المناورات العسكرية الأميركية - الأرمينية تقلق روسيا

واشنطن تعزز حضورها في القوقاز بسبب الخلافات بين موسكو ويريفان

جندي أرميني يراقب بالمنظار مواقع قتالية قرب قرية تاغافارد في منطقة ناغورنو كاراباخ في 11 يناير 2021 (رويترز)
جندي أرميني يراقب بالمنظار مواقع قتالية قرب قرية تاغافارد في منطقة ناغورنو كاراباخ في 11 يناير 2021 (رويترز)
TT

المناورات العسكرية الأميركية - الأرمينية تقلق روسيا

جندي أرميني يراقب بالمنظار مواقع قتالية قرب قرية تاغافارد في منطقة ناغورنو كاراباخ في 11 يناير 2021 (رويترز)
جندي أرميني يراقب بالمنظار مواقع قتالية قرب قرية تاغافارد في منطقة ناغورنو كاراباخ في 11 يناير 2021 (رويترز)

شرعت الولايات المتحدة في مناورات مشتركة (الاثنين) مع أرمينيا، في ظل توتر كبير للأخيرة مع روسيا، حليفتها التقليدية، على وقع الأزمة المتواصلة على إقليم ناغورنو كاراباخ، وفي خضم الحرب الأوكرانية.

وبينما سعت واشنطن إلى استغلال الشقوق في مجال النفوذ التقليدي لموسكو، بما في ذلك في أرمينيا، وهي دولة صغيرة في جنوب القوقاز وحليفة وثيقة لروسيا منذ نحو 200 عام، بدأت القوات الأميركية مناورات «إيغل بارتنر 2023» من 11 سبتمبر (أيلول) إلى 20 منه بغية «زيادة مستوى قابلية التشغيل البيني» للقوات الأرمينية والأميركية في مهمات حفظ السلام الدولية. وسيتدرب نحو 175 جندياً أرمينياً مع نحو 85 جندياً من قيادة الجيش الأميركي في أوروبا وأفريقيا، في مركزي زار وأرمافير للتدريب الواقعين قرب العاصمة يريفان.

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال اجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في موسكو بتاريخ 25 مايو 2023 (رويترز)

ومنذ تفكك الاتحاد السوفياتي، كانت أرمينيا شريكاً أمنياً مهماً لروسيا، وتستضيف واحدة من القواعد العسكرية الروسية القليلة على أراضٍ أجنبية، علماً أيضاً أن أرمينيا ظلت عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي تحالف أمني لدول الاتحاد السوفياتي السابق، طورته موسكو كرد على منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو». ولكن أرمينيا عملت على نحو كبير على التخلص من نفوذ روسيا، وخصوصاً عقب غزوها أوكرانيا. وفي وقت سابق من هذا العام، نفى رئيس الوزراء نيكول باشينيان بشكل مباشر إعلان الكرملين أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي ستستضيف تدريبات هذا العام في أرمينيا. كما رفض إرسال قوات للمشاركة في تلك التدريبات التي أجريت في نهاية المطاف في بيلاروسيا في وقت سابق هذا الشهر.

من اليسار: رئيس الوزراء البيلاروسي رومان غولوفتشينكو ورئيس الوزراء الكازاخستاني عليخان سمايلوف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان ورئيس الوزراء القيرغيزي أكيلبيك جباروف ورئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين ورئيس مجلس إدارة اللجنة الاقتصادية الأوراسية ميخائيل مياسنيكوفيتش يغادرون بعد الصورة التذكارية لاجتماع المجلس الحكومي الدولي الأوراسي، في تساجكادزور في أرمينيا 24 أغسطس 2023 (أرشيف)

اعتراف أميركي

واعترف مسؤول كبير في وزارة الخارجية بأن الولايات المتحدة تتطلع إلى تعزيز شراكاتها مع الدول التي كانت تعتمد تقليدياً على موسكو للتعاون الاقتصادي والعسكري، رغم أن ذلك المسؤول رفض الفكرة التي كانت السبب وراء التدريبات المشتركة مع أرمينيا. وقال: «نحن نبحث دائماً عن فرصة لتعميق علاقاتنا الثنائية مع هذه الدول». واستضافت أرمينيا قوات من «الناتو» في السابق للتدريب. وأفاد مسؤولون أميركيون بأن التدريبات المشتركة مع أرمينيا كانت قيد الإعداد فترة طويلة، وستركز على عمليات حفظ السلام. وخلال الأسبوع الماضي، عبر الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف عن «قلق» بلاده من التدريبات، مندداً بما سماه «الإجراءات غير الودّية» من أرمينيا. ورأى أن مثل هذا التقارب بين يريفان وواشنطن «يتطلب تحليلاً عميقاً للغاية»، مؤكداً أن موسكو تريد مواصلة «الحوار الوثيق مع الجانب الأرميني».

الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (الأحد) أن روسيا لا ترى «شيئاً جيداً في محاولات دولة عدوانية عضو في حلف شمال الأطلسي للتوغل في القوقاز». وتحدث هذه التدريبات وسط توترات كبيرة بين أرمينيا وأذربيجان المجاورة، بالإضافة إلى إحباط يريفان الكبير من فشل موسكو في فرض وقف النار لعام 2020 الذي توسطت فيه بين الطرفين، بينما كان الكرملين غارقاً في الحرب الأوكرانية.

نحو أميركا والغرب

وفي حين أن جزءاً من توجه أرمينيا نحو الغرب يعكس تحولاً بين الأجيال بين الشباب الذين يرون مستقبلهم مرتبطاً بأوروبا والولايات المتحدة، فإن هذا التحول مدفوع أيضاً بإحباط أرمينيا من روسيا. وتقول يريفان إن موسكو أخفقت في الوفاء بالضمانات الأمنية في ناغورنو كاراباخ، وهي منطقة ذات غالبية أرمينية تقع داخل أذربيجان، ولكن متنازع عليها بين البلدين منذ 3 عقود. وانفصل هذا الجيب، الذي يبلغ عدد سكانه نحو 120 ألف نسمة، عن أذربيجان في التسعينات من القرن الماضي. وبعد قتال عنيف مع أرمينيا عام 2020، استعادت أذربيجان السيطرة على المنطقة. وفي ذلك الوقت، توسطت روسيا في وقف لإطلاق النار، ووعدت بوقف العنف وضمان حرية الحركة لكلا الجانبين عبر ممر لاتشين، وهي الطريق الرئيسية التي تربط ناغورنو كاراباخ بأرمينيا والطريق الحيوية لتوصيل الغذاء والوقود والمواد الغذائية والدواء إلى الجيب.

شاحنات محملة بمساعدات إنسانية لمنطقة ناغورنو كاراباخ قرب مدخل ممر لاتشين الرابط البري للمنطقة مع أرمينيا في 30 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ولكن أذربيجان فرضت منذ ذلك الحين حصاراً فعلياً على هذا الممر. وفي الشهر الماضي، حضت الأمم المتحدة أذربيجان على رفع الحصار «لتخفيف معاناة الآلاف من الأشخاص في ناغورنو كاراباخ، والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى السكان المدنيين». وتقول أذربيجان إنها تمنع استيراد الأسلحة إلى أراضيها من أرمينيا، وهو ما نفته أرمينيا. وخلال الأسبوع الماضي، حشدت أذربيجان قوات حول الجيب وعلى حدود أرمينيا، في خطوة وصفها باشينيان بأنها أدت إلى تفاقم الوضع السياسي والعسكري في المنطقة. وقال رئيس مركز أبحاث السياسة الأمنية أريج كوشينيان من يريفان إن «أرمينيا تعتمد بشكل مفرط على روسيا، وهذا هو أكبر ضعف استراتيجي لدينا وأكبر خطأ لدينا، وهو أمر يتعين علينا تغييره مع الغرب والشركاء الآخرين». وأضاف أن «الأمر لا يقتصر على أن الأرمن لم يعودوا ينظرون إلى روسيا كشريك، بل بدأوا يطلقون عليها اسم الخائن». وحتى الآن، كانت أرمينيا حريصة على عدم استفزاز روسيا، التي غزت جورجيا عام 2008 وأوكرانيا في العام الماضي بسبب محاولات البلدين الخروج من مدارها. ومع ذلك، انتقدت موسكو بشكل كبير الخطاب الأرميني المؤيد للغرب وتعبيراته عن الإحباط، ووصفته بأنه «يقترب من الوقاحة». وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أيضاً الأسبوع الماضي أنها استدعت السفير الأرميني للاحتجاج على الخطاب المناهض لروسيا بشكل كبير بين المسؤولين الأرمينيين. ومع تصاعد هذه التوترات بين روسيا وأرمينيا، لعبت الولايات المتحدة دوراً نشطاً بشكل كبير في المنطقة، حيث أدانت الأزمة الإنسانية داخل ناغورنو كاراباخ، ودعت أذربيجان إلى إعادة فتح ممر لاتشين. وكذلك لعبت واشنطن دوراً في التفاوض على وقف النار عندما اندلعت الأعمال العدائية العام الماضي. كما عقد وزير الخارجية أنتوني بلينكن اجتماعات مع باشينيان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف هذا العام. وأثارت التدريبات العسكرية الحالية القلق في أذربيجان من أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون وسيطاً نزيهاً في نزاعها مع أرمينيا. غير أن مسؤولاً كبيراً في وزارة الخارجية الأميركية وصفت التدريبات بأنها جزء من «شراكة مستمرة» مع أرمينيا، نافياً الادعاءات بأنها تشير إلى أي نوع من التحيز، مضيفاً أن «الشفافية هي السبيل للتعامل مع الكثير من هذه القضايا».


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

يبدأ الجيش اللبناني، الثلاثاء، تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني، وفق ما أعلن الطرفان، على أن يشارك عناصر من جيوش الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا في المناورة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية جانب من مناورات أجرتها تركيا في بحر إيجه في سبتمبر الماضي (وزارة الدفاع التركية)

أزمة جديدة بين أنقرة وأثينا

صدرت تحذيرات من مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان، على خلفية إعلان أثينا الاستعداد للبدء مجدداً في مشروع للربط الكهربائي مع قبرص وإسرائيل أسفل مياه المتوسط.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الجيش المصري يعلن عن تدريب عسكري مشترك مع إيطاليا (المتحدث العسكري المصري)

مناورة مصرية - إيطالية تدعم تعزيز العلاقات

أعلن الجيش المصري تنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة مع الجانب الإيطالي تضمنت مناورات بمناطق جبلية في إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا جندي بيلاروسي يشارك في عرض عسكري بالعاصمة مينسك (أرشيفية - رويترز) p-circle

بيلاروسيا تنفّذ مناورات عسكرية على حدودها مع الاتحاد الأوروبي

أجرت بيلاروسيا، المتحالفة مع روسيا، مناورات عسكرية في الجزء الغربي من أراضيها، على حدودها مع الاتحاد الأوروبي الذي بلغت التوترات بينها وبينه ذروتها.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا سيّاح يشاهدون المناورة العسكرية متعددة الجنسيات بقيادة اليونان ومصر (أ.ب)

سياح في جزيرة كريت يتابعون عن قرب تدريبات عسكرية تقودها اليونان ومصر

حظي المصطافون في جزيرة كريت اليونانية، الجمعة، بمشاهدة عن قرب لتدريبات «ميدوسا» العسكرية واسعة النطاق كانت تجري أمامهم.

«الشرق الأوسط» (ماليمي (اليونان))

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
TT

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية، وذلك بعدما كان وقّعها الشهر الماضي لتصبح قانونا.

وجاء في الأمر التنفيذي «وفقا لما تنص عليه المادة الرابعة من هذا الأمر، قرّرت تعليق تطبيق العقوبات والقيود والرسوم المنصوص عليها في قانون غراهام».

ومنح قانون ليندسي غراهام، الذي حمل اسم السناتور الأميركي الراحل، ترامب صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على كبار مشتري النفط والغاز الروسيين.

ويستهدف القانون قطاعَي الطاقة والدفاع الروسيَّين، والرئيس فلاديمير بوتين وغيره من كبار المسؤولين، فضلا عما يُعرف بـ«أسطول الظل» من ناقلات النفط الروسية المستخدمة للالتفاف على العقوبات الغربية.

وأتت خطوة ترمب بعد اتفاقه مع بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية مقابل تخفيف العقوبات الأميركية على موسكو.

إلا أنها الاتفاق أثار استياء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي وصفه بأنه «قرار ضعيف»، وقرّر استئناف الهجمات على مصافي النفط الروسية، خلافا لإعلان الرئيس الأميركي.


من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض
TT

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

لم يكن منصب المتحدث باسم البيت الأبيض يوماً مجرد وظيفة إدارية عادية، بل هو خط الدفاع الأول عن أدق أسرار وتوجهات الإدارة الأميركية، والموقع الأكثر عرضة لـ«مقاصل» الإقالة السياسية السريعة.

ومع التطورات الأخيرة الصادمة في أروقة واشنطن، أعاد سقوط المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا بعد أسبوع فقط من تعيينها، تسليط الضوء على تاريخ هذا المنصب المليء بالإعفاءات العاصفة والوجوه التي لم تكد تحفظ ممرات المبنى البيضاوي حتى أُجبرت على مغادرته.

الأسرع في التاريخ... زلة لسان وأكاذيب قانونية تطيح بزكريا

سجلت كاتي زكريا الرقم القياسي كأقصر المتحدثين الرسميين بقاءً في تاريخ البيت الأبيض بعد خمسة أيام فقط من توليها المنصب في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وجاء سقوطها المدوي إثر مواجهتها لإحاطة صحافية أولى استمرت 14 دقيقة فقط، تخللتها زلات لسان غريبة أثارت سخرية منصات التواصل الاجتماعي.

ولم تقف الأمور عند حد الارتباك المهني، بل جاء المنعطف الحاسم الذي عجل برحيلها، والذي كان افتضاح أمر مؤهلاتها القانونية، حيث قدّمها الرئيس دونالد ترمب كمحامية محترفة، ليتبين لاحقاً للصحافة الاستقصائية أنها رسبت في اختبار نقابة المحامين ولم تحصل قط على الترخيص، ما دفع ترمب لحثها علناً على الاستقالة قائلاً لها أمام الكاميرات إن عليها إعادة النظر في موقعها.

وبذلك غادرت المعلقة السياسية المحافظة والمستشارة الإعلامية السابقة منصبها قبل أن تبدأ عملياً في ممارسته.

المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

شون سبايسر... حارس بوابة «الحقائق البديلة» الذي دهسته التجاذبات

وفي سياق متصل، حفر شون سبايسر اسمه في ذاكرة الإقالات الخاطفة خلال عهد ترمب الأول عام 2017، حيث أمضى 182 يوماً فقط في منصبه. سبايسر، الذي كان يشغل سابقاً منصب الخبير الاستراتيجي الإعلامي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، دخل في مواجهة طاحنة مع الجسم الصحافي منذ اليوم الأول لتكليفه، عندما أُجبر على تضخيم أرقام الحضور في حفل تنصيب ترمب بما يخالف الصور الجوية الواقعية.

وتآكلت الرصانة المهنية لسبايسر يومياً تحت وطأة ضغوط الإدارة ورغبتها في الهجوم الشرس على وسائل الإعلام، لتأتي نهايته السريعة بالاستقالة احتجاجاً على تعيين ترمب للمستثمر النيويوركي أنتوني سكاراموتشي مديراً للاتصالات.

المتحدث باسم البيت الأبيض السابق شون سبايسر (أ.ف.ب)

مفارقة سكاراموتشي... «الخروج الكبير» في أحد عشر يوماً

وعلى الرغم من أن أنتوني سكاراموتشي لم يشغل تقنياً منصب السكرتير الصحافي بل مدير اتصالات البيت الأبيض، فإن تجربته تظل الأيقونة التاريخية للإقالات الخاطفة في الجناح الغربي بعد أن أمضى 11 يوماً فقط في منصبه في يوليو (تموز) 2017.

وفقد الممول القادم من قطاع وول ستريت وظيفته إثر إجرائه مقابلة صحافية هاتفية مليئة بالألفاظ النابية والشتائم الموجهة لزملائه في الإدارة مثل رينس بريبوس وستيف بانون.

وجاء قرار إبعاده السريع بضغط مباشر من رئيس الموظفين آنذاك، جون كيلي، لفرض الانضباط العسكري داخل الفريق، ما جعل اسم سكاراموتشي يتحول في واشنطن إلى وحدة قياس زمنية تهكمية للمقارنة مع أي مسؤول يقال سريعاً.

مدير اتصالات البيت الأبيض السابق أنتوني سكاراموتشي (رويترز)

وعلّق سكاراموتشي عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» متفاعلاً مع كسر رقمه القياسي السابق، حيث كتب معقباً على تغريدة للإعلامي جو سكاربورو: «الأرقام القياسية وُجدت لتُحطم.. لكنني لا أجد أي متعة في آلام الآخرين».

وجاء هذا التعليق ليعكس المفارقة التاريخية الساخرة التي أصبحت تربط بين اسمه واسم زكاريا كأقصر المسؤولين بقاءً في مناصبهم الإعلامية داخل البيت الأبيض.

ستيفاني غريشام... المتحدثة التي غادرت دون منصة

ومن باب مغاير تماماً، دخلت ستيفاني غريشام التاريخ السياسي الأميركي بصفتها المتحدثة الوحيدة باسم البيت الأبيض التي أمضت كامل فترة خدمتها السريعة، البالغة تسعة أشهر بين عامي 2019 و2020، دون أن تعقد إحاطة صحافية رسمية واحدة في قاعة الصحافة «جيمس برادي».

غريشام، التي امتلكت خلفية كمؤلفة ومسؤولة إعلامية ومساعد إداري مقرب من ميلانيا ترمب، اقتصر دورها على التصريحات المكتوبة والمقابلات التلفزيونية الصديقة للحزب.

وتمثلت أسباب إبعادها السريع في رغبة الإدارة في تغيير الاستراتيجية الاتصالية بالكامل مع بدء أزمة جائحة كورونا (كوفيد - 19) والتحضير للانتخابات، حيث استُبدلت بها كيلي ماكناني، لتتحول غريشام لاحقاً إلى واحدة من أشرس منتقدي ترمب.

ستيفاني غريشام المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (إ.ب.أ)

مقاصل الرؤساء الآخرين... جيرالد فورد وبيل كلينتون نموذجاً

ولم تكن الإقالات والاستقالات السريعة حكراً على عهد ترمب، بل عرفت الإدارات الأميركية السابقة هزات مماثلة، وتبرز في هذا السياق تجربة الصحافي المخضرم جيرالد تيرهورس الذي عينه صديقه القديم الرئيس جيرالد فورد كأول متحدث رسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) فور توليه الرئاسة عام 1974.

جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

تيرهورس، الذي أمضى عقوداً في عالم الصحافة مديراً لمكتب صحيفة «ديترويت نيوز» في واشنطن، وكان يبلغ من العمر آنذاك 52 عاماً عند تكليفه بالمنصب، لم يصمد في موقعه سوى شهر واحد فقط (30 يوماً) وجاء خروجه الخاطف في خطوة وُصفت تاريخياً بـ«موقف ضمير أخلاقي نادر»، بعد أن قدّم استقالته احتجاجاً على قرار فورد المفاجئ بمنح عفو رئاسي كامل وغير مشروط عن الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في فضيحة «ووترغيت»، ليحل محله سريعاً مراسل شبكة «إن بي سي» رون نيسن.

رسالة استقالة جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

وفي عهد الديمقراطيين، واجهت دي دي مييرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد بيل كلينتون عام 1993، تهميشاً وإقالة ضمنية مبكرة خلال السنة الثانية من حكم كلينتون، حيث سُحبت منها الصلاحيات تدريجياً بسبب ما وصفه البيت الأبيض بسوء تنسيق الرسالة السياسية للإدارة، وحُرمت لفترة من دخول بعض الاجتماعات الاستراتيجية الحساسة قبل استبدال مايك مكوري كلياً بها.

دي دي مييرز المتحدثة باسم البيت الأبيض السابقة (ويكيبيديا)

وتوضح هذه النماذج التاريخية المتعاقبة طبيعة العمل الحساسة المرتبطة بمنصب المتحدث باسم البيت الأبيض، إذ يظل استمرار المسؤول في موقعه رهناً بدقة الأداء الإعلامي ومدى التوافق الاستراتيجي مع رئيس الإدارة.

وبيّنت التجارب السابقة أن أي تراجع في هذا التنسيق، أو غياب الانسجام في الرؤى السياسية، كفيل بإنهاء المسيرة المهنية للمتحدث رسميّاً في غضون فترة وجيزة، بصرف النظر عن خبراته المهنية السابقة أو درجة ولائه السياسي للرئيس.


المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
TT

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

بعدما لمّح الرئيس الأميركى دونالد ترمب إلى قرب رحيل المتحدثة باسمه، كاتي زكريا، بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها في المنصب، مشيراً إلى أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن مستقبلها، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي كبير، اشترط عدم ذكر اسمه، تأكيداً لمغادرة المتحدثة الجديدة باسم ترمب منصبها.

وكان ترمب قد قال للصحافيين على العشب أمام البيت الأبيض، قبيل توجهه إلى ولاية جورجيا، إنه نصح كاتي زكريا بأن «السعادة قد تكون أفضل لها»، لافتاً إلى أنها تتمتع بحياة عائلية جيدة ولا تحتاج إلى الاستمرار في منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض.

ورأى أن كاتي زكريا تعرضت لمعاملة «غير منصفة إطلاقاً» من جانب وسائل الإعلام، مضيفاً أنها واجهت انتقادات وضغوطاً إعلامية شديدة.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيحسم موقفه في وقت لاحق، من دون أن يحدد موعداً لاتخاذ القرار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قُبيل مغادرته واشنطن إلى ولاية جورجيا (أ.ب)

ورداً على سؤال بشأن الشخص الذي قد يخلف كاتي زكريا في حال مغادرتها المنصب، قال ترمب إن هناك كثيرين يرغبون في تولي هذه المهمة.

ومعلوم أن كاتي زكريا حاصلة على شهادة في الحقوق من جامعة بيبرداين عام 2011، لكنها لم تنجح في امتحان نقابة المحامين بولاية كاليفورنيا، معترفةً بأنها لم تُعد التقدم إليه. ولم يُعثر على سجل يثبت حصولها على ترخيص لممارسة المحاماة في أي ولاية أميركية أو في واشنطن العاصمة.

وقالت كاتي زكريا إنها عملت في المجال القانوني في بكين بين عامَي 2011 و2013، ووصفت عملها بأنه متعلق بالتعاملات الدولية، لكن هذا الأمر أثار مزيداً من التساؤلات، إذ إن القانون الصيني يشترط الجنسية الصينية لممارسة المحاماة.

وكانت زكريا قد قالت في مقابلة سابقة، الخميس، مع وسيلة الإعلام المحافظة «ريل أميريكاز فويس»، إنها سُجّلت للخضوع لامتحان النقابة، لكن التحضيرات للانتقال للعيش في الصين مع شريكها «ألهتني وغمرتني» في ما بعد.

وصرّحت: «قلنا: لنأخذ وقتنا، سوف أخضع للامتحان، وأرى النتيجة. والنتائج ليست فعلاً مهمة لأنني علمت أنني لم أكن بحاجة إلى النقابة في الصين. وغادرنا بُعيد ذلك».

وانتقلت كيتي زكريا مع شريكها للعيش في الصين حيث عملت خبيرة قانونية في مكتب محاماة صيني معروف.

وأشارت إلى أنها لم تتقدّم لامتحان النقابة من جديد بعد عودتها إلى الولايات المتحدة؛ لأنها رُزقت «بأربعة أطفال في خلال 6 سنوات».