عجز أميركي عن حل «ظاهرة الأجسام المجهولة»

مسرّبون من «البنتاغون» يتحدثون عن برامج عسكرية سرية وتهديدات للأمن القومي

ستيفن غرير يتحدث في مؤتمر صحافي بواشنطن في 12 يونيو 2023 - (غيتي)
ستيفن غرير يتحدث في مؤتمر صحافي بواشنطن في 12 يونيو 2023 - (غيتي)
TT

عجز أميركي عن حل «ظاهرة الأجسام المجهولة»

ستيفن غرير يتحدث في مؤتمر صحافي بواشنطن في 12 يونيو 2023 - (غيتي)
ستيفن غرير يتحدث في مؤتمر صحافي بواشنطن في 12 يونيو 2023 - (غيتي)

أكثر من 500 تقرير أميركي عن «أجسام مجهولة» يتم التحقيق بطبيعتها. أرقام لم تأتِ من مروجي نظريات المؤامرة، أو أصحاب الخيال العلمي، بل وردت مباشرة من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التي غيّرت في الأعوام الأخيرة من مقاربتها الرافضة للحديث عن ظواهر من هذا النوع بشكل علني.

يتطرق تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، إلى حقيقة هذه الظواهر الغامضة وطبيعتها، ويتناول تحذيرات المشرعين بشأن خطورتها على الأمن القومي الأميركي، خاصة في ظل رصد أغلبية هذه الظواهر بالقرب من قواعد عسكرية.

جلسات علنية وسرية

يقول الدكتور ستيفن غرير، مؤسس مركز دراسة الاستخبارات الفضائية، إن الكونغرس تأخّر في عقد جلسات استماع علنية حول الملف، رغم حملات التوعية والدعوات للشفافية التي بدأت «منذ أكثر من 30 عاماً». ويتحدّث غرير عن إقرار «البنتاغون» بوجود «هذه الأجسام المجهولة»، فيقول: «أعتقد أن المثير للاهتمام هو أن البنتاغون قد أقرّ بأن هذه الطائرات أو الأجسام حقيقية على الأقل، وأنها ثلاثية الأبعاد وليست خيالية، وهناك لقطات مصورة لها».

ويشير باتريك تاكر، محرّر قسم العلوم والتكنولوجيا في موقع «ديفنس وان»، إلى الانفتاح الرسمي للحديث عن هذه الظواهر منذ عام 2017 حين عرضت صحيفة «نيويورك تايمز» لقطات عن هذه الأجسام، «الأمر الذي أرغم البنتاغون على الاعتراف بأن لقطات مماثلة لا يمكن تفسيرها بسهولة». وأضاف تاكر: «لقد شاهدها طيارون في البحرية، يتمتعون بمصداقية عالية. وقد رأينا بعضهم يقدم شهادته أمام الكونغرس، ما أدى إلى ردود فعل علنية».

جلسة استماع أمام الكونغرس لموظفين سابقين في وزارة الدفاع عن «الأجسام المجهولة» في 26 يوليو 2023 - (غيتي)

تهديد للأمن القومي

تتعدّد التكهنات حول النظريات المحيطة بظاهرة الأجسام المجهولة. وفي ظل التجاذبات التي شهدها الملف في الأعوام الأخيرة، أسّست وزارة الدفاع الأميركية في يوليو (تموز) من عام 2022 مكتب «AARO» الخاص بمعالجة الظواهر الغريبة، ومهمته مراجعة والتحقق من ملفات «الأجسام الطائرة المجهولة (UAP)».

يقول مدير المكتب شون كيركباتريك إنه يتمّ التحقيق في أكثر من 650 حادثة، بينها 171 حالة «غير محددة». ويتحدث غرير عن النظريات وتحذيرات أعضاء الكونغرس من خطورة هذه الأجسام على الأمن القومي، في ظل اتهام البعض منهم للصين بالوقوف وراء هذه الظواهر. وقال: «يجب تصحيح الرواية القائلة إن هذه الأجسام تأتي من الصين، فهذه الأجسام نوعان: هناك الأجسام التي تكون خارج الكوكب وهي التي ذكرها مسرّبو البنتاغون، أي من أصول خارج كوكب الأرض. وهناك الأجسام الخاصة بنا». ويوضّح غرير: «هذه الأخيرة هي التي تعد تهديداً للأمن القومي لأنها أجهزة من صنع الإنسان، وتستخدم نوعاً من الدفع الكهرومغناطيسي من دون طائرات أو صواريخ، وهي أجهزة تمتلكها شركات عسكرية أميركية وتطورها في إطار مشاريع سرية للغاية، وهناك أعضاء من الكونغرس يدركون الأمر بشكل كامل وسيحاولون تصحيح هذه المشكلة».

ويتفق تاكر مع تقييم غرير الذي استبعد أن تكون هذه الأجسام من صنع الصين بهدف التجسس، فيقول: «ليس هناك أي تصريح علني يقترح أن الصين قد تمتلك تكنولوجيا من هذا النوع، لكن هناك الكثير مما لا نعرفه حول الأجهزة العسكرية الصينية».

في المقابل، يشير تاكر إلى أن «البنتاغون» استبعد أن تكون الأجسام المجهولة منسوبة إلى أنشطة «خارجة عن كوكب الأرض»، مضيفاً: «رغم هذا النفي، لم تتمكن الولايات المتحدة من تفسير سلوك هذه الأجسام الذي تحدى نوعاً ما كل ما نعرفه عن الفيزياء وقوانين الديناميكية الحرارية. فبحسب اللقطات التي شاركها البنتاغون، لدينا أجسام قادرة على التحليق في مكانها بغض النظر عن الرياح الشديدة، ثم التحرك من دون أي آثار حرارية أو أجنحة أو أي دليل على دفع مرئي... إنه أمر يصعب تفسيره».

ويرفض الدكتور سيث شولستاك، كبير علماء الفلك في معهد «سيتي»، رفضاً قاطعاً نظرية غرير الزاعمة بوجود «كائنات غير بشرية تزور الأرض». فيقول: «إن لم يكن هناك أي دليل على ذلك، فهذه مجرد ادعاءات». ويضيف شولستاك: «إذا كنت ستدعي أن هناك كائنات غير بشرية تزور كوكب الأرض، فليست هناك قصة علمية أكثر إثارة للاهتمام من هذه. وسيكون لديك آلاف العلماء الذين يعملون عليها. لدينا 8000 قمر صناعي ومدار حول الأرض، فإذا كانت هناك أجسام تغط في الأرض، فلا يمكن إخفاء هذا».

ستيفن غرير يتحدث في مؤتمر صحافي بواشنطن في 12 يونيو 2023 - (غيتي)

برامج عسكرية سرية

رداً على ادّعاء غرير بوجود برامج عسكرية سرية تصنع أسلحة متطورة، يقول تاكر: «أشكّك في هذه النظرية، لأن هذه الشركات مثل (لوكهيد) و(بوينغ) وغيرهما تبيع منتجاتها إلى الحكومة الأميركية، وأي برنامج سري تخفيه عن الحكومة يمكن أن يشكل فضيحة بالنسبة إلى دافعي الضرائب». ويضيف تاكر أن «الفكرة القائلة إن هذه الشركات قد ابتكرت منتجاً ذات قيمة عالية، ولكنها تخفيه عن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تشتريه، أي الحكومة الأميركية، هو أمر غير منطقي بالنسبة لي».

ويشير تاكر إلى أن وجود تكنولوجيا من هذا النوع بحوزة الشركات الأميركية سيؤدي إلى تباهي الولايات المتحدة بذلك، وليس إلى إخفائه. ويفسّر شولستاك ظاهرة بعض «الأجسام المجهولة»، بأنها «طائرات تجارية تتم رؤيتها من مسافة بعيدة جداً»، ويشكك في تقييم بعض المشرعين. ويقول: «لقد قدمت إفادتي أمام الكونغرس حول هذا الموضوع، وأول ما نتعلّمه هو أن أعضاء الكونغرس هم سياسيون، ليسوا علماء وإدراكهم لما يرون هو سطحي للغاية».

ورداً على تشكيك كل من تاكر وشولستاك في نظريته، يقول غرير إن «هناك ما يسمى (التمويل الأسود) للولايات المتحدة يطّلع عليه عدد قليل من أعضاء الكونغرس والبيت الأبيض. وهناك أيضاً ما يطلق عليه اسم (التمويل الأسود العميق)، وهو الجزئية غير القانونية». ويتابع غرير: «يمكن مثلاً لشركة صناعة طيران أن تسعّر منتجاً لها بملياري دولار، في حين كلّفت صناعته 200 مليون فقط. أتمنى لو كنا نعيش في عالم مثالي لكن الفساد موجود، وأعتقد أيضاً أن هناك نشاطات إجرامية».

رفع «البنتاغون» السرية عن 3 شرائط فيديو متعلقة بظواهر «غامضة» - (أسوشييتد برس)

منطقة الشرق الأوسط

رفع «البنتاغون» السرية عن 3 شرائط فيديو عرضتها لجان الكونغرس في جلساتها المفتوحة، وتضمنت حادثة في 12 يوليو 2002 في منطقة الشرق الأوسط، التقطتها مسيّرة أميركية «MQ-9» تُظهر جسماً فضياً دائرياً يتحرك بسرعة فائقة. وهذه من الحوادث التي لم تتمكن وزارة الدفاع من تفسيرها حتى الساعة. ويقول الرائد في البحرية الأميركية، دايفيد فرور، للكونغرس إن التقنيات التي رآها في هذه الأجسام «تتفوق على أي شيء نملكه». بينما يطرح زميله السابق في البحرية، راين غرايفز، زاوية مختلفة تتعلق بـ«الوصمة» التي يعاني منها كل شخص يُبلغ عن أجسام مجهولة. وقال للكونغرس: «حالياً، نحتاج إلى نظام يمكّن الطيارين من الإبلاغ عن هذه الحوادث من دون خوف من خسارة وظائفهم. هناك خوف من أن وصمة العار المرتبطة بهذا الموضوع ستؤدي إلى تداعيات مهنية سلبية». ولهذا السبب تحديداً، عمد الكونغرس إلى طرح مشروع قانون يحمي هؤلاء المبلغين والمسرّبين من أي «تدابير انتقامية».


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

أميركا... وفاة طالب لجوء أفغاني خلال احتجازه لدى وكالة الهجرة

عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
TT

أميركا... وفاة طالب لجوء أفغاني خلال احتجازه لدى وكالة الهجرة

عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)

قالت جماعة ‌حقوقية يقودها محاربون قدامى أميركيون، اليوم الأحد، إن مهاجراً أفغانياً لقي حتفه مطلع هذا الأسبوع في ​أثناء احتجازه لدى وكالة الهجرة والجمارك، وذلك بعد أقل من 24 ساعة من اعتقاله في ولاية تكساس.

وكان محمد ناظر باكتيوال عمل سابقاً مع الجيش الأميركي في أفغانستان وطلب لاحقاً اللجوء إلى الولايات المتحدة.

وقال شون فانديفير، رئيس جماعة «أفغان ‌إيفاك» المدافعة ‌عن حقوق اللاجئين، في بيان، ​إن ‌باكتيوال ⁠كان ​يعيش في ⁠إحدى ضواحي دالاس مع زوجته وأطفاله الستة في انتظار البت في طلب اللجوء الذي قدمه.

وأضاف فانديفير أن أفراد أمن اتحاديين اعتقلوا باكتيوال من أمام شقته صباح يوم الجمعة بينما كان يوصل أطفاله ⁠إلى المدرسة قبل أن يلقى حتفه أمس ‌لأسباب غير ‌معروفة.

باكتيوال (41 عاماً) هو الشخص الثاني ​عشر على الأقل ‌الذي يموت في أثناء احتجازه لدى وكالة ‌الهجرة والجمارك هذا العام في ظل حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المناهضة للهجرة.

وتوفي 31 شخصاً العام الماضي بعد احتجازهم لدى وكالة الهجرة والجمارك، ‌وهو أعلى رقم خلال عقدين.

وأدت وكالة الهجرة والجمارك دوراً محورياً ⁠في ⁠سياسة ترمب القائمة على الترحيل الجماعي.

وقالت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، التي تتبعها وكالة الهجرة والجمارك، إنها تحتاج إلى مزيد من الوقت للرد على طلب من وكالة «رويترز» للتعليق.

وقال فانديفير إن أسرة باكتيوال أُبلغت بأنه نُقل إلى أحد المستشفيات في دالاس ليلة اعتقاله، وكان لا يزال على قيد الحياة في صباح اليوم التالي، لكنه ​توفي بعد ذلك ​بوقت قصير. ودعت منظمة «أفغان إيفاك» إلى فتح تحقيق فوري.


مسؤول أميركي: الضربات على إيران كلفت حتى الآن 12 مليار دولار

مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
TT

مسؤول أميركي: الضربات على إيران كلفت حتى الآن 12 مليار دولار

مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)

قال مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي، كيفن هاسيت، إن هجمات إدارة الرئيس دونالد ترمب على إيران كلفت الولايات المتحدة حتى الآن 12 مليار دولار.

وأضاف هاسيت، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس نيوز»: «آخر رقم تم إطلاعي عليه كان 12 مليار دولار»، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وكانت تقديرات البنتاغون المقدمة للكونغرس تشير إلى أن الحرب ستكلف 11.3 مليار دولار في أسبوعها الأول. ولم يوضح هاسيت الإطار الزمني لإنفاق الـ12 مليار دولار.

وعند سؤاله عما إذا كانت الولايات المتحدة ستحتاج لطلب المزيد من الأموال من الكونغرس، أجاب هاسيت: «أعتقد أننا الآن لدينا ما نحتاجه. أما ما إذا كان علينا العودة إلى الكونغرس لطلب المزيد، فهذا شيء أعتقد أن روس فوجت ومكتب الإدارة والميزانية سينظران فيه».

ويعرف مكتب الإدارة والميزانية الأميركي بأنه الجهة المسؤولة عن تخطيط وتنظيم ميزانية الحكومة الأميركية.


حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.