نيكولا ساركوزي يندّد بـ«الفضيحة القضائية» التي تدخله السجن وهو «بريء»

ساركوزي ثالث حاكم فرنسي يدخل السجن بعد لويس السادس عشر وفيليب بيتان

ساركوزي في الطريق إلى السجن صباح الثلاثاء (أ.ف.ب)
ساركوزي في الطريق إلى السجن صباح الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

نيكولا ساركوزي يندّد بـ«الفضيحة القضائية» التي تدخله السجن وهو «بريء»

ساركوزي في الطريق إلى السجن صباح الثلاثاء (أ.ف.ب)
ساركوزي في الطريق إلى السجن صباح الثلاثاء (أ.ف.ب)

تسمر كثير من الفرنسيين صباح الثلاثاء، أمام أجهزة التلفزة؛ لمتابعة مجريات نهار استثنائي عنوانه دخول رئيس الجمهورية الأسبق، نيكولا ساركوزي إلى السجن بعد الحكم الذي صدر بحقه عن محكمة البداية، والقاضي بحبسه خمس سنوات بسبب فضيحة التمويل الليبي لحملته الرئاسية في عام 2007.

ورغم مسارعة فريق الدفاع عن ساركوزي، إلى الطعن بالحكم، والمطالبة بنقله إلى محكمة الاستئناف، فإن محكمة البداية قضت، بأن يساق إلى السجن بانتظار مثوله أمام محكمة الاستئناف في شهر مارس (آذار) المقبل بسبب ما عدّته، «خطورة الوقائع» المرتبطة بالفضيحة المذكورة، وكونه خصوصاً، زمن حصولها، وزيراً للداخلية ومرشحاً لرئاسة الجمهورية.

ويوم الثلاثاء، كان استثنائياً بكل المعايير بالنسبة للجهاز القضائي وللطبقة السياسية وللفرنسيين بشكل عام؛ ذلك أن سجن رئيس سابق لم يحصل قط في الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي أسسها الجنرال شارل ديغول في عام 1958.

وتاريخ فرنسا، منذ زمن الملكية، لم يشهد سوى حادثتين من هذا النوع، ولكن في ظروف استثنائية: المرة الأولى، بعد الثورة الفرنسية التي اندلعت صيف عام 1789... بعدها بأربع سنوات، ألقي القبض على الملك لويس السادس عشر وحوكم وأعدم في ساحة الكونكورد الشهيرة يوم 21 يناير (كانون الأول) عام 1793.

والثانية، عقب الحرب العالمية الثانية، حيث ألقي القبض على رئيس الدولة، المارشال فيليب بيتان، بطل الحرب العالمية الأولى، وحوكم بدءاً من شهر يوليو (تموز) عام 1945، وصدر بحقه حكم الإعدام بسبب ثبوت التهم الرئيسية التي وجهت إليه وهي «التعاون مع العدو والخيانة الوطنية».

قطعاً، لا تستقيم المقارنة بين حالة ساركوزي والحالتين الأخريين. الرئيس الأسبق لم «يتعاون مع العدو» ولم يخن فرنسا. لكن المحكمة رأت، أنه كان ضالعاً في تكوين «مجموعة أشرار» مع مقربين منه، للحصول على تمويل ليبي غير شرعي لحملته الانتخابية.

وطيلة المحاكمة، وحتى لحظة دخوله السجن، في الساعة التاسعة والنصف من صباح الثلاثاء، واصل ساركوزي التأكيد على أنه بريء، وأن المحكمة ترتكب بحقه «خطأ جسيماً».

وفي تغريدة صباحية على منصة «إكس»، ندَّد ساركوزي بـ«الفضيحة القضائية» التي بسببها يدخل السجن والتي انطلقت «منذ أكثر من عشر سنوات»، أي قبل انتهاء ولايته الرئاسية بفترة قصيرة «على أثاث وثيقة ثبت زيفها الآن». وبنظره، فإنه «من يُزجّ به في السجن هذا الصباح، ليس رئيساً سابقاً للجمهورية هو بل شخص بريء».

وبكلام آخر؛ وسعياً منه لتبرير نفسه واستجلاب العطف الحزبي والشعبي، يعدّ ساركوزي نفسه «ضحية للنظام القضائي» المعمول به فرنسياً. والحال، أن رئيس الجمهورية يعدّ «ضامناً» للسلطة القضائية، والحريص على أن تقوم بعملها دون تدخلات خارجية وبالسواسية بين الناس. ولدى كل محنة، كان ساركوزي الذي تمت إدانته في ثلاث قضايا، واضطر في إحداها إلى قبول إلباسه سواراً إلكترونياً، كان يلجأ إلى الحجج نفسها، بل هدد في إحداها باللجوء إلى القضاء الأوروبي بسبب ما رآه ظلماً حل به.

3 من أبناء الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي جاءوا إلى منزل والدهم لمواكبته (رويترز)

حقيقة الأمر، أن دخول الرئيس الأسبق السجن، جاء شبيهاً بمسرحية ضُبطت فصولها بدقة. فمنذ الصباح الباكر، تجمع مئات عدة من مناصريه في جوار بيته القائم في الدائرة الـ16 في باريس، للتعبير عن دعمهم وتأييدهم له، ليخرج بعد ذلك ممسكاً بيد عقيلته المغنية كارلا بروني، ومصحوباً بأولاده الخمسة (من ثلاث زيجات). ورغم سعيه لإظهار برودة أعصابه، من خلال تحية مناصريه ومصافحة بعضهم وتقبيل بعضهن، والتصفيق الذي رافق توجهه إلى السيارة التي حملته إلى سجن «لا سانتيه» الواقع وسط باريس، فقد بدا شاحباً ومتوتراً. فما بين دخوله منتصراً إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2007، وولوجه المهين إلى السجن، ثمة محيط يفصل بينهما، لا تكفي كلماته الرنانة لمحوه.

ساركوزي وزوجته أمام مؤيدين قبل التوجه إلى السجن (رويترز)

فساركوزي سجين كبقية السجناء، وقد اختيرت له زنزانة فردية (مساحتها 11 متراً مربعاً وبدائية الأثاث)، بحيث يكون معزولاً عن بقية السجناء لحمايته من أي اعتداء. وسيطبَّق عليه «البروتوكول» المعتمد في السجن المذكور، بحيث يحق له الخروج مرة واحدة في اليوم إلى الهواء الطلق، وله الحق بزيارتين أسبوعيتين، فضلاً عن التقاء محاميه كلما دعت الحاجة... وأكد، أنه ينوي تأليف كتاب حول هذه التجربة المريرة التي يعاني منها، لكنه يواجهها «بقوة ثابتة لا تتزعزع». ورغم ذلك، فإنه يشعر «بألم عميق من أجل فرنسا، التي أُهينت من خلال تعبير عن انتقام بلغ درجة غير مسبوقة من الكراهية».

لاكتمال فصول المسرحية، تتعين الإشارة إلى اللغة النارية التي استخدمها محامياه جان ميشال داروا وكريستوف إنغران في مؤتمر صحافي مرتجل أمام باب السجن: الأول، عدّ الثلاثاء «يوماً مشؤوماً بالنسبة لساركوزي ولفرنسا»، وأن سجنه بمثابة «العار» الذي يحلّ بفرنسا. والآخر أكد، أن الدفاع قدم التماساً إلى قاضي محكمة الاستئناف؛ للإفراج سريعاً عن ساركوزي، مفنداً الحجج التي استندت إليها محكمة البداية، لتبرير زجه في السجن. وكشف المحامي إنغران، عن أن محكمة الاستئناف يمكن أن تبت بطلب الإفراج خلال مدة تتراوح ما بين شهر أو شهرين؛ ما يعني عملياً أن ساركوزي لن يخرج من سجن «لا سانتيه» قبل مرور شهر على الأقل.

الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي وعقيلته كارلا بروني خارجان صباح الثلاثاء من منزلهما قبل توجه الأول إلى سجن «لا سانتيه» (إ.ب.أ)

بينت قضية ساركوزي، أن فرنسا منقسمة على نفسها. فاليمين بجناحيه المعتدل والمتطرف، ما انفك عن مهاجمة الحكم القضائي، في حين اليسار تلطى وراء استقلالية العدالة. وبرز ذلك بعنف، من خلال معالجة وسائل الإعلام المختلفة لما تحوّل قضيةً زاد من وهجها تدخل رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون ووزير العدل جيرالد دارمانان. فماكرون لم يتردد في دعوة ساركوزي لزيارة قصر الإليزيه ولعقد لقاء معه دام نحو الساعة. ولتبرير اللقاء، قال من سلوفينيا، حيث كان في زيارة رسمية، إنه «كان من الطبيعي، إنسانياً وفي هذا السياق، أن أستقبل أحد الذين سبقوني إلى رئاسة الجمهورية». وقال لاحقاً، بمناسبة مؤتمر صحافي مع نظيره السلوفيني، إن الجدل بشأن طلب المحكمة «التنفيذ المؤقت للسجن» رغم وجود طلب الاستئناف «نقاش مشروع... لكنه يجب أن يدار بهدوء وبمعزل عن الحالات الفردية».

ماكرون يودّع ساركوزي بعد استقباله في الإليزيه (أ.ف.ب)

إلا أن بادرة ماكرون لم ترق للجميع. فأمين عام الحزب الاشتراكي هاجمه بسبب استقباله ساركوزي قبل يومين من دخوله السجن، ورأى أن ما قام به يعدّ «أمراً شاذاً وممارسة ضغوط على القضاء» لصالح ساركوزي.

وأضاف: «إن رؤية ماكرون يستقبل ساركوزي في قصر الإليزيه، ورؤية وزير العدل دارمانان يعلن أنه سيزوره في السجن، تعدان، بكل وضوح، ضغطاً يُمارس على السلطة القضائية، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق»، قائلاً إن «استقلالية القضاء تتعرض للهجوم».

صباح الاثنين، قال دارمانان إنه عازم على زيارة ساركوزي في السجن؛ ما أفضى إلى ردود أفعال قوية، أبرزها جاء من ريمي هيتز، أعلى مدعٍ عام في فرنسا، الذي رأى في ذلك «مساساً باستقلالية القضاء». وحذَّر في تصريح صباحي لإذاعة «فرنس إنفو»، من أن مثل هذه الزيارة قد تُحدث «خطراً بعرقلة الهدوء» قبيل الاستحقاقات القضائية المقبلة في قضية ساركوزي.

سجن «لا سانتيه» وسط باريس الذي نُقل إليه ساركوزي (رويترز)

كذلك، فإن لودوفيك فريات، رئيس نقابة «الاتحاد النقابي للقضاة» وهي الأكثر تمثيلاً للسلك القضائي في فرنسا، عبر عن قلقه مما عدَّه «خلطاً واضحاً بين الأدوار». وأضاف: «لا نعرف ما إذا كانت هذه الزيارة بصفته صديقاً (لساركوزي) أم بصفته وزيراً للعدل».


مقالات ذات صلة

المغرب: حقوقيون ينادون بضمان نزاهة الانتخابات التشريعية

شمال افريقيا من حملة الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر الجاري وسط العاصمة الرباط (إ.ب.أ)

المغرب: حقوقيون ينادون بضمان نزاهة الانتخابات التشريعية

طالبت «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» بضمان نزاهة الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 سبتمبر (أيلول) الجاري؛ وذلك بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
أوروبا أولكسندر كليمنكو رئيس مكتب المدعي العام المتخصص لمكافحة الفساد في أوكرانيا يحضر مؤتمراً صحافياً في كييف 14 سبتمبر 2026 (رويترز)

البرلمان الأوكراني يقيل المدعي العام بسبب اتهامات بالفساد

صوّت البرلمان الأوكراني لصالح إقالة المدعي العام رسلان كرافتشينكو، اليوم الثلاثاء، على خلفية فضيحة فساد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد في خطاب في مدينة ريزا شمال تركيا ثقته في الفوز بالانتخابات المقبلة (الرئاسة التركية)

إردوغان يشعل تكهنات الانتخابات التركية المبكرة والمعارضة تؤكد جاهزيتها

أشعل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التكهنات حول انتخابات مبكرة قد تجرى في مارس (آذار) 2027، وأكدت المعارضة جاهزيتها للفوز بها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو خلال تصريح للصحافيين بعد إدلائه بإفادته الاثنين في تحقيق بتهمة «إهانة الرئيس» (إعلام تركي)

داود أوغلو يؤكد تمسكه بما قاله عن إردوغان... ومواصلة انتقاداته

أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو أنه سيواصل التعبير عن آرائه وانتقاداته كعهده مع الشعب رغم التحقيق معه بتهم "إهانة الرئيس" إردوغان

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا المدعي العام الأوكراني روسلان كرافشنكو (رويترز) p-circle

المدعي العام الأوكراني يستقيل على خلفية اتهامات بالفساد

استقال المدعي العام الأوكراني على خلفية اتهامات بالفساد، بعدما قام عناصر من مكتب مكافحة الفساد بتفتيش مكاتبه في إطار تحقيقات تتعلق بمراكز اتصالات غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (كييف )

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
TT

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)

حصل الزعيم الشيشاني، رمضان قديروف، على 99.85 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية بجمهورية الشيشان الروسية الواقعة في منطقة شمال القوقاز.

وذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، الاثنين، أن النسبة التي أعلنتها لجنة الانتخابات جاءت أعلى حتى من النسبة المسجلة في الانتخابات السابقة عام 2021، التي بلغت 99.73 في المائة.

ويحكم قديروف منطقة الشيشان المضطربة بقبضة حديدية منذ أكثر من 20 عاماً، بدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ووثق نشطاء في مجال الحقوق المدنية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعمليات قتل استهدفت منتقدي النظام.

في الوقت نفسه، تتردد تقارير تزعم أن قديروف يعاني أمراضاً خطيرة، بينما يسعى علناً إلى تهيئة ابنه آدم، البالغ من العمر 18 عاماً، ليكون خليفة «محتملاً» له.

وجاء صعود قديروف إلى السلطة عقب مقتل والده أحمد قديروف في تفجير عام 2004 نفذه متمردون عدّوه منقلباً عليهم.


«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
TT

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

لم تحمل نتائج الانتخابات العامة في روسيا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية في روسيا. ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال عالية للغاية رغم تأثيرات الحرب وتداعياتها في كل المدن الروسية تقريباً، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي تجديداً كاملاً للولاء وتأييد سياساته بعد مرور عامين على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد للبلاد.

ودلت النتائج الأولية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية، صباح الاثنين، إلى أن الحزب الحاكم وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة الأخرى التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربح تصويتاً شعبياً على خياراته السياسية (أ.ف.ب)

سيطرة مطلقة

بهذه النتائج، التي ينتظر أن تُعلن رسمياً في 25 سبتمبر (أيلول) حصد حزب «روسيا الموحدة» رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأخرى التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

ومن المتوقع، وفقاً للنتائج المعلنة، أن يحصد الحزب الشيوعي الذي حل في المرتبة الثانية 40 مقعداً، يليه الحزب الليبرالي الديمقراطي 25 مقعداً، وحزب «الشعب الجديد» 20 مقعداً، ثم حزبا «روسيا العادلة» 4 مقاعد، و«رودينا» (الوطن) بمقعد واحد. واللافت، أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق؛ ما دل إلى أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار. وقد حصل حزب روسيا الموحدة على 57.8 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف خلال مؤتمر صحافي في موسكو الاثنين (أ.ب)

إقبال قياسي

لكن النسب المعلنة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ اذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها إلى حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خياري: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات. ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

وأكدت ايلا بامفيلوفا، رئيسة لجنة الانتخابات أن الحملة الانتخابية «جرت بأقصى قدر من النزاهة، رغم كل التحديات».

وأشارت إلى مشاركة أكثر من 336 ألف مراقب، من بينهم مراقبون من دول أخرى، في مراكز الاقتراع.

وقالت إنه لم تُسجّل أي حالة إبطال لنتائج التصويت.

علماً بأنه مع غياب المراقبين الغربيين، فقد أشرف على الانتخابات ممثلون عن 12 مؤسسة إقليمية في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

مراسلون وصحافيون يعملون داخل المقر الرئيسي للجنة الانتخابات المركزية بعد إغلاق مراكز الاقتراع في موسكو الأحد (أ.ف.ب)

وقالت بامفيلوفا: «الأمر المثير للدهشة، ورغم كل التحديات والتهديدات والصعوبات والتضحيات، وللأسف، الخسائر البشرية التي تكبدناها، فقد جرت الحملة بأقصى قدر من النزاهة والهدوء».

وأشارت إلى أن التصويت «كان من أصعب الانتخابات بسبب الهجمات الإلكترونية غير المسبوقة». وشكرت بامفيلوفا أجهزة إنفاذ القانون والخدمات الأمنية على ضمان الأمن. مؤكدة أن مسار هذه الحملة الانتخابية «يُسهم في تعزيز روسيا وتمكينها وتنميتها».

انتخابات تحت النار

وكان اليوم الثالث للانتخابات جرى بشكل متوتر جداً؛ بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات؛ ما أسفر عن مقتل شخصين واندلاع حريق في مصفاة للنفط.

مركز تجاري أصيب بهجوم روسي خلال الليل بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الاثنين (إ.ب.أ)

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق» و«خُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح»، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت أكثر من 1600 مسيّرة، بينها «450 كانت متجهة نحو موسكو».

في المقابل، أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالضربات. وقال: «كان لعملياتنا البعيدة المدى تأثير كبير جداً في منطقة موسكو الليلة الماضية»، مؤكداً استخدام نحو عشرة أنواع مختلفة من الأسلحة. وأعلن زيلينسكي أنه اتفق مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على عقد لقاء في نيويورك، وذلك عقب محادثة هاتفية جرت بينهما الأحد.

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت «أكثر من ألف» موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت «البنية التحتية للاتصالات في روسيا عموماً». وقالت بامفيلوفا إن «الهجمات نفذتها مجموعات محترفة للغاية ومنسقة بشكل جيد تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي»، مشيرة إلى محاولات تحمل «مؤشرات إلى تدخل أوكراني».

شرطيان أمام مبنى سكني أصيب بهجوم طائرة مسيَّرة روسية خلال الليل في مدينة زابوريجيا الأوكرانية الاثنين (رويترز)

استعدادات للمفاوضات

وفي أول رسالة سياسية بعد الانتخابات، واستباقاً للقاء ترمب مع زيلينسكي، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أمل موسكو في العودة إلى المفاوضات الثلاثية بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا.

وقال بيسكوف في تصريحات صحافية، الاثنين: «نحن منفتحون على استئناف المفاوضات الثلاثية. صحيح، نحن نواصل العملية العسكرية الخاصة، وعسكريونا يعملون لتحقيق الأهداف المنشودة. لكننا نأمل في أن نتوصل في النهاية إلى استئناف المفاوضات الثلاثية». وأضاف: «سنقوم بمحاولة أخرى لتحقيق أهدافنا بالوسائل السلمية».

لكنه تجنب في الوقت ذاته التعبير عن تفاؤل بنجاح الجهود الأميركية، وعندما سُئل عن الفرص الحقيقية لتحقيق اختراق سياسي قريباً يطلق جولات تفاوض جديدة قال: «لا، لا يوجد أي تقدم (بهذا الشأن حالياً)».

وفي وقت سابق، صرح جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، أن اللقاءات التي أجراها والمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف في موسكو وكييف منحت الولايات المتحدة تصوراً واضحاً للمسار الذي قد يقود إلى تسوية طويلة الأمد للنزاع، مشيراً إلى أن هذه اللقاءات أثمرت أفكاراً جديدة يمكن طرحها خلال لقاء ثلاثي يعقد قريباً.


قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وسط تقديرات بأن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا، في حين حذّر مسؤولون آخرون من المبالغة في الحديث عن هجوم وشيك.

وتأتي التحذيرات بعدما أبلغ رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك البرلمان بأن تقديرات استخباراتية تشير إلى احتمال شن روسيا هجوماً بطائرات مسيّرة أو صواريخ على أراضي «ناتو» خلال الأشهر المقبلة، في محاولة لإثبات أن «المادة الخامسة نظرية أكثر منها عملية». ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه التحذيرات بأنها «سليمة وموثَّقة جيداً».

وفي مقابلات أجرتها صحيفة «الغارديان» مع ثلاثة من قادة أجهزة الاستخبارات الأوروبية، قال ميخال كوديلكا، رئيس جهاز الأمن والمعلومات التشيكي، إن التحركات الروسية المحتملة قد تشمل زيادة نشاط المسيّرات أو توغلاً محدوداً داخل أراضي دولة عضو في «ناتو» تُتاخم روسيا.

وأضاف أن السيناريوهات المحتملة تشمل «توغلاً محدوداً، أو استفزازات تحت راية زائفة، أو حملة تأثير واسعة النطاق»، مشيراً إلى أن ذلك قد يحدث خلال «أشهر لا سنوات».

في المقابل، أبدى مسؤولون في دول البلطيق حذراً أكبر إزاء احتمال وقوع هجوم قريب. وقال نورموندس ميجفيتس، المدير العام لجهاز أمن الدولة في لاتفيا: «لا نرى مؤشرات على هجوم وشيك»، لكنه أقرّ بوجود دلائل على أن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا.

وأوضح أن من غير الواضح ما إذا كانت لدى روسيا خطط مباشرة ومحددة، أم أن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لنشر الخوف وعدم اليقين في المجتمعات الغربية.

ويشير التقرير إلى أن المخاوف الأوروبية لا تقتصر على احتمال حدوث مواجهة عسكرية مباشرة؛ إذ تتهم أجهزة استخبارات غربية موسكو بتنفيذ حملة تخريب في دول داعمة لأوكرانيا، إلى جانب عمليات يُعتقد أنها تهدف إلى اختبار حدود رد فعل «ناتو».

ووصف كوديلكا النهج الروسي بأنه «التصعيد من أجل خفض التصعيد»، عادَّاً أن موسكو تسعى إلى الضغط على نقاط الضعف في المجتمعات الغربية وتقليص دعمها لأوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، لا ترى أجهزة استخبارات أوروبية مؤشرات على استعداد موسكو للدخول في مفاوضات سلام جدية بشأن أوكرانيا. وقال توماس نيلسون، رئيس جهاز الاستخبارات والأمن العسكري السويدي: «لم أرَ أي مؤشرات على وجود تفكير جدي في موسكو بشأن مفاوضات حقيقية»، مضيفاً أن روسيا لا تزال تعتقد أنها قادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

واتفق مسؤولو الاستخبارات الذين تحدثت إليهم الصحيفة على أن عمليات التخريب الروسية في أوروبا قد تتصاعد، مع انتقالها من عمليات عشوائية تهدف إلى إثارة الذعر إلى استهداف منشآت مرتبطة بالدعم الغربي لأوكرانيا.

وقال ميجفيتس إن هذه الأهداف تشمل البنية التحتية للسكك الحديدية والمنشآت المرتبطة بدعم أوكرانيا، مع تحول متزايد نحو الصناعات الدفاعية.

ويرى المسؤولون أن هذه الأنشطة تهدف، إلى جانب إلحاق أضرار مادية، إلى تقليص الدعم لأوكرانيا وإحداث انقسامات داخل «ناتو» وإثارة القلق في المجتمعات الأوروبية، فضلاً عن استنزاف موارد أجهزة الاستخبارات عبر إجبارها على التعامل مع كل حريق أو عطل بوصفه تهديداً محتملاً.