أول ما لفت الأنظار في زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية جون راتكليف الغامضة إلى موسكو قبل أيام، أنها أحيطت بسرية كاملة، وأثارت تكهنات وجدالات أكثر مما وضعت من أجوبة.
كانت موسكو تنتظر من أسابيع زيارة أخرى، تحمل أبعاداً سياسية لدفع عملية السلام. وأعلنت أكثر من مرة استعدادها لاستقبال مبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لكن بدلاً منهما جاء «رجل المهمات السرية» وفقاً لوصف بعض الدوائر الروسية، ومثال ذلك أنه ذهب إلى كوبا في مايو (أيار) حاملاً رسالة تحذيرية مماثلة. جاء الرجل كما اتضح لاحقاً، مكلفاً بشكل مباشر من الرئيس دونالد ترمب لحمل رسالة واحدة مغزاها بحسب قاموس ترمب: «لا تفتحوا باب الجحيم».

اللافت هنا، مع إحاطة الزيارة بالكتمان لدرجة أن الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف قال عندما حطت طائرة المسؤول الأميركي في مطار فنوكوفا الحكومي إنه لا يعلم شيئاً عن الموضوع، أن هذه الزيارة أعادت إلى الأذهان زيارة مماثلة كان سلفه في المنصب ويليام بيرنز قد قام بها إلى موسكو في نهاية عام 2021 وسط ازدياد تقارير عن حشود عسكرية روسية واستعدادات لإرسال قوات إلى أوكرانيا.
قال بيرنز وقتها للروس: «لا تقدموا على غزو أوكرانيا! عندها نفت موسكو كل المزاعم الغربية حول الحشود، لكنها أطلقت عمليتها العسكرية بعد مرور أقل من 3 أشهر على الزيارة».

اللافت أيضاً أن راتكليف جاء إلى موسكو قادماً من ريغا عاصمة لاتفيا، وعاد إليها بعد الزيارة السريعة ليمكث فيها 24 ساعة قبل أن ينطلق في رحلة العودة إلى بلاده.
لذلك اكتسبت التسريبات حول أنه جاء لتحذير روسيا من مهاجمة بلدان حوض البلطيق أو حلفاء واشنطن في «الناتو» أبعاداً جدية رغم حرص ترمب لاحقاً على تخفيف لهجته والحديث عن أن زيارة مدير جهاز الاستخبارات إلى موسكو «روتينية إلى حد ما».
المعطيات الروسية التي تسربت تشير إلى أن الدافع الأساسي للزيارة كان التحذير من مهاجمة منشآت عسكرية غربية، وضرورة الامتناع عن توجيه أي ضربات إلى مواقع ترى موسكو أنها باتت أهدافاً مشروعة في بلدان البلطيق أو بولندا ورومانيا وبلدان أوروبية أخرى.

ورغم أن الكرملين أكد مراراً أنه لا يخطط لمهاجمة دول «الناتو» وأن التقارير الغربية حول ذلك مجرد «تهويش إعلامي يهدف لشيطنة روسيا، وإثارة الذعر في أوروبا تجاهها»، لكن التطورات التي وقعت خلال الأشهر الاخيرة من عمر الحرب الأوكرانية حملت تبدلاً ملحوظاً في المواقف، وباتت موسكو توجه تحذيرات وأحياناً تهديدات مباشرة لبلدان أوروبية أبرمت اتفاقات عسكرية وتفاهمات على إطلاق صناعات مشتركة مع كييف.
تبدل المزاج السياسي
سبق الزيارة والتطورات المتسارعة خلال الأشهر الأخيرة ميدانياً، وتصاعد الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف، بروز مؤشرات قوية، وفقاً لمصادر روسية حول تبدُّل مهم في المزاج الغربي عموماً والأميركي خصوصاً تجاه ملف التسوية السياسية في أوكرانيا. وقد ظهر ذلك بوضوح في قمة حلف شمال الأطلسي في يوليو (تموز) الماضي لجهة الاتفاق على زيادة الإنفاق العسكري، وتوسيع المساعدات لأوكرانيا، وزيادة الضغوط على موسكو. تزامن ذلك مع تسريع الاتحاد الاوروبي وتائر المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وتراجع واشنطن عن رؤيتها السابقة لمسار تسوية الصراع، من خلال النكوص عن تفاهمات قمة ألاسكا التي شكلت وفقاً للكرملين الإطار الوحيد العملي للتسوية السياسية. تلك التفاهمات أقرت بسيطرة روسية في دونباس، وأكدت على حتمية «التنازلات الأوكرانية» عن الأراضي، وحمّلت أوروبا مسؤولية عدم عرقلة التسوية المحتملة، وتحمّل ترمب شخصياً عبء الضغط على كييف والعواصم الأوروبية لدفع التسوية.
رأى خبراء روس أن إدارة الرئيس ترمب تراجعت عن رؤيتها السابقة على خلفية الحرب مع إيران، والتوافقات التي جرت داخل «الناتو» والرغبة في عدم توسيع هوة الخلافات مع أوروبا.

تبدل موازين القوى على الأرض
تزامن ذلك مع تبدل ملموس في فهم الوضع الميداني ودرجة تأثيره على الاستعداد لدفع المسار السياسي. وقامت السردية الروسية على «امتلاك زمام المبادرة» على الأرض، وتحقيق الروس اختراقات عدة ميدانياً تمثلت في «تحرير» الجزء الأعظم من دونباس، وفرض سيطرة مطلقة تقريباً في دونيتسك بعد لوغانسك، فضلاً عن نجاح موسكو في إقامة شريط عازل محمي بشكل جيد على طول الحدود الشرقية في خاركيف وسومي. كان المشهد يوحي بأن موسكو كسبت الحرب على الأرض، وتنتظر إقراراً سياسياً بالواقع الجديد لرسم ملامح التسوية المقبلة.

لكن في المقابل، قاد تبنّي الأوكرانيين استراتيجية توسيع المعركة في العمق الروسي واستهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية بشكل نشط ويومي، إلى إرهاق كبير للكرملين. وبرزت أزمات نقص الوقود المتفاقمة، وتصاعد التوتر الداخلي بعدما باتت المعركة تدخل إلى كل مدينة وقرية روسية إلى تغيير في هيكلية المعركة. بالتزامن مع إثبات التقنيات الحديثة التي طورتها أوكرانيا أنها فعالة وأنها أسهمت بشكل مباشر في إقامة توازن صعب ومعقد على الأرض. بمعنى آخر، في مواجهة القوة الكبرى التقليدية لروسيا على الأرض وقدرتها على مواصلة التقدم البطيء لكن المستمر، رسخت أوكرانيا وضعها كقوة لا يستهان بها في مجال التقنيات العسكرية الحديثة لدرجة أنها باتت جزءاً من حسابات المجتمع الأوروبي والغربي عموماً في أي قوة مشتركة مستقبلية.
هذا التبدل في موازين القوى، رأى خبراء أنه أسهم في تبدل المزاج السياسي لترمب حيال التسوية، وفي اتساع حجم التحرك الأوروبي لتكثيف الدعم للقوة العسكرية الأوكرانية.

اتفاقات عسكرية
في هذا المجال، أبرمت أوكرانيا اتفاقات واسعة للتعاون والشراكة في التصنيع العسكري مع العديد من الدول الأوروبية لتحويل أراضيها إلى قاعدة إنتاج دفاعي مشترك. أبرز الاتفاقات ومجالات التعاون كانت اتفاقيات المسيّرات؛ إذ أعلنت كييف عن توقيع اتفاقات تعاون عسكري تقضي بإشراك الدول الأوروبية في العمل المباشر وشراء التقنيات والأسلحة الأوكرانية، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، ونقل الإنتاج الصاروخي؛ حيث بدأت دول أوروبية وشركات دفاعية كبرى مثل «إم بي دي إيه» (MBDA) بنقل أجزاء من ترسانتها وتكنولوجيا التصنيع العسكري إلى أوكرانيا، بما في ذلك تقديم المعلومات الضرورية لإنتاج صواريخ «سكالب» (SCALP) بعيدة المدى.

ثم الصناعات الدفاعية والتمويل حيث ربط الاتحاد الأوروبي جزءاً كبيراً من حزم المساعدات والقروض الضخمة (مثل قرض الـ90 مليار يورو لعامي 2026 و2027) بتقديم العقود الموقعة مع شركات الصناعات الدفاعية لتوفير أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر والأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية. وأخيراً تحالف الراغبين الذي تقود فيه دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تنسيقاً مشتركاً لتعزيز الإنتاج المحلي والمشترك للأسلحة داخل أوكرانيا، وضمان استمرار الإمدادات والدعم التقني. وكان أحدث تطور في إطار هذا التحالف الاتفاق على زج قوات مشتركة في أوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق لوقف النار، وهو أمر ترفضه موسكو بشدة.

























