نظام التعرف على الوجوه في شوارع لندن يختبر التوازن بين الأمن والحرية

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
TT

نظام التعرف على الوجوه في شوارع لندن يختبر التوازن بين الأمن والحرية

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)

وجد سياح ومتسوقون وموظفون في شارع مزدحم بلندن، خلال يوم ‌عمل عادي، أنفسهم جزءاً من عملية رقمية للتحقق من الهوية، إذ كانت كاميرات التَّعرُّف على الوجوه تلتقط صورهم وتفحص ملامحهم وتقارنها بقائمة المطلوبين لدى الشرطة.

تعد هذه العملية مثالاً على تقنيات تقول شرطة العاصمة إنها تحدث تحولاً في أساليب العمل الشرطي، إذ ساعدت ​عناصرها على القبض على نحو 2500 مطلوب منذ مطلع 2024، بينهم مشتبه بهم في جرائم عنف وجرائم جنسية.

لكن منتقدين يرون أنَّ استخدام تقنية التَّعرُّف الفوري على الوجوه يقوِّض مبدأ قرينة البراءة الذي يقوم عليه القانون البريطاني، من خلال التعامل مع كل المارة بوصفهم مشتبهين محتملين.

والشهر الماضي، تمَّ رفض طعن قضائي تقدَّم به نشطاء في مجال الحريات المدنية وأحد العاملين في الخدمة الاجتماعية، سبق أن جرى التَّعرُّف عليه خطأ بصفته مشتبهاً به، مما يفتح الطريق أمام توسيع استخدام هذه التقنية.

وفي منطقة فيكتوريا بوسط لندن، في أحد أيام الاثنين مؤخراً، لم يُبدِ سوى عدد قليل من الأشخاص قلقاً من وجود الكاميرات المؤقتة وعربة الشرطة واللافتات التي تشير إلى تشغيل نظام التَّعرُّف على الوجه.

وخلال ‌أقل من ساعة، ‌نبه النظام أحد أفراد الأمن داخل عربة المراقبة إلى تطابق محتمل، فتوجهت ​عناصر ‌من الشرطة ​إلى رجل واستجوبوه لفترة قصيرة قبل أن يتركوه. وقالت الشرطة لاحقاً إن التنبيه كان مرتبطاً بقيود قضائية مفروضة عليه، وليس بمذكرة اعتقال.

وبعد نحو 30 دقيقة، صدر تنبيه ثانٍ، إذ بدا الذعر على رجل يرتدي سترة رمادية بغطاء رأس وقبعة سوداء، وينتعل حذاءً رياضياً أزرق اللون عندما أوقفه شرطيان على الرصيف. وجرى تكبيله بالأصفاد، وانتظر بجانب الطريق إلى أن وصلت عربة شرطة لاقتياده إلى الحجز.

الشرطة تشيد بالتكنولوجيا «غير المسبوقة»

قالت ليندسي تشيسويك، المسؤولة عن برنامج التَّعرُّف على الوجوه في شرطة العاصمة وعلى المستوى الوطني، إنَّ تأثير هذه التكنولوجيا كان «غير مسبوق» على عمل الشرطة في لندن، إذ ساعد أفراد الأمن على تحديد هوية مشتبه بهم في جرائم تشمل السرقة والاغتصاب والخنق.

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه تلتقط صور المارة وتفحص ملامحهم وتقارنها بقائمة المطلوبين لدى الشرطة البريطانية (رويترز)

وفي حديثها خلال ‌عملية ميدانية في منطقة فيكتوريا، أشارت إلى واقعة حديثة تتعلق بمجرم ‌مدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال تم التَّعرُّف عليه في أثناء سيره في الشارع ​ممسكاً بيد طفلة تبلغ من العمر 8 سنوات.

وقالت: «لم يكن ‌ينبغي إطلاقاً أن يكون بمفرده مع طفلة صغيرة على هذا النحو... ونتيجة لذلك، عاد الآن إلى السجن».

وأفادت ‌شرطة العاصمة بأنَّ عملية نشر هذه التقنية في فيكتوريا، بالتزامن مع عملية أخرى في توتنهام شمال لندن، أسفرت عن 6 اعتقالات بتهم تشمل التهديد بالقتل.

ولطالما كانت بريطانيا من بين أكثر الدول استخداماً لكاميرات المراقبة في الأماكن العامة، إذ يمكن تصوير سكان لندن مئات المرات يومياً في أثناء تنقلهم في أنحاء المدينة.

وأصبحت البلاد اليوم من بين الدول الرائدة في أوروبا في استخدام تقنية ‌التَّعرُّف الفوري على الوجوه في عمليات الشرطة، بقيادة شرطة لندن.

وتعمل هذه التقنية على تحويل ملامح الوجه إلى بيانات بيومترية تُقارن بقوائم مراقبة تضم نحو 17 ألف شخص، جمعت في الأساس من صور المحتجزين، إذ إنَّ الصور الملتقطة عبر كاميرات المراقبة لا تكون دقيقة بما يكفي للاستخدام.

ويقول نشطاء في مجال الحريات المدنية إن القضية لا تتعلق بالدقة فحسب، بل بالمبدأ أيضاً، عادّين أن هذه التكنولوجيا تتيح للشرطة فحص أعداد كبيرة من الأشخاص من دون وجود شبهات فردية.

وقالت منظمة «بيغ براذر ووتش»، التي تعارض استخدام تقنيات التَّعرُّف على الوجوه، إنَّ هذه الممارسات تنطوي على خطر تكريس المراقبة الجماعية في الأماكن العامة.

وذكرت جاسلين تشاجار كبيرة المسؤولين القانونيين والسياسيين في المنظمة: «نحن معرَّضون لخطر أن نصبح أمةً من المشتبه بهم، نُراقَب منذ لحظة خروجنا من منازلنا، مما سيؤثر بشكل كبير على حقوقنا في الخصوصية وحرية التعبير وحرية التجمع».

واستُخدمت هذه التقنية خلال مسيرة مناهضة للهجرة بوسط لندن نهاية الأسبوع الماضي، في سابقة هي الأولى من نوعها، ما أثار انتقادات من جماعات الحريات المدنية ومنظمي المظاهرة.

ومن جانبها، قالت تشيسويك إن شرطة لندن أثبتت قدرتها على استخدام هذه التقنية بشكل مسؤول، وإنها تحظى بدعم واسع ​من الجمهور.

وأضافت: «يريد الناس القضاء على الجريمة في ​شوارعنا، ويريدون أن يعود المطلوبون منذ فترة طويلة والذين يستخدم بعضهم هويات مزيفة، إلى السجن حيث ينتمون».

وتابعت: «بشكل عام، تظهر استطلاعاتنا الفصلية أنَّ نحو 80 في المائة من الجمهور في لندن يؤيِّد استخدام هذه التكنولوجيا، وهي نسبة مرتفعة للغاية».


مقالات ذات صلة

«المركزي» البريطاني يترقب تثبيت الفائدة رغم ارتفاع التضخم

الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

«المركزي» البريطاني يترقب تثبيت الفائدة رغم ارتفاع التضخم

يتجه بنك إنجلترا إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، الخميس، رغم ارتفاع التضخم في المملكة المتحدة إلى أعلى مستوى في 5 أشهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)

تضخم بريطانيا يُصعّب مهمة بنك إنجلترا قبل اجتماع الفائدة

تتجه الأسواق إلى ترجيح إبقاء بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75 في المائة في اجتماعه الخميس، رغم ارتفاع التضخم في أغسطس إلى أعلى مستوى في 5 أشهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بيرنهام مغادراً مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت (رويترز)

رئيس الوزراء البريطاني يتعهد بقرارات صعبة لإبقاء الاقتصاد «على المسار الصحيح»

قال رئيس الوزراء البريطاني، أندي بيرنهام، الأربعاء إنه مستعد لاتخاذ «قرارات صعبة» لضمان بقاء اقتصاد البلاد على المسار الصحيح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا دخان يتصاعد من سفينة الشحن التي اشتعلت فيها النيران أثناء رسوها بميناء شرق الصين 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

25 قتيلاً في حريق سفينة شحن أجنبية بالصين

أفادت وسائل إعلام رسمية بمقتل 25 شخصاً في حريق ​اندلع، اليوم الخميس، على متن سفينة شحن أجنبية كانت تخضع لأعمال صيانة بحوض بناء سفن بشرق الصين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد الحي المالي في لندن (رويترز)

بريطانيا تخفف قواعد الموافقة على مشروعات البنية التحتية لتعزيز الاستثمار

قالت وزارة الخزانة البريطانية إنها ستخفض معدلاً رئيسياً يُستخدم لتقييم المنافع طويلة الأجل للاستثمار في مشروعات البنية التحتية العامة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تركيا مستاءة من قرار أميركي بتمديد رفع حظر الأسلحة على قبرص

طائرة «شينوك» تهبط في قاعدة في قبرص خصصت للجيش الأميركي لاستخدامها في العمليات اللوجستية (إعلام تركي)
طائرة «شينوك» تهبط في قاعدة في قبرص خصصت للجيش الأميركي لاستخدامها في العمليات اللوجستية (إعلام تركي)
TT

تركيا مستاءة من قرار أميركي بتمديد رفع حظر الأسلحة على قبرص

طائرة «شينوك» تهبط في قاعدة في قبرص خصصت للجيش الأميركي لاستخدامها في العمليات اللوجستية (إعلام تركي)
طائرة «شينوك» تهبط في قاعدة في قبرص خصصت للجيش الأميركي لاستخدامها في العمليات اللوجستية (إعلام تركي)

عبرت تركيا عن استيائها من قرار الولايات المتحدة تمديد رفع حظر الأسلحة المفروض على جمهورية قبرص لمدة عام آخر حتى 30 سبتمبر (أيلول) 2027، عادّة أنه خطوة تؤثر سلباً على التوازن الدقيق والبيئة الأمنية في جزيرة قبرص.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك، خلال إفادة أسبوعية، الخميس: «نتوقع من الأطراف الثالثة الامتناع عن أي أنشطة من شأنها الإضرار بالتوازن الدقيق في الجزيرة، والتخلي عن الممارسات التي تتجاهل الشعب القبرصي التركي، والمساهمة في السلام والاستقرار من خلال نهج عادل ونزيه». وأكد أن تركيا ستواصل، بصفتها دولة ضامنة في قبرص، اتخاذ التدابير اللازمة لأمن وسلامة ورفاهية القبارصة الأتراك.

قرار أميركي وقلق تركي

وقررت الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2020 رفع حظر للأسلحة فرضته على قبرص عام 1978 بهدف منع نشوء سباق تسلح في الجزيرة، وتمدده سنوياً منذ ذلك الحين، كما وسعت نطاق رفع الحظر في عام 2022، ووقعت معها عام 2024 اتفاقية «خريطة طريق لتعزيز التعاون الدفاعي»، ونشرت مروحيات من طراز «شينوك» في قاعدة مروحيات قرب مدينة لارنكا، لاستخدامها في النقل والخدمات اللوجستية.

وعدّت تركيا رفع حظر الأسلحة وتوسيعه والخطوات اللاحقة على ذلك إخلالاً بالموقف المحايد لواشنطن، وبالاستقرار الإقليمي، يصعب معه إيجاد حل دائم للقضية القبرصية.

جنود يونانيون وأميركيون في إحدى القواعد الأميركية في اليونان (إعلام يوناني)

ويتصاعد قلق تركيا من التعاون العسكري بين أميركا وكل من قبرص واليونان، وعبَّرت عن انزعاجها من الزيادة السريعة في عدد القواعد العسكرية الأميركية التي جرى إنشاؤها في السنوات الأخيرة في مناطق يونانية وجزر مختلفة قرب حدودها.

ووقَّعت الولايات المتحدة واليونان، بين عامي 2019 و2021، عدداً من الاتفاقيات العسكرية والدفاعية، وأعلن «البنتاغون» عام 2022 أنه تم إقامة 9 قواعد عسكرية جديدة في اليونان، وتحدثت تقارير عن ارتفاع عدد هذه القواعد إلى 20 قاعدة، تقع أكبرها في منطقة أليكساندروبولي (دادا آغاتش حسب التسمية التركية) التي تبعد 14 كيلومتراً فقط عن نهر «ميريتش» الذي يفصل الحدود التركية - اليونانية، وهي منطقة تطل على بحر إيجة.

وتقول اليونان إن الهدف من القواعد والإجراءات الأخرى هو ضمان أمنها في حال تعرضها لهجوم من تركيا في ظل العلاقات المتوترة بينهما، في حين رأى بعض المراقبين أن التوسع الأميركي في المنطقة موجَّه ضد روسيا.

التوتر مع اليونان

في سياق قريب، قال أكتورك إن زيارة رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس والوفد المرافق له إلى جزيرة «ميس» (كاستيلوريزو حسب التسمية اليونانية)، واتصالاتهم مع الوحدات العسكرية المتمركزة هناك في 12 سبتمبر (أيلول) الحالي، كانت تحت «المراقبة الدقيقة» من جانب تركيا. الجزيرة سُلمت إلى اليونان بموجب «معاهدة باريس للسلام» الموقعة عام 1947 بشرط أن تكون ذات وضع غير عسكري، وأن وجود عناصر عسكرية وسفن حربية على الجزيرة، فضلاً عن استعراضها علناً خلال الزيارات رفيعة المستوى، يتعارض مع هذا الوضع، وتركيا لن تقبل أي محاولة لخلق أمر واقع يتعارض مع الوضع غير العسكري لها ويتنافى مع الالتزامات الدولية.

ميتسوتاكيس خلال تفقده وحدة عسكرية في جزيرة ميس (كاستيلوريزو) على بعد 1.5 كيلومتر من الحدود البحرية مع تركيا (إعلام يوناني)

وقام ميتسوتاكيس بجولة في عدد من الجزر لمدة 3 أيام اختتمها في 13 سبتمبر، شملت جزيرة كاستيلوريزو، أقصى الجزر اليونانية شرقاً، والمعروفة في تركيا باسم «ميس» والواقعة على بعد 1.5 كيلومتر فقط من الساحل التركي قبالة مدينة أنطاليا المطلة على البحر المتوسط في جنوب تركيا، في زيارة نادرة اعتبرها المراقبون رسالة سياسية قوية وسط تصاعد جديد للتوتر بين البلدين الجارين العضوين في حلف شمال الأطلسي (ناتو). وأكد ميتسوتاكيس، خلال الزيارة، أن بلاده لا تهدد أحداً، لكنها لن تقبل التهديدات أو التعليمات من أي جهة، وأنها ترغب في علاقات ودية مع تركيا، وبيئة خالية من التوتر والاستفزاز، وتلتزم بالقانون الدولي وقانون البحار، ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار حرصها على المنطق السليم ضعفاً.

وقام الجيش التركي، عقب زيارة ميتسوتاكيس، بنقل «اللواء 51 كوماندوز»، من تونجلي في شرق البلاد، إلى منطقة سوكي في أيدين، المقابلة مباشرة لجزيرة ساموس، أقرب الأراضي اليونانية إلى تركيا، في خطوة أثارت قلقاً بالغاً في اليونان.

اتهامات متبادلة

واتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اليونان بأنها تعمل على تسليح جزر بحر إيجة ذات الوضع غير العسكري، وهو ما وصفه بـ«التهديد»، وحذرها من أن تتحول إلى أداة في يد «جهات لا تريد الاستقرار في المنطقة».

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (رويترز)

ورد المتحدث باسم الخارجية اليونانية، بانايوتيس جياناكولياس، رافضاً ما وصفه بـ«مزاعم أن اليونان يتم استخدامها كأداة لزعزعة الاستقرار»، قائلاً إنها لا صلة بها بالواقع، وإن اليونان، مثل أي دولة أخرى، تعمل على ضمان الدفاع والأمن للمنطقة بأسرها. وعد أن المزاعم «أحادية الجانب» بشأن وضع الجزر اليونانية في بحر إيجة «ليس لها أي أساس في القانون الدولي ومرفوضة تماماً في مجملها»، وأن وصف التحصين الدفاعي للأراضي اليونانية بأنه «تهديد» لا أساس له، متهماً تركيا بمواصلة البحث عن ذريعة للحرب ضد اليونان بسبب ممارسة حقوقها السيادية الشرعية.


الكرملين: إبرام اتفاق مع أوكرانيا سيكون أصعب إذا أقر ترمب العقوبات الجديدة

شرطي يسير بالقرب من موقع تعرَّض لضربة روسية في كييف (إ.ب.أ)
شرطي يسير بالقرب من موقع تعرَّض لضربة روسية في كييف (إ.ب.أ)
TT

الكرملين: إبرام اتفاق مع أوكرانيا سيكون أصعب إذا أقر ترمب العقوبات الجديدة

شرطي يسير بالقرب من موقع تعرَّض لضربة روسية في كييف (إ.ب.أ)
شرطي يسير بالقرب من موقع تعرَّض لضربة روسية في كييف (إ.ب.أ)

حذّر الكرملين الخميس من أن العقوبات الجديدة التي أقرّها الكونغرس الأميركي الأربعاء، التي تستهدف الصادرات الروسية من المحروقات، ستُعقّد الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد تسوية للنزاع في أوكرانيا، مضيفاً أن فرض الولايات المتحدة المزيد من العقوبات على روسيا سيجعل التوصل إلى اتفاق سلام مع أوكرانيا أصعب.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، لصحافيين إن «فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة سيُعقّد من دون شكّ الجهود الهادفة إلى إيجاد تسوية سلمية في أوكرانيا»، واصفاً الإجراءات الأميركية بأنها «عدائية».

وأقر مجلس النواب الأميركي الأربعاء حزمة عقوبات شاملة بهدف زيادة الضغط الاقتصادي على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا، وأحال مشروع القانون إلى الرئيس دونالد ترمب لتوقيعه ليصبح قانوناً.

متظاهر يرفع لافتة خارج مبنى الكابيتول ضد قرار الرئيس دونالد ترمب تغيير طريق التصويت عبر البريد في واشنطن يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وأضاف بيسكوف، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»: «نراقب بالطبع تطورات هذا المشروع. إنه يندرج ضمن فئة الإجراءات غير الودية، وسيؤدي فرض الولايات المتحدة أي عقوبات أخرى بالتأكيد إلى تعقيد الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا».

وتوقفت الجهود، التي تتوسط فيها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب المستمرة في أوكرانيا منذ أربع سنوات ونصف السنة، منذ أشهر لكن ترمب أرسل مبعوثين إلى موسكو وكييف في وقت سابق من الشهر ليحاولا إعادة تحريك العملية.

ويستهدف التشريع الجديد قطاعي الطاقة والدفاع في روسيا، والرئيس فلاديمير بوتين وغيره من كبار المسؤولين، فضلاً عما يُعرف بـ«أسطول الظل» من ناقلات النفط الروسية المستخدمة للالتفاف على العقوبات الغربية.

الرئيس دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته في المؤتمر الوطني لـ«الحزب الجمهوري» الخاص بانتخابات التجديد النصفي في دالاس (أرشيفية - رويترز)

ويخول مشروع القانون ترمب فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصين والهند ودول أخرى لتقليل اعتمادها على النفط والغاز الروسيين. وحذرت الهند واشنطن من أن أي إجراءات جديدة لفرض رسوم جمركية بسبب شراء النفط الروسي قد تؤثر على العلاقات الثنائية. وأعلنت أنها ستواصل شراء النفط «عبر مصادر متنوعة ووفقاً لديناميات السوق المتغيرة». وموسكو أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لنيودلهي، وخصوصاً على صعيد تزويدها المعدات العسكرية.

بدورها انتقدت الصين الخميس التشريع الجديد، الذي يمكن أيضاً أن يكون له تأثير كبير على الصين، إحدى كبرى الدول التي تشتري الطاقة الروسية.

لافروف مع بوتين والمستشار الرئاسي يوري أوشاكوف (إ.ب.أ)

وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية، جو جياكون، إن الصين تربطها «علاقات اقتصادية وتجارية طبيعية مع جميع الدول في العالم على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة». وأضاف أن مثل هذا التعاون ليس موجهاً ضد أي دول ثالثة، موضحاً أن هذه الدول يجب ألا تتدخل أو تمارس الضغط.

وأوضح أن الصين تعارض أيضاً التطبيق العابر للحدود الإقليمية لقوانين ليس لها أساس في القانون الدولي ولم تحصل على تفويض من مجلس الأمن الدولي.

ويستهدف المشروع أيضاً الشركات والأطراف الأجنبية التي تدعم الجيش الروسي، ويوسع نطاق العقوبات المتعلقة بإيران.

وتبنى المجلس الذي يهيمن عليه الجمهوريون، الحزمة بغالبية 262 صوتاً مقابل 159، مانحاً بذلك الموافقة النهائية للكونغرس على أكبر جهد تشريعي أميركي ضد موسكو منذ تولي ترمب منصبه.

لافروف مع بوتين في المنتدى الاقتصادي الشرقي بمدينة فلاديفوستوك (أ.ب)

وكان ترمب قد صرح بأنه سيوقع المشروع الذي مرر بسهولة في مجلس الشيوخ في أغسطس (آب) الماضي بغالبية 86 صوتاً مقابل 11.

كذلك، يمنح التشريع ترمب صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على كبار مشتري النفط والغاز الروسيين، بمن فيهم الصين والهند، في محاولة لقطع الإيرادات التي تموّل حرب موسكو.

غير أن الصلاحيات الواسعة المتعلقة بالرسوم الجمركية أحدثت انقساماً غير معتاد في صفوف الديمقراطيين، ففي حين يدعم هؤلاء أوكرانيا بقوة، عارضوا منح ترمب صلاحيات أكبر في مجال التجارة.

العاصمة الأوكرانية كييف بعد تعرضها لضربات روسية الأربعاء (رويترز)

ووصف غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، مشروع القانون بأنه «معيب للغاية»، وقال: «لقد صاغ محامو البيت الأبيض النص الحالي لتوسيع صلاحيات الرئيس ترمب في فرض ضرائب استيراد جديدة على الشعب الأميركي، وللتقليل من أي التزام بفرض عقوبات جديدة على روسيا أو الجهات التي تدعمها». وأوضح ميكس أنه سيؤيد التشريع في حال حُذفت البنود المتعلقة بالرسوم الجمركية الثانوية، لكن الجمهوريين رفضوا التعديلات التي هدفت إلى تقليص نطاق تلك البنود.

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حض الكونغرس على إقرار حزمة العقوبات، مؤكداً الحاجة إلى مزيد من الضغوط لإجبار موسكو على الجلوس إلى طاولة مفاوضات.

وقالت المديرة التنفيذية لمجموعة الضغط الأوكرانية المعنية بالطاقة، سفيتلانا رومانكو: «بمجرد توقيع مشروع القانون بسرعة ليصبح نافذاً، نأمل في تطبيق أميركي صارم يضع حداً نهائياً لتدفق الأموال إلى خزينة الكرملين الحربية». وأضافت: «كل يوم من التأخير يعني يوماً إضافياً في أوكرانيا نواري فيه مزيداً من الضحايا».

ومن جانب آخر قال مصدر دبلوماسي تركي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، إن تركيا سلّمت كلاً من أوكرانيا وروسيا مسودة اتفاق لوقف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأسود.

وتأتي الخطوة عقب تصاعد حاد في الهجمات في البحر الأسود، حيث تعرضت 25 سفينة على الأقل يملكها أتراك لضربات منذ أواخر يونيو (حزيران)، وفق أرقام غرفة التجارة التركية. وقال المصدر: «لقد تبادلنا مسودة اتفاق مع الروس والأوكرانيين بهدف إيجاد حل للهجمات في البحر الأسود».

وقال المصدر الدبلوماسي: «في هذه الآلية، هناك فجوة ربما تمتد لأربعة أو خمسة أميال، يتعين فيها على السفينة الأوكرانية مغادرة المياه الإقليمية والإبحار في المياه الدولية، وهذا هو الجزء المحفوف بالمخاطر». وأضاف: «لذلك فإن مقترحنا مستلهم أيضاً من هذه الآلية».

أسفر هجوم روسي ليلي بصواريخ وطائرات مسيّرة استهدف كييف عن إصابة ثمانية عشر شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات الأوكرانية الخميس.

وسمع دوي 12 انفجاراً «قوياً» في العاصمة الأوكرانية، بعدما حذّرت السلطات من خطر هجوم صاروخي. وقالت الإدارة العسكرية لمدينة كييف عبر قناتها في «تلغرام»: «تم تفعيل صفارات الإنذار في كييف بسبب تهديد بضربات صاروخية. ندعو السكان للتوجه إلى أقرب ملجأ».

وقال رئيس بلدية العاصمة الأوكرانية، فيتالي كليتشكو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «سُجلت حتى الآن 18 إصابة في كييف»، وذلك بعد أن كان قد أشار في وقت سابق إلى تضرر مبنى سكني. كما أفادت هيئة السكك الحديد الأوكرانية بوقوع أضرار في محطة ميكيلسكا سلوبيدكا شرق كييف.

وندد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالهجوم قائلاً: «مرة أخرى، تم استهداف بنى تحتية مدنية، وسُجلت أضرار في 8 مناطق». وفي منطقة أوديسا المطلة على البحر الأسود التي تتعرض بانتظام لضربات روسية، أُصيب سبعة أشخاص جراء قصف استهدف مبنى سكنياً مكوناً من 19 طابقاً، وفق أجهزة الطوارئ الأوكرانية.


الملك تشارلز يحذر قادة قطاع الذكاء الاصطناعي من مخاطره على البشر

الملك تشارلز (أ.ف.ب)
الملك تشارلز (أ.ف.ب)
TT

الملك تشارلز يحذر قادة قطاع الذكاء الاصطناعي من مخاطره على البشر

الملك تشارلز (أ.ف.ب)
الملك تشارلز (أ.ف.ب)

حذر الملك تشارلز ملك بريطانيا، اليوم الخميس، قادة بقطاع الذكاء الاصطناعي من «المخاطر الوجودية» الناجمة عن وقوع هذه التكنولوجيا في الأيدي الخاطئة، وما قد يترتب على ذلك من عواقب كارثية، وقال إنه يتعين توفير ضمانات قبل أن «يفوت الأوان».

واستضاف الملك تشارلز في اسكوتلندا مشاركين في تأسيس «إنفيديا»، و«غوغل ديب مايند»، إلى جانب قيادات من «أوبن إيه آي»، و«أنثروبيك»، وذلك في وقت تزداد فيه المخاوف من أن جهود ضمان سلامة الذكاء الاصطناعي تتخلف عن وتيرة تطوير أنظمة تزداد قوة.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، تركز الخلاف على ما إذا كان بوسع القطاع تنظيم نفسه، وما إذا كان ينبغي له ذلك، واستقطب تدخلات من شخصيات عالمية من بينها بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر والملك تشارلز والرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

وقال الملك تشارلز إن الذكاء الاصطناعي ينطوي على إمكانات لتحسين حياة الناس وإنقاذها، لا سيما في علوم الحياة والطب.

غير أنه أشار إلى أن مبتكري هذه التقنيات يزداد حذرهم من أنها قد تطور قدرات أكثر خطورة «ربما تصل حتى إلى حد إزهاق الأرواح».

وقال للقيادات المجتمعة في دومفريز هاوس: «هناك حاجة ملحة إلى النظر بجدية كافية في المخاطر الوجودية المترتبة على وقوع مثل هذه التقنيات في الأيدي الخطأ، واستخدامها بطرق قد تكون كارثية».

وأضاف: «بالتأكيد، نحن بحاجة إلى وسائل كافية للسيطرة قبل فوات الأوان؟».

وشارك في الاجتماع مؤسس «إنفيديا» ورئيسها التنفيذي جنسن هوانغ، ومؤسس ورئيس «غوغل ديب مايند» ديميس هاسابيس، والمديرة المالية لـ«أوبن إيه آي» سارة فراير، ووزير الذكاء الاصطناعي البريطاني كانيشكا نارايان.

وكان من المتوقع أيضاً أن يحضر باولو بينانتي، مستشار بابا الفاتيكان الذي دعا الحكومات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي.

شركة «أوبن إيه آي» تعمل مع «أنثروبيك» و«غوغل» على إنشاء هيئة للإشراف على مخاطر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

وعاد الخلاف حول الذكاء الاصطناعي إلى الواجهة بعد أن حذر باحثان من «أنثروبيك» من أن التكنولوجيا التي تتقدم بسرعة قد تؤدي إلى انقراض البشرية في مستقبل غير بعيد.

كما دعا داريو أمودي الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك» الشركات إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي.

لكن ذلك أثار خلافاً دولياً حول ما إذا كان لدى بعض المسؤولين التنفيذيين دوافع خفية، مثل وضع قواعد تحافظ على تقدم شركات بعينها، أو التحرك الآن لتفادي رد فعل حكومي أوسع، أو ببساطة إبطاء الإنفاق في السباق لتطوير الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن من غير المتوقع أن يسفر الاجتماع في اسكوتلندا عن أي اتفاقات ملزمة، ولا يعرف عن الملك تشارلز امتلاكه خبرة تكنولوجية، فإنه يسلط الضوء على كيفية استخدامه لمكانته، منذ أن كان أميراً لويلز إلى أن صار ملكاً، لجمع الأطراف لمناقشة مجموعة من القضايا العالمية.

وفي إشارات إلى المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حذر الملك تشارلز أيضاً من الأثر المحتمل على البيئة، في امتداد لحملات يتبناها منذ عشرات السنين لحماية الطبيعة.

وقال قصر بكنغهام إن المناقشات ستتناول ما إذا كان من الممكن أن توجه مجموعة مشتركة من المبادئ الاستخدام المستقبلي للذكاء الاصطناعي «ليس فقط بوصفه محركاً للقدرة والكفاءة، بل أداة تصون الكرامة الإنسانية، وتسهم في ازدهار الناس والكوكب».