صفقات الأسلحة الأميركية... بين حرب أوكرانيا والمنافسة مع الصين

تجاذبات سياسية تعرقل إقرار الصفقات

جنود أوكرانيون يقصفون الصفوف الروسية الأمامية باستخدام «هاويتزر إم109» أميركي في خاركيف (رويترز)
جنود أوكرانيون يقصفون الصفوف الروسية الأمامية باستخدام «هاويتزر إم109» أميركي في خاركيف (رويترز)
TT

صفقات الأسلحة الأميركية... بين حرب أوكرانيا والمنافسة مع الصين

جنود أوكرانيون يقصفون الصفوف الروسية الأمامية باستخدام «هاويتزر إم109» أميركي في خاركيف (رويترز)
جنود أوكرانيون يقصفون الصفوف الروسية الأمامية باستخدام «هاويتزر إم109» أميركي في خاركيف (رويترز)

تعتمد الولايات المتحدة على نفوذها كأكبر مُصدّر للأسلحة في العالم للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى. يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، معايير صفقات الأسلحة الأميركية، وما إذا كانت تتمحور حول أرباح اقتصادية بحتة أم تهدف إلى بناء استراتيجية معززة تضمن بقاء النفوذ الأميركي، خاصة بوجه التنافس الصيني. كما يتطرق إلى مدى تأثير الحرب في أوكرانيا على توازن التسلح والتسليح الأميركي.

مساعدات وصفقات

يشير الجنرال المتقاعد مارك كيميت، الذي شغل منصب مساعد لوزير الخارجية ونائب سابق لمساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط، إلى أن صفقات الأسلحة هي «فرص للشركات الأميركية للمساعدة في تدريب وتجهيز بلدان في الشرق الأوسط مثلاً؛ وذلك في محاولة لتصدير القدرات الدفاعية لكي يتمكّن أصدقاؤنا وحلفاؤنا في المنطقة بدورهم من المحافظة على قدراتهم الدفاعية ضد أي تهديدات».

وزير الدفاع الأميركي ورئيس الأركان يعقدان مؤتمراً صحافياً في البنتاغون (د.ب.أ)

من ناحيته، يتحدّث العقيد المتقاعد عباس داهوك، وهو كبير المستشارين العسكريين السابق في وزارة الخارجية الأميركية، عن أهمية هذه الصفقات والمساعدات ليس على الصعيد الدولي فحسب، بل في الداخل الأميركي. ويفسر قائلاً: «إن المساعدات العسكرية أو التعاون الأمني بشكل عام يملك بعداً محلياً، حيث إن الصناعة العسكرية الأميركية هي مجال يخلق الوظائف للأميركيين ويوفر التقنيات والأجهزة المتطوّرة إلى القوات الأميركية. إذن، فهي تؤمّن الوظائف في الولايات المتحدة وتملك بعداً اقتصادياً من المهم ذكره، ليس فقط بالنسبة إلى القطاع العام بل للقطاع الخاص أيضاً».

أما ريتشارد وايتز، مدير مركز التحليل السياسي العسكري في معهد «هدسن»، فيعدّ أنه «غالباً ما تقوم الدول ببيع الأسلحة؛ لأن هذا يعزز من تأثيرها من جهة، ومن قدرات الدولة المتلقية في أمور كالتدريب العسكري المرتبط بهذه الصفقات».

واشنطن تتصدر تصدير السلاح

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في تصدير السلاح في العالم بنسبة 40 في المائة لعام 2022، في حين تحتل روسيا المرتبة الثانية بنسبة 16 في المائة. ويتحدث الجنرال كيميت عن أسباب التفوق الأميركي، فيقول: «تمتلك صناعة الدفاع الأميركية بعضاً من أكبر مرافق البحث والتطوير في العالم. فهناك عدد كبير من الأنظمة التي نستخدمها حالياً مثل الإنترنت طوّرت كجزء من برنامج دفاعي. لهذا السبب؛ فإن الأنظمة الأميركية متطوّرة للغاية، وهذا ما يؤدي إلى تفوق الولايات المتحدة في هذا المجال».

تعتمد أوكرانيا على أسلحة أميركية من عهد الاتحاد السوفياتي (د.ب.أ)

ويشير كيميت كذلك إلى أن «الجيش الأميركي هو من أكثر الجيوش خبرةً في العالم؛ لذا من الطبيعي أن يرغب أصدقاؤنا وحلفاؤنا في التعاون المتبادل معنا»، مضيفاً: «لن يكون من المنطقي أن يستعمل حليف لنا أجهزة مختلفة تماماً عن تلك التي يستخدمها الأميركيون التي يتوقّع أن يحاربوا جنباً إلى جنب مع قواتهم».

الصين وروسيا

تشير الأرقام إلى أن الصين تحتل المرتبة الرابعة بين الدول المصدرة للسلاح، لكن نسبة مبيعاتها لا تتخطى 7 في المائة ، في حين شهد قطاع مبيعات الأسلحة الروسية هبوطاً في الأعوام الأخيرة من 22 في المائة في عام 2017 إلى 16 في المائة في عام 2022. ويتحدث الكولونيل داهوك عن الأسباب، ويقول: إن «الفارق بين الصناعة العسكرية الأميركية والأوروبية أو الصينية، هو أن الولايات المتحدة تقدّم خدمات دعم شاملة؛ فهي لا تزود الدول بالأسلحة فقط، بل تقدّم أيضاً التدريب على استخدام هذه الأسلحة بالإضافة إلى مسار لوجيستي».

شاشة تعرض خطاباً للرئيس الصيني في المتحف العسكري ببكين (رويترز)

ويقول داهوك: إن الولايات المتحدة تبيع أسلحة يستخدمها الجيش الأميركي حول العالم، وقد تمّ اختبارها في ساحة المعركة. «أما روسيا والصين، فلم تصلا بعد إلى هذا المستوى. فهما تنتجان الأجهزة العسكرية، لكنهما لا تملكان الخبرة باستخدامها في ساحة المعركة، ولا أحد يعلم ما ستؤول إليه خلال العمليات القتالية. وقد رأينا ما حصل مع روسيا، التي اعتقدنا بأنها تمتلك ثاني أكبر جيش في العالم من حيث القدرات العسكرية، في أوكرانيا».

ويوافق كيميت مع هذه المقاربة، مشيراً إلى أن الفارق الأساسي بين الأسلحة الأميركية والروسية، هو أن موسكو تعتمد على «كمية كبيرة من الإنتاج من دون التركيز على جودة السلاح»، لكنّه شدد في الوقت نفسه على أن السبب الآخر وراء تراجع مبيعات الأسلحة الروسية هو العقوبات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا والتي عرقلت استيراد ما تحتاج إليه روسيا لصناعة أسلحتها.

من ناحيته، يقول وايتز: «على الرغم من أن أغلبية الدول تفضل شراء السلاح الأميركي، فإن هناك مجموعة من البلدان التي لا يمكن أن تستورد الأسلحة الأميركية». وأوضح أن «الولايات المتحدة لن تبيع الأسلحة إلى الصين مثلاً؛ لذا قد تستورد الأسلحة الروسية بعض الأحيان، كما أنها لا تبيع الأسلحة إلى إيران أو سوريا أو كوبا أو نيكاراغوا وغيرها؛ لذا غالباً ما يستوردونها من روسيا أو الصين».

الصين والمنافسة مع أميركا

في ظل الفارق الكبير بين نسبة مبيعات الأسلحة الأميركية وتلك الصينية، يشير كيميت إلى أن هذه النسبة ستتغير في الأعوام المقبلة لمصلحة الصين. ويفسر قائلاً: «لن أتفاجأ إن أصبحت الأرقام 50 في المائة لصالح الولايات المتحدة مقابل 30 في المائة للصين بعد 15 عاماً. فمن الواضح جداً أن الصينيين الذين لا يملكون الأبحاث والقدرات التي تمتلكها الولايات المتحدة، لديهم برنامج ناشط من التجسس الاصطناعي، حيث نكتشف حالات كثيرة يحاول فيها الصينيون سرقة التكنولوجيا».

ويتحدث كيميت عن أهمية العقوبات الأميركية على الصين في هذا المجال، خاصة العقوبات المتعلقة بأشباه الموصلات، قائلاً: «الولايات المتحدة تحب المنافسة، والصين تحب الغش». ورفضت بكين مراراً الاتهامات الأميركية بسرقة التكنولوجيا العسكرية.

تململ الثقة بالنظام الأميركي

غالباً ما تشهد مبيعات الأسلحة جدلاً محتدماً في الكونغرس الذي يملك صلاحية رفضها. ولطالما أثّر هذا الجدل على ثقة حلفاء الولايات بإقرار هذه الصفقات. لكن الكولونيل داهوك يشير إلى أن هذا الجدل يعكس طبيعة النظام الأميركي، «ولا يجب أن يؤثر على ثقة الشركاء والحلفاء حول العالم».

غالباً ما تشهد مبيعات الأسلحة جدلاً محتدماً في الكونغرس الذي يملك صلاحية رفضها (إ.ب.أ)

ويتحدّث دهوك عن دور الكونغرس قائلاً: إنه يلعب «دور رقابة لضمان وجود توازن من جانب الإدارة الأميركية وانخراطها في السياسات الخارجية؛ كما هناك جانب اقتصادي لهذه الصفقات. و(عادة ما يتساءل) الكونغرس: هل تستفيد الولايات المتحدة اقتصادياً من هذه الصفقة، أم أننا نقدّم الدعم فقط؟».

لكن وايتز لا يتفق مع هذه المقاربة، فيعدّ أن النظام الأميركي «يؤذي الولايات المتحدة ومصالحها في بعض الأحيان» بسبب العرقلة والتأخير. أما كيميت، فيشير إلى أنه من أحد أسباب استغراق هذه الصفقات فترات طويلة هو شفافية النظام الأميركي. وقال: «يجب وضع رأي كل الأطراف الأميركية في الحسبان: من وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والاستخبارات وصولاً إلى الكونغرس. حلفاؤنا غير راضين عن صعوبة استيراد أجهزة أميركية والكم الهائل من البيروقراطية، لكن هذا ثمن الحصول على أفضل الأجهزة في العالم، وهو أن كل صفقة يجب أن تمرّ بهذه العملية الشفافة والمضبوطة تحت رقابة الكونغرس».

الحرب في أوكرانيا وسباق التسلح

على رغم حجم المساعدات العسكرية الهائل الذي تتلقاه أوكرانيا، يشير داهوك إلى أنه «من الصعب جداً تأسيس جيش خلال المعارك والقيام بعمليات عسكرية في الوقت نفسه». وعدّ أن «أوكرانيا لا تملك القوة الجوية والتدريب اللازم للقيام بعمليات الأسلحة المشتركة لصد الدبابات والناقلات. وعلى الرغم من أن التدريبات جارية، غير أن الوقت ليس لصالحها».

ويتحدث كيميت عن قرب نفاد مخزون الأسلحة الأميركية من عهد الاتحاد السوفياتي، والتي تستعملها أوكرانيا لمواجهة روسيا. ولفت إلى أن الانتقال من هذه الأسلحة إلى تلك الأوروبية أو الأميركية، سيشكل تحدياً كبيراً أمام كييف؛ نظراً لغياب التدريب عليها.

يعوّل بوتين على تراجع الدعم الأميركي للحرب في أوكرانيا (إ.ب.أ)

أمّا وايتز، فيتحدث عن تحديات من نوع آخر، وهو التغيير في الرأي العام للدعم الأميركي لأوكرانيا والانقسامات في الكونغرس، عادّاً أن ذلك ما يعول عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال: «أعتقد أنه في عام 2025، مع رئيس جديد وكونغرس جديد، إن لم تتغير الحرب كثيراً عما كانت عليه منذ عام، أعتقد أن المساعدات ستقل. وللأسف، يبدو أن هذا ما يراهن عليه الرئيس بوتين الذي يرى في (استسلام) الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان وسوريا (سبباً) للاستمرار في هذه الحرب لسنوات قليلة حتى يفقد الأميركيون الاهتمام». وعزز كيميت هذا الرأي قائلاً: «أعتقد حقاً أن ما يأمله الرئيس بوتين هو إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترمب؛ لأنه سيفوز بهذه الحرب عندها».


مقالات ذات صلة

زعيمة المعارضة التايوانية تقوم بزيارة نادرة للصين

آسيا زعيمة المعارضة التايوانية تشنغ لي وون (رويترز) p-circle

زعيمة المعارضة التايوانية تقوم بزيارة نادرة للصين

تبدأ زعيمة المعارضة التايوانية، الثلاثاء، رحلة تستغرق 6 أيام إلى الصين، وهي زيارة نادرة للدعوة إلى توثيق العلاقات مع بكين، وذلك قبل أسابيع قليلة من زيارة ترمب.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
شؤون إقليمية مقاتلة أميركية خلال مهمة في إطار الحرب الإيرانية (رويترز) p-circle

تقرير: أميركا تنشر معظم صواريخها الشبحية لاستخدامها في حرب إيران

أفاد تقرير أميركي بأن واشنطن تستعد لنشر «معظم صواريخها الشبحية بعيدة المدى» لاستخدامها في الحرب الدائرة منذ أكثر من 5 أسابيع ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

تراجعت قدرات البحرية البريطانية منذ الحرب الباردة، رغم خطط التحديث، وسط انتقادات أميركية وضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل تهديدات دولية متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا تؤكد الصين أنها تتبع استراتيجية دفاعية وتلتزم بعدم البدء باستخدام السلاح النووي (أرشيف-رويترز)

حرب إيران حافز جديد... الصين تدخل سباق التسلح النووي سراً

كشف تحقيق جديد عن توسّع كبير وسري في البنية التحتية النووية للصين داخل مقاطعة سيتشوان؛ حيث تم هدم قرى كاملة وإقامة منشآت جديدة مرتبطة بإنتاج الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية مظاهرة لأكراد في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (د.ب.أ)

تركيا: جدل حاد حول تغيير وضع أوجلان في سجن إيمرالي

فجر الكشف عن إنشاء السلطات التركية مجمعاً سكنياً وإدارياً في جزيرة «إيمرالي» لينتقل إليه زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان جدلاً واسعاً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

TT

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن الرئيس دونالد ترمب يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذين يعتقد أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب على إيران.

وأضاف التقرير أن المقترح يتضمن سحب القوات الأميركية من دول بالحلف تعدها واشنطن غير متعاونة في حربها على إيران، ونشرها في دول قدمت دعماً أكبر للحملة العسكرية الأميركية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض، الأربعاء، إن الرئيس الأميركي يعتقد أن حلف شمال الأطلسي «تعرض للاختبار وفشل» خلال حرب إيران، إذ نقلت عنه تصريحاً مباشراً قبل اجتماعه مع الأمين العام للحلف مارك روته في البيت الأبيض.

ويستقبل ترمب أمين عام الحلف في وقت دفعت فيه حرب إيران علاقات الولايات المتحدة مع دول أخرى في الحلف إلى مرحلة الأزمة.

وهدد الرئيس الجمهوري بالانسحاب من الحلف، الذي يضم 32 دولة، وانتقد حلفاءه الأوروبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية، معتبراً أن دعمهم للحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران غير كاف.

وأدى الخلاف المتعلق بحرب إيران إلى تفاقم القلق على جانبي الأطلسي بشأن ملفات أخرى مثل أوكرانيا وغرينلاند والإنفاق العسكري.

وقال أحد المسؤولين الأوروبيين اللذين شاركا في محادثات تتعلق بالأمر إن مسؤولين أميركيين كباراً أكدوا في أحاديث خاصة للحكومات الأوروبية على أن الإدارة الأميركية لا تزال ملتزمة بالحلف.

وقالت أوانا لونجيسكو، المتحدثة السابقة باسم الحلف، وحالياً مع معهد «رويال يونايتد سيرفيس»، وهو مجموعة بحثية مقرها لندن: «هذه مرحلة حرجة للتحالف عبر الأطلسي».

وقال دبلوماسيون إن من المرجح أن يحاول روته إقناع ترمب بتخفيف انتقاداته العلنية للحلف مع إبراز الخطوات التي اتخذتها الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق الدفاعي.


قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».


هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تردّدت أصداء وقف إطلاق النار مع إيران في أروقة الكونغرس الأميركي، بين تشكيك ديمقراطي بطبيعة الاتفاق وجدوى الحرب من جهة، وترحيب جمهوري بـ«النصر» الأميركي ومهارة ترمب في التفاوض من جهة أخرى.

وأتى أبرز ردّ ديمقراطي على لسان كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جين شاهين، التي اعتبرت أن خفض التصعيد هو «خطوة طال انتظارها بعد أكثر من شهر من حرب بلا هدف واضح، ومع تكلفة متصاعدة يتحمّلها الشعب الأميركي». ودعت شاهين، في بيان صادر عن مكتبها، إلى «إجراء تقييم حقيقيّ لما حقّقته حرب الرئيس دونالد ترمب» على حدّ وصفها، مضيفة أنه «بعد أسابيع من القتال، ومقتل 13 عسكرياً أميركياً، واضطرابٍ كبيرٍ في الاقتصاد العالمي، يبدو أن الرئيس ترمب قد أسهم، عملياً، في استبدال المرشد الأعلى لإيران بابنه المتشدّد، ومسؤولين في (الحرس الثوري) لا يقلّون خطورة. وفي الوقت نفسه، ما زلتُ أشعر بقلقٍ بالغٍ من أن تكون الإجراءات الأميركية قد حفّزت إيران على السعي لامتلاك سلاحٍ نووي».

وركّزت شاهين، كغيرها من الديمقراطيين، على تأثير الحرب على أسعار الطاقة ومعيشة الأميركيين، مُعتبرة أنها «لم تجعل الأميركيين أكثر أماناً، ولم تُحسّن أوضاعهم»، على عكس ما تقوله إدارة ترمب.

حذر جمهوري

وفيما رحّبت وجوه جمهورية لا تنتمي إلى القيادات بالاتفاق، وأشادت بالرئيس، التزمت القيادات الجمهورية الصمت حتى الساعة، باستثناء السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي انطوى تصريحه على تحذيرات مبطنة. فقد قال غراهام، الذي كان من أبرز الداعمين للحرب، إنه «يفضل المسار الدبلوماسي إذا كان سيقود إلى النتيجة الصحيحة فيما يتعلّق بالنظام الإيراني الإرهابي»، على حد تعبيره. وأضاف أنه، في هذه المرحلة المبكرة، يتعامل بحذرٍ شديد «حيال ما هو حقيقة، وما قد يكون تضليلاً أو تحريفاً» في تفاصيل الاتفاق.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في الكونغرس 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وذكر غراهام نقطة من شأنها أن تُحدث جدلاً واسعاً في واشنطن، وهي آلية مراجعة الاتفاق في الكونغرس «للمضي قدماً»، مُشيراً إلى أن مجلس الشيوخ اعتمد الآلية المذكورة في الاتفاق النووي الإيراني، الذي توصلت له إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

فرغم أن الاتفاق النووي السابق مع إيران لم يُطرح بشكل معاهدة على مجلس الشيوخ للتصويت عليه، فإن المجلس سعى إلى إبطال الاتفاق عبر التصويت لوقفه، وهي آلية يمكن للمشرعين اعتمادها. لكن في عهد أوباما، لم يتمكن المعارضون من حشد الأصوات الكافية لتخطي الأصوات الستين اللازمة في مجلس الشيوخ.

باختصار، يمكن للكونغرس التصويت بهدف وقف الاتفاق، وليس الموافقة عليه، وذلك ضمن صلاحيات أقرّها عام 2015 في قانون «إينارا» لمراجعة الاتفاق النووي الإيراني، الذي يُلزم الإدارة بعرض أي اتفاق نووي مع إيران على الكونغرس، ويمنح المجلس التشريعي فترة 30 إلى 60 يوماً لمراجعته، لا يمكن خلالها أن يرفع الرئيس العقوبات عن طهران.

جهود عزل الرئيس

وفي ظل هذه الأجواء، تنفس الجمهوريون الصعداء لدى الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أتى قبل أقل من 7 أشهر على الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني). فهم أمضوا ساعات عصيبة يوم الثلاثاء، بعد تصريحات مثيرة للجدل للرئيس الأميركي حول «تدمير حضارة بأكملها»، ما وضعهم في موقف دفاعي محرج. وفيما تجنبت قياداتهم التعليق، سارع عدد منهم لانتقاد تصريحات ترمب، في تغيير لافت للهجة الداعمة للحرب. وأدان النائب الجمهوري نثانيال موران التهديدات، قائلاً: «لا أؤيد تدمير حضارة بأكملها. هذا ليس ما نُمثّله، ولا يتماشى مع المبادئ التي وجّهت أميركا على مدى عقود طويلة».

ترمب في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 6 أبريل 2026 (أ.ب)

من جهتها، شدّدت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي على ضرورة عدم «تبرير تهديدات ترمب على أنها محاولة للضغط على النظام الإيراني خلال سير المفاوضات»، كما قال بعض زملائها. وقالت محذرة: «هذا النوع من الخطاب يُعدّ إساءة إلى القيم التي سعت بلادنا إلى ترسيخها وتعزيزها حول العالم على مدى ما يقارب 250 عاماً».

لكن مواقف الديمقراطيين لم تقتصر على الانتقاد، بل صعّد الحزب لدرجة طرح بنود العزل بحق الرئيس، ودعوا الجمهوريين إلى التصدي له مشككين بصحته العقلية. واعتبر أكثر من 70 مشرعاً ديمقراطياً أن «ترمب يجب أن يُجرّد من صلاحياته الرئاسية بسبب ترويجه لتدمير حضارة بأكملها» في منشوره، على حد وصفهم. وفيما من المتوقع أن تصطدم جهود الديمقراطيين سريعاً بحائط مسدود بسبب الأغلبية الجمهورية، إلا أن المسعى الذي كان من المُرجّح أن يُبصر النور في حال عدم التوصل إلى اتفاق هو إقرار مشروع يُقيّد صلاحيات الرئيس في حرب إيران، بعد إسقاطه أكثر من مرة في الكونغرس. وأعرب بعض الجمهوريين عن استعدادهم للتصويت لصالحه. ولعلّ هذا يُعدّ من الأسباب التي دفعت بترمب والبيت الأبيض إلى السعي لاحتواء التداعيات السياسية والتوصل إلى تسوية للتهدئة.

النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين في مؤتمر بالكونغرس 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)

كما واجه ترمب «نيراناً صديقة»، بعد أن دعت حليفته السابقة مارجوري تايلور غرين، إلى جانب الناشط اليميني ألكس جونز، إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور. وهو نص دستوري يتيح لنائب الرئيس، بموافقة أغلبية أعضاء الحكومة، إعلان عجز الرئيس عن أداء مهامه، ما يؤدي إلى نقل صلاحيات الحكم إليه. ويُفعَّل هذا الإجراء في حال رأت الإدارة أن الحالة الذهنية أو الجسدية للرئيس تحول دون قيامه بواجباته.

ورغم أن هذا السيناريو يبقى مستبعداً، في ظل دعم غالبية أعضاء حكومة ترمب له، فإنه يُلقي بظلاله على المشهد السياسي المضطرب في واشنطن، مع اقتراب الحزبين من انتخابات حاسمة في نوفمبر. ويتزامن ذلك مع تسريبات لصحيفة «نيويورك تايمز» تفيد بأن نائب ترمب، جاي دي فانس، كان من المعارضين لشنّ الحرب، وهو ما قد يفتح الباب أمام تصدعات داخل الإدارة، في وقت تسعى فيه إلى احتواء التداعيات الداخلية للصراع.