صحة جيدة ويستطيعون القيام بعملهم».

ويتحدث كول عن هذه المقاربة، ويقول إنه رغم «طريقة مشي بايدن المتصلبة بعض الشيء، وتلعثمه بالكلام في بعض المناسبات، لكنه في حالة صحية جيدة. فهو يركب الدراجة الهوائية، ونحيف نسبياً ونشيط». من ناحية أخرى، فإن «الرئيس السابق دونالد ترمب يعاني من السمنة المفرطة وفقاً للمعايير الطبية، وهو يتبع نظام طعام غير صحي، ولا يمارس الرياضة باستثناء الغولف».

ويفسّر إدلسون سبب التركيز على عمر بايدن مشيداً بالاستراتيجية الجمهورية في هذا الإطار: «أعتقد أن الجمهوريين لديهم استراتيجية منسقة وفعالة إلى حد ما، بدءاً من دونالد ترمب وهو زعيم الحزب، حيث يركزون على سن جو بايدن بشكل خاص. فقد كان دونالد ترمب يطلق عليه لقب (جو النائم) وهو لقب ساخر. فيما تقول نيكي هايلي إن التصويت لجو بايدن هو تصويت لكامالا هاريس»، ما يلمح إلى أن جو بايدن قد لا يكون قادراً على شغل منصبه حتى نهاية ولايته الثانية.

بايدن وترمب خلال المناظرة الرئاسية في 22 أكتوبر 2020 بولاية تينيسي (أ.ب)

«دولة شيخوخة»

مع غياب حلول فعلية، يحذّر كول من تحول الولايات المتحدة إلى «دولة شيخوخة»، مطلقاً عليها لقب «الولايات المتحدة الرمادية». وشدد كول على ضرورة أن يكون هناك مزيد من المرشحين الشباب، مشيراً إلى أهمية فرض سقف عمري لإعادة الترشح. وقال: «الدستور يحدد العمر الأدنى للمناصب الفيدرالية الرئيسية، وليس الحد الأعلى؛ فيجب أن يبلغ المرشح الـ35 من العمر ليكون رئيساً، و30 عاماً لينتخب سيناتوراً، و25 من العمر ليكون نائباً».

أما إدلسون، الذي يستبعد فرض سقف عمري، فيعرض حلاً من نوع آخر يتمثل بالشفافية. ويقول: «في نظام ديمقراطي، يحتاج الناخب إلى المعلومات. عمر المرشح لا يدل على الكثير. كما أنه من غير المفيد الخضوع إلى فحوصات الكفاءة الذهنية أو العقلية أو حتى الجسدية، لكن يمكننا المطالبة بالشفافية».

وتابع: «أعتقد أنه عندما تترشح لمنصب رئيس الجمهورية، يجب أن توفر المعلومات الخاصة بك للجميع، حيث يجب أن نعلم ما يقوله الأطباء عن صحتك. لا نتوقع ذلك للأشخاص العاديين، لأن هذه المعلومات خاصة وسرية، لكن إن كنت تترشح لمنصب رئيس الجمهورية، فيجب أن نطلع على هذه المعلومات. حينها يمكن للناخب اتخاذ قراره».


مقالات ذات صلة

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

الولايات المتحدة​ هانتر بايدن (رويترز)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)

ترمب: لم أكن قلقاً أثناء إطلاق النار بحفل المراسلين... ولست متحرشاً بالأطفال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب: لم أكن قلقاً أثناء إطلاق النار بحفل المراسلين... ولست متحرشاً بالأطفال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه «لم يكن قلقاً»، أثناء إجلائه من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، بعد محاولة مسلَّح اقتحام قاعة الاحتفالات، كما نفى اتهامات مطلق النار بأنه «مغتصب ومتحرش بالأطفال».

وخلال مقابلة مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس نيوز»، قال ترمب، بعد يوم واحد من حادثة إطلاق النار في فندق هيلتون بواشنطن العاصمة: «لم أكن قلقاً، أنا أفهم الحياة. نحن نعيش في عالم مجنون».

كما أشار إلى أنه حاول التباطؤ أثناء إجلائه من القاعة، بعد أن أطلق المشتبَه به كول توماس ألين النار قرب نقطة تفتيش أمنية، خلال الحفل؛ لمعرفة ما يحدث.

وقال: «لم أُسهّل على عناصر الأمن إجلائي من القاعة، أردتُ أن أرى ما يجري. أردتُ أن أرى ما يحدث. لكن بعد ذلك بدأنا نُدرك أن الأمر ربما كان خطيراً، حيث طلب مني عناصر الأمن الاحتماء والانبطاح على الأرض. كنتُ محاطاً بأشخاص رائعين».

وأوضح أن السيدة الأولى ميلانيا ترمب بدت متوترة، خلال اللحظات الأولى، لكنه أشاد بتعاملها مع الموقف، قائلاً إنها «كانت قوية جداً وذكية»، كما أثنى على سرعة استجابة جهاز الخدمة السرية، الذي تمكّن من تحييد المُهاجم خلال ثوانٍ.

وقال مسؤولون إن المشتبَه به أطلق النار من بندقية صيد على أحد أفراد الخدمة السرية، عند نقطة تفتيش أمنية في فندق هيلتون واشنطن، قبل السيطرة عليه واعتقاله.

وقال ترمب إن فرد الخدمة السرية الذي أُصيب بالرصاص نجا من إصابة خطيرة بفضل ارتدائه سترة واقية.

وخلال المقابلة، انتقد ترمب مقدِّمة برنامج «60 دقيقة» نورا أودونيل، بعد قراءة مقتطفات من وثيقة مكتوبة يُعتقد أنها مرتبطة بالمشتبه به تضمنت إشارة لترمب على أنه «متحرش بالأطفال، ومغتصب، وخائن»، حيث قال ترمب لأودونيل: «عليكِ أن تخجلي من نفسكِ لقراءة ذلك؛ لأنني لستُ أياً من هؤلاء، لستُ مغتصباً، لم أغتصب أحداً، ولستُ متحرشاً بالأطفال».

وجرى تداول هذه المقتطفات على عدة وسائل إعلام أميركية. ولم تتحقق «بي بي سي نيوز»، بشكل مستقل، من صحة الوثيقة، والتي وُصفت بأنها بيان، ويُزعم أنها أُرسلت إلى أفراد عائلة المشتبه به قبل محاولة الهجوم، حيث كتب ألين أنه «سيستهدف أعضاء إدارة ترمب».

ورغم الحادث، أكد ترمب رغبته في عدم إلغاء حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، داعياً إلى إعادة تنظيمه قريباً مع تعزيز الإجراءات الأمنية.


تقييم الترتيبات الأمنية الخاصة بترمب بعد واقعة حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)
TT

تقييم الترتيبات الأمنية الخاصة بترمب بعد واقعة حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)

يقيّم مسؤولو إنفاذ القانون الأميركيون الترتيبات الأمنية المتعلقة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعد أن أطلق مسلَّحٌ الرصاص بالقرب من حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض، مما أثار تساؤلات حول كيفية تمكنه من الاقتراب إلى هذا الحد من حدث يحضره الرئيس وأعضاء الحكومة ومشرِّعون.

وقال اثنان من عناصر جهاز الخدمة السرية السابقين وثلاثة مسؤولين أميركيين كبار، لـوكالة «رويترز»، أمس الأحد، إن عناصر اتحاديين بدا أنهم نفّذوا خطتهم لحماية الرئيس بفاعلية، ليل السبت، عندما أوقفوا المسلَّح المشتبَه به قبل أن يصل إلى الطابق السفلي من فندق هيلتون واشنطن، حيث كان من المقرر أن يُلقي ترمب كلمة.

لكن المسؤولين قالوا إن سماع بعض الحاضرين دويَّ الرصاص الذي أُطلق على أحد عناصر جهاز الخدمة السرية سلّط الضوء على نقاط الضعف، حتى بعد أن دفعت محاولتا اغتيال ضد ترمب، خلال حملة 2024، إلى اتخاذ تدابير أمنية أكثر صرامة حول الرئيس.

ولم يردَّ جهاز الخدمة السرية بعدُ على طلب «رويترز» للتعليق.

وقال المسؤولون السابقون في أجهزة إنفاذ القانون إن الدرس الأكثر وضوحاً المستفاد من الواقعة هو أن أفراد الأمن ربما يحتاجون إلى توسيع نطاق الحماية حول الرئيس في الأماكن العامة الكبيرة، حتى لو أدى ذلك إلى إزعاج الجمهور.

وأشار بعض المسؤولين الأميركيين إلى أن نطاق الحماية الأمنية في تجمعات ترمب، غالباً ما يكون أوسع بكثير من ذلك الذي حدث يوم السبت.

وطُلب من الضيوف في حفل العشاء، الذي أُقيم يوم السبت، المرور عبر أجهزة الكشف عن المعادن لدخول قاعة الرقص، لكنهم لم يحتاجوا سوى لبطاقة لدخول الفندق نفسه. وقال شخص على دراية مباشرة بالترتيبات المتعلقة بالحدث، إن عدة أشخاص حاولوا الدخول باستخدام بطاقة العام الماضي.

وقال مسؤولون إن الرجل القادم من كاليفورنيا وبدا أنه تجاوز الحراسة مسرعاً وحاملاً عدة أسلحة، اتضح أنه تجاوز حتى تلك الخطوة الأساسية، من خلال تسجيل دخوله الفندق في الأيام التي سبقت الفعالية.

عناصر الشرطة والخدمة السرية يجلون الرئيس ترمب من صالة حفل مراسلي البيت الأبيض بعد إطلاق النار مساء السبت (رويترز)

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، نقلا عن مصادر لم تسمها، أن الحفل لم يخصص له مستوى التأمين المعتاد للتجمعات التي تضم كبار المسؤولين، ما يعني عدم نشر كامل الموارد الأمنية.

ومن المقرر أن يعقد السيناتور الجمهوري تشاك جراسلي جلسة استماع لاستجواب جهاز الخدمة السرية بشأن الترتيبات الأمنية.
من جهته، دافع القائم بأعمال المدعي العام الأميركي، تود بلانش، عن الإجراءات، مصرحا لشبكة «إن بي سي نيوز» بأن النظام الأمني عمل كما هو مخطط له، وأنه تم تحييد المهاجم بسرعة.

توسيع نطاق الحماية

قال بيل جيج، الذي خدم في فريق مكافحة الهجمات، التابع لجهاز الخدمة السرية لمدة ست سنوات ويشغل حالياً منصب مدير الحماية التنفيذية في مجموعة سيف هافن سكيوريتي جروب، إن المراجعات التي ستُجرى بعد الواقعة ستُركز على الأرجح، ولو بقدرٍ ما، على دفع أجهزة الكشف عن المعادن إلى مسافةٍ أبعد لتوسيع النطاق الخارجي.

وأضاف جيج، وفق «رويترز» أن جهاز الخدمة السرية «سيُضطر إلى إيجاد طريقة لتأمين الفنادق الكبيرة بشكل أفضل، وهو ما قد يسبب إزعاجاً لنزلاء الفندق وللفندق نفسه».

وتابع أن جهاز الخدمة السرية سيحتاج إلى تحسين تنسيق عملية إجلاء المسؤولين الآخرين في الإدارة.

وقامت عدة هيئات لإنفاذ القانون بإجلاء الحاضرين بعد إطلاق الرصاص، مما يسلّط الضوء بشأن كيف أن الشبكة المعقّدة للأجهزة المسؤولة عن حماية مختلف الشخصيات المهمة يمكن أن تؤدي إلى استجابات تبدو غير منسقة. وأظهر تحليل صوتي ومرئي، أجرته «رويترز»، أن إخراج ترمب من القاعة استغرق ما يزيد قليلاً عن 30 ثانية بعد إطلاق الرصاصات الأخيرة، لكن الأمر استغرق ما لا يقل عن 100 ثانية حتى يغادر وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت إف كنيدي القاعة، ونحو 150 ثانية حتى يخرج وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث.

وقال دون ميهالك، وهو عنصر كبير سابق بجهاز الخدمة السرية وشارك في تأمين حفلات عشاء المراسلين السابقة بفندق هيلتون واشنطن، إن تأمين الموقع مترامي الأطراف شكَّل تحديات منذ فترة طويلة.

وأضاف ميهالك: «متأكد من أن جهاز الخدمة السرية سيعود ويعيد النظر في الترتيبات هناك، وربما يوسّع نطاق الحماية الآن، بسبب ما حدث».

وقال ترمب نفسه، في مؤتمر صحافي مرتجل، في وقت متأخر من يوم السبت، إن فندق هيلتون واشنطن «ليس مبنى يتمتع بقدر خاص من الأمن».

وخلال محاولة الاغتيال الأولى ضد ترمب، التي وقعت في تجمع انتخابي في بتلر بولاية بنسلفانيا، في يوليو (تموز) 2024، تعرّض مسؤولو إنفاذ القانون لانتقادات؛ لعدم فرض محيط أمني فعال. وسمح هذا الإغفال لمسلَّح بالحصول على خط رؤية واضح لترمب الذي كان مرشحاً للرئاسة آنذاك وأصيب في أذنه.

«كاميرات مراقبة في كل منعطف»

ومُطلِق النار نفسه مِن بين مَن انتقدوا الإجراءات الأمنية للفعالية، إذ عبّر، في بيان مكتوب، حازت صحيفة «نيويورك بوست» على السبْق في نشره، عن مدى التراخي الذي بدا عليه الأمن.

وكتب الرجل: «كنت أتوقع وجود كاميرات مراقبة في كل منعطف، وغرف فندقية مزودة بأجهزة تنصُّت، وعناصر مسلّحين كل عشرة أقدام، وأجهزة الكشف عن المعادن في كل مكان... ما واجهته (مَن يدري، ربما كانوا يمازحونني!) هو لا شيء».

المشتبه به في إطلاق النار كول توماس ألين بعد احتجازه (رويترز)

وسارع مؤثّرون ومسؤولون محافظون، بمن فيهم تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل، إلى استخدام منصة «إكس» للقول إن الواقعة توضح سبب وجوب المُضي قدماً في بناء قاعة احتفالات بالبيت الأبيض. وأمر قاضٍ اتحادي بوقف بناء قاعة الرقص في أواخر مارس (آذار) الماضي، قائلاً إن المشروع غير قانوني دون موافقة «الكونغرس»، لكن محكمة استئناف اتحادية علّقت لاحقاً ذلك الأمر القضائي.

وقال أحد المسؤولين الأميركيين إنه يتوقع مراجعة الإجراءات الأمنية المحيطة بالرئيس وحكومته، وربما بعض التغييرات. وأشار مسؤول أميركي ثانٍ إلى أنه جرى تشديد الإجراءات الأمنية لبعض أعضاء الحكومة عندما اندلعت الحرب على إيران في فبراير (شباط) الماضي.


إدارة ترمب تضغط لسحب دعوى ضد تشييد قاعة احتفالات في البيت الأبيض

البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)
البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)
TT

إدارة ترمب تضغط لسحب دعوى ضد تشييد قاعة احتفالات في البيت الأبيض

البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)
البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

تستخدم وزارة العدل التابعة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حادث إطلاق النار الذي وقع في عشاء مراسلي البيت الأبيض، أول من أمس السبت، لمحاولة الضغط على دعاة الحفاظ على التراث للتنازل عن دعواهم القضائية بشأن قاعته المخطط لها بتكلفة 400 مليون دولار في موقع الجناح الشرقي السابق للبيت الأبيض.

وقال القائم بأعمال المدعي العام تود بلانش، أمس، على منصة «إكس»: «حان الوقت لبناء القاعة»، ونشر رسالة لمساعد المدعي العام بريت شوميت منح فيها «الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي» - الذي رفع دعوى لوقف البناء - مهلة حتى الساعة التاسعة من صباح اليوم الاثنين للتنازل عن دعواه، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وكتب شوميت أنه إذا لم يفعل الصندوق ذلك، فإن الحكومة ستطلب من المحكمة شطب الدعوى «في ضوء الأحداث الاستثنائية» ليلة السبت، واصفاً فندق واشنطن هيلتون - موقع الحفل - بأنه «غير آمن بشكل واضح» للفعاليات التي يحضرها الرئيس «لأن حجمه يفرض تحديات أمنية استثنائية على جهاز الخدمة السرية».

وكتب شوميت أن قاعة البيت الأبيض «ستضمن سلامة وأمن الرئيس لعقود قادمة وتمنع محاولات الاغتيال المستقبلية للرئيس في واشنطن هيلتون».

ورداً على سؤال حول الرسالة، قال إليوت كارتر، المتحدث باسم الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي، يوم الأحد إن المجموعة ستراجعها مع المستشار القانوني.

وكانت مجموعة الحفاظ على التراث قد رفعت دعوى قضائية في ديسمبر (كانون الأول)، بعد أسبوع من انتهاء البيت الأبيض من هدم الجناح الشرقي لإفساح المجال لبناء قاعة احتفالات قال ترمب إنها ستتسع لـ999 شخصاً. ويقول ترمب إن المشروع يتم تمويله من تبرعات خاصة، رغم أن الأموال العامة تدفع تكاليف بناء المخبأ والتحصينات الأمنية.

وحضر حشد من 2300 شخص حدث ليلة السبت في فندق هيلتون في واشنطن، الذي يضم واحدة من القاعات القليلة الكبيرة بما يكفي لهذا الحدث. ويتم حشد الحاضرين على طاولات مستديرة تلتصق كراسيها ببعضها البعض، والمساحة المتاحة للحركة ضيقة. ولا يعد العشاء حدثاً رسمياً للبيت الأبيض، بل تديره رابطة مراسلي البيت الأبيض، وهي منظمة غير ربحية من الصحافيين من وسائل الإعلام التي تغطي أخبار الرئيس.

وفي أعقاب إطلاق النار، استغل ترمب وبلانش وعدد من مؤيدي الإدارة الفرصة للترويج للمشروع عبر منصات التواصل الاجتماعي والبرامج الإخبارية. وقال النائب الجمهوري عن ولاية أوهايو جيم جوردان إنه يتفق مع ترمب «بنسبة 100في المائة» بشأن مشروع البناء الضخم في البيت الأبيض، والذي قال جوردان في قناة «فوكس نيوز» إنه «سيكون بوضوح موقعاً أكثر أماناً لهذا النوع من الفعاليات».