بلفاست تعزّز قواتها بعد ليلة ثانية من اضطرابات «عنصرية»

وزير الدفاع البريطاني يستقيل احتجاجاً على نقص تمويل الجيش

نيران تتصاعد من عربة أحرقها متظاهرون في شرق بلفاست يوم 9 يونيو (أ.ب)
نيران تتصاعد من عربة أحرقها متظاهرون في شرق بلفاست يوم 9 يونيو (أ.ب)
TT

بلفاست تعزّز قواتها بعد ليلة ثانية من اضطرابات «عنصرية»

نيران تتصاعد من عربة أحرقها متظاهرون في شرق بلفاست يوم 9 يونيو (أ.ب)
نيران تتصاعد من عربة أحرقها متظاهرون في شرق بلفاست يوم 9 يونيو (أ.ب)

أعلنت شرطة آيرلندا الشمالية، الخميس، أنها عززت أعداد قواتها المنتشرة في بلفاست بعد ليلة ثانية من العنف والحوادث التي وصفها «داونينغ ستريت» بأنها «عنصرية»، اندلعت عقب هجوم بسكين وُجهت فيه تهمة إلى لاجئ سوداني.

واشتبك عشرات المتظاهرين الملثمين مع شرطة مكافحة الشغب حتى ساعة متأخرة من ليل الأربعاء في غلينغورملي، وهي منطقة شمال بلفاست، حيث رشقوا قوات الأمن بمقذوفات وطوب وزجاجات حارقة، فيما استخدمت الشرطة مدفع مياه لتفريقهم، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال مساعد مفوض شرطة آيرلندا الشمالية، رايان هندرسون، في مؤتمر صحافي، الخميس، إن «12 شرطياً أصيبوا، بعضهم بزجاجات حارقة»، في هذه المنطقة وفي مدينة بورتاداون، جنوب بلفاست. وأضاف أنه جرى توقيف 16 شخصاً، ووجّهت اتهامات إلى اثنين منهم، رجل يبلغ 28 عاماً وامرأة تبلغ 24 عاماً، ومن المقرر أن يمثلا أمام القضاء، الخميس.

منزل أحرقه متظاهرون في آيرلندا الشمالية يوم 11 يونيو (إ.ب.أ)

وتابع: «لن يتم التسامح مع هذا السلوك العنيف من أقلية من البلطجية»، مؤكداً أن الشرطة ستكون «موجودة مجدداً على الأرض»، مساء الخميس، بأعداد معززة.

غير أن الاشتباكات، التي وقعت ليلة الأربعاء إلى الخميس، كانت «أقلّ حجماً من الأحداث المروعة» التي شهدتها المدينة، الثلاثاء، بحسب وزير شؤون آيرلندا الشمالية، هيلاري بن، في حديث إلى قناة «سكاي نيوز». وأعرب عن استيائه من تعرّض أشخاص لـ«الترهيب والطرد من منازلهم على يد بلطجية ملثمين بسبب لون بشرتهم». بدوره، قال مكتب رئيس الوزراء في «داونينغ ستريت»: «لا شك في أن المشاهد التي شهدناها خلال الأيام الأخيرة عنصرية».

ملاحقة وترهيب

واندلعت أعمال شغب مُناهضة للمهاجرين، مساء الثلاثاء، في وسط عاصمة آيرلندا الشمالية، بعد انتشار مقطع مُصوّر للهجوم بسكين الذي وقع، الاثنين، ويظهر فيه المهاجم جالساً فوق رجل ملقى على الأرض وملطخاً بالدماء، بينما يوجه إليه ضربات.

جانب من الدمار الذي خلّفته أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 11 يونيو (أ.ف.ب)

وفقد الضحية، الذي يدعى ستيفن أوغيلفي، إحدى عينيه. وقالت عائلته، في بيان مساء الأربعاء، إنه لا يزال في المستشفى وحالته مستقرة، مُعربةً في الوقت نفسه عن «اشمئزازها» من مشاهد العنف التي أعقبت الاعتداء. وخلال الليلة الماضية، تعرّضت مُمرّضة كانت في طريقها إلى عملها في مستشفى أولستر، شرق بلفاست، لـ«الملاحقة والترهيب»، بحسب الجهة المسؤولة عن إدارة المستشفى، التي دانت «هجوماً عنصرياً».

واضطر مركز بلفاست الإسلامي، وهو المسجد الرئيسي في آيرلندا الشمالية، إلى إغلاق أبوابه، الثلاثاء والأربعاء، لأسباب أمنية، وذلك للمرة الأولى، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رئيسه محمد أرشد.

وحاول عشرات المتظاهرين، مساء الأربعاء، التوجه إلى فندق «تشيميني كورنر»، الذي سبق أن استضاف طالبي لجوء في الماضي، قبل أن تمنعهم الشرطة. وُوجهت إلى المشتبه به في الهجوم بسكين، هادي العديد، وهو سوداني يبلغ 30 عاماً، تهمة محاولة القتل، الأربعاء، في بلفاست، حيث مثل أمام المحكمة برفقة مترجم ناطق بالعربية.

حطام سيارة أضرمت فيها النار خلال أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 11 يونيو (أ.ف.ب)

وأُبقي قيد الاحتجاز حتى مثوله المقبل في 8 يوليو (تموز). ولا تزال دوافعه غير واضحة، لكن شرطة آيرلندا الشمالية استبعدت في هذه المرحلة فرضية العمل الإرهابي.

وقال بريندان، وهو سبّاك يبلغ 50 عاماً وكان قد شارك في مظاهرة، الثلاثاء، إنه «ضد العنف». وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد شهدنا ما يكفي من العنف هنا طوال 30 أو 40 عاماً: قنابل وقتل»، في إشارة إلى العقود الثلاثة من النزاع في آيرلندا الشمالية، الذي دار حتى عام 1998 بين الجمهوريين، ومعظمهم من الكاثوليك المؤيدين لإعادة التوحيد مع آيرلندا، والوحدويين البروتستانت المدافعين عن بقاء آيرلندا الشمالية تابعة للتاج البريطاني.

ووقعت أعمال العنف، الثلاثاء، بشكل أساسي في أحياء وحدوية. لكن جون، وهو من سكان أحد هذه الأحياء، قال إن الوحدويين والجمهوريين «متحدون» في «إحباطهم» من الحكومة البريطانية، مندّداً بـ«تدفق المهاجرين عبر أوروبا».

دور منصات التواصل

وكان السوداني المُتّهم في الهجوم قد وصل إلى آيرلندا الشمالية عام 2023، وكان يحمل صفة لاجئ وتصريح إقامة صالحاً حتى عام 2028، بحسب وزارة الداخلية. ووصل إلى هذه المقاطعة التابعة للمملكة المتحدة قادماً من جمهورية آيرلندا، بعدما جاء من باريس.

رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)

وجرى تداول الدعوات إلى التظاهر على شبكات التواصل الاجتماعي من قبل شخصيات من اليمين المتطرف، ولا سيما الناشط تومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون، والملياردير الأميركي إيلون ماسك، مالك منصة «إكس».

ونُشر مقطع الهجوم على الإنترنت، مساء الاثنين، بعد نحو ساعة من وقوعه، عبر حساب تومي روبنسون، وسرعان ما أعادت نشره حسابات كثيرة مناهضة للهجرة، ما أجج الغضب الذي أدى إلى أعمال العنف. وقال «داونينغ ستريت» إن الحكومة تعتزم «تحديث قانون السلامة على الإنترنت، بما يلزم المنصات بالتحرك بسرعة أكبر لإزالة المحتوى غير القانوني في أوقات الأزمات».

استقالة هيلي

في سياق منفصل، استقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الخميس، في خطوة مفاجئة قال إنها جاءت بسبب عدم التزام رئيس الوزراء كير ستارمر ووزارة الخزانة بتوفير الموارد الكافية للاستثمار في الدفاع.

وكتب هيلي في رسالة استقالته إلى ستارمر: «لم تتمكنوا، ولم تُبدِ وزارة الخزانة استعداداً لتوفير الموارد التي تحتاج إليها البلاد للدفاع عن نفسها في هذه المرحلة التي تتزايد فيها التهديدات».

وأضاف أنه بعد إبلاغه بأن تسوية خطة الاستثمار الدفاعي لا توفر احتياجات القوات المسلحة، لم يعد أمامه خيار سوى الاستقالة. وتأتي الاستقالة في وقت أرجأت فيه الحكومة نشر خُطّة استثمار دفاعية طال انتظارها، تُحدّد التمويل المخصص للقطاع خلال العقد المقبل، وسط تقارير تفيد بأن المبالغ المرصودة ستكون أقل بكثير من المستوى الذي طلبته وزارة الدفاع.

وتأتي الاستقالة في وقت تتصاعد فيه التحديات السياسية أمام رئيس الوزراء، وقبل أسبوع من انتخابات فرعية قد تزيد الضغوط على زعامة ستارمر داخل حزب العمال.

وكان ستارمر قد تعهّد برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من العام المقبل، على أن يصل إلى 3 في المائة خلال الدورة البرلمانية المقبلة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد دعا مراراً دول حلف شمال الأطلسي إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

وتواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً سياسية متزايدة، فيما أُرجئ الإعلان عن الخطة الدفاعية الجديدة مراراً خلال الأشهر الماضية، على وقع انتقادات من قطاع الصناعات الدفاعية.

وقال هيلي في رسالته إنه اطّلع بشكل كامل على الخطة، الاثنين، مؤكداً أنها «أقلّ بكثير مما هو مطلوب للدفاع عن البلاد في هذا الوقت الخطير». وحذّر من أن عدم توافر تمويل كاف قد يؤدي إلى تقليص جاهزية القوات المسلحة وزيادة المخاطر على الجنود في العمليات، بما قد ينعكس سلباً على أمن البلاد.



العثور على جثة فرد من الأسرة الحاكمة في موناكو

سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
TT

العثور على جثة فرد من الأسرة الحاكمة في موناكو

سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)

أعلنت النيابة العامة في موناكو، الاثنين، توقيف رجل على خلفية وفاة أنطوان دو ماسي، أحد أفراد الأسرة الحاكمة، الذي عُثر على جثته الأحد في حديقة عامة في الإمارة.

وأوضحت النيابة لوكالة الصحافة الفرنسية أن التحقيق الذي فُتح لتحديد أسباب الوفاة جرى توسيعه لتوقيف شخص يظهر في تسجيلات فيديو برفقة دو ماسي.

وشدّدت على أن الموقوف ليس في هذه المرحلة سوى مشتبه به أو شاهد على وقائع لم يُحدَّد توصيفها القانوني بعد، مؤكدة أن فرضية الحادث العرضي لا تزال قائمة.

وكان دو ماسي، البالغ 29 عاماً، حفيد الأميرة أنطوانيت الشقيقة الكبرى للأمير رينيه الثالث، والد الأمير ألبير الثاني. وعُثر على جثته بعدما أبلغت عائلته السلطات بقلقها لعدم تلقيها أي أخبار عنه ظهر الأحد.


فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
TT

فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)

نجح الانتشار الأمني المكثف الذي عممته السلطات الفرنسية على باريس والمدن الرئيسية، مقروناً بقرارات منع التظاهر ومنع التجول في وسط العديد من المدن، في احتواء المظاهرات وتجنب تكرار مشاهد العنف والاشتباكات والحرائق وأعمال الشغب واللصوصية والنهب، التي عرفتها فرنسا في 17 من الشهر الحالي.

لكن في المقابل، فإن نزول 410 آلاف شخص في المظاهرات، وفق أرقام وزارة الداخلية (800 ألف وفق نقابة كونفيدرالية العمل)، يبين أن التعبئة الطلابية والنقابية وتعبئة «السترات الصفراء» ما زالت على أشدها، وأن رهان السلطات (السابق) على عامل الزمن وترك الحراك «يهترئ» من الداخل لا يبدو نافعاً.

التعبئة متواصلة

ورغم أن عدد الأفراد الذين أُلقي القبض عليهم في عموم الأراضي الفرنسية السبت الماضي قد تراجع (1435 شخصاً)، كما تراجعت أعداد الجرحى من المتظاهرين (150 شخصاً)، ورجال الأمن (267 عنصراً)، وتناقصت أعداد المحلات التجارية التي انتُهكت وسُرقت... فإن ذلك لا يعني أبداً أن فصل الحراك قد أُغلق. فـ«تنسيقية السترات الصفراء» دعت إلى «التعبئة» يوم السبت المقبل، تسبقه، يوم الجمعة، تجمعات «تمهيدية» أمام البرلمان في باريس، وأمام مقرات البلديات ومكاتب النواب، في حين يُتوقع قيام مظاهرات واسعة السبت.

ممثلون عن طلاب التعليم الثانوي لدى وصولهم إلى مقر رئاسة الحكومة للاجتماع برئيسها سيباستيان لوكورنو (أ.ف.ب)

وتهدد «التنسيقية» بالنزول إلى الشوارع أسبوعاً وراء أسبوع ما دامت السلطات تصم أذنَيها عن مطالبها. وجاء في بيان لـ«التنسيقية» أن ثمة «غضباً في البلاد، لكن لا أحد يعيره الانتباه»، في إشارة إلى السلطات. وحذّرت من نهج الحكومة، وكتبت في بيانها: «لقد قرر إيمانويل ماكرون وحكومته اتخاذ خطوة إضافية نحو الانحراف السلطوي. إنهم يمنعون مظاهراتنا، ويفرضون حظر التجول، ويغلقون مراكز المدن أمام المتظاهرين». لكن الاستحقاق الاجتماعي الأكبر سيحل في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ إذ دعت خمس نقابات إلى يوم تعبئة «شاملة» وإضرابات تطول القطاعين العام والخاص.

وللمرة الأولى، انضمت التنظيمات النقابية للتعليم الخاص، الذي يتولى تعليم ما لا يقل عن مليونَي تلميذ، إلى الدعوة للإضراب. كذلك فعلت نقابات موظفي الدولة والبريد والاتصالات. وجاء في البيان المشترك أنه «حان الوقت للوصول إلى درجة أعلى من التعبئة؛ إذ ستنطلق الإضرابات بدءاً من تاريخ الخامس» من الشهر المقبل.

وتندد النقابات بغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وتطالب بـ«فتح محادثات مباشرة مع الحكومة من أجل زيادة الرواتب، والمساواة بين الرجال والنساء، وزيادة المعاشات التقاعدية، والارتقاء بالحد الأدنى للرواتب، والارتقاء بالخدمات الاجتماعية، وتعزيز الخدمات العامة، وإقرار تدابير للعدالة الضريبية من خلال فرض ضرائب أعلى على الشركات والثروات الكبرى وتناقل الميراث».

وجاء في البيان أيضاً أن «الغضب واسع والوضع هش؛ ولذا تتعين الاستجابة من غير تأخير لهذه المطالب الاجتماعية الطارئة». ولم يُعرف ما إذا كان الإضراب مفتوحاً. يضاف إلى ما سبق وجود غضب من طريقة تعامل السلطات مع الحركات المطلبية مع التنديد بالعنف وأعمال الشغب. ويتهم كثيرون الحكومة باللجوء إلى هذه الطريقة للتغطية على المطالب «المحقة» المرفوعة من جانب الطلاب والنقابات و«السترات الصفراء».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط الصورة) خلال زيارته لمدينة مرسيليا محاطاً بوزير الداخلية لوران نونيز ووزيرة الدولة للتعليم صابرينا روباش وضباط من الشرطة (أ.ف.ب)

تداخل الأزمات

ما سبق يعكس جانباً من الاحتقان الذي تعيشه فرنسا في هذه المرحلة؛ إذ إنها تعاني من تداخل ثلاث أزمات: سياسية واقتصادية - مالية واجتماعية. وما يفاقم من مخاطره أنه يحل في زمن الأيام العجاف؛ إذ تجهد الحكومة لإقرار ميزانية تقشفية تمنعها من الاستجابة للمطالب التي تحتاج كلها إلى تمويل إضافي، في حين تسعى لخفض الإنفاق في ميزانية عام 2027 بما قيمته 54 مليار يورو.

وعلى سبيل المثال، فإن طلاب التعليم الثانوي يريدون تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم للعام المقبل، في حين أن الميزانية رصدت 1.2 مليار. وما يثير الاندهاش أن الحكومة تقترح زيادة 15 يورو على الحد الأدنى للأجور، في حين أن الغلاء يسجل ارتفاعاً حاداً في الأشهر الأخيرة؛ إذ إن الزيادة المقترحة لا تكفي لشراء نصف كيلوغرام من اللحوم. وفي المقابل، فإن مشروع الميزانية ينص على المس بالمعاشات التقاعدية، ويزيد تكلفة الطبابة والرعاية الاجتماعية، وفرض ضرائب جديدة، ما يعني أن المقاربة الحكومية تسير بعكس التيار الاجتماعي.

ووجّه جان لوك ميلونشون، السبت، لدى مشاركته في مسيرة باريس، رسالة تحذيرية للرئيس الفرنسي بقوله: «ما زال الوقت متاحاً لإيمانويل ماكرون للتراجع والاستجابة للمطالب. وبعد ذلك لن يبقى أمامه سوى باب الرحيل». وكما في كل مناسبة تطلق فيها دعوات للإضراب وتعطيل المؤسسات العامة والخاصة، وخصوصاً إذا كانت مفتوحة، فإن الحكومة ستراقب عن كثب نسبة الاستجابة لها ومدى تأثيرها على المواطنين وعلى الدورة الاقتصادية، في حين تضع مؤسسات التصنيف الدولية فرنسا تحت المجهر.

واستمرار الحراك الاجتماعي والعجز عن إقرار الميزانية وخفض المديونية... عوامل تزيد هشاشة البلاد وتضعها في موقف ضعيف في الأسواق المالية الدولية؛ إذ زادت فائدة الديون الفرنسية على نسبة 5 في المائة، في حين أن المديونية التراكمية تزيد على 3600 مليار يورو، وخدمتها السنوية تجاوز 80 مليار يورو.

مارّة يسيرون في شارع بمارسيليا تغطيه الأنقاض غداة احتجاجات عمّت فرنسا ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» يوم 18 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تفكيك المطالب

تتداخل هذه الأزمة الاقتصادية - المالية والاجتماعية مع أعتى أزمة سياسية، عنوانها انتهاء ولاية الرئيس ماكرون الثانية، وغياب أكثرية تدعم الحكومة في البرلمان، والتشظي السياسي بسبب اقتراب الانتخابات الرئاسية. ويُجمع المراقبون على أن الرئيس الفرنسي، الذي تنتهي ولايته الثانية قبل 200 يوم، ضعيف سياسياً ولم يعد متحكماً بالتطورات، وبعضهم يستعين بتوصيف للرئيس الأميركي في نهايات عهده؛ إذ يوصف بـ«البطة العرجاء».

وعاد ماكرون، بعد أن أُخذ عليه غيابه عن المشهد الداخلي في الأسابيع السابقة وترك الحكومة تتعامل وحدها مع إضرابات طلاب التعليم الثانوي التي انطلقت قبل أكثر من شهر، إلى واجهة المشهد السياسي.

وتجلى ذلك في تتابع الاجتماعات الأمنية والسياسية التي ترأسها في قصر الإليزيه، وفي استعجاله الانتقال إلى مدينة «تراب» حيث أقدم رجل فرنسي، نهاية الأسبوع الماضي، على ارتكاب جريمة «عنصرية إرهابية» استهدفت أشخاصاً بسبب لون جلدتهم، وأسفرت عن مقتل شاب عمره 26 عاماً وجرح خمسة أشخاص، بينهم طفلة في سن 12 عاماً، ما أثار عاصفة من التنديد في كافة فرنسا. واعتُبرت الجريمة نتيجة للشحن الآيديولوجي الذي يقوم به اليمين المتطرف وبعض اليمين التقليدي إزاء المهاجرين، وبشكل عام إزاء السود والمغاربيين.

ولأن الحراك بدأ مع طلاب التعليم الثانوي، فقد عمد ماكرون إلى استقبال مجموعة منهم في قصر الإليزيه، وطلب من رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو أن يفعل الشيء نفسه، وهو ما تم الاثنين. ولم يتردد ماكرون في اعتبار أن مطالبهم «مشروعة»، وأن لوكورنو «سيعلن عن استجابات ملموسة». ونبّه ماكرون، بمناسبة زيارة لم يعلن عنها مسبقاً لمدينة مرسيليا التي شهدت يوم 17 من الشهر الحالي أعمال شغب واشتباكات وسرقات، إلى ما قد يحصل في الاستحقاقين الاجتماعيين المقبلين. وقال: «سنكون حاضرين وجاهزين» للتعامل مع ما قد يجري، مجدداً رفضه السماح بقيام المظاهرات في وسط المدن، ومؤكداً حماية المحال التجارية. ونوّه بعمل القوى الأمنية، مشيراً إلى أن المحافظة على النظام العام السبت الماضي تمت «من غير اللجوء إلى فرض حالة الطوارئ»، إلا أنه استطرد بقوله إن فرضها «ليس ممنوعاً ولا محرماً».

يبدو هدف ماكرون واضحاً للعيان: تفكيك الأزمة من خلال الاستجابة «الجزئية» للطلاب لعزلهم عن الحراك وإعادتهم إلى الصفوف المدرسية. ولا شك أن مطلب المليارات العشرة لن يتم التجاوب معه، في حين أن مطلب إعادة النظر بآلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات الجامعية (المسمى في فرنسا باركورسوب) سيلقى تجاوباً باعتباره لا يكلف الخزينة أي مبالغ. وبالفعل فقد توافرت معلومات تفيد بأن الحكومة استجابت للطلب الأخير، وسيقوم البرلمان، يوم الأربعاء، بمناقشة مستقبل هذه الآلية «التي يعتبرها الطلاب غامضة وغير عادلة».

وكان منتظراً أن يعقد وزيرا التربية والتعليم العالي إدورا جيفراي وفيليب باتيست مؤتمراً صحافياً لتفصيل «التدابير العملية» التي أقرتها الحكومة، علماً أن الطلاب يريدون كذلك تمويلاً واسعاً لتحسين الأوضاع المادية للمدارس، وإيجاد مدرسين بدلاء للحلول محل الأساتذة المتغيبين، وتوفير قدرات جامعية أوسع لاستيعاب المنتقلين إلى التعليم الجامعي، وخفض عدد التلاميذ إلى 28 تلميذاً لتحاشي الاكتظاظ.


من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أنهت حركة يقودها طلاب نحو 14 عاماً من الهيمنة السياسية لألكسندر فوتشيتش في صربيا، بعدما فازت قائمتها بالانتخابات البرلمانية، رغم عدم ترشّح أي طالب ضمن صفوفها.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أظهرت التقديرات النهائية لمجموعتي «سيسيد» و«إبسوس» حصول قائمة «قائمة الطلاب - الطلاب ينتصرون» على 141 مقعداً من أصل 250، وسط احتفالات في بلغراد ونوفي ساد ونيش.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في بكين يوم 2 سبتمبر 2025 (رويترز)

مأساة أشعلت الاحتجاجات

بدأت الحركة عقب انهيار مظلة خرسانية بمحطة قطارات نوفي ساد في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. وأصبحت الكارثة رمزاً للفساد والإهمال، بعدما ربط منتقدون أعمال تجديد المحطة المعيبة بالسلطة التي تبنّت المشروع.

وتحوّلت احتجاجات الطلاب المطالبة بالعدالة إلى حركة وطنية انضم إليها مزارعون وممثلون وقضاة. وفي يناير (كانون الثاني) 2025، استقال رئيس الوزراء لتهدئة التوتر، قبل أن تشهد بلغراد في مارس (آذار) أكبر احتجاج مناهض للحكومة في تاريخ البلاد.

ومن دون قيادة بارزة، نظّم الطلاب تحرّكهم عبر جمعيات طلابية، واستعدوا للانتخابات المبكرة بتدريب مراقبين لحماية نزاهة الاقتراع.

أنصار الحركة الطلابية يرقصون احتفالاً بفوزها بالانتخابات في حديقة قبالة البرلمان الصربي ببلغراد يوم 26 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شخصيات عامة وبرنامج إصلاحي

اختارت الحركة مرشحين من خارج صفوف الطلاب، بينهم أساتذة جامعات وفنانون ورياضيون، وتصدّر قائمتها أستاذ أمراض القلب إيليا سردانوفيتش. ولم تتضح بعد هوية رئيس الوزراء المقبل، مع تداول اسم محافظ البنك المركزي السابق ديان شوشكيتش.

ويتضمن برنامجها المؤلف من 11 بنداً مكافحة الفساد، ومحاسبة مسؤولين عن تجاوزات بحق المتظاهرين، وإصلاح الإعلام وتحرير هيئة البث العامة من السيطرة السياسية، ووقف تعيين الموالين للأحزاب على رأس المؤسسات العامة.

وينفي فوتشيتش وحزبه التقدمي الصربي اتهامات الفساد والتأثير في الإعلام. وبعد إقراره بالهزيمة، توقّع فشل الحركة، واتهمها، دون أدلة، بتلقي دعم أوروبي وأميركي.

ورغم بقائهم خارج البرلمان، يواجه الطلاب مسؤولية متابعة تنفيذ وعودهم عبر النواب الذين اختاروهم لنقل مطالب الشارع إلى المؤسسات.

Your Premium trial has ended