مع اقتراب أوكرانيا من الاندماج الأوروبي، تتضح حدود نموذج التوسع التقليدي الذي يعتمده الاتحاد الأوروبي، وذلك وفقاً للمحلل السياسي ماتيو ميكاتشي مدير معهد السياسة الأوروبية في كييف، والذي شغل منصب مدير مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بين عامَي 2020 و2024.
وقال ميكاتشي في تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، إنه في عام 2026 لم يعد مستقبل أوكرانيا في أوروبا مجرد مسألة تتعلق باندماجها في الاتحاد الأوروبي، بل أصبحت له أهمية استراتيجية.

وقد أصبحت سلسلة من النقاشات حول دفاع أوروبا واستقلالها واقتصادها، وهي قضايا كانت تبدو في السابق منفصلة عن بعضها، أكثر ترابطاً بشكل متزايد. وتعكس
المناقشات حول تسريع اندماج أوكرانيا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والمقترحات الخاصة بإدراجها التدريجي في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، والاهتمام المتجدد بالتعاون الدفاعي الأوروبي، والمشاورات بين الدول الأوروبية الرئيسية حول مستقبل أوكرانيا؛ تحولاً كبيراً في وجهات النظر الأوروبية.

ويرى ميكاتشي أنه على مدى عقود كان التوسع إحدى أنجح المبادرات السياسية للاتحاد الأوروبي. ومنذ عام 1951 توسعت عملية التكامل الأوروبي تدريجياً، وأنشأت مجتمعاً أكثر وحدة يتميز بالديمقراطية والازدهار والاستقرار في قارة كانت تخرج من الانقسام والصراع.
وقد نفذت الدول المرشحة إصلاحات وعززت مؤسساتها واندمجت تدريجياً في الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتطورة للاتحاد. وقد حدث هذا في سياق استراتيجي بدا فيه أن القضايا الجوهرية للأمن الأوروبي قد تم حلها إلى حد كبير، بفضل إنشاء «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) وتوسعه. ولكن اليوم أصبح العديد من هذه الافتراضات موضع تساؤل.
وفوق كل ذلك، أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا إلى تقويض أسس الإطار الأمني الأوروبي الذي تشكل بعد الحرب الباردة. وأشار ميكاتشي إلى أنه في الوقت نفسه أدى تزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات عبر «الأطلسي» إلى إحياء تساؤلات ظن الأوروبيون أنها قد حُسمت منذ وقت طويل، مثل: من يتحمل مسؤولية أمن القارة؟ وكيف ينبغي تنظيم هيكل الردع؟ وما الدور الذي يجب أن تلعبه أوروبا في دفاعها عن نفسها؟
ومن جوانب عديدة، تعيد أوروبا النظر في التساؤلات التي طُرحت في بداية المشروع الأوروبي. ولم ينجح مقترح عام 1952 لإنشاء «مجموعة الدفاع الأوروبية»؛ إذ أصبح حلف «الناتو» والضمان الأمني الأميركي الركيزتين الأساسيتين للدفاع الأوروبي خلال الحرب الباردة. ولسنوات كثيرة بعد ذلك، تطور التكامل والأمن الأوروبيان بشكل مستقل إلى حد كبير، إلا أن الحفاظ على هذا الفصل بات يمثل تحدياً متزايداً في ظل حرب أوكرانيا.

وقال ميكاتشي إن أوكرانيا ليست أول دولة من دول ما بعد الاتحاد السوفياتي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها أول دولة مرشحة تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وهي تخوض حرباً كبرى على الأراضي الأوروبية، وتنفذ إصلاحات صعبة في ظل ظروف استثنائية، وتلعب دوراً محورياً في النقاشات الدائرة حول مستقبل أمن أوروبا.
ويرى ميكاتشي أن هذا الوضع يبرز أهمية المقترحات الأخيرة لجعل الاندماج تدريجياً بشكل أكبر وأكثر ارتباطاً من الناحية السياسية. وتشمل هذه المقترحات نقاشات قوية حول فكرة المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن مشاركة ممثلين لأوكرانيا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي في وقت مبكر، بالإضافة إلى مقترحات تتيح للدول المرشحة الانضمام إلى أجزاء من السوق الأوروبية الموحدة تدريجياً قبل الحصول على العضوية الكاملة. وتشير هذه النقاشات إلى إدراك أن الفصل التقليدي للاتحاد الأوروبي بين وضع المرشح
والعضوية قد لا يكون ملائماً بعد الآن.

واعتبر ميكاتشي أن المقترحات الأخيرة المتعلقة بالشراكة والمشاركة والاندماج تستحق اهتماماً دقيقاً؛ إذ تعترف بأن الدول التي تنفذ إصلاحات صعبة ينبغي أن تحقق بعض الفوائد من الاندماج حتى قبل الحصول على العضوية الكاملة. وفي حالة أوكرانيا لا تعالج هذه المقترحات سوى جزء من المشكلة. فالمسألة الرئيسية الآن ليست فقط كيفية تسريع انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وإنما هي ما إذا كان من الممكن مناقشة اندماج أوكرانيا مع أوروبا بمعزل عن المخاوف الأمنية الأوروبية.
ومنذ بدء الغزو الروسي الشامل، كانت أهمية تقديم ضمانات أمنية موثوقة لأوكرانيا موضوعاً رئيسياً في المناقشات الأوروبية. وما يتطور حالياً لا يقتصر فقط على الاعتراف بهذه الحاجة، ولكن يشمل أيضاً إدراكاً متزايداً بأن أمن أوكرانيا واندماجها الأوروبي أصبحا جانبين مترابطين لنفس الهدف الاستراتيجي.
وفي حين أن عضوية حلف «الناتو» لا تزال هدفاً استراتيجياً لأوكرانيا، فإنها ليست مطروحة في الأفق في الوقت الراهن. وقد زاد هذا من أهمية الإسراع في استكشاف سبل إدماج أوكرانيا ضمن إطار أمني أوروبي أوسع.

واعتبر ميكاتشي أن أي مبادرة دبلوماسية مستقبلية تهدف إلى إنهاء الحرب ستتطلب أكثر من مجرد ترتيبات لوقف إطلاق النار أو اتفاقيات سياسية، وأن السلام الدائم سيعتمد على دمج أوكرانيا ضمن إطار يجمع بين الفرص الاقتصادية، والاندماج السياسي، والضمانات الأمنية الموثوقة. ومن دون هذا الإطار، فإن أي تسوية تخاطر بأن تصبح مجرد هدنة قد تتجدد بعدها المواجهة.
وقد بدأت التداعيات في الظهور بالفعل؛ فعلى سبيل المثال، دعا مفوض الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس إلى أن تكون أوكرانيا جزءاً من البنية الدفاعية الأوروبية الناشئة. كما دعا وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو إلى إطار دفاعي أوروبي أوسع نطاقاً يمتد خارج نطاق الاتحاد الأوروبي نفسه. وبغض النظر عن الشكل المؤسسي الذي قد تتخذه هذه
الترتيبات في نهاية المطاف، فإنها تعكس حقيقة أوسع نطاقاً، وهي أن الأمن يعود إلى صميم المشروع الأوروبي.

ويرى ميكاتشي أنه لا ينبغي النظر إلى دور أوكرانيا في هذا النقاش من حيث الضمانات والمساعدات فحسب؛ فبعد أكثر من أربعة أعوام من حرب شاملة، تطورت أوكرانيا لتصبح إحدى أقوى القوى العسكرية في أوروبا. واكتسبت قواتها المسلحة خبرة لا مثيل لها في الحروب التقليدية واسعة النطاق، وأصبحت صناعتها الدفاعية مبتكرة في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل والحرب الإلكترونية. وفي مجالات رئيسية، تتجاوز الخبرة العملياتية الأوكرانية الآن خبرة الكثير من دول الاتحاد الأوروبي.
ويعود الفضل في هذه الإنجازات إلى حد كبير إلى الدعم العسكري والمالي والسياسي المستمر من أوروبا والولايات المتحدة وحلفاء آخرين. ومع ذلك، أظهرت قدرة أوكرانيا على استيعاب هذا الدعم، وتحويله إلى قوة عسكرية فعالة، وتطوير ابتكاراتها الخاصة، مرونة وقدرة على التكيّف لم يتوقعها الكثيرون في بداية الحرب.
ولم تعد أوكرانيا مجرد دولة تتلقى الأمن، بل أصبحت الآن مساهمة فيه. وينبغي أن يؤثر هذا التحول أيضاً على النقاش الدائر حول التوسع. فبينما تركز النقاشات غالباً على ما يمكن أن تقدمه أوروبا لأوكرانيا، أصبح من المهم بشكل متزايد النظر فيما يمكن أن تقدمه أوكرانيا لأوروبا، مثل القوة العسكرية، والتقدم التكنولوجي، والمزايا الاستراتيجية، والالتزام
الواضح بدعم المبادئ الأساسية للمشروع الأوروبي.
وأشار ميكاتشي إلى أن اندماج أوكرانيا الناجح سيمثل علامة فارقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي؛ إذ سيحمي دولة تتعرض حالياً للهجوم، ويبرز قدرة أوروبا على تكييف مؤسساتها وسياساتها مع مشهد استراتيجي تغير بشكل جذري.

وقد تحول النقاش من مجرد التوسع إلى كيفية تعامل أوروبا مع التحديات الأمنية المتجددة، وما إذا كان بإمكانها وضع إطار عمل تدعم فيه الجهود السياسية والاقتصادية والديمقراطية والأمنية بعضها.
واختتم ميكاتشي تحليله بالقول إن من أهم الدروس المستفادة من التكامل الأوروبي أن الأمن الدائم لا يعتمد فقط على القوة العسكرية والردع، ولكن أيضاً على مؤسسات ديمقراطية قوية، وسيادة القانون، ومجتمعات قادرة على الصمود. وأضاف أن خيارات القادة الأوروبيين، ومن بينهم الأوكرانيون، بشأن دور أوكرانيا في أوروبا، تؤثر تأثيراً مباشراً على جميع هذه المجالات. وقليل من القرارات سيكون له مثل هذا التأثير الحاسم على مستقبل القارة.






