الاستخبارات الأميركية... بين حماية الأمن القومي ومخاوف التسييس

أسئلة حول مستويات التنسيق بين الوكالات الـ18 والتزامها بالقوانين

مسؤولون في وكالات استخباراتية يشاركون في جلسة إفادة أمام مجلس الشيوخ في يونيو (أ.ب)
مسؤولون في وكالات استخباراتية يشاركون في جلسة إفادة أمام مجلس الشيوخ في يونيو (أ.ب)
TT

الاستخبارات الأميركية... بين حماية الأمن القومي ومخاوف التسييس

مسؤولون في وكالات استخباراتية يشاركون في جلسة إفادة أمام مجلس الشيوخ في يونيو (أ.ب)
مسؤولون في وكالات استخباراتية يشاركون في جلسة إفادة أمام مجلس الشيوخ في يونيو (أ.ب)

وكالات الاستخبارات الأميركية مؤسسات رسمت هوية الولايات المتحدة ومعالمها حول العالم وفي الداخل. نُسبت إليها نظريات ومؤامرات، وكُتب عنها قصص وأفلام بعضها من فحوى الخيال، وبعضها الآخر ارتكز على وقائع تاريخية وأحداث حقيقية.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق» و«الشرق الأوسط»، طبيعة وكالات الاستخبارات الأميركية: ما هي؟ كيف تعمل؟ من يشرف عليها؟ وما هي أبرز مهامها وإنجازاتها؟ وهل تحكمها قوانين وقيود؟

18 وكالة

يشير جون ميلز، الكولونيل السابق في مجلس الأمن القومي، إلى أن عدد وكالات الاستخبارات كافة يبلغ 18 وكالة، تتواصل مع بعضها وتصب في نهاية المطاف في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. ويضيف أن «مجلس الأمن القومي لا ينتمي إلى مجتمع الاستخبارات، بل هيكلياً هو تابع للرئيس. وهو يعد المنصة التي تجتمع فيها العناصر الـ18 في مجتمع الاستخبارات، حيث يتم التطرّق لما يسمّى بالقضايا المشتركة بين الوكالات بهدف حلّها».

من ناحيتها، تشرح كاثرين شوايت، وهي عميلة خاصة سابقة في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، أن المكتب هو فرع من وزارة العدل الأميركية، على خلاف وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). وتفصل شوايت عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي وهيكليته، فتفسر أن مهمته ترتكز داخل الولايات المتحدة الأميركية وتعتمد على شقين: حماية الأميركيين والمصالح الأميركية، ودعم دستور الولايات المتحدة. وتضيف شوايت: «لدينا 56 مكتباً ميدانياً في الولايات المتحدة، و350 مكتباً فرعياً، ولكن لدينا أيضاً 60 عميلاً فيدرالياً خارج الولايات المتحدة في السفارات الأميركية يتعاونون مع شركائنا الأجانب ومع الـ(CIA) ومجلس الأمن القومي».

ويقول روبرت غرينييه، المسؤول السابق في الـ«CIA»، إن الوكالة غير مستقلة بالكامل، «لكنها تتمتع بسلطات فريدة من نوعها تمكنها من القيام بعملها خارج الولايات المتحدة». ويضيف غرينييه أن «المعلومات أو الاستخبارات التي تجمعها الوكالة خارج الدولة هي استخبارات سرية. فالحكومة الأميركية تستحصل على المعلومات من عدد كبير من الوكالات الفيدرالية - كامل الوكالات الـ18، بالإضافة إلى وكالات أخرى - لكن المعلومات أو الاستخبارات التي لا يمكن أن نحصل عليها علانية أو من خلال ما يسمى بالمصادر المفتوحة، والتي يجب أن تجمع سراً، هي من مسؤولية وكالة الاستخبارات المركزية».

ويليام بيرنز مدير وكالة الاستخبارات المركزية يصل إلى مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (أ.ف.ب)

تعاون «مرتبك» وتنصت غير مشروع

يشير ميلز إلى أن التنسيق الاستخباراتي بين الوكالات كافة «فوضوي بعض الشيء»، ويضيف: «نواجه حالات لا تتعاون فيها الوكالات ولا تقوم بما يجب أن تقوم به وفقاً للقانون». وذكّر ميلز بأن أحد أبرز الإخفاقات في وكالات الاستخبارات كان خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، حين لم تتشارك الوكالات المعلومات الاستخباراتية اللازمة، وبعدها تم تأسيس وكالات ووزارات جديدة، بناء على توصيات لجنة الحادي عشر من سبتمبر، كوزارة الأمن القومي ومكتب الاستخبارات الوطنية المسؤولة عن وكالات الاستخبارات كافة.

ويقول ميلز إن هذه الخطوات أدت إلى إلغاء ما كان يسمى بـ«جدار الفصل» بين تطبيق القانون من جهة والاستخبارات من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى تسييس وكالات الاستخبارات: «انتقلنا من وجود (جدار) إلى عدم وجود أي حدود لأنشطة تطبيق القانون والاستخبارات»، ولعلّ أبرز مثال على بعض الخروقات في القوانين الأميركية هو عمليات التنصت. يشرح ميلز: «عندما يتم التجسس على مواطنين أجانب ويتم اكتشاف وجود مواطن أميركي في هذه العملية، ينبغي عدم كشف هوية هذا المواطن الأميركي حتى للمسؤولين في الاستخبارات، يجب حجب اسم هذا المواطن الأميركي، لكن هذا لم يحصل في الكثير من الأحيان. إنه أمر خاطئ ويدل على سوء استغلال العملية بأكملها».

ويوافق غرينييه على وجود بعض الإخفاقات في الاستخبارات، خاصة في ملف التنصت، فيقول: «هناك تزايد في (المناطق الرمادية)؛ إذ إن مسؤولية جمع الاستخبارات بشأن تهديدات أجنبية قد تتداخل وتهدد بطريقة ما خصوصية المواطنين الأميركيين؛ لذا أعتقد أنه في الحالات وخلال جمع المعلومات حول نشاطات إرهابية أو عمليات خارج الدولة، قد نحصل على معلومات متعلقة بمواطن أميركي. في هذه الحالة، يجب أن نحمي هويته، لكن هذا أمر يصعب ويشكل تحدياً كبيراً للذين يجمعون ويحللون المعلومات الاستخبارية».

وتذكر شوايت أنه في بعض الأحيان قد تضطر وكالات الاستخبارات إلى «تخفيض معايير الخصوصية» خلال التحقيق في ممارسات إجرامية تهدد الأمن القومي، فتقول: «هناك صراع بين طريقة حماية الخصوصية والحرص على عدم الإفراط بجمع المعلومات، مثلاً إذا كنا نستمع إلى حديث لا يتعلّق بأي نشاط إجرامي محتمل، ولا يحمل أي قيمة استخبارية، فإننا لا نجمع أو نحفظ هذه المعلومات في أنظمتنا؛ لأنها تتعدى على الخصوصيات، أكانوا مواطنين أميركيين أم لا».

مكتب التحقيقات الفيدرالي مسؤول عن المهام الداخلية (أ.ب)

اختلاف «FBI» و«CIA»

رغم مساعي التنسيق بينهما، فإن طبيعة عمل الـ«FBI» والـ«CIA» مختلفة للغاية، على غرار اختلاف مهام الوكالتين. فوكالة الاستخبارات المركزية تعمل بشكل سري وتقتصر مهامها على الخارج الأميركي، وموظفوها يحملون هويات مستعارة. ويقول غرينييه إن «الـ(CIA) لا تعلن عن موظفيها أو حتى عن نشاطاتها في الخارج، لكن في بعض الأحيان، يتم التصريح بممثلي الوكالة والكشف عن هويتهم إلى مسؤولي الاستخبارات في الحكومات الأجنبية للتعاون بشكل فعال، لكن هذا لا يعني الكشف عن هويات كافة العاملين في الـ(CIA)».

ويعطي مثالاً على ذلك فيقول: «عندما كنت رئيس مكتب الـ(CIA) في باكستان لدى وقوع حوادث الـ11 سبتمبر، تعاونت مع مسؤولين في الحكومة الباكستانية كالرئيس الباكستاني والخدمات الاستخبارية، وكانوا على علم بهويتي، لكن على الرغم من علاقاتنا الوثيقة بأصدقائنا في باكستان، لم نكشف لهم عن كل ما كنا نقوم به؛ وذلك لأن الـ(CIA) تملك دوراً سرياً في الخارج... فهناك بعض المهام أو الواجبات التي لا يوافق عليها أصدقاؤنا بشكل خاص، وهذه طبيعة عملنا للحرص على أن رئيس الولايات المتحدة يملك كافة المعلومات ويمكنه اتخاذ أفضل القرارات».

وتتحدث شوايت عن طبيعة عمل الـ«FBI» ومهامه، فتشير إلى أن أي مهمة للمكتب خارج الأراضي الأميركية لا يمكن أن تحصل من دون موافقة البلد الأجنبي المعني. وأضافت: «الجزء الأول من مهمتنا هو حماية المواطنين الأميركيين. وهناك حاجة لوجود موظفين خارج الأراضي الأميركية، يقتضي عملهم إعادة المواطنين الأميركيين إلى الولايات المتحدة. إذا لم ترغب الدولة المستضيفة بوجود المحققين الفيدراليين أو جامعي الأدلة أو حتى أي طاقم من الـ(FBI) على أرضها، فهم لن يوجدوا هناك».

وتقول شوايت إن المكتب يعمل بشكل علني، وإن موظفيه يكشفون عن هويتهم علناً: «لدينا عملاء (سريون) قد يعملون في فترات مختلفة. لقد عملت شخصياً بشكل (متخفٍّ)؛ إذ تتظاهرين لفترة محددة بأنكِ شخص آخر لكي تصبحي عضواً في كارتل مخدرات أو عملية إجرامية، لكن في نهاية المطاف، يتم الكشف عن جميع هوياتنا». وتشرح شوايت: «في الولايات المتحدة، لا يمكنك الدخول إلى منزل أي شخص أو توقيف أحد من دون الإعلان عن هويتك... ويجب تقديم مذكّرة تفتيش».

وتشرح شوايت تبعية المكتب لوزارة العدل الأميركية، فتقول: «في فرع التحقيق، لا يمكننا إصدار مذكرة؛ يمكننا فقط إجراء التحقيق وتقديم هذه المعلومات إلى مكتب المدعي العام والطلب منه التوجه إلى المحكمة لإصدار مذكرة تفتيش أو توقيف أو حتى محاكمة شخصٍ ما في قضيةٍ ما. إذاً، نحن مستقلون لناحية عمليات التحقيق؛ إذ لا تقوم وزارة العدل بإدارة التحقيق، لكن عندما نجمع المعلومات فهي التي تمنحنا مذكرات المحكمة».

تواجه الاستخبارات الأميركية اتهامات بخرق القانون وانتهاك الخصوصية (رويترز)

«تسييس» الاستخبارات وقانونية تقنيات الاستجواب

يقول ميلز إن وكالات الاستخبارات تواجه مشكلة التسييس أخيراً؛ لأنها «استخدمت الاستخبارات الخاصة بتطبيق القانون كسلاح ضد الشعب الأميركي وضد جهة واحدة من الحكومة؛ أي حزب سياسي واحد. إذاً، نحن نواجه مشكلة هنا، ويجب أن نحلها». ويضيف أن «العنصرين الرئيسيين في النظام الأميركي هما دائماً الشفافية والمسؤولية. وقد خسرنا ذلك»، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن النظام الأميركي المبني على فصل السلطات هو نظام تصحيحي للمسارات الخاطئة. ويعطي غرينييه مثالاً على ذلك فيقول إن الكونغرس بدوره الإشرافي يمكنه أيضاً أن يطلع على نشاطات الاستخبارات والاعتراض في حال كانت هذه الوكالات تتعدى حدودها أو تتصرف بشكل غير لائق أو غير حكيم. وهذا ما جرى في عمليات الإيهام بالغرق مثلاً: «يجب على مجتمع الاستخبارات ووكالة الاستخبارات المركزية أن تتبع القانون دائماً، وفي حالة الإيهام بالغرق وغيرها من وسائل الاستجواب التي وصفها البعض بالتعذيب، كان أمراً مخالفاً للقانون؛ لأن الولايات المتحدة تعتمد القانون الدولي فيما يتعلّق بحظر التعذيب. هناك مكتب ضمن وزارة العدل، وهو مكتب الاستشارات القانونية، يقتضي عمله تحديد الأعمال القانونية وغير القانونية لأعضاء الـ(CIA) والحكومة، وهو الذي أبلغ الوكالة في بداية الأمر أن تقنية الإيهام بالغرق وغيرها هي ضمن القانون، لكن حين غيّر المكتب وجهة نظره، توقفت وكالة الاستخبارات المركزية مباشرة بعد ذلك».

وأشار غرينييه إلى صعوبة الشفافية في العمل الاستخباراتي، فيشرح: «لو كنا أكثر انفتاحاً مع الشعب الأميركي حول ما يقوم به مجتمع الاستخبارات باسمه، فقد يطلع الأجانب على هذه المعلومات أيضاً، وهم الذين لا نرغب باطلاعهم على أنشطتنا».


مقالات ذات صلة

فانس تحت أضواء التفاهم الأميركي - الإيراني

الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في نيويورك يوم 17 يونيو (رويترز)

فانس تحت أضواء التفاهم الأميركي - الإيراني

سلطت الأضواء على نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس «مهندس» مذكرة التفاهم مع إيران، فيما طالب الديمقراطيون وزير الخارجية ماركو روبيو بتقديم إحاطة فورية حولها.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ يسعى الكونغرس لربط الدعم الأميركي بخطوات عملية تثبت التزام الجيش اللبناني بنزع سلاح «حزب الله» (أ.ف.ب)

الكونغرس للتشدد في شروط دعم الجيش اللبناني

أقرت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ آلية لمساعدة الجيش اللبناني على نزع سلاح ‫«حزب الله»، مقابل شروط صارمة لاستمرار الدعم الأميركي.

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب بالبيت الأبيض في 14 يونيو 2026 (أ.ب)

تحليل إخباري اتفاق إيران في مرمى «الكونغرس»

أي اتفاق نووي مع إيران سيمر عبر «الكونغرس». موقف واضح يتكرر على لسان مشرعين جمهوريين وديمقراطيين الذين يذكرون بقانون «إينارا».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جاي كلايتون المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك يستمع خلال مؤتمر صحافي في نيويورك 9 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يرشِّح مدعي عام نيويورك لشغل منصب مدير الاستخبارات الوطنية

رشّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، مدعي عام نيويورك جاي كلايتن لشغل منصب مدير الاستخبارات الوطنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ السيناتور ليندسي غراهام متحدثاً بعد فوزه الانتخابي في ساوث كارولاينا (أ.ب)

حلفاء ترمب يتقدمون جمهورياً… ومرشح مثير للجدل بين الديمقراطيين

بسط الرئيس الأميركي دونالد ترمب سطوته بين الجمهوريين بفوز حلفائه في الانتخابات التمهيدية للحزب. وتقدم مرشح مثير للجدل عن الديمقراطيين في ماين.

علي بردى (واشنطن)

إصابة 12 شخصاً بإطلاق نار على حشد في شيكاغو

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
TT

إصابة 12 شخصاً بإطلاق نار على حشد في شيكاغو

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)

قالت الشرطة إن ما لا يقل عن 12 شخصاً من بين حشد كان متجمعاً في أحد شوارع شيكاغو أصيبوا بطلقات نارية بعد أن توقفت سيارة دفع رباعي، وبدأ شخصان داخلها إطلاق النار.

وأضافت الشرطة في بيان أن السيارة غادرت حي ساوث سايد، تاركة شخصين، كلاهما من الذكور، في حالة حرجة عقب إطلاق النار الذي وقع في وقت متأخر من مساء الجمعة.

وأصيب أحدهما بطلق ناري في الفخذ.

وتراوحت أعمار المصابين، وهم 8 رجال و4 نساء، بين 17 و47 عاماً، وكانوا يتلقون العلاج في 4 مستشفيات.

عناصر من الشرطة الأميركية (أ.ب)

وقالت الشرطة إن رجلاً آخر تعرض لإصابات غير معروفة، لكنه رفض تلقي العلاج الطبي.

واستجابت الشرطة في البداية لبلاغ يفيد بإصابة شخص واحد بالرصاص، وعثرت على امرأة مصابة بطلقين ناريين في ظهرها، ورجل مصاب بأربع إصابات سطحية (خدوش ناتجة عن الرصاص) في ظهره، وأدرجت حالة كليهما على أنها مستقرة.

ويواصل المحققون التحقيق في الحادث.


80 مليار دولار لـ«البنتاغون» تفتح مواجهة جديدة بين ترمب والكونغرس

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
TT

80 مليار دولار لـ«البنتاغون» تفتح مواجهة جديدة بين ترمب والكونغرس

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)

تعود تكلفة الحرب الأميركية ضد إيران إلى صدارة المشهد في واشنطن، في لحظة تزداد فيها الضبابية المحيطة بمستقبل مذكرة التفاهم الأولية التي وقّعها الرئيس دونالد ترمب مع طهران. فبينما يفترض أن تفتح المذكرة مهلة للتفاوض على اتفاق نهائي، أعاد تعثر محادثات المتابعة والتوتر في لبنان الشكوك في متانة التهدئة.

وفي الداخل الأميركي، تستعد الإدارة لاختبار مختلف: إقناع الكونغرس بتوفير عشرات المليارات لتغطية حرب لم يمنحها المشرعون تفويضاً صريحاً، وسبق أن عبّروا عن رغبتهم في تقييد استمرارها.

تعويض ما استُنزف

نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر مطلعة أن نائب وزير الحرب ستيفن فاينبرغ أبلغ مشرعين، في اتصالات هاتفية، هذا الأسبوع، بأن «البنتاغون» يحتاج إلى نحو 80 مليار دولار لتغطية تكاليف حرب إيران، إلى جانب نفقات أخرى غير مرتبطة مباشرة بالنزاع.

ولا يعني الرقم بالضرورة أن الوزارة تُخطّط لإنفاق 80 مليار دولار جديدة بالكامل على العمليات الإيرانية؛ فجزء من المبلغ سيستخدم لتعويض أموال سحبها البنتاغون بالفعل من بنود أخرى في موازنته، بعدما اضطر إلى تمويل العمليات البحرية ورواتب الأفراد واستهلاك الذخائر وانتشار القوات على الحدود الجنوبية من مخصصات كانت مرصودة للتدريب والجاهزية وبرامج أخرى.

وبحسب الصحيفة، حذّر قادة عسكريون من أن بعض أفرع القوات المسلحة قد تواجه نقصاً في أموال التشغيل خلال الصيف، ما قد يفرض تقليص التدريبات وأولويات عسكرية أخرى. ويُتوقع أن يكون تمويل «البنتاغون» جزءاً من حزمة تكميلية أوسع، قد تشمل أيضاً مساعدات للمزارعين وأموالاً للإغاثة من الكوارث، في محاولة لتوسيع قاعدة المؤيدين لها في الكونغرس.

وقالت «رويترز» إنها لم تتمكن فوراً من التحقق بصورة مستقلة من تقرير الصحيفة، بينما لم يصدر تعليق من البيت الأبيض أو «البنتاغون». وكان مسؤول عسكري قد قدر في أبريل (نيسان) تكلفة الحرب بنحو 25 مليار دولار، قبل أن يرتفع التقدير إلى 29 ملياراً في منتصف مايو (أيار)، لكن ذلك لا يشمل بالضرورة كامل تكلفة إعادة ملء مخازن الصواريخ والذخائر أو تعويض الأضرار، ورفع الجاهزية لمواجهة تهديدات أخرى.

خلاف مالي يخفي نزاعاً دستورياً

لن تدور المعركة المقبلة حول المبلغ الذي تطالب به الإدارة فقط، بل حول سلطة الرئيس في خوض الحرب من دون موافقة الكونغرس؛ فقد وافق مجلس النواب في مطلع يونيو (حزيران)، على قرار يستهدف وقف العمليات العسكرية ضد إيران، بعدما انضم 4 جمهوريين إلى الديمقراطيين في تحدٍّ نادر لترمب.

ولذلك، قد يجد البيت الأبيض نفسه أمام مشرعين يقولون إن التصويت على المال لا يمكن فصله عن التصويت على الحرب نفسها. وأعلن بعض أعضاء الكونغرس أنهم لن يؤيدوا تمويلاً إضافياً ما لم يطلب الرئيس تفويضاً رسمياً للعمليات، كما حدث قبل حرب الخليج وحربي العراق وأفغانستان.

وتزداد صعوبة المسار في مجلس الشيوخ، حيث تحتاج معظم التشريعات إلى 60 صوتاً لتجاوز العقبات الإجرائية؛ ما يفرض على الجمهوريين استمالة بعض الديمقراطيين.

وقال السيناتور الديمقراطي كريس مورفي إنه يستبعد حصد 60 صوتاً لتمرير تمويل تكميلي، متهماً الإدارة بعدم إبقاء الكونغرس على اطلاع.

ويعيد الرقم الجديد إلى الأذهان المعارضة التي واجهت طلباً أولياً تجاوز 200 مليار دولار في مارس (آذار). وربما يكون خفضه إلى 80 ملياراً محاولة لجعله أكثر قبولاً، لكنه لا يجيب عن سؤال المشرعين الأساسي: ما التكلفة النهائية للحرب، وما الذي ستحققه هذه الأموال عسكرياً وسياسياً؟

اتفاق هشّ لا يلغي فاتورة الحرب

يزيد توقيت الطلب حساسيته؛ لأن مذكرة التفاهم مع إيران لم تتحول بعد إلى تسوية دائمة؛ فهي تفتح نافذة مدتها 60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي، لكن إلغاء محادثات متابعة كانت مقررة في سويسرا، وربط طهران بعض خطواتها بتطورات الجبهة اللبنانية، أعادا الشكوك إلى مستقبلها، وفق ما نقلته «رويترز».

ويطلب البيت الأبيض من الكونغرس دفع فاتورة حرب ربما تكون قد توقفت مؤقتاً من دون ضمان أنها انتهت نهائياً. فإذا انهارت المفاوضات، قد يتحول مبلغ 80 مليار دولار إلى دفعة أولى لجولة جديدة. أما إذا صمد الاتفاق، فسيتعين على الإدارة تفسير الحاجة إلى هذا الحجم من التمويل بعد إعلان ترمب أن حملته حققت أهدافها.

وتأتي المواجهة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وسط قلق الناخبين من تكاليف المعيشة والطاقة. وأظهر استطلاع لـ«رويترز/إبسوس» في أبريل أن 34 في المائة فقط من الأميركيين يؤيدون الحرب؛ ولذلك سيحاول الديمقراطيون ربط التمويل الإضافي بارتفاع الأسعار، بينما سيجادل الجمهوريون بأن رفضه يهدد جاهزية الجيش، ويترك مخازن الأسلحة مستنزفة.


«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

أثارت مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران عاصفة سياسية في واشنطن، وولّدت موجة من ردود الفعل المتداخلة بين الديمقراطيين والجمهوريين. فبينما يأمل البعض من حزب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تمهّد هذه المذكرة الطريق لخفض الأسعار وتجنب مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، يُحذّر آخرون من تنازلات قد تمنح طهران مليارات الدولارات وتخفف عنها العقوبات.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، طبيعة الأصول الإيرانية التي تنوي واشنطن الإفراج عنها وحدود رفع العقوبات، بالإضافة إلى تفاصيل الانقسامات داخل فريق الرئيس حول هذا الملف.

تنازلات لصالح إيران؟

تعتبر مارا رودمان، النائبة السابقة للمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي، أن المذكرة تبدو أقرب إلى خدمة المصالح الإيرانية منها إلى تحقيق أهداف الولايات المتحدة. وتشير إلى أن الفقرة الأولى من المذكرة تتضمن إشارات متكررة إلى لبنان، معتبرة أن واشنطن تفاوضت عملياً على ملفات تمس مصالح إسرائيل ولبنان من دون وجودهما على طاولة المفاوضات، في وقت قد تستفيد فيه إيران من الاتفاق لتعزيز نفوذ حلفائها، وفي مقدمتهم «حزب الله». وتضيف رودمان أن ما يُثير القلق بشكل خاص هو أن إيران ستحصل، وفق نص المذكرة، على مكاسب اقتصادية كبيرة منذ بداية التنفيذ، عبر تسهيلات لصادرات النفط ورفع بعض العقوبات، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي خلال فترة التفاوض المحددة بستين يوماً.

من جهتها، تشير إليزابيث هاغدورن، مراسلة الشؤون الدبلوماسية في «المونيتور»، إلى أن الاتفاق يتعرّض لانتقادات من اليمين واليسار على حد سواء، وخاصة أن إدارة ترمب كانت قد برّرت انسحابها من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بأنه لم يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووكلاء طهران في المنطقة... إلا أن هذه القضايا غابت أيضاً عن مذكرة التفاهم الجديدة، كما أن التعهّد الإيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي لا يمثل تنازلاً جديداً من جانب طهران؛ إذ إن «إيران تعلن ذلك منذ عقود»، على حد تعبيرها.

أما كيفين بيشوب، وهو مدير الاتصالات السابق للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، فيتحدث عن تشكيك الجمهوريين الكبير في المذكرة؛ نظراً لعدم ثقتهم في النظام الإيراني. ويعزو سرعة التوصل للمذكرة إلى الوضع الاقتصادي، عادّاً أن «الرئيس ترمب كان واضحاً بأن القلق الأكبر هو الأثر الاقتصادي الداخلي هنا في الولايات المتحدة، وفي العالم»، خاصة في ظل موسم انتخابي سيحسم الأغلبية في الكونغرس.

دور الكونغرس

وتحتل الجوانب المالية موقعاً محورياً في الانتقادات الموجهة للاتفاق. فالتعويضات الاقتصادية المنصوص عليها في المذكرة تتجاوز ما حصلت عليه إيران بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. وإلى جانب استئناف صادرات النفط وتخفيف العقوبات، تلمّح المذكرة إلى الإفراج عن أصول وأموال إيرانية مجمّدة في الخارج تُقدّر بأكثر من 25 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات ضخمة مرتبطة بصندوق إعادة الإعمار تصل إلى 300 مليار دولار.

ويُحذّر عدد من الجمهوريين من أن أي موارد مالية إضافية قد تُمكّن إيران من إعادة بناء قدراتها العسكرية ودعم حلفائها الإقليميين. وتقول رودمان إن النظام الإيراني بكل تأكيد سوف يستخدم جزءاً من هذه الأموال ليعيد بناء ما تمّ هدمه خلال الحرب. كما تطرقت رودمان إلى ملف رفع العقوبات، مشيرة إلى أن إدارة ترمب لا يمكنها أن ترفع العقوبات أحادياً. لكنها استدركت: «لا تبدو الإدارة قلقة بشأن تطبيق القوانين. القانون يقول إنه لا يجب أن يكون هناك قدرة أحادية برفع العقوبات من دون العودة للكونغرس، ولكن ذلك لم يردع الرئيس ترمب في الماضي». وتطرح هاغدورن مسألة الجدل حول دور الكونغرس في التصويت على أي اتفاق مع إيران، وتتساءل: «نظراً للبيئة السياسية الحالية، هل يحشد الكونغرس أصواتاً كافية لعرقلة الاتفاق؟». ولفتت هاغدورن إلى صعوبة التوصل إلى الاتفاق، وذكّرت بأن «(خطة العمل المشتركة الشاملة) في عهد أوباما احتاجت إلى نحو عامين للتفاوض عليها. نحن نتحدث هنا عن مهلة شهرين فقط، ومن الصعب التوصل إلى اتفاق في هذه الفترة الزمنية القصيرة».

وعن رفع العقوبات، يشير بيشوب إلى أن بعضها فرضه الكونغرس على إيران، في حين فرض البيت الأبيض بعضها الآخر. ويُشكّك بيشوب في أن يُقدم الجمهوريون على تحدّي ترمب في موسم انتخابي يحتاجون خلاله إلى دعمه، مضيفاً: «قد يعارضه من خسر في الانتخابات التمهيدية في انتظار نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن من يريد الحفاظ على مقعده في الانتخابات النصفية سيصمت، ولن يبدي أي رأي معارض لاتفاق إيران بسبب الحسابات السياسية».