قبل أيام قليلة على احتفال روسيا بعيد النصر على النازية، وفي ظل تحضيرات واسعة للعرض العسكري الضخم الذي يقام تقليدياً في الساحة الحمراء وسط العاصمة موسكو، تلقى الروس تحذيراً أمنياً إضافياً مهماً، زاد تعقيد الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها موسكو لضمان أمن المناسبة الأهم في البلاد. إذ عكس استهداف العاصمة الروسية بمسيّرتين أوكرانيتين، الاثنين، مستوى الصعوبات التي ترافق التحضيرات الواسعة في البلاد.
وأعلن عمدة موسكو سيرغي سوبيانين أن الدفاعات الجوية الروسية تعاملت مع الهجوم، ونجحت في إسقاط المسيّرتين قبل بلوغهما الهدف، لكنّ الحادث رمى بظلال على الفعاليات النشطة التي تجري حالياً تحضيراً للاحتفالات الكبرى.
وكانت موسكو تحدثت عن تقليص محتمل في العرض العسكري الكبير الذي يحضره عادة الرئيس فلاديمير بوتين وزعماء من بلدان عدة. وأعاد الهجوم برغم فشله التذكير بأن سماء العاصمة الروسية ما زالت غير آمنة كفاية، بعدما كانت هجمات مماثلة استهدفت مطارات عدة مرات وأصابتها بشلل في حالات عدة، فضلاً عن استهداف متواصل لمنشآت تحتية للطاقة وتخزين الوقود والمعدات وغيرها من المواقع الروسية.
وكان الكرملين حذّر من مخاطر استمرار استهداف البنى التحتية للطاقة، وقال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف، مساء الاثنين، إن التهديد باستمرار ارتفاع أسعار النفط يتصاعد في حال تضررت البنية التحتية التصديرية للنفط الروسي جراء الضربات الأوكرانية. وجاء حديث بيسكوف رداً على تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التي قال فيها إن كييف رفضت طلبات الغرب بعدم استهداف البنية التحتية الروسية للنفط. وأشار بيسكوف في حديث صحافي إلى أن أسعار النفط مرتفعة بالفعل بسبب الأزمة في الشرق الأوسط، وأنها قد ترتفع بشكل أكبر في حال تعرض البنية التحتية التصديرية الروسية لأضرار من قبل كييف. وقال المتحدث الرئاسي: «لا أعلم إن كان هناك رفض من الأوروبيين أم لا، لكن الوضع الحالي يشير إلى أنه في ظل أزمة طاقة حادة جداً بسبب الأوضاع في مضيق هرمز، فإن كمية النفط في السوق أقل بكثير مما ينبغي، وإذا خرجت كميات إضافية من نفطنا من السوق، فإن الأسعار سترتفع أكثر مما هي عليه الآن، وهي حالياً تتجاوز 120 دولاراً للبرميل». وكان رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديميترييف قد أكد أن العالم يتجه نحو أكبر أزمة طاقة في التاريخ بسبب أسعار النفط القياسية.

دوافع سياسية
في غضون ذلك، برز تصعيد جديد في العلاقات الروسية - الأوروبية، الاثنين، وتعهدت موسكو بالرد بالمثل على قرار النمسا طرد ثلاثة دبلوماسيين روس. وقالت السفارة الروسية في فيينا في بيان إنها أحيطت علماً بقرار الخارجية النمساوية إعلان موظفين بالسفارة الروسية والبعثة الدائمة لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أشخاصاً غير مرغوب بهم، معربة عن استيائها من هذا القرار الذي وصفته بأنه «غير مبرر وذو دوافع سياسية وغير مقبول على الإطلاق». وأشارت السفارة إلى أن الخارجية النمساوية، في قرارها بطرد الدبلوماسيين الروس لم تقدم أي دليل على انتهاكاتهم المزعومة لاتفاقية فيينا.
وقالت السفارة الروسية إن «هذه التصرفات المتهورة للغاية من الجانب النمساوي سترد عليها موسكو بقوة دون أدنى شك»، محملة فيينا «كامل المسؤولية عن التدهور الكبير للعلاقات الثنائية التي وصلت بالفعل إلى أدنى مستوياتها في التاريخ الحديث». وكانت فيينا قد بررت قرارها بالاشتباه بنشاط تجسسي قام به الموظفون الروس، وتحدثت عن «شبكة هوائيات» على أسطح المباني الدبلوماسية، التي يحتمل استخدامها للتجسس، حسبما أفادت وكالة «رويترز».
وقالت وزيرة الخارجية النمساوية بيات ماينل - رايزينغر في بيان إنه «من غير المقبول استخدام الحصانة الدبلوماسية للتجسس». وبذلك ارتفع عدد الدبلوماسيين الروس الذين طردتهم النمسا منذ عام 2020 إلى 14 دبلوماسياً.
تكتل أشد عداوة
ويأتي هذا التطور في سياق تصعيد قوي في العلاقات الروسية - الأوروبية، خصوصاً بعد إقرار الاتحاد الأوروبي حزمة مساعدات مالية ضخمة لأوكرانيا، وإطلاق مناورات مشتركة قرب الحدود في بحر البلطيق. ووصف مسؤولون روس الاتحاد الأوروبي بأنه «يتحول سريعاً إلى تكتل عسكري أشد عداوة وأكثر خطراً من حلف شمال الأطلسي». وكانت موسكو قد حذرت في السابق من ميل النمسا إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ورأت أن التطور يشكل تهديداً خطيراً، بعدما صنفت فيينا روسيا بأنها تشكل تهديداً لأمن الاتحاد الأوروبي، ولمح سياسيون إلى احتمال انضمام البلاد إلى الحلف العسكري الغربي.

ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها تقدمت في الأجزاء الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية من بلدة كراسني ليمان في دونيتسك. وأكدت في حصيلة عسكرية يومية لمجريات المعارك أن الجيش الروسي نجح في تعزيز مواقعه على الأطراف الشرقية لمدينة راي - ألكساندريفكا، كما قام بقطع خطوط إمداد القوات المسلحة الأوكرانية قرب دوبروبيليا. وتواصل روسيا تقدمها على طول خطوط التماس، ورغم أن هذا التقدم بطيء لكنه ثابت وفقاً للمصادر العسكرية الروسية. وشنّت القوات الروسية، الاثنين، غارات على منشآت نقل يستخدمها الجيش الأوكراني في مناطق الإسناد قرب خطوط التماس. ومن بين الأهداف المدمرة وفقاً لبيان عسكري روسي «مستودعات ذخيرة، ومواقع تخزين طائرات مسيّرة، ومواقع انتشار مؤقتة للقوات المسلحة الأوكرانية ومرتزقة أجانب في 142 منطقة».

